الرَّدُّ الْوَجيزُ عَلَى مُنْكِري التَّقليدِ

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

عنوان المحاضرة: الرَّدُّ الْوَجيزُ عَلَى مُنْكِري التَّقليدِ

تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿   فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ  .[1]

مباحث الآية الكريمة

المبحث الأول: ما هو التقليد، وما حكمه؟

المطلب الأول: ما هو التقليد؟

  لقد شرع الله سبحانه في الشريعة الإسلامية أحكاماً تحتوي على واجبات ومحرمات ومستحبات ومكروهات، والعلم الذي يجمعها يُسمى بالفقه، فتطبيق الأحكام يهدف إلى سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، فلو لم يلتزم بها الإنسان، لا يصل إلى السعادة المنشودة ولا يأمن من عذاب عصيانها.

 ولأهمية الفقه البالغة، فلقد أمرتنا الشريعة بالتفقّه في الدين، وحذَّرت المقصّر في ذلك بالعقوبة والعذاب الإلهي، روي عن الإمام الباقر عليه السلام: «لو أُتيت بشابٍّ من شباب الشيعة لا يتفقه لأدّبته».[2]

ولذا فإن طريق السعادة والنجاة يتمثل بتطبيق كل الأحكام الشرعية، ولكن يا ترى بماذا أمرنا الله، وعن ماذا نهانا؟

 (نعم، بعض ما أمرنا به واضح في الشريعة نستطيع من خلال ما تربَّينا عليه أن نشخّصه كوجوب الصلاة والصيام والحج، وبعض ما نهانا عنه واضح كحرمة الكذب والقتل والسرقة، والكثير الكثير ما بين هذه وتلك من الواجبات والمحرمات، ستبقى مجهولة للكثيرين.

 نحن نعرف أن الشريعة الإسلامية قد ألمَّت بجميع جوانب حياتنا المختلفة، فوضعت لكل واقعة منها حكماً، فكيف سنعرف حكمنا الشرعي ونحن نمارس نشاطاتنا الحياتية المختلفة من الانشغال بالدراسة والعمل والتربية والمهن..إلخ    كيف سنعرف أن هذا الفعل يحله الشارع المقدس فنباشره، وأن هذا العمل يحرمه الشارع المقدس فننأى عنه ونجانبه؟!

 إذاً الحل يكون بالرجوع إلى المتخصصين في هذا العلم أي: (الفقهاء)، فنأخذ أحكامنا منهم.. (أي: نقلدهم).

  فمعنى التقليد هو: أن نرجع إلى فقيه لنطبق فتواه، فنفعل ما انتهى رأيه إلى فعله، ونترك ما انتهى رأيه إلى تركه، من دون تفكير، وإعادة نظر، وتمحيص، فكأننا وضعنا عملنا في رقبته (كالقلادة) محملين إياه مسؤولية عملنا أمام الله).[3]

 وقد أشارت جملة من الروايات إلى هذا المعنى، نذكر منها: معتبرة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: «كان أبو عبد الله عليه السلام قاعداً في حلقة ربيعةَ الرأي، فجاء الأعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه، فلمَّا سكت، قال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يردّ عليه شيئاً، فأعاد المسألة عليه، فأجابه بمثل ذلك، فقال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: هو في عنقه قال أو لم يقل، وكلّ مفتٍ ضامن».[4]

 (وقد احتاطت الشريعة للتقليد احتياطاً كبيراً ففرضت على المكلف أن يقلّد أعلم المتخصصين في حالة اختلاف آرائهم وأن لا يقلّد إلا من كان عادلاً لا يميل عن الشرع إلى هواه خطوة في كبيرة أو صغيرة؛ لكي يضمن المقلد بذلك أكبر درجة ممكنة من الصواب في رأي مرجعه الديني، وأمرته في اللحظة التي يجد فيها الأكفأ والأعلم من مقلده السابق أن يعدل إليه، كل ذلك للابتعاد بالتقليد من معنى المتابعة العمياء والتعصب المذموم).[5]

المطلب الثاني: الحكم الشرعي للتقليد

  إن الحكم الشرعي للتقليد هو: أنه واجب على كلِّ مكلّف غير مجتهدٍ ولا محتاط. والمقصود بالاجتهاد: استنباط الحكم الشرعي من مداركه المقرّرة.[6]

 والمقصود بالاحتياط العمل الذي يتيقَّن معه ببراءة الذمّة من الواقع المجهول، وهذا هو الاحتياط المطلق، ويقابله الاحتياط النسبي، كالاحتياط بين فتاوى مجتهدين يُعلم إجمالاً بأعلميَّة أحدهم.[7]

 ويترتب على ترك الطرق الثلاثة بطلان أعماله، يقول الفقهاء ومنهم سماحة السيد السيستاني (دام ظله) في كتابه منهاج الصالحين في مسألة(2) ما نصه: (عمل غير المجتهد بلا تقليد ولا احتياط باطل، ….)[8]

 فقوله: (عمل غير المجتهد بلا تقليد ولا احتياط باطل) بمعنى أن المكلَّف غير المجتهد -أي لم يصل لدرجة الاجتهاد-وغير العامل بالاحتياط، وغير العامل بالتقليد عمله باطل… وليس المقصود بالبطلان هو بطلان كل أعمال المكلف ولو كانت موافقة لأحكام الشريعة ووجوب إعادتها كلها، بل المعنى ذكره سماحة السيد السيستاني دام ظله في نفس المسألة بقوله: (… بمعنى أنّه لا يجوز له الاجتزاء به ما لم ‏يعلم بمطابقته للواقع، إلّا أن يحصل له العلم بموافقته لفتوى من يجب عليه تقليده فعلاً..).[9]

‌ وللتوضيح نذكر المثال الآتي: مكلّف لمُدَّة سنوات كان يصلي ويصوم وينفق بدون تقليد، فهل أعماله صحيحة أم باطلة؟

 الجواب: حتى يعرف المكلف ذلك وجب عليه أن يقارنها مع فتاوى أعلم مراجع التقليد في حياته، فإذا تبين أنها موافقة لفتاواه فهي صحيحة، ولكن المشكلة تكمُن فيما لو كانت أعماله مخالفة للشرع، فتارة الخلاف يكون في نقطة يعذر فيها الجاهل القاصر كمن كان لا يصوم لأنه لا يعرف أن الصوم واجب شرعاً، وأخرى لا يعذر فيها الجاهل فيترتب عليها البطلان ووجوب إصلاحها كقضائها.. فلو كان يصلي لمُدَّة سنوات ولم يعرف أن (تكبيرة الإحرام) واجبة فلم يأتِ بها فهنا صلاته باطلة ووجب قضاؤها سواءً أكان جاهلاً أو عامداً، وإذا أصرّ على أداء أعماله بدون تقليد فيوم القيامة لن يعذره الله تعالى فيما لو تبين أن بعض أعماله باطلة، روي أنه سُئل جعفر بن محمد عليهما السلام عن قوله تعالى:﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾فقال: «إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدي أكنت عالماً؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنتُ جاهلاً، قال له: أفلا تعلمت حتى نعمل؟ فيخصم فتلك الحجة البالغة». [10]

المبحث الثاني: الرد على مُبرِّرات منكري التقليد

  في هذا المبحث سنتكلم عن المبررات أي: المسوغات والأعذار التي يحتجّ بها أشخاص من أجل إقناع الناس وحثهم على ترك التقليد، والذي يترتب عليه ضياع الدين وخسران الدنيا والآخرة.

 المُبرِّر الأول: لا توجد أدلة تثبت وجوب التقليد، فلذا لا داعي لتقليد مراجع الدين!!

 ذكرنا لا بدّ للمكلّف -إذا لم يكن أهلاً للاجتهاد أو الاحتياط-من التقليد لمعرفة الحكم الشرعي والوظيفة العملية، بمعنى رجوع المكلَّف الجاهل بالأحكام إلى العالم بها، ويستدلّ على ذلك بعدّة أدلّة، منها:

أولاً: الدليل العقلي على وجوب التقليد

  إن رجوع الجاهل للعالِم من الأحكام الفطريّة والعقليّة، وعلى الإنسان‌ أن يرجع إلى أهل الفنّ في كلّ أمر ليس له فيه تخصّص أو بصيرة، فيتّبع إرشاداتهم الواعية، فيرفع بها جهله ويمهّد بها سبيله، فإن قال: (إنّني لا أرجع إلى أهل الفنّ حتّى أفهم دليل ذلك) فإنّه سيكون قد ألقى بنفسه في ألف مخاطرة وتهلكة.

 لقد أوتينا قليلًا من العلم، فكيف سيمكن للإنسان أن يقف بشكل كامل على كلّ علم من علوم الدنيا ومن العلوم الإلهيّة والعلوم المجرَّدة لعالم الملكوت، ثمَّ يكون في صدد العمل والفعل؟!

 ذاك أمر محال، لأنّ وجود الإنسان محدود، ولن يمكنه من الإحاطة بالعلوم غير المحدودة.

 إنّ المريض الذي يُراجع الطبيب لا يمكنه أن يقول له: إنَّني لن أستعمل الدواء الذي تريد إعطاءه حتّى أعلم ما هو، وما هي تركيباته، وممَّ استُخلصتْ موادّه، وما الفعل والانفعالات التي سيؤثرها في بدني؟ ولو قال ذلك، فلن يكون أمام الطبيب من سبيل إلّا أن يقول له: لا تستعمل الدواء، واذهب لتموت!

 الطبيب يقول: لقد درستُ وطالعتُ سنين طويلة حتّى حصلت على الخبرة، ولقد أنفقت عمري حتّى فهمتُ وأدركت؛ وعليك أنت أيضاً وفق هذا المنوال أن تقضي العمر في المطالعة والتجربة لتفهم دليل ذلك!

 لكنّك لم تفعل شيئاً من هذا، وها أنت مريض قد راجعتني بعد ثقتك بإخلاصي وخبرتي، وعليك بحكم الفطرة والعقل أن تُسلِّم أمرك لي وتقلّدني دون مناقشة، فليس هنا مكان لـــ(لِمَ و بِمَ و لعلّ و لكنّ)!

 فإن أصغى المريض لكلام الطبيب هذا، فسينقذ حياته ويحصل على حياة جديدة، وإلّا فإنَّه سيسلك طريق الهلاك ويحفر قبره بيده.

 وفي موسم الحجّ تتوجّه القوافل إلى بيت الله الحرام، فإن جلس أحد المسافرين في زاوية من المطار قائلًا: إنّني لن أصعد إلى الطائرة حتّى أعلم كيف تتحرّك، وأعلم أي خاصيّة للتحريك يوجدها البنزين في محرّكها، وكيف يتمّ تبديل البنزين إلى الغاز، أبواسطة المراوح أم بالامتصاص؟ وأعلم أساساً كيف تقوم المكابس فيها بتحشيد الهواء وضغطه، وكيف تقوم بإخراجه؟ وكيف يتمّ نقل حركة المكبس إلى محور التدوير في محرّك الطائرة؟ وأسئلة أخرى عن آلاف التفاصيل الدقيقة الكهربائيّة والميكانيكيّة ولفيزيائيّة والكيميائيّة وغيرها، التي صرف في كلٍّ منها آلاف الأشخاص سنين طويلة من عمرهم فحصلوا على الخبرة والعلم فيها.

 فسيُقال في جوابه: لعلك مُختبط قد اضطربت حواسك! تعالَ واركب، فالطائرة ستتحرّك الآن، بينما ستبقى جالساً في زاوية الجهل هذه، حسناً، فلتجلس وتفكر ثمّ اركب بعد ذلك! ثم تتحرّك الطائرة بالحجّاج فيقومون بأداء مناسك بيت الله الحرام، ويتشرّفون بزيارة المدينة المنوّرة ثمّ يعودون، بينما هذا السيّد لا يزال جالساً في زاوية المطار مشغولاً في التفكير وفي الحصول على برهان ودليل، وكفى به جهلاً يؤدِّي إلى البؤس والتخلّف عن قافلة عالم الوجود، وإلى الحرمان من آلاف العبادات السمعيّة والبصريّة واللسانيّة، ومن مشاهدة الآيات الإلهيّة التي وجدت طوال هذا السفر.

 إذَاً فعلى من يريد بناء عمارة ما، أن يذهب إلى المهندس المختصّ، وعلى من يريد خياطة لباس ما أن يراجع الخيّاط. أفيمكنك ترى أن تقول للمهندس وللخياط: ليس لكما الحقّ في الشروع في عملي هذا ما لم تعلّماني تفاصيله وأسراره وتقوما بشرحها لي؟

 وعلى ضوء ذلك لا يمكن لأيّ إنسان يريد العيش في هذه الدنيا بهذا العمر القصير وبهذه الفرص الضئيلة والحدود والقيود التي لا تُحصى، أن يُجيز لنفسه الاجتهاد والتخصّص في جميع الفنون، وعليه حتماً أن يقلّد في كثير من الفنون، بل في معظمها، فيرجع فيها إلى المختصّ في ذلك الفنّ ويتبعه، وإذا ما كان الإنسان أخصائيّاً في أحد الفنون، فإنّه مقلّد في الباقي.[11]

 وهذا الأمر ينطبق على من يريد معرفة الأحكام الشرعية، فهذه المعرفة تحتاج للرجوع إلى المتخصص المجتهد وأخذ الأحكام منه، والتي تسمى بالتقليد.

ثانياً: دليل الحصر والترديد على وجوب التقليد

  ومضمون هذا الدليل أنه ليس هناك أي بديل محتمل شرعاً -لأغلب الناس-في طريق معرفة الحكم الشرعي غير طريق تقليد الفقهاء المجتهدين، وإذا أردنا أن نفترض وجود بدائل فيمكن حصرها في عدة نقاط وهي:

البديل الأول: الرجوع للإمام المعصوم مباشرة وأخذ الأحكام منه دون وسيط، وهذا الأمر لم يكن متحققاً في عصر الأئمة عليهم السلام لأن لا يستطيع كل الناس السكن بجنب الإمام ليسألوه عن ما يبتلون له، فكيف ونحن نعيش زمن غيبة الإمام المهدي عليه السلام؟!

البديل الثاني: أن يكون جميع الناس مجتهدين ويستطيعوا استنباط الحكم الشرعي من مصادر التشريع، وهذا تكليف بما لا يُطاق، وحاشا لله أن يوجب على جميع البشر ما يفوق وسعهم، قال تعالى:﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾.[12]

 فبلوغ درجة الاجتهاد من أصعب التخصصات العلمية ويحتاج الوصول إليه التفرغ لسنوات طوال قد تستغرق أربعين سنة أو أكثر، فإذا كان كذلك فكيف سيتمكن الناس من التفرغ لتخصصات أخرى كالطب والهندسة وغيرها؟!، وهذا يعني توقف عجلة الحياة.

  ولذا فإن الله تعالى طلب أن يتخصص بعض الأفراد للاجتهاد دون بعضهم الآخر، قال تعالى:﴿ فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ ﴾.[13]

البديل الثالث: الاحتياط بين آراء الفقهاء وهو حبل النجاة إلا أنه متعسر على عامة الناس فضلاً عن كثير من طلبة الحوزة العلمية، فهو أصعب من العمل بالتقليد الذي يستلزم منه الرجوع إلى مجتهد واحد، بينما الاحتياط يحتاج إلى الاطلاع على رسائل عدة مجتهدين والمقارنة بين آرائهم في كل حكم والاحتياط في حال الاختلاف، مثال ذلك: لنفترض أن المسافة الشرعية التي تقصر فيها الصلاة على رأي بعض الفقهاء هي 44 كم، بينما يرى بعضهم الآخر من الفقهاء أنها 40 كم ولذا إذا أراد الصلاة في المسافة المحصورة ما بين (40-44) كم فإن الإحتياط يقتضي أن يأتي بها مرة قَصْراً ومرة تماماً.

 ومن خلال الاطلاع على البدائل الثلاثة نجد أن بعضها غير متحقق والآخر عسيراً، فلذا لا مفر من التقليد لغير المجتهد والمحتاط.

ثالثاً: الدليل القرآني على وجوب التقليد

  ونذكر منها هاتين الآيتين:

1. قوله تعالى:﴿ فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ ﴾[14]؛ فهذه الآية الكريمة دلَّت على وجوب الاجتهاد ـ الذي هو التفقُّه في الدّين ـ وأنّ هذا الوجوب على نحو الوجوب الكفائيّ لا العينيّ؛ لأنّها قالت بأنّ هذا الأمر إنّما يجب على طائفة من كلِّ فرقة، فهو وجوبٌ كفائيّ لا عينيّ.

  إنّ قوله تعالى:﴿ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ﴾يفيد وجوب الإنذار على المتفقِّهين، بمعنى: إنّ على الّذين هاجروا وسافروا إلى طلب العلم والتفقُّه في الديّن يجب عليهم أن يقوموا بمهمّة تحذير قومهم وإنذارهم من عدم الالتزام بالشّريعة إذا رجعوا إليهم، وهذا الإيجاب للإنذار على المتفقّهين يلزم منه إيجاب قبول إنذارهم من الطّرف الآخر، وإلا كان إيجاب الإنذار بدون إيجاب القبول لغواً وبلا فائدةٍ.[15]

2. قوله تعالى:﴿ فَاسأَلوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لا تَعلَمُونَ ﴾[16]؛ فانّه ظاهر في أنّ وظيفة الجاهل السؤال من العالم، والمنصرف إرادة السؤال للعمل، فيكشف عن حجّيّة الجواب.[17]

رابعاً: الدليل الروائي على وجوب التقليد

  الرِّوايات الشّريفة الواردة في جواز التّقليد، بل وجوبه على غير المجتهد والمحتاط كثيرةٌ جداً، نذكر منها:

1. عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: «أما ما سألت عنه -أرشدك الله وثبتك-إلى أن قال: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم».[18]

 وأمَّا المقصودُ برُواةِ الحديثِ الواردِ ذكرُهُم في مَتنِ الحديثِ فهمِ العُلماءِ والفُقهاءِ الذينَ يَستنبطونَ الأحكامَ مِن أحاديثِهِم (عليهمُ السّلامُ) وليسَ مُطلقَ الرّواةِ، قالَ المُحقّقُ النّراقيُّ في «مُستندِ الشّيعةِ»: (الظّاهرُ المُتبادَرُ منهُ: الرّاوي للحديثِ، المُستنبِطُ المُستخرِجُ منهُ الأحكامَ على الطّريقِ الذي ارتضاه الشّارعُ وأمرَ بهِ، لا مُطلقاً).[19]

 وفي تعليقٍ للسّيّدِ الخوئيّ (قُدّسَ سرّهُ) على التّوقيعِ المذكورِ، قالَ: (.. وأمّا التّعبيرُ فيهَا برواةِ الحديثِ دونَ العلماءِ أو الفقهاءِ، فلعلَّ السّرَّ فيهِ أنَّ عُلماءَ الشّيعةِ ليسَ لهُم رأيٌ مِن عندِ أنفسِهِم في قبالِ الأئمّةِ عليهم السلام فإنّهُم لا يَستندونَ إلى القياسِ والاستحسانِ والاستقراءِ النّاقصِ وغيرِ ذلكَ مِمَّا يَعتمدُ عليهِ المخالفونَ، وإنّمَا يُفتونَ بالرّواياتِ المأثورةِ عنهُم (عليهمُ السّلامُ) فهُم في الحقيقةِ ليسُوا إلَّا رواةَ حديثِهِم).[20]

2. رُوِيَ عن الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام أنَّهُ قال: «… فَأَمَّا مَنْ‏ كَانَ‏ مِنَ‏ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً عَلَى هَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْضُ فُقَهَاءِ الشِّيعَةِ لَا كُلَّهُمْ».[21]

3. الروايات التي يُرجع فيها الأئمة عوام الناس إلى بعض خواصهم، كقول الإمام الرِّضا عليه السلام لعبد العزيز المهتدي عندما سأله: «إنّي لا ألقاك في كلِّ وقتٍ، فممّن آخذ معالم ديني؟ فقال عليه السلام: خُذْ عن يونس بن عبد الرّحمن».[22]

 وكقول الرِّضا عليه السلام لعليّ بن المسيّب الهمدانيّ عندما سأله: «شقّتي بعيدةٌ، ولستُ أصلُ إليك في كلَّ وقتٍ، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال عليه السلام: من زكريا بن آدم القمّيّ المأمون على الدّين والدُّنيا».[23]

المُبرِّر الثاني: المتمثل بقول المدّعين لعوام الناس: أنت تأخذ قول المعصوم وتتبعه أم تأخذ قول المرجع وتتبعه وهو إنسان عادي يصيب ويخطأ؟

 لاحظوا المغالطة، يجعلون قول المعصوم في قبال قول المرجع وللأسف تنطلي هذه الشبهة على الكثير من البسطاء، فهو يريد أن يلمّح بأن المعصوم يقول شيء والمرجع يقول شيء آخر في قبال ما قاله المعصوم!

 فهنا الإنسان البسيط مباشرة يقول: لا، فأنا لا آخذ إلا قول المعصوم وهذا هو الصحيح… ولكن السؤال المطروح هو: هل أن قول المرجع قولٌ لا علاقة له بالمعصوم؟، أم هو ناقل لأقوال المعصوم بعد أن استنبط الأحكام الشرعية منها؟

 بعبارة أخرى: إنَّ هؤلاء يرفضون الاجتهاد، ويرفضون أن يكون هناك مراجع دين، ويرفضون أن يقلدهم الناس، ومن أسباب رفضهم لأنهم يعدّون الاجتهاد باطل..

 ولكي يتضح المطلب فأننا إذا رجعنا إلى الوقائع التاريخية التي حدثت في عهد الرسول صلى الله عليه وآله سنجد إن للصحابة فيها اجتهاد وإن اجتهادهم كان على نوعين:

أولاً: اجتهاد الرأي (اجتهاد باطل): وهو أن يتعرف الصحابي المصلحة في الفعل أو المفسدة فيُفتي وفق ما يرى، وهذا النوع من الاجتهاد لم يتفق عليه بين المسلمين حيث نفاه أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم.

 والوقائع عديدة منها لما مرض الرسول صلى الله عليه وآله قبل موته قال: «أئتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي) فقال عمر: إن رسول الله قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط، فقال النبي صلى الله عليه وآله: قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع»

 تخيلوا أن عمر يعارض قول الرسول صلى الله عليه وآله الذي قال عنه تعالى:﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ﴾[24]، وهذا النوع من الاجتهاد مرفوض حتماً جزماً، فأصحاب الرأي هم الذين يقولون: قال الله ورسوله وأنا أقول، أي: أنهم يفتون في دين الله بآرائهم وبحسب ما تمليه عليهم عقولهم، وأهواؤهم، من دون الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله.

 وأيضاً من أنواع الاجتهاد الباطل هو القياس الذي يستعمله بعضهم في حال عدم وجود نص شرعي، وهذا مرفوض في مذهبنا، روي أن الإمام الصادق عليه السلام قال لأبي حنيفة: «أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟ قال: قتل النفس، قال الإمام عليه السلام: فإن الله عز وجل قبل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة. ثم قال: أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة، قال عليه السلام: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فكيف ويحك يقوم لك قياسك؟ اتقِ الله ولا تقس الدين برأيك» [25]

 (وهذا النوع من الاجتهاد هو الذي يريد أن يبينه المنكر للتقليد أو هو يظن أن الاجتهاد في مدرسة أهل البيت يعتمد على مثل هذا النوع من الاجتهاد جهلاً منه أو تجاهلاً ليضل به الناس)[26]بينما علماؤنا لا يعملون بهذا النوع من الاجتهاد ويرفضونه، بل الاجتهاد الذي يقول به علماء الشيعة هو اجتهاد النص.

ثانياً: اجتهاد النص (اجتهاد جائز): وهو الاجتهاد في النص، أي: بذل الجهد في فهم النص -النص القرآني أو الروائي-فهو اجتهاد ضمن النص لا خارجاً عنه، فيُفتي وفق ما يفهم، وقد اتفقت كلمة المسلمين على مشروعيته وشرعيته.

 ومن الأمثلة لهذا ما ذكره الدكتور عمر سليمان الأشقر في كتابه (تاريخ الفقه الإسلامي) وهو في معرض حديثه عن اجتهاد الصحابة: (واجتهدوا في فهم النص، فقد أمرهم الرسول صلى الله عليه وآله بالتوجه إلى بني قريظة بعد معركة الخندق، وقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلينَّ العصر إلاّ في بني قريظة)، فلما كانوا في الطريق حضر وقت العصر. فقال بعضهم: يجب أن نصليها في وقتها، لأن الذي أراده منّا الرسول صلى الله عليه وآله سرعة النهوض إلى بني قريظة، ولم يرد منا تأخير الصلاة.

 وقال فريق آخر: لا نصليها إلا عندما نصل إلى بني قريظة، لأن الرسول صلى الله عليه وآله أمرنا بذلك.

  ففريق نظر إلى المعنى، وفريق نظر إلى اللفظ، ولم خطي ء الرسول صلى الله عليه وآله واحداً من الفريقين) [27]

  إذاً الاجتهاد في النص هو بذل الجهد من أجل استخراج الحكم الشرعي من النص القرآني أو الروائي، بعد أن يقفوا عليها وعلى الروايات المعارضة لها، وتمييز الرواية الصحيحة عن غيرها، ومعرفة فيما إذا كانت تعارض القرآن أم لا؟، أفيها حكم كلي أم جزئي؟، أتدل على الاستحباب أم الوجوب؟، على الحرمة أم الكراهة؟ وهكذا.. وهذا العمل هو الذي يُسمى في مدرسة أهل البيت بالاجتهاد.

  ومن هنا يتضح أن قول المرجع هو مكمل لقول المعصوم من النواحي التي بيناها، فقول المعصوم والمرجع واحد لا اثنان، فقول المرجع هو قول المعصوم ولكن بلغة معاصرة يفهمها عامة الناس) [28]

  ولذا فهذا الادعاء الذي يطرحه بعضهم مرفوض عقلاً وشرعاً.

المُبرِّر الثالث: لا حاجة لتقليد أحد مراجع الدين، فأنا أستطيع أن أعرف الأحكام الشرعية من خلال الرجوع إلى كتاب الله وروايات أهل البيت عليهم السلام!!

  ويرد عليه:

1.لو تنازل عوام الناس عن الفقهاء وتركوا تقليدهم، واحتاجوا لمعرفة بعض الأحكام الشرعية، فمن الذي سيذكر لهم الحكم؟، إذا أخذوه من مثير هذه الشبهة فهذا يعني أنهم قلدوه، إذاً كيف يطلب -المعارِض للتقليد-من الناس ترك التقليد ويجيزه لنفسه؟

وإذا قال هذا قول الإمام المعصوم، فنقول له: إن مرجع التقليد أيضاً يقول هذا قول الإمام والشرع.

2.كيف يستطيع المدّعي من استخراج الحكم الشرعي من القرآن والسنة؟، فهذا يحتاج إلى الاطلاع بكل ما في القرآن وإلى الآف الروايات المروية عن أهل البيت عليهم السلام الموجودة في كتب الأحاديث ومنها الكتب الأربعة (الكافي، والاستبصار، والتهذيب، ومن لا يحضره الفقيه)، وهنا تنبع لنا عدة أسئلة:

 إلى أي الكتب سيرجع؟، هل يرجع للكتب جميعاً؟، هل يرجع للقرآن فقط أم للكتب؟، إذا تعارض القرآن مع الرواية ماذا يقدِّم؟، وإذا تعارضت الروايات ماذا يفعل؟، وإذا لم يجد الحكم في القرآن ماذا يفعل؟، وإذا لم يجد الحكم لا في القرآن ولا في الكتب فما الحل؟، وإذا قال أرجع للكتاب الفلاني فقط فهذا اجتهاد والاجتهاد يحتاج لدليل؟، وكيف تتم الإجابة عن المسائل المستحدثة؟…إلخ[29]

 فعوام الناس يصعب عليهم استخراج الحكم الشرعي من النص الشرعي لأن (بعدت الشقة ما بين عصرنا وعصر التشريع، وقد أضفى هذا البعد، مع ضياع كثير من النصوص الشرعية، وتغير لغة وأساليب وأنماط التعبير، ووجود الوضَّاعين الذين اختلقوا أحاديث كثيرة وسربوها مع أحاديثنا المعتبرة صعوبات ومعوقات عسرت عملية استخراج الحكم الشرعي، ثم أضافت مشكلة وثاقة ناقلي الروايات لذلك عقدة أخرى في طريق الساعين لذلك) وغيرها من الأمور.[30]

 لذا إن الوقوف عليها يحتاج إلى تخصص واجتهاد، ومن أجل ذلك اشترط الفقهاء في الفقيه توفُّر أُمور حتّى يصحّ الرجوع إليه؛ (ففي (الذكرى) للشهيد الأوّل[31]، قال: (يعتبر في الفقيه أُمور ثلاثة عشر قد نبّه عليها في مقبولة عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق عليه السلام : «  انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حَكَماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكِماً؛ فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه، فإنّما بحكم الله استخفّ، وعلينا ردّ وهو رادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله، فإذا اختلفا فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ».

الأمر الأوّل: الإيمان، لقوله: (منكم)، لأنّ غير المؤمن يجب التثبت عند خبره، وهو ينافي التقليد.

الثاني: العدالة، -لذلك أيضاً-وعليه نبّه بقوله: (أعدلهما).

الثالث: العلم بالكتاب.

الرابع: العلم بالسُنّة، ويكفي منهما ما يحتاج إليه، ولو بمراجعة أصل صحيح.

الخامس: العلم بالإجماع والخلاف لئلا يفتي بما يخالفه.

السادس: العلم بالكلام.

السابع: العلم بالأُصول.

الثامن: العلم باللغة والنحو والصرف، وكيفية الاستدلال، وعلى ذلك دلّ بقوله: (وعرف أحكامنا)؛ فإنّ معرفتها بدون ذلك محال.

التاسع: العلم بالناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والظاهر والمؤوَّل، ونحوها ممّا يتوقّف عليه فهم المعنى والعمل بموجبه، كالمجمل والمبيّن، والعامّ والخاصّ.

العاشر: العلم بالجُرحِ والتعديل، ويكفي الاعتماد على شهادة الأولين به، كما اشتملت عليه كتب الرجال، إذ يتعذّر ضبط الجميع مع تطاول الأزمنة…. وإلى ذلك أشار بقوله: (وروى حديثنا).

الحادي عشر: العلم بمقتضى اللفظ لغة وعرفاً وشرعاً.

الثاني عشر: أن يعلم من المخاطب إرادة المقتضى إن تجرّد عن القرينة، وإرادة ما دلّت عليه القرينة إن وجدت، ليثق بخطابه، وهو موقوف على ثبوت الحكمة.

الثالث عشر: أن يكون حافظاً، بمعنى أنّه أغلب عليه من النسيان؛ لتعذّر درك الأحكام من دونه..)[32]

 ولذا لا يحق لغير المجتهد شرعاً أن يستنبط الأحكام الفرعية ويفتي بها؛ لأن هذا يدخل في باب القول بغير علم المنهي عنه شرعاً، قال تعالى:﴿ وَما يَتَّبِعُ أَكثَرُهُم إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغنِي مِنَ الحَقِّ شَيئًا ﴾[33]، وهذا الأمر سيقوده إلى نتائج وخيمة، روي عن أبي جعفر عليه السلام: «مَن أفتى النّاس بغير علمٍ ولا هدىً من الله لعنته ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب، ولحقَه وزرُ مَن عمل بفتياه»[34]

المُبرِّر الرابع: أن الاجتهاد والتقليد لم يكن موجوداً في زمن الرسول وآله عليهم السلام، لذا كيف جاز لنا أن نقلد المراجع؟

الجواب: حينما نستقرئ كتب السيرة والتاريخ وغيرها نجد أن التقليد كان موجوداً في زمن الرسول وآل الرسول عليهم السلام، ويمكن بيان ذلك بهاتين النقطتين:

أولاً: التقليد في زمن الرسول صلى الله عليه وآله

  فقد بدأ التقليد الشرعي، بوصفه ظاهرة شرعية اجتماعية، في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله، وبتخطيط منه صلى الله عليه وآله ثم بتطبيقه من قِبَل المسلمين بمرأى ومسمع منه صلى الله عليه وآله وتحت إشرافه وبإرشاده.

 وتمثل هذا في الأشخاص الذين كان ينتدبهم صلى الله عليه وآله للقيام بمهمة تعليم الأحكام الشرعية في البلدان والأماكن التي أسلم أهلها في عصره.

 ومن هذا بَعْثِهِ صلى الله عليه وآله مصعب‏ بن عمير إلى المدينة المنورة، ومعاذ بن جبل إلى اليمن.

 فقد كان المسلمون في هذه ألاماكن النائية عن مقر النبي صلى الله عليه وآله، يتعلمون الأحكام من هؤلاء الصحابة المنتدبين لهم والمبعوثين إليهم، ويعملون وفق ما يتعلمون منهم.

 وكان المسلمون عندما يحتاجون إلى معرفة حكم شرعي للعمل به يسألون هؤلاء ويجيبونهم ويعملون وفق ما يفتونهم به.

 (سُئِل أستاذنا السيد الخوئي السؤال الآتي: متى وجب التقليد على المسلمين؟

 وهل كان المسلمون أيام الأئمة مقلدين، خصوصاً أولئك الذين كانوا في مناطق بعيدة عن الأئمة؟

 فأجاب: التقليد كان موجوداً في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وزمان الأئمة عليهم السلام لأن معنى التقليد هو: أخذ الجاهل بفهم العالم، ومن الواضح أن كل أحد في ذلك الزمان لم يتمكن من الوصول إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أو أحد الأئمة عليهم السلام وأخْذِ معالم دينه منه مباشرة).[35]

ثانياً: التقليد في زمن الأئمة المعصومين عليهم السلام 

  أما الأئمة عليهم السلام فقد أرجعوا شيعتهم إلى المتخصصين في معالم الدين، وهناك جملة من الروايات استدل بها على حجية الفقيه، ومنها روايات الأمر بالإفتاء والإرجاع إلى آحاد الفقهاء والعلماء، ونذكر منها ما يلي:

1. قول الإمام الصّادق عليه السلام لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة وأفتِ النّاس، فإنّي أحبُّ أن أرى في شيعتي مثلك»[36]، ومن الواضح: أنّ جواز الإفتاء يلازم جواز العمل به.     

 2. عن سليمان بن خالد الأقطع، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليهم السلام يقول: «ما أحد أحيا ذكرنا وأحاديث أبي عليهم السلام، إلّا زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء، ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفّاظ الدين، وأمناء أبي عليهم السلام على حلال اللّه وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا، والسابقون إلينا في الآخرة».[37]

 3. عن عبد اللّه بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: «إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا، فيسألني، وليس عندي كلّما يسألني عنه، قال: فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي؛ فإنّه قد سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً».[38]

4. روي عن أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن عليهم السلام قال سألته وقلت: من أعامل؟ وعمّن آخذ؟ وقول من أقبل؟، فقال: «العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي، فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي، فعنّي يقول. فاسمع له! وأطِع! فإنّه الثقة المأمون». قال: وسألت أبا محمد عليهم السلام عن مثل ذلك، فقال: العمري وابنه ثقتان» [39]

 نفهم من الروايات إن أئمتنا الأطهار عليهم السلام قد أحالوا الناس إلى بعض الرجال الثقات الراوين لأحاديث أهل البيت عليهم السلام كوسطاء ليأخذوا منهم معالم الدين، لذا تارة ذكروا الفقيه بالاسم كما ذكرنا ذلك في الروايات السابقة، وأخرى لم يذكروا اسم الفقيه بل أمروا الناس بتقليد الفقيه الذي تتوفر فيه جملة من الشروط، تمهيداً للغيبة الكبرى، فقد روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام: «.. فَأَمَّا مَنْ‏ كَانَ‏ مِنَ‏ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً عَلَى هَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ».[40]

  ولولا هذه النصوص التي رواها الإمام العسكري لشيعته لضاعوا كلهم في زمن الغيبة، ولكن شاء الله أن يولد هذا الإمام في الثامن من شهر ربيع الثاني سنة 232هـ، في المدينة المنورة ليكون مناراً للأمة، صاحب الألقاب العديدة ومنها: الناصح، والمفتاح، والنقيّ، والمرتضى، والمتوكّل، وكان يخفي ذلك ويأمر أصحابه أن يُعرضوا عنه؛ لأنّ لقب الخليفة آنذاك كان النقيّ والزكيّ.

  نشأ وتربّى الإمام في ظلّ أبيه الإمام علي الهادي عليه السلام الذي عُرف بغزارة علمه وزهده وجهاده. حيث عاش معه ثلاثاً وعشرين سنة وأشهراً، فكان كآبائه في العلم والعمل والجهاد والدعوة إلى الإصلاح في أمّة جدّه محمّد صلى الله عليه وآله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويربّي أصحابه على مكارم الأخلاق، وقيم الإسلام.

  هذا الإمام المعروف بسمو منزلته ومقاماته وعبادته المخلصة لله تعالى، أثارت-هذه الكمالات-الحقد والحسد في قلوب الطواغيت الجبابرة لذا أراد العباسيون التضييق على الإمام عليه السلام وهو في السجن فأمروا آمر السجن بذلك فأجابهم: «ما أصنع به، وقد وكلت به رجلين شرَّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة إلى أمر عظيم»، ثمّ أمر بإحضار الموكلين به فقال لهما: «ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل»؟ فقالا له: «ما نقول في رجل يصوم نهاره، ويقوم ليله كلّه، لا يتكلّم، ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا، وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا»[41]

 ولذا نبارك لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ولجميع مراجعنا الكرام وللأمة الإسلامية جمعاء ذكرى ولادة الإمام الحسن العسكري عليه السلام

فسلام الله عليك يا أبا محمد الحسن بن علي يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا

قال الشاعر:

غسلَ النورُ للأنام دجاها يوم نجل الهادي أنار فِناهـا
كبـَّر المسجدُ العتيق وطـوبى فرحـا بالذي أقام لواهـا
لا تلمني بفرحتي لإمام والدٌ للذي يــُقــيم علاهــا
لاتلمني فالعسكري شفيعٌ  مثلُ موسى والسيــدين وطه
مثلُ كفِ الجواد مثلُ علي مثلُ من يبقر الهدى بضياهــا
مثلُ جد الرضا يكون صدوقاً وخصالَ السجاد كان حواهـا
كيف لا أنتشي بحب إمام فيضه عم سهــلـَها ورباهـــا
إن خير النفوس نفس أذاعت لحبيب من جمرها ولضاهـا
غير إني أبيح سري لبيت ونفوس ٍصاغ الإله نـداها
قبل خلق الأكوان كانوا وجودا  نور حق للعالمين براهـا
ياعليٌ يافــاطمٌ ياحسينٌ  يايدَ الله يانجوم سماهـا
عبدكم جاء والصحائف سـودٌ خجلٌ أن يرى الكرام تراها 

شعر شعبي للشاعر ابو احمد الحداد المسعودي:

على ابساط الفرح طاير وأغني ابشوك

والمولود كرب ساعتــه بفجـّه

وبكلوب الموالي مراكـص الجلمات

والنسوان بهلاهل محبه وشوك تنتظرّه

نعيّد الوادم ابسمات هذا وذاك

ابهوسات الضمير جذورّه المخضرّه

بنفحات المسك وعطر طيب الكاع

والعنبر نسيم ايغازل الحّه

ببشارة ولينه الهادي للخلاّن

يخبرهم حبيبه الجاي وبسرّه

يخط نورّه الولادة العسكري بيمناه

وبصلبه الحنين اويـاه للعتره

يشيله ويحضنه بجفه ويناغي الروح

أبوه ايمايزه بجده النبي المختار ويبـشرّه

ويختم بالعهد للشيعه تتلكاه

وتنصره بزمن وتواكب ابنصرّه

هذا بن الفحول وجده داحي الباب

معروف النسل موصول بالأصلاب للزهره

ما تخفه الحقيقه أسراره بميـلاد

سامره بدهره سنيـن لو تطـّه

يتمايز حسن وبوجه نور حسـين

شاراته الكرم وعمامتـه الخـضرّه

شاله اعله المتن يـتلابس بجلباب

هيبة طول بعيونه صبر فجـرّه

بسنونه البياض يلالي بالوجــنات

تسجدله النجوم إيدنـه الكمّه

يبشر الوادم ابطيبه ويفيض أنوار

بعيونه التلاوه اتسبح وتقـّه ‏

يله ويه الولاده كلوبكم ختفيض

إيمان وبذرّهــــــــا يكبّر الشجره

لا تبكه بزمن منشاره حد وسيف

والذباح ويانه يصـف كترّه

اذن واوينه بعيونه طــبع للذيب

يغدر عشرّته ويشرمخ بظفرّه

اذا هدموّ جدار منـارته الأرجــاس

ماهدموّ ركنه ويانه وبتاريـخ بالحضرّه

روح الكبتــــــــــــــه وأقـره الملامـح

زين تلكاه برسمه الشـيعي يتـذرّه

وميخاف المنايه ايسابك برجلـيه

يدري وياكم اشـما صار وشيجــرّه

يحط روحه نذر ميسلّم الأرهاب

وبهاي الرساله ايثبـت ابحـبرّه


[1] التوبة/122.

[2] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج ١ -ص٢١٤.

[3] الفتاوى الميسرة -السيد السيستاني-ص ٣٣-34-بتصرف.

[4] الكافي -الشيخ الكليني – ج ٧ – ص ٤٠٩.

[5] الفتاوى الواضحة -للسيد محمد باقر الصدر-ص ٧.

[6] المسائل المنتخبة -السيد السيستاني-الاجتهاد والتقليد-ص9.

[7] م.ن.

[8] منهاج الصالحين -السيد السيستاني-ج1-مسألة2.

[9] منهاج الصالحين -السيد السيستاني-ج1-مسألة2.

[10] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج ٢ -ص 29.

[11] معرفة المعاد -السيد محمد الحسيني الطهراني-ج3-ص7-9.

[12] البقرة/286.

[13] التوبة/122.

[14] م.ن.

[15] مركز الرصد العقائدي/ alrasd.net/الأسئلة والأجوبة/قضايا معاصرة/أدلة وجوب التقليد. جواب اللجنة العلمية.

[16] النحل/43.

[17] مركز الأبحاث العقائدية / aqaed.com/الأسئلة العقائدية/الاجتهاد والتقليد/ مَن الذي أمر باتّباع الفقهاء العدول؟

[18] كمال الدين وإتمام النعمة: 484 الباب (45) ذكر التوقيعات، وسائل الشيعة 27: 140 الباب (11) حديث (33424) من أبواب صفات القاضي.

[19] مُستندُ الشّيعةِ-المحقق النراقي-ج 17-ص 25.

[20] شرحُ العروةِ الوثقى -الموسوعةُ-1: 71.

[21] الاحتجاج 2: 263 احتجاج أبي الحسن العسكري في أنواع شتّى من علوم الدين، وسائل الشيعة 27: 131 الباب (10) حديث (33401) من أبواب صفات القاضي.

[22] وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي – ج ٢٧ – ص ١٤٨.

[23] م.ن.

[24] النجم/3-4.

[25] حلية الأولياء-أبو نعيم الأصفهاني 3: 197.

[26] القول المفيد في الرد على منكري الاجتهاد والتقليد -السيد منتظر الموسوي-ص90.

[27] تاريخ التشريع الإسلامي-عبد الهادي الفضلي-ص49-50.

[28] القول المفيد في الرد على منكري الاجتهاد والتقليد -السيد منتظر الموسوي-ص91-بتصرف.

[29] القول المفيد في الرد على منكري الاجتهاد والتقليد -السيد منتظر الموسوي-ص86-87-بتصرّف.

[30] الفتاوى الميسرة -السيد السيستاني-ص٣٣-34-بتصرف.

[31] ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة -الشهيد الأول-ج ١-ص٤٢-43.

[32] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.com/الأسئلة العقائدية/الاجتهاد والتقليد/ مَن الذي أمر باتّباع الفقهاء العدول؟

[33] يونس/36.

[34] الكافي -الشيخ الكليني-ج ١ -ص٤٢.

[35] مسائل وردود طبقاً لفتاوى المرجع الديني السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، جمع وإعداد محمد جواد رضى الشهابي، كتابة وتبويب عبد الواحد محمد النجار سنة 1411هـ. نقلاً عن تاريخ التشريع الإسلامي-الدكتور عبد الهادي الفضلي-ص 48-50.

[36] وسائل الشيعة -الحر العاملي-ج ١٩ -ص ٣١٧.

[37] وسائل الشيعة -الحر العاملي-ج ٢٧ – ص ١٤٤.

[38] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج ٢ ص٢٤٩.

[39] الكافي -الشيخ الكليني-ج ١ -ص ٣٣٠.

[40][40] الوسائل-الحر العاملي-ج 27-ص 131-رقم 33401.

[41] شبكة المعارف الإسلامية/ almaaref.org /نور الأسبوع/سنة 1431 هـ/ربيع2-ولادة الإمام الحسن العسكري ع-بتصرف.