لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
عنوان المحاضرة: الصَّبْرُ عَلَى الْبَلاءِ
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [1]
المبحث الأول: تفسير الآيات الكريمة
كما هو معلوم أن الابتلاء والاختبار الإلهي سُنّةٌ كونية لا تقبل التغيير، وأما سبب الابتلاء فقد تمّ التطرق إليه في الجزء الأول من كتاب (زاد المبلغات) محاضرة بعنوان (فلسفة الابتلاء)، وذكرنا فيها مبحث بعنوان: (لماذا يبتلينا الله) تجدون فيها تفاصيل المبحث.
ولكن باختصار نقول: إنّ أسباب الامتحان والابتلاء عديدة منها: لتكفير الذنوب، ولتربية وتأديب الإنسان، ولتعجيل عقوبة العاصين الذين لا يرجى منهم خير، ولرفع درجة ومنزلة المخلصين، وأيضاً من أجل تمييز إيمان الإنسان الصادق عن الكاذب، قال تعالى: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ][2]، أي من أجل كشف رتبة إيمان كل واحد منّا.
وأما ما يتعلق بأنواع الابتلاء، وبيان بعض الآثار المترتبة عليه فلقد تطرقّت إليه الآية محل البحث. فلمعرفة ذلك لنقف على تفسير الآية الكريمة:
أما تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، أي ولنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء.[3]
﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾، يقول السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري في كتابه مواهب الرحمن في تفسير القرآن: (والخوف توقع المكروه مظنونا كان أو معلوما. والمعنى: لنمتحنكم بشيء من الخوف من العدو.
﴿ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ النقص يأتي بمعنى الخسران و هو في مقابل التمام. والمراد من الأموال الأعم من الأعيان والمنافع وما يهتم الإنسان بحفظه فيشمل الحيوان والعبيد وكل ما يُبذل بإزائه المال.
﴿ وَالْأَنْفُسِ﴾ أنّ المراد بالأنفس كل ما يتأثر الإنسان بفقده و ورود النقص عليه سواءً كان من النقص في قوى النفس كالأمراض أو عروض الموت عليها فيشمل النفس و الأقارب و الأصدقاء.
﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ الثمرات جمع ثمرة و هي تشمل ما ينبت في الأرض بالطبيعة مما لا مالك لها فعلا و ينتفع بها الإنسان كالمرعى وجملة كثيرة من النباتات التي لها منافع هامة للإنسان و تكون غذاء للحيوان.
ويصح أن يراد بالثمرات مضافا إلى ما ذكرناه ثمرات القلوب أيضا وهي الأولاد كما يعبر عنهم بها كثيرا وفي الحديث عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله): «إذا مات ولد العبد قال اللّه تعالى للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول اللّه تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول اللّه تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنّة، وسموه بيت الحمد».[4]
سؤال: لماذا ذكر الله تعالى كلمة﴿ بشيء ﴾ قبل ذكره لأنواع البلاء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ؟
يجيب عن ذلك العلامة المجلسي قائلاً: أي بقليل من ذلك وإنما قلله بالإضافة إلى ما وقاهم عنه ليخفف عنهم، ويريهم أن رحمته لا تفارقهم أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة.
﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الخطاب للرسول صلى الله عليه وآله أو لمن يتأتى منه البشارة والمصيبة تعمّ ما يصيب الإنسان من مكروه أي أخبرهم بمالهم على الصبر في تلك المشاق والمكاره من المثوبة الجزيلة، والعاقبة الجميلة. [5]
السؤال المطروح: ما هي البشارة المترتبة في الصبر على المكاره والابتلاء؟
الجواب يذكره تعالى مباشرة بعد الآية محل البحث، حيث قال﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [6]
يقول صاحب كتاب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: أي أننا لما نتعرض لبلاء ونقول:﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [7]، فهذه العبارة تعني الإقرار التام بالعبودية المطلقة لله، أي أن الله يعلمنا أن لا نحزن على ما فاتنا، لأنه سبحانه مالكنا ومالك جميع ما لدينا من مواهب، إن شاء منحنا إياها، وإن استوجبت المصلحة أخذها منا، وفي المنحة والمحنة مصلحة لنا.
والالتفات المستمر إلى حقيقة عودتنا إلى الله سبحانه، يشعرنا بزوال هذه الحياة، وبأن نقص المواهب المادية ووفورها غرض زائل، ووسيلة لارتقاء الإنسان على سلم تكامله، فاستشعار العبودية والعودة في عبارة إنا لله وإنا إليه راجعون له الأثر الكبير في تعميق روح المقاومة والاستقامة والصبر في النفس.
واضح أن المقصود من قول هذه العبارة ليس ترديدها باللسان فقط، بل استشعار هذه الحقيقة، والالتفات إلى ما تنطوي عليه من توحيد وإيمان.
لكن هذا الأجر العظيم والثواب الجزيل مشروط بعدم الجزع وباستمرار الصبر وعدم الخروج عن الحالة الطبيعية من قول أو فعل، وعن الإمام علي عليه السلام للأشعث بن قيس لما عزاه عن ابن له: “يا أشعث إن تحزن على ابنك فقد استحقت منك ذلك الرحم، وإن تصبر ففي الله من كل مصيبة خلف، يا أشعث إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور، يا أشعث ابنك سَرَّكَ وهو بلاء وفتنة، وحزنك وهو ثواب ورحمة”.[8]
ومن جميل ما قرأت أن الصبر يدافع عن المؤمن لما ينتقل إلى الآخرة منذ نزوله في قبره، فقد روي عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه السلام: “إذا دخل المؤمن في قبره، كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره، والبرّ مطل عليه ويتنحّى الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مُساءلته، قال الصبر للصلاة والزكاة والبرّ: دونكم صاحبكم، فإن عجزتم عنه فأنا دونه” [9]، ففي ذلك العالم حينما يحتاج الإنسان إلى من يدافع عنه ويلتمس ذلك ويطلبه، لن ينفعه إلا أعماله الصالحة وأخلاقه الحسنة، ومنها وعلى رأسها الصبر.
وقبل أن ننتقل إلى المبحث الثاني لا بدّ من الوقوف على معنى الصبر وبيان حدوده التي لو تجاوزها الفرد صار مذموماً
إن المقصود بالصبر هو احتمال المكاره من غير جزع [10]،أو هو ثبات النفس على الحق وعدم اضطرابها في الشدائد والمصائب. [11]، ونأسف لما نجد بعض المسلمين وقعوا بين إفراط وتفريط.
فأما الإفراط: فهو المبالغة في مفهوم الصبر والاعتقاد بأنه يعني السكوت عن الحق وعدم الأخذ بالأسباب.. وما يترتب عليه من خنوع وذلة ومهانة. وهذا المعنى مرفوض شرعاً وعقلاً، فمن حق كل مظلوم أن يطالب برفع الظلم عنه، وإذا كان له حق في تحسين وضعه.. أن يطالب به، وهذا المعنى-من المطالبة بالحق-سنراه متجسداً في سلوك المعصومين وأتباعهم-كما سنرى خلال البحث-، وهذا الأمر لا يتنافى مع الصبر ما لم يصاحبه الاعتراض وعدم الرضى بقضاء الله تعالى وقدره.
وأما التفريط فهو الإهمال والتقصير في الصبر ويترتب عليه الوقوع في الجزع، فصار بعض الناس لا يصبر على الطاعة، ولا عن المعصية، ولا على البلاء، فلذا ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ وهذا علامة على ضعف الإيمان بالله، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إنه سيكون زمان لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والجور، ولا يستقيم لهم الغنى إلا بالبخل ولا يستقيم لهم الصحبة في الناس إلا باتباع أهوائهم والاستخراج من الدين، فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على الذل وهو يقدر على العز، وصبر على بغضة الناس وهو يقدر على المحبة أعطاه الله ثواب خمسين صديقا. [12]
المبحث الثاني: تطبيقات نسوية على أنواع الابتلاء
سوف نتناول في هذه المحاضرة أبرز عظيمتين بلغتا القمة في الصبر في أنواع الابتلاءات، ومنها الأنواع الخمسة التي تطرقت لها الآية الكريمة -محل البحث-مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ.
وهما السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، والثانية ابنتها عقيلة بني هاشم عليها السلام، وتكليفنا الشرعي يحتّم علينا الاقتداء بهما؛ لأن السيدة فاطمة عليها السلام سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وتليها ابنتها العقيلة عليها السلام، هما أكثر النساء صبراً، ويترتب على ذلك أنهما أهدى نساء العالمين؛ لأن الله تعالى في الآية الثانية التي تلي الآية محل البحث قد وصف الصابرين بالمهتدين، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ … أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾[13]
والله يأمرنا بالاقتداء بالمهتدين، قال تعالى: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. [14]ومن تدّعي أنها تقتدي بهما ولا تقتدي بأعمالهما فهي من أبغض الناس كما صرّح بذلك الإمام زين العابدين عليه السلام حينما قال: ألا وإنّ أبغض الناس إلى الله عزّ وجلّ من يقتدي بسنّة إمام ولا يقتدي بأعماله. [15]
ونطرح صبر الصدّيقتين بالمطلبين الآتيين:
المطلب الأول: فاطمة الزهراء عليها السلام الصابرة الممتحنة
من ألقاب السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أنها (الصابرة) و (الممتحنة)، فلقد تعرضت عليها السلام إلى امتحانات ومصائب عظيمة، ولقد ذكرنا أبرز مصائبها في كتاب زاد المبلغات الجزء الخامس في المحاضرة الرابعة، ولكن سنختصر صبر الزهراء عليها السلام في الأنواع الخمسة من الابتلاءات التي تطرقت لها الآية الكريمة، وهي كالآتي:
1.الابتلاء بالْخَوْفِ: إن السيدة فاطمة عليها السلام تعرضت إلى أنواع من العنف والاعتداء من قبل الأعداء لدرجة أن القوم قاموا بإحراق دارها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها ولطم خدها، ولما سحبوا أمير المؤمنين علي عليه السلام لمحاولة إكراهه على بيعة الأول، صبرت على الحق وخرجت خلفه السيدة فاطمة -رغم ما تعرضت له من الأذى- لتدافع عنه وهددت القوم بنزول العذاب، (فأدركها سلمان رضى الله عنه ، فقال : يا بنت محمد، إنّ الله إنّما بعث أباك رحمة، فارجعي.
فقالت: « يا سلمان، يريدون قتل عليّ، ما على عليّ صبر، فدعني حتى آتي قبر أبي فأنشر شعري، وأشقّ جيبي، وأصيح إلى ربّي، فقال سلمان: إنّي أخاف أن تخسف بالمدينة، وعليّ عليه السلام بعثني إليك، ويأمرك أن ترجعي إلى بيتك، وتنصرفي . فقالت: إذاً أرجع، وأصبر، وأسمع وأطيع » [16]
ومنها صبرها على فقد أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وما جرى عليها بعده لدرجة « أنّها أخذت قبضة من تراب النبي صلى الله عليه وآله فوضعتها على عينيها ثمّ قالت :
ماذا على من شمَّ تربة أحمدٍ *** أن لا يشمَّ مدى الزمان غوالي
صُبَّتْ عَليَّ مصائبٌ لو أنها *** صُبَّتْ على الأيام عُدْنَ ليالي ». [17]
2.الابتلاء بالْجُوعِ: لقد تعرضت السيدة فاطمة عليها السلام إلى الجوع وصبرت عليه في مواقف عديدة، فقد روي عن عمران بن حصين قال: كنت مع النبيّ صلى الله عليه وآله جالساً إذ أقبلت فاطمة فوقفت بين يديه فنظر إليها وقد غلبت الصفرة على وجهها، وذهب الدم من شدّة الجوع، فقال: ” اُدني يا فاطمة” فدنت ثم قال: ” اُدني يا فاطمة” فدنت حتى وقفت بين يديه، فوضع يده على صدرها في موضع القلادة وفرج بين أصابعه وقال: ” اللهمّ مشبع الجاعة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمّد”. [18]
هذه هي الدنيا في عين فاطمة بنت الرسول مواجهة للمعاناة ,وتألّم من الجوع, وانهيار من التعب، ولكن كلّ ذلك يبدو ممزوجاً بحلاوة الصبر وندى الإيثار، لأنّ وراءه نعيماً لا انتهاء له، حصة يوم يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب . [19]
3.الابتلاء بَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ: لقد صبرت الصديقة فاطمة عليها السلام على الفقر، وصبرت حينما استولى الظالمون على أرض فدك، وذكرنا أن الصبر لا يعني التخاذل بل يعني الثبات على الحق بالمطالبة به وترك الجزع، لذا لم تسكت السيدة الزهراء عليها السلام عن حقها المسلوب بل دافعت عنه، فلقد روي عن عائشة، قالت : “لما بلغ فاطمة إجماعُ أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، و أقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتُها مشيةَ رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتّى دخلت على أبي بكر، و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، ثمّ أَنَّت أنّةً أجهش لها القومُ بالبكاء وارتجّ المجلس.
ثمّ أمهلت هُنيئَةً حتّى إذا سَكنَ نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت كلامَها بالحمد لله –عزّوجلَّ-والثّناء عليه والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلى أن قالت: …أيها المسلمون! أأغلب على أرثيه؟
يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريّا , أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: ) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ [20]( ،وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا إذ قال: ) فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا[21]( ،وقال: ) وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( [22]، وقال : ) يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ( [23]، وقال: ) إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( [24]، وزعمتم أن لا حظوة لي ولا أرث من أبي ولا رحم بيننا أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي؟ أم تقولون: أهل ملّتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي؟. [25]
وبهذه الخطبة أقامت الحجة عليهم، وبقيت صابرة مهضومة ومظلومة واجدة وغاضبة على من ظلمها، حتى أنها عليها السلام أوصت الإمام علي عليه السلام قبل وفاتها بعدة وصايا منها أنها (ألا يحضر أحد من الذين ظلموها في تشييع جثمانها) [26]. [27]
4.الابتلاء بنقص في َالْأَنْفُسِ: ذكرنا أنّ المراد بالأنفس كل ما يتأثر الإنسان بفقده و وورود النقص عليه سواءً كان من النقص في قوى النفس كالأمراض أو عروض الموت على الأحبة. وهذا الأمر تعرضت له الزهراء عليها السلام بفقد أمها السيدة خديجة عليها السلام، وعمّي أبيها: أبي طالب وحمزة عليهما السلام، والابتلاء الأعظم هو بفقد أبيها، فلقد كان حزن السيدة الزهراء عليها السلام عليه حزنا عظيما لدرجة أنها كانت تبكي على رسول الله صلى الله عليه وآله ليلاً ونهاراً حتى عُدت من البكائين الخمسة، ويروى أنه اجتمع شيوخ أهل المدينة وطلبوا من الإمام علي عليه السلام أن تبكي أما في الليل أو النهار لأنهم يتأذون من بكائها. [28]
وابتليت بفقد صحتها حينما أسقطوا جنينها وكسروا ضلعها إلى أن ماتت مظلومة مهضومة.
5.الابتلاء بنقص في الثَّمَرَاتِ: ذكرنا أن بعض المفسرين فسّر النقص في الثمرات بموت الأولاد، فإنهم ثمرات القلوب.[29]
روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال لعلي (عليه السلام) : ( يا علي ، إنَّ فاطمة بضعة مني وهي نور عيني ، وثمرة فؤادي)[30]
وروي عن رسول الله أنه قال في حق الحسنين (عليهما السلام) قال: «فاطمة بهجة قلبي، وابناها ثمرة فؤادي)[31]
سؤال: لماذا يكنى الولد بـ(ثمرة الفؤاد) ؟
الجواب: (كأنه بمناسبة أنَّ الشجرة كما تتزين بالثمرة كذلك يتزين الإنسان بالولد، وأن الثمرة امتداد للشجرة كماً وكيفاً وزمناً، وكذلك الولد، كما أنها علة غائية لها في الجملة، وهي بالفعل لما هو في الشجرة بالقوة).[32]
ولقد ابتليت الزهراء عليها السلام بفقد أولادها المتمثل بفقد ولدها المحسن عليه السلام حينما عُصرت بين الحائط والباب وهي حامل به، وابتليت بالحزن على ما سيجري على ولديها الحسن والحسين عليهماالسلام من ظلامات لا مثيل لها ممن يدّعي أنه من أمة أبيها… وهذا الأمر أخبرها به الرسول صلى الله عليه وآله ، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما حملت فاطمة بالحسين جاء جبرائيل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن فاطمة ستلد ولد تقتله أمتك من بعدك فلما حملت فاطمة بالحسين كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : هل رأيتم في الدنيا أماً تلد غلاماً فتكرهه ولكنها كرهته لا نها علمت أنه سيقتل, وفيه نزلت هذه الآية: ) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ( [33].[34]
المطلب الثاني: عقيلة بني هاشم عليها السلام جبل الصبر
السؤال المطروح: ما الدليل على أن عقيلة بني هاشم قد بلغت القمّة في صبرها؟
الجواب: تشهد بذلك مواقفها الابتلائية العظيمة التي تنهد لهولها الجبال، ومنها: صبرها في واقعة الطف والنهضة الحسينية، التي عبّر عنها الإمام الصادق عليه السلام في زيارة عاشوراء: مُصيبَةً ما اَعْظَمَها وَاَعْظَمَ رَزِيَّتَها فِي الإسْلامِ وَفِي جَميعِ السَّماواتِ وَالاْرْضِ. ونكتفي بذكر الأنواع الخمسة التي ذكرتها الآية محل البحث، وهي كالآتي:
1.الابتلاء بالْخَوْفِ: لقد ابتليت العقيلة عليها السلام بالخوف في مواقف عديدة، ولكن ذلك لم يمنعها من ترك الحق، بل ثبتت عليه، ونذكر منها المواقف الآتية:
1-موقف التحاقها بركب الحسين عليه السلام. إن عقيلة بني هاشم عليها السلام بمجرد أن سمعت أن الإمام قرر الذهاب لكربلاء، قررت الالتحاق معه، رغم أنها العالمة غير المُعلّمة ,كانت تعلم أنَّ الإمامَ الحُسين (ع) قالَ لأخيهِ محمّدٍ بنِ الحنفيّة: أتاني رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم بعدَ ما فارقتُك ، فقالَ : يا حُسين أخرُج فإنَّ اللهَ قد شاءَ أن يراكَ قتيلاً ، فقالَ لهُ ابنُ الحنفيّة : إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعون فما معنى حملِكَ هؤلاءِ النساءِ معكَ وأنتَ تخرجُ على مثلِ هذهِ الحال ؟ قالَ فقالَ له قد قالَ لي إنَّ اللهَ قد شاءَ أن يراهنَّ سبايا وسلّمَ عليهِ ومضى. [35]
فهذا الموقف يُدخل الخوف والرعب في قلب الإنسان وقد يدفع بعضهم لترك نصرة الحق، ولكن العقيلة صبرت وثبتت عليه وقبلت أن ترى أخاها الحسين عليه السلام مقتولاً، وقبلت أن تكون مسبية من أجل تحقيق المُخطّطَ الإلهيَّ والحكمةَ الإلهيّة التي اقتضَت ذلك، فقدّمت نفسها وكل ما لديها فداءً للدينِ والإسلام. فلسان حالها هو: «إنّا ندعو الله فيما يحب فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما يحب»[36]
إذن العقيلة بلغت أعلى درجات التسليم والانقياد لأمر الله ولم تعترض عليه أبداً، كما انقادت مريم عليها السلام لأمر الله تعالى حينما بشرها المَلك بولادة عيسى عليه السلام …..بل أن مريم عليها السلام لما بُشّرت ربما استنكرت الأمر ابتداءً : قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. [37]
في حين أن السيدة زينب عليها السلام لما حان وقت الابتلاء لم تستنكر، بل ولم تستفسر عن السبب، فهي لم تقل لأخيها سيد الشهداء عليه السلام بعد أن سمعت ذلك: ( هل يُعقل أن أسبى وأنا العقيلة المخدّرة الطاهرة بنت الوحي والرسالة؟!! )
بل تذكر الروايات ما مضمونه بأنها عندما استأذنت زوجها للالتحاق بالإمام بالحسين عليه السلام، قالت له ما مضمونه:” … فإن لم تأذن لي بذلك امتثلت أمرك وانتهيت بنهيك ولم أذهب معه، ولكن كن على علم بأني لو لم أذهب معه لما بقيت بعده في الحياة إلا قليلاً)… وبعد أن أذن لها سرّت السيدة زينب (عليها السلام) من موقف ابن عمها عبد الله تجاهها وشكرته على ذلك، ثم ودعته وغادرت بيته لتلتحق بأخيها الإمام الحسين(عليه السلام).
فلذا لا غرابة لما نسمع من بعض علمائنا كالدربندي في كتابة (أسرار الشهادة) وغيرُه أنها (صلوات الله عليها) أفضل من مريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم وغيرهما من فضليات النساء.
2-موقف تقديم جواد المنية للإمام الحسين عليه السلام، أي خوف يصيب أخت قائد المعركة حينما ترى أن كل أصحاب قائدها وأهل بيته وأولاده قد قتلوا وصرعوا وبقي وحيداً فريداً لا ناصر له ولا معين، يحيطونه الآف الأعداء!!!
قد يدفع الخوف لغير أخت الحسين أن تطلب منه الاستسلام للعدو وترك نصرة الحق، ولكن العقيلة لم تفعل ذلك، حيث يروى أنه : لما أراد أن يتقدم إلى القتال نظر يمينا وشمالا ونادى: ألا هل من يقدم لي جوادي، فسمعت زينب (عليها السلام)، فخرجت وأخذت بعنان الجواد وأقبلت إليه وهي تقول: لمن تنادي، وقد قرحت فؤادي.[38]
وفي بعض المصادر أنها قالت: : أيُّ أختٍ تقدم لأخيها جوادَ المنية؟
أي تعرف أنه جواد المنية ومع ذلك قدمته، أي قدمت له الوسيلة التي يذهب بها للموت؛ لأنها أرادت أن تحقق المشيئة الإلهية (شاء الله أن يراه قتيلا )…
وموقفها هذا يذكرني بموقف تسليم نبيِ الله إبراهيم عليه السلام حينما أمره الله تعالى أن يذبح ولده إسماعيل عليه السلام، فلم يعترض الأب على ذبح ولده، ولا الولد من أن يذبحه أبوه لأنهما سلّما أمرهما لله تعالى الذي أخبرنا بذلك قائلاً جل جلاله: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾[39]
4-وقوفها في مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد(لع) في الكوفة، حيث أن الوقوف في مجلس سَفّاكٍ يُدخل الخوف في قلب الإنسان، وقد يجعله يتردد عن قول كلمة الحق، ولكن العقيلة كان موقفها عكس ذلك، فيروى أن ابْنَ زِيَادٍ قال للعقيلة شامتاً: (كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟
ترى ماذا أجابت ؟، هل قالت: ( ما رأيت جميلاً؟)، أي لم ترَ سوى القَبيح, والشَّنيع والبَشِع لكونها لم ترَ سوى سفك الدماء والقتل والتمثيل بالقتلى والحرق والعطش والسبي والسب والشتم والضرب؟!!
الجواب: كلا، بل قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ.) [40]
سيدتي ومولاتي: كيف تعدين كل هذه المصائب التي تنهد لهولها الجبال شيئا جميلا؟!
لو كانت السيدة زينب عليها السلام حاضرةً لقالت: إنني لا أنظر إلى ظاهر الحدث، بل أنظر إلى باطنه الذي لا يراه إلا من بلغ درجة اليقين، قال تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [41]
نعم، فالسيدة زينب عليها السلام بلغت درجة اليقين التي هي أعلى مراتب الإيمان، والتي من يصلها يرى في الدنيا الثواب المترتب على العمل من جنة ونار ، قال تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ .[42]
رب تساؤل يرد: ترى ماذا رأت العقيلة حتى قالت لابن مرجانة: (مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا)!!
# رأت الدرجة التي نالها الإمام الحسين عليه السلام بشهادته، وهذا ما أخبر به الرسول ص حينما قال لسبطه الحسين عليه السلام: ” … وإن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة.[43]…وهو أمرٌ جميل.
# رأت أن الدم انتصر على السيف، وكأن لسان حال الإمام الحسين يقول:
(إن كان دينُ محمد لن يستقم إلا بقتلي ياسيوف خذيني)…
وهو أمرٌ جميل
# رأت أن الإمام الحسينَ سيخَلُدَ بشهادتهِ ولن يموت أبدا .. وهذا ليس كلاما إنشائيا فارغا…بل هي الحقيقة التي أفصحت عنها العقيلة عليها السلام لما رأت الإمام السجاد عليه السلام يجود بنفسه على ما جرى، فقالت له: ” مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟ …. فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات، أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة ,وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء (عليه السلام) لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام و ليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا. [44]
…الا يُعد هذا جميلا؟؟؟!!! وأيٌّ جمالٍ يفوق هذا الجمال ؟؟
2.الابتلاء بالْجُوعِ: إن الابتلاء بالجوع أمر في غاية الصعوبة، روي عن قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :كاد الفقر أن يكون كفرا.[45]
لقد ابتليت العقيلة وبنات الوحي والرسالة في النهضة الحسينية بالجوع والعطش وصبرن عليه ولم يقلل ذلك من إيمانهن أبداً، وكانت توصي النساء والأطفال بالصبر، فيروى بأن السبايا لما دخلوا الكوفة (صار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم أم كلثوم وقالت: يا أهل الكوفة إن الصدقة علينا حرام وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض) [46]
وروي عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) أنه قال: «إن عمتي زينب كانت تؤدي صلواتها: الفرائض والنوافل .. من قيام، عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشام!، وفي بعض المنازل كانت تصلي من جلوس! فسألتها عن سبب ذلك؟
فقالت: أصلي النوافل من جلوس لشدة الجوع والضعف، وذلك لأني منذ ثلاث ليال، أوزع ما يعطونني من الطعام على الأطفال، فالقوم لا يدفعون لكل منا إلا رغيفاً واحداً من الخبز في اليوم والليلة!! [47]
3.الابتلاء بَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ: فبعد أن قُتل الإمام الحسين عليه السلام ,انتهبوا ثقل الحسين عليه السلام ومتاعه، وجميع ما في الخيام.. كل ذلك رأته عقيلة بني هاشم عليها السلام ورأت حينما( أقبل أعداء الله لعنهم الله حتى أحدقوا بالخيمة، ومعهم شمر (لع)، فقال: ادخلوا فاسلبوا بزتهن[48]، فدخل القوم لعنهم الله فأخذوا ما كان في الخيمة حتى أفضوا إلى قرط كان في أذن أم كلثوم أخت الحسين عليه السلام فأخذوه وخرموا أذنها، حتى كانت المرأة لتنازع ثوبها على ظهرها حتى تغلب عليه، وأخذ قيس بن الأشعث لعنه الله قطيفة الحسين عليه السلام فكان يسمى قيس القطيفة، وأخذ نعليه رجل من بني أود، يقال له الأسود، ثم مال الناس على الورس والحلي والحلل والإبل فانتهبوها). [49]
4.الابتلاء بنقص في َالْأَنْفُسِ: لقد ابتليت العقيلة عليها السلام بفقد العديد من الأنفس العزيزة عليها كفقد إخوتها وأولاد إخوتها وأرحامها كالعباس وعلي الأكبر والقاسم وعبد الله الرضيع ومسلم وأولاده وغيرهم … حيث تذكر المصادر أن عدد الشهداء الهاشميين الذين ثبت استشهادهم في يوم عاشوراء من سنة : 61 هجرية بكربلاء هم واحد و خمسون شخصاً من الذكور بين صغير و كبير. [50]
وكل هؤلاء العظماء يهون مصابهم مقابل الحفاظ على حياة الإمام الحسين عليه السلام، ولكن العقيلة عليها السلام شهدت قتل سيد شباب الجنة والتمثيل به بطريقة لا مثيل لها، فقد رأته مرميا على الثرى جثة بلا رأس ، ولكن بأي هيئة ؟؟!!
يقول الإمام الباقر عليه السلام: أصيب الحسين بن علي عليه السلام ووجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم، فروي أنها كانت كلها في مقدمه لأنه عليه السلام كان لا يولي . [51]
تخيلوا معي… إمرأة مرهفة المشاعر .. تمر بتلك الظروف العصيبة والمواقف المؤلمة، ترى هذه المناظر البشعة أمام عينيها..
ورغم ذلك تأتي وتضع يديها تحت بدنه المقدّس ورفعته نحو السماء، وقالت: «إلهي تقبَّل منَّا هذا القربان»
نحن نعلم أن الله تعالى قد اختار نبي الله إبراهيم عليه السلام بأن يقدّم بنفسه القربان إليه والمتمثل بذبح ولده إسماعيل عليه السلام لامتحان إيمانه. ولكن الله فداه بذبح عظيم ,لحكمة وهي لكي يأتي من نسل إسماعيل نبي الرحمة محمد(ابن الذبيحين)، ومن ثّمَ يأتي من الرسول صلى الله عليه وآله الإمام الحسين عليه السلام وهو الذي سيكون قرباناً لله (ذبيح الله) لينال أعلى الدرجات عنده تعالى…
..وشاء الله أن يُكرم العقيلة ويجعلها هي من تقدّم هذا القربان لله …كما أكرم نبي الله إبراهيم عليه السلام بأن جعله هو من يقدم قربان ولده، ولكن الفارق واضح…لأن السيدة زينب عليها السلام تبقى امرأة طبيعتها التكوينية ذات عواطف جياشة، إلا أنها أثبتت للعالم أن المرأة بإيمانها لا تقل شأناً عن الرجل المؤمن العظيم، فإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.
السؤال المطروح: هل تَقَبّل الله قربان العقيلة عليها السلام؟
الجواب: لقد تقبّل الله منها هذا القربان قبولا حسناً، فقد روي عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمد عليهما السلام يقولان: إن الله تعالى عوّض الحسين عليه السلام من قتله أن جعل الإمامة في ذريته، والشفاء في تربته، وإجابة الدعاء عند قبره، ولا تعد أيام زائريه جائيا وراجعا من عمره. [52]
فالتعويض الأول بجعل الإمامة من ذريته هو الذي سيحقق الهدف الذي خُلقنا من أجله، وهو عبادة الله بالطاعة المطلقة إليه الذي صرّح به تعالى بقوله:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. [53]على يد الحفيد التاسع من ذرية الإمام الحسين عليه السلام وهو الإمام المهدي عج الذي سيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، حينما يرفع شعار الثورة بـ(يا لثارات الحسين)…فلولا هذا القربان لما بقي للإسلام أثر.
5.الابتلاء بنقص في الثَّمَرَاتِ: وصلت نوبة نقص الأنفس إلى نقص ثمرات فؤاد السيدة زينب (عليها السلام) وأفلاذ كبدها، أولئك الفتية الذين سهرت السيدة زينب لياليها، وأتبعت أيامها، وصرفت حياتها في تربية تلك البراعم، حتى نمت وأورقت.
إنها قدمت أغلى شيء في حياتها في سبيل نصرة أخيها الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث ألبست ولديها عون ومحمد لباس القتال، ومسحت عنهما الغبار وأعطتهما سيفيهما وأقبلت بهما إلى محضر أخيها الحسين عليه السلام تستأذن لهما المبارزة مع الأعداء، فلم يأذن لهما الإمام قد وقال : قد لا يرضى بذلك زوجك عبد الله.
فقالت السيدة زينب عليها السلام: بل هو الذي أرسلهما إليك وأوصاهما بالجهاد دونك، وأوصاني أن أقدمهما للمبارزة على غيرهما من أبناء إخوتي.
وبعد إصرار السيدة زينب عليها السلام على أخذ الإذن لولديها من أبي عبد الله عليه السلام، أذن لهم الإمام عليه السلام، فخرجا من الخيمة ترافقهما أمهما الحوراء زينب عليها السلام، واتجهوا إلى ميدان القتال.
لما رأي عمر بن سعد(لع) عوناً ومحمداً في الميدان، قال: عجبي لهذه المحبة بين زينب والحسين، كيف نَفِدت بولديها وقرة عينها دون أخيها الحسين!!
وبعد استشهاد محمد وعون، حملهما الإمام الحسين عليه السلام معاً ورجلاهما تخطان الأرض وجاء بهما إلى الخيمة، فخرجت نساء بني هاشم تستقبلهما إلا العقيلة زينب، أبت أن تخرج من خيمتها.
يقول السيد محمّد كاظم القزويني: لم أجد في كتب المقاتل أن السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) صاحت أو ناحت أو صرخت أو بكت في شهادة ولديها، لا في يوم عاشوراء ولا بعده.
ومن الثابت أن مصيبة ولديها أوجدت في قلبها الحزن العميق، بل وألهبت في نفسها نيران الأسى وحرارة الثكل، ولكنها (عليها السلام) كانت تخفي حزنها على ولديها، لأن جميع عواطفها كانت متجهة إلى الإمام الحسين (عليه السلام).
وهناك وجه آخر قد يتبادر إلى الذهن: وهو أن بكاءها على ولديها قد كان يسبب الخجل والإحراج لأخيها الإمام الحسين، باعتبار أنهما قتلا بين يديه ودفاعاً عنه، فكأن السيدة زينب ـ بسكوتها ـ تريد أن تقول للإمام الحسين (عليه السلام): ولداي فداء لك، فلا يهمك ولا يحرجك أنهما قتلا بين يديك. والله العالم. [54]
واستمرت العقيلة في صبرها على فقد أحبتها، وصبرت على الحفاظ على البقية الصالحة والنساء والأطفال، وصبرت على السبي وظلم العدوان حينما أركبوهن على نوق هزيلة تحدو بهن من كربلاء إلى الكوفة، ثم إلى الشام، وفي نهاية المطاف ( عادت مع الإمام السجاد وأهل بيته عليهم السلام إلى مدينة جدّهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا بلغ عبد الله بن جعفر زوجها ,مقتل ابنيه محمد وعون مع الحسين عليه السلام، جلس للعزاء عليهم، وأخذ الناس يدخلون عليه ويعزّونه بمصابه بهم، فلما اجتمعوا عنده قال: الحمد لله عزّ وجلّ على مصرع الحسين، إن لم تكن يداي واست حسيناً فقد واساه ولداي، والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى أقتل معه، والله إنّه لممّا يُسخي بنفسي عنهما، ويهون عليّ المصاب بهما، أنّهما أصيبا مع أخي وابن عمّي، مواسين له صابرين معه. [55]
ونقل العبيدلي العرجي في كتابه (أنساب آل أبي طالب)[56] بسنده عن مصعب بن عبد الله، قال: لما قام عبد الله بن الزبير بمكة، وحمل الناس على الأخذ بثأر الحسين، وخلع يزيد، وبلغ بعد ذلك أهل المدينة خطبت زينب فيهم وصارت تؤلّبهم على القيام للأخذ بالثأر، فبلغ ذلك الأمير الأموي على المدينة عمرو بن سعيد الأشدق وكتب إلى يزيد يُعلمه بالخبر.
فكتب يزيد إليه: أن فرّق بينها وبينهم (أهل المدينة). فأبلغها بالخروج من المدينة والإقامة حيث تشاء. [57]
وخرجت الحوراء زينب عليها السلام من المدينة كرهاً، في أواخر شهر ذي الحجة سنة 61 للهجرة أي قبل أن يحول الحول على قتل أخيها الحسين عليه السلام ومعها ابنتاه فاطمة وسكينة، والمشهور أنها توجهت إلى الشام. [58]
وبعد مضي سنة توفيت عشية يوم الأحد لخمسة عشر يوماً مضت من شهر رجب سنة 62 للهجرة. [59]
نعي لوفاة السيدة زينب عليها السلام [60]
| أناطر عالدرب ومتانيه العـــــــين | أخيتكم تريد اتمـــــوت يحســـــين | |
| اظن حانت وفاتي وكَرب البــين | وانه بغربه ووحيده ومالي امعين | |
| **** | ||
| بمصاب زينـــــــب كون تدرون | وي طرت الفجر للشــــام تلفـون | |
| واشوفنكم يخوتي اهنا تكَـــعدون | وعلى افراش المنيه من تشوفون | |
| **** | ||
| من يبجي يخوانــــــــــــي عليه | ومنهو الي يون ونه شـــــــجيه | |
| منهو اليســـــــــــــــويلي عزيه | غريبه اندفن حدر يالوطـــــــيه | |
| **** | ||
| وحشه البيت خالي ابلايه خوان | من ينصب عزه ويقرالي قرآن | |
| من ينعه عليه من آل عــــدنان | ظلت خاليه منهـــــــــم الديران | |
| *** | ||
| تمنيت الحســين بداري موجودومن | ويقرالي عزيــه وكَلبه ممــرود | |
| بعده الكفيل ايصير رادود | وبنص العزا جسام شـــــادود | |
| **** | ||
| وكل هاشــم تون اعله الرزيه | وعلى زينـب ينصبون العزيه | |
| وردتهم تصير بهالمســــــــيه | آخ اعليج أحاه يالســـــــــــبيه | |
| **** | ||
| هيج واشــوف أولادي يبجون | عبد الله ابنـــــي حاظر وعون | |
| وبالفاتحه همــــــــه اليكَعدون | وينعون يايمــــــــه ويلطمون | |
ابيات ابوذية في حق وفاة السيدة زينب (ع)
| أنا زينب وصبري هاجمني | أنا ونار المصايب هاجمني | |
| ثلاثة من ثلاثة هاجمني | زماني وكربلاء وقومي عليا | |
| *** | ||
| تقول وحقك ما شفت راحم وناصح | وشمر بالسوط يضربني وناصح | |
| لون حاضر ياخو زينب وناصح | أبد ما جا ما جسر واحد علي | |
| *** | ||
| ضعت وتحيرت ياحسين بعدك | ألف ياحيف مني الدهر بعدك | |
| أنا ماردت العمر ياحسين بعدك | عمت عيني من أشوفك على الوطية | |
| **** | ||
| جن وياك كص نحري وحزني | وعكبك مابطل نوحي وحزني | |
| أخذني الدهر من عندك وحزني | ومشيت ميسره غصبن عليه | |
| **** | ||
| من مثلي تعذبت من صباها | ودم يجري دمعها من صباها | |
| يبو فاضل العينك من صباها | انهدم سوري وعدوك شمت بيه | |
| ***** | ||
| الـــدهر شتـــت شـــملنه بالضعينة | ودلـــيــلي سيـــوف اميه بالضعينة | |
| وســافه الــشــمر يحدي بالضعينة | وأبـــو فــاضـل عــلى الغبره رميه | |
[1] البقرة/155-157.
[2] العنكبوت/2-3
[3] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٧٩ – ص ١٢٥.
[4] مواهب الرحمن في تفسير القرآن- السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري – ج 2 -ص168.
[5] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٧٩ – ص١٢٥-126.
[6] البقرة/156-157.
[7] البقرة/156.
[8] ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٢ – ص ١٥٦٣.
[9] الكافي-الكليني- ج2- ص90.
[10] أخلاق أهل البيت- محمد مهدي الصدر – ص 101.
[11] جامع السعادات-النراقي- ج 2- ص 438.
[12] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٦٨ -ص 76.
[13] البقرة/155-157.
[14] الأنعام/90.
[15] بحار الأنوار-المجلسي- ج٦٧- ص٢۰٤.
[16] تفسير العياشي : 2 | 66 ح 76.
[17] جواهر التاريخ – الشيخ علي الكوراني العاملي – ج ١ – ص١٢٧.
[18] نظم درر السمطين : 191 .
[19] أعلام الهداية- المجمع العالمي لأهل البيت ( ع ) -ج 3- ص93-97.
[20] النمل/16.
[21] مريم/5-6.
[22] الأنفال/75.
[23] النساء/11.
[24] البقرة/180.
[25] الاحتجاج – الشيخ الطبرسي – ج ١ -ص ١٣٢.
[26] روضة الواعظين- الفتال النيشابوري – ج 1- ص 151.
[27] زاد المبلغات-مياسة شبع-ج3- المحاضرة العاشرة.
[28] تفاصيل الرواية في بحار الأنوار –العلامة المجلسي-ج 43 -ص177.
[29] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٧٩ – ص ١٢٥-126.
[30] الأمالي – الشيخ الصدوق – ص ٥٧٥.
[31] فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمّة من ذريّتهم عليهم السلام ، ج ۲ ، ص ٦٦.
[32] كتاب من فقه الزهراء-السيد محمد الحسيني الشيرازي -ج1-62-بتصرف.
[33] الأحقاف/15.
[34] كامل الزيارات-إبن قولويه القمي-ص122.
[35] اللهوفُ- ابنِ طاووس-ص40.
[36] أهل البيت في الكتاب والسنة – محمد الريشهري – ص ٢٩١.
[37] آل عمران/47.
[38] معالي السبطين 2: 27.
[39] الصافات/103-105.
[40] بحار الأنوار -الشيخ المجلسي-ج 45 -ص 115.
[41] الروم/7.
[42] التكاثر/5-6.
[43] الأمالي – الشيخ الصدوق – ص ٢١٧
[44] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٢٨ – ص٥٧.
[45] الكافي –الكليني-ج 2 -ص 307 -ح 4 .
[46] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٤٥ – ص ١١٤.
[47] زينب الكبرى- الشيخ جعفر النقدي ، ص ٥٩.
[48] البزّة: الرداء.
[49] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٤٥ – ص ٦٠.
[50] حصلنا على هذه المعلومات القيِّمة من دائرة المعارف الحسينية : قسم معجم الأنصار الهاشميين : الجزء الثالث ، لآية الله المُحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي ( حفظه الله ) .
[51] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٤٥ – ص ٨٢.
[52] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٤٤ -ص ٢٢١.
[53] الذاريات/56.
[54] زينب الكبرى (عليها السلام) من المهد إلى اللحد- السيد محمّد كاظم القزويني – ص199-202.
[55] وقعة الطف: 272 – 274، عن تاريخ الطبري، 5:466 وإرشاد المفيد 2:124.
[56] إن أقدم مصدر معتبر لأخبار السيدة زينب عليها السلام هو ما كتبه السيد علي بن الحسين العبيدلي الأعرجي، المنسوب إلى عبيد الله الأعرج بن الحسين بن علي بن الحسين السجاد عليهم السلام، الذي أدرك الإمام الرضا عليه السلام وروى عنه، له كتاب: أنساب آل أبي طالب، ولذا عًرّف بالعُبيدلي النسّابة، وله رسالة أخبار الزينبيات، جمع فيه الأخبار التي تخصّ المسمّيات بزينب المنتسبات إلى بني هاشم منهن، أو من غيرهنّ، ومنهنّ السيدة زينب بنت فاطمة عليهما السلام، وهي رسالة مطبوعة ومنشورة.
[57] السيدة زينب وأخبار الزينبيات للعُبيدلي ص 19 -22، نشر حسن محمد قاسم ط المنيرية، بمصر.
[58] المشهور أن قبر السيدة زينب (ع) يقع في جنوب العاصمة السورية دمشق حيث سميت المنطقة التي دفنت فيها بـ “الزينبية”كما ذكر ذلك الشيخ القرشي، في كتابة السيدة زينب بطلة التاريخ، ص 298 – 303.
[59] السيدة زينب عليها السلام في تاريخ الإسلام – بتصرف.
[60] للشاعر أبو علي الركابي
