لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
عنوان المحاضرة: الصّاحِبُ ساحِبٌ
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
رُوِيَ عن الإمام الصادق عليه السلام:
«لَا تَصْحَبُوا أَهْلَ الْبِدَعِ وَلَا تُجَالِسُوهُمْ فَتَصِيرُوا عِنْدَ النَّاسِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ وَقَرِينِه».[1]
إن الإنسان كائن اجتماعي لا يرغب في العيش وحيداً في هذه الحياة، فهو منذ طفولته بحاجة إلى أمه وأبيه كي يرعوه، بحاجة إلى إخوة يحادثهم ويكونون معه في البيت، ومع تقدم عمره يصبح بحاجة إلى أصدقاء يتشارك معهم الأحداث التي تمر بحياته.[2]
ومن الآثار المترتبة على الصداقة هو التأثير على الأفكار والأخلاق والسلوك، ولذا قيل (الصاحب ساحب) للدلالة على أن صحبة الأشخاص الخيِّرين تسحبك نحو الخير، بينما الصحبة السيئة وأصدقاء السوء يسحبون الشخص ويجرّونه لطريق الشر؛ لأنَّ المرء يُشابه صديقه، ويتأثر به وبتصرفاته وبسلوكياته، باعتبار الطباع تسرق الطباع، وصدق الشاعر حينما قال:
| عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه | فكـل قرين بالمقارنِ يقتـدي | |
| وإن كنت في قوم فصاحب خيارَهم | ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي |
يقول توم راث في كتابه (الصداقة المفعمة بالحيوية)، إذا كنت تتساءل عن السبب الذي يدفع الناس للبقاء خارج بيوتهم، أو الأسباب التي قد تؤدي إلى فشل الزيجات، أو ما الأسباب التي تشجع الآخرين على الأكل بشراهة، أو تغير نظام الأكل بشكل أكثر صحة، أو الإقدام على البدء بالانتظام في برنامج للرشاقة، فإن الأسباب في العادة لا صلة بينها وبين الفقر أو الرفاهية، إنما قد تُعزى معظم الأسباب إلى إيقاع اللوم على الصداقات في حياتنا.[3]
(إن الأصدقاء يساهمون بنسبة عالية في تشكّل شخصيّة الشباب الدينيّة والأخلاقيّة، فما أكثر الشباب الذين انحرفوا إثر مجالستهم أصدقاء السّوء، حيث يقولون بعد إدراكهم لخطئهم واشتباههم:﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾[4]
وعن الإمام علي عليه السلام: «واعلموا إنّ مجالسةَ أهل الهَوَى منسأةٌ للإيمان، ومُحضِرَةً للشيطان».[5]
وإنّ خوف بعضهم من العزلة قد يدفعه للانخراط في أوساط مجموعة من الزملاء والأقران غير المناسبين، وربما الخطرين -أيضاً-كلّ ذلك من أجل التغلّب على مشاعر العزلة، والنبذ الاجتماعيّ، أو من أجل إثبات الذات، من هنا ينبغي على الأبوين مراقبة علاقات المراهق الاجتماعيّة، خصوصاً من ناحية صداقاته، بالإضافة إلى توعية أبنائهم على كيفيّة إقامة علاقات صحيحة وسليمة مع الآخرين، وكيفيّة انتخاب الأقران)[6]
مباحث الرواية الصادقية
المبحث الأول: تفسير الرواية
إن الإمام الصادق عليه السلام يأمرنا بعدم صحبة أهل البدع ولا مجالستهم، لقوله: «لَا تَصْحَبُوا أَهْلَ الْبِدَعِ وَلَا تُجَالِسُوهُمْ»، والسؤال المطروح: من هم أهل البدع؟
البدعة: هي إدخال ما ليس من الدين في الدين[7]، كإباحة محرّم، أو تحريم مباح، أو إيجاب ما ليس بواجب أو ندبة.[8]
واتفق الفقهاء سنة وشيعة على حرمتها وأنها من الكبائر، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار..».[9]
وفي زماننا الذي نعيش فيه كَثُر فيه العُصاة من أهل البدع والفسوق، فنحن نرى السافرات والمتبرجات والمخنثين والشواذ والسامعين للأغاني وغيرهم، القسم الأول منهم لا ينكرون حرمتها إلا أنهم لا ينتهون عنها، باعتبارهم عبدة للهوى والشهوات، وهؤلاء يسمّون بالفاسقين. ولقد نهتنا الشريعة عن صحبة الفاسق، حيث روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «َ إيَّاكَ ومُصَاحَبَةِ الفاسِقِ، فإنَّه بَايَعَكَ بِأكلِةٍ»[10]، والفاسق هو الذي يعصي أوامر الله، ومن صفاته أنه يبيع الآخرين عند أدنى مشكلة، ولا يكسب منه الإنسان الإّ الصفات الرذيلة بسبب انحرافه عن خط الشريعة.
والقسم الآخر من العاصين الذين يعلمون أن هذه الأفعال محرّمة شرعاً وتوجد أدلة تثبت ذلك، إلا أنهم ينكرونها ويشرّعون خلافها؛ لأنهم يعملون برأيهم لا برأي الله، كأن يحللون حرام الله أو يحرّمون حلاله، فهؤلاء من مصاديق أهل البدع، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «وأما أهل السنة فالمتمسكون بما سنه الله لهم ورسوله، وإن قلّوا، وأما أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله تعالى وكتابه ولرسوله، والعاملون برأيهم وأهوائهم، وإن كثروا…»[11]
ولقد نهتنا الشريعة عن صحبة أهل البدع لقوله عليه السلام «لَا تَصْحَبُوا أَهْلَ الْبِدَعِ وَ لَا تُجَالِسُوهُمْ» وسبب ذلك يذكره الإمام الصادق عليه السلام بقوله: «فَتَصِيرُوا عِنْدَ النَّاسِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ»، بمعنى أن صحبة وصداقة أمثال هؤلاء سيترتب عليه إساءة لسمعتكم، وسيعدونكم من أهل البدع، روي عن الإمام الصادق عليه السلام عن أبيه قوله له: «يا بني من يصحب صاحب السوء لا يسلم ومن يدخل مداخل السوء يُتّهم.. » [12]، فكما قيل (الطيور على أشكالها تقع).
ثم يستشهد الإمام الصادق عليه السلام بقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ وَ قَرِينِهِ » بمعنى أن الإنسان متبعٌ ومطيعٌ لنهج خليله -وهو الصديق الحميم-وقرينه- أي الذي صاحبه ولازمه- فإذا كان فاسقاً وفاجراً فسوف يقلّده في ذلك؛ لأن المحب لمن أحب مطيع، ولذا سيؤثر سلباً على الأفكار والأخلاق والسلوك، وعلى فرض عدم تقليدهم فيكفي لتركهم قول الذي لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى: «من أحب قوما حشر معهم، ومن أحب عمل القوم أشرك في عملهم » [13] والنتيجة هي خسران الدنيا والآخرة لتضييع دينهم.
علماً أن النهي لا يقتصر على أهل البدع بل يشمل غيرهم، فلقد نهتنا العديد من الروايات عن صحبة الأحمق الكذّاب، وصاحب الغاية الدنيوية، والضال المضل، والفاجر، والبخيل والفاسق، والقاطع لرحمه والكافر، والشرير وصاحب اللهو، والجبان، وناشر المثالب، ومجهول الموارد والمصادر، والزاهد بأخيه، والنمّام والخائن والظلوم، ومتتبع العيوب، وكل واحدة من هذه العناوين ورد بحقها روايات عن أهل البيت عليهم السلام، ولضيق الوقت لم نذكرها.
المبحث الثاني: أضرار صديق السوء
يجب على المربي أن يُقنع أولاده على ترك أصدقاء السوء بالحوار المقنع، منها أن يطلب منه أن يذكر أضرار صديق السوء، والأفضل أن يجعل الحوار على شكل مسابقة؛ لأنها سترسخ في أذهانهم أكثر من طرحها كمحاضرة، ونذكر من الأضرار ما يلي:
1. انحراف السلوك بالتبعية: رُوِيَ عَنْ الإمام عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام: «لا يواد الأشرار إلا أشباههم».[14]
قال الصادق عليه السلام: «لا تصحب الفاجر فيعلمك من فجوره».[15]
فصحبة أصدقاء السوء تعلّم على تعاطي المخدرات، أو تناول الكحول، أو التبرج والسفور، أو سماع الأغاني، أو ترك الصلاة، أو عقوق الوالدين، أو اللعب بالقمار، أو الشذوذ، أو التخنيث، أو السرقة… إلخ
2. إساءة السمعة في الدنيا والندم والحسرة يوم القيامة:قال تعالى:﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾[16]
3. الغدر والخيانة: روي عن الإمام الجواد عليه السلام: «إياك ومصاحبة الشرير؛ فإنه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره».[17]
4. نشر الأسرار: روي عن علي عليه السلام: «جمع خير الدنيا والآخرة في كتمان السرّ، ومصادقة الأخيار، وجمع الشرّ في الإذاعة ومؤاخاة الأشرار».[18]
5. الشماتة: قال تعالى:﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَة تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَة يَفْرَحُوا بِهَا إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾[19]
6. الخذلان: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما من امرئ خذل مسلماً في موطن ينتهك فيه حرمته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته».[20]
7. الاستغلال: قال الإمام الصادق عليه السلام: «واحذرْ أنْ تؤاخي من أرادك لطمعٍ أو خوفٍ أو ميلٍ أو مالٍ أو أكلٍ أو شربٍ واطلبْ مؤاخاةَ الأتقياءِ».[21]
8. ذكر العيوب: قال الإمام الصادق عليه السلام: «ومن نمّ إليك سينمّ عليك»[22]
عن أمير المؤمنين عليه السلام: «إياك ومعاشرة متتبعي عيوب الناس؛ فإنه لم يسلم مصاحبهم منهم».[23]
9. يكون مشمولاً بالغضب الإلهي: قال لقمان لابنه: يا بني…. وأبعد من الأشرار والسفهاء فربما أصابهم الله بعذاب فيصيبك معهم وإن كنت صالحاً، وقد أفصح الله سبحانه وتعالى بقوله:﴿ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾[24]
رُبّ تساؤل يرد: لماذا لزم عليّ ترك صديق السوء رغم أنني لن أتأثر به؟
الجواب: هذا الادعاء غير صحيح، فلا تكن واثقاً من نفسك كثيراً بعدم تأثّرك بالصديق وبالأخص المقرّب، فإنك لو لم تتأثر بسلوكه المنحرف في الأيام الأولى فستجد نفسك نسخة منه ولو بعد حين، وهذا التأثير يذكره لنا الرسول صلى الله عليه وآله بتشبيه جميل، حيث قال: «مَثَلُ الجليس الصالح والجليس السوء مثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك، إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك، أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة»[25]
وهُناك إثباتاتٌ وأدلّةٌ من النّاحية النّفسية والرّوحية والعقلائية، نذكر منها ما يلي:
1-من جملة الأمور الّتي توصل إليها علماء النّفس، هو وجود روح الُمحاكاة (التقليد) في الإنسان، يعني إنّ الأفراد ينطلقون في حركة الحياة، من موقع الشّعور واللاّشعور، بمُحاكاة أصدقائهم وأقاربهم، فالأشخاص الّذين يعيشون حالة الفرح والسرور، ينشدون الفرحة والحُبور من حواليهم، والعكس صحيح.
علماً أن تأثير الصديق على صديقه ليس تأثيراً فجائياً ملموساً ليتعرف من خلاله بسهولة على موقع الخطأ والصواب، بل هو تأثير تدريجي يومي، قد لا يظهر في البداية ولكنه سيظهر بعد مدّة، مثال ذلك: لو كان لديك صندوق من الطماطم السليمة، ولكن جعلت فيها حبة طماطم واحدة فيها عفن، فأنت قد لا ترى في اليوم الأول أنها أثّرت على الطماطم الملاصقة لها، ولكن بعد مرور يومين أو ثلاثة سينتقل العفن إلى ما يجاورها… وكذلك الحال مع المريض بالإنفلونزا، فبعد مدة قصيرة ستنتقل العدوى لمن يصحب المريض.. وهذا الأمر ينطبق على انتقال عدوى السلوك والخلق المنحرف إلى الصديق المقرّب، ولذا كثيراً ما نسمع هذا القول من آبائنا وأجدادنا: (لا تربط الجرباء حول صحيحة، خوفاً على تلك الصحيحةِ تجربُ)
2- إن مَشاهدة القبائح وتكرارها، يُقلّل من قبحها في نظر المشاهد، وبالتدريج تصبح أمراً عاديّاً، ونحن نعلم أنّ إحدى العوامل المؤثّرة في ترك الذنوب والقبائح، هو الإحساس بقبحها في الواقع النّفسي للإنسان، لذا فالشريعة لم تكتفِ بتحريم شرب الخمر-فقط-، بل حرّمت حتى الجلوس على مائدة فيها خمر، وعندما نأتي للواقع نجد أن التبرج، والسفور، والخيانة، والعلاقات غير الشرعية، كل هذه قبل عشرات السنوات كانت أمراً قبيحاً للغاية ولكن بسبب التكرار-ولو عن طريق الإعلام- والسكوت عنه صار بعض الناس لا يراه قبيحاً فقلدوهم.
3- تأثير التّلقين في الإنسان غير قابل للإنكار، وأصدقاء السّوء يؤثرون دائماً على رفقائهم في دائرة الفكر والسّلوك من خلال عمليّة التلقين والإيحاء، فيقلبون عناصر الشرّ في إعتقادهم إلى عناصر الخير، كأن يقول صديق السوء (إن الشذوذ والتخنيث أو التبرج والسفور حرية شخصية)[26]فالعاصي يحاول إيجاد تبريرات لمعصيته؛ كي لا يبدو قبيحاً عند صديقه، وعلى هذا سينخدع ويقتنع بالفكر المنحرف فيعصي الله.
4- المُعاشرة لرفاق السّوء، يشدّد سوء الظن في الإنسان مع الجميع، وتفضي به هذه الحالة النّفسية السلبيّة إلى السّقوط في وادي الذّنوب والفساد الأخلاقي، فنقرأ في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام : « مُجالَسَةُ الأَشرارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بالأَخيارِ »[27]، كأن يقول لك: (لا تصدّق ما يقوله فلان الذي يدّعي العلم والصلاح لأنه كاذب ..إلخ)
وجاء في حديث آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «أنّ معاشرة رفاق السّوء تميت القلب، فقال: «أَربَعٌ يُمِتنَ القَلبَ… وَمُجالَسَةُ المَوتى، فَقِيلَ لَهُ يا رَسُولَ اللهِ وَمَا المَوتى؟، قَالَ صلى الله عليه وآله: كُلُّ غَنِيٍّ مُسْرِف»[28].[29]
5-ترك أصدقاء السوء مهم لدفع التهمة عن نفسك: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «شر الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً». [30]
وعنه عليه السلام: «من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن»[31]
6-إن ثقتك بصديق السوء لن تدفع عنك الضرر المتأتي عنه، فقد يخونك ويغدر بك وأنت لا تعلم.
المبحث الثالث: كيف أميّز الصديق الصالح عن الطالح؟
يُجيب على هذا السؤال مولى المتقين وأمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام بقوله: «الإخوان صنفان، إخوان الثقة وإخوان المكاشرة».[32]
أي قسّمهم الإمام إلى قسمين:
الأول: إخوان المكاشرة، أي إخوان العلاقات الرسمية الذين يعاملهم المعاملة الحسنة، كالمعارف والزملاء والأصحاب في الدراسة والعمل والجيران، لكن من دون توطيد لهذه العلاقة، باعتبارهم ليسوا من الأصدقاء الحميمين، الذين يفتح لهم قلبه، ويعرض عليهم مشاكله وأسراره.
وسماهم بالمكاشرة؛ لأنّ «كاشر» في اللغة العربية بمعنى ابتسم من دون صوت، مما يعني أنه لم يتفاعل في ابتسامته من داخله، وإنّما اقتصر على الابتسامة الخفيفة، ليُحافظ على لياقة العلاقة العامّة.
الثاني: إخوان الثقة، وهم الذين يتخذهم أصدقاء حميمين يفتح لهم قلبه، ويُوطّد علاقته بهم[33]، وإخوان الثقة هم من وجب عليّ أن اختار منهم الصديق الصالح
أيّها المربّي أخبر ولدك بجلسة هادئة بأن الصداقة المقبولة والمعترف بها إسلامياً هي الصداقة القائمة على أسس صحيحة، وعلاقات متكافئة، وهذه الصداقة لها حدودها ومواصفاتها، فالصديق الثقة السّند هو الذي وجب أن تتوفر فيه صفات رئيسية، من أبرزها ما يلي:
1. أن يكون محباً: قال الإمام الصادق عليه السلام: «وسمُّوا أصدقاءً لأنَّهم تصادَقوا حقوقَ المودّةِ».[34]
2. أن يكون حافظاً: عن الإمام علي عليه السلام: «لا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلَاثٍ فِي نَكْبَتِهِ وَغَيْبَتِهِ وَوَفَاتِهِ»[35]، ومنها أن يكون حافظاً لأسرارك.
3. أن يكون مهتماً: عن الإمام علي عليه السلام: «من أهتمّ بك فهو صديقك». [36]
4. أن يكون صادقاً وناصحاً: عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «إنَّما سميَ الصديق صديقاً لأنَّه يصدقك في نفسك ومعايبك؛ فمن فعل ذلك فاستنم إليه فإنه الصديق».[37]
5. أن يكون مؤمناً متقياً غير فاسق: روي عن الإمام علي عليه السلام: «الصديق من كان ناهياً عن الظلم والعدوان، معيناً على البر والإحسان».[38]
روي عن الإمام علي عليه السلام: «المعين على الطاعة خير الأصحاب».[39]
وعنه عليه السلام: «من دعاك إلى الدار الباقية وأعانك على العمل لها، فهو الصديق الشفيق».[40]
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: «أنظر إلى كل من لا يفيدك منفعة في دينك فلا تعتدن به، ولا ترغبن في صحبته، فإن كل ما سوى الله تبارك وتعالى مضمحل وخيم عاقبته».[41]
المبحث الرابع: الاختبار قبل الاختيار
أسأل ولدك: هل يمكننا معرفة مستوى الطالب بدون امتحان واختبار؟ الجواب (كلا)… هل يمكننا معرفة ضغط دم الإنسان بدون اختبار بجهاز؟ الجواب: (كلا)
هل يمكننا معرفة وزن الطعام بدون اختبار بميزان؟ الجواب: (كلا)
ونحن عندما نريد أن نكتشف كون الصديق صالح أم طالح، فهل تعتقدون أننا سنعرف حقيقته بالظاهر أم بالاختبار؟
الجواب: حقيقتهم نكتشفها بالاختبار لا لمجرد التخمين بأنه صديق ثقة، لذا مشكلة الذين اصطدموا بالأصدقاء هي أنهم تسرّعوا في منحهم الثقة قبل الاختبار، قال الإمام علي عليه السلام: “لا تثق بالصديق قبل الخبرة”[42]، وعنه عليه السلام: قدم الاختبار في اتخاذ الإخوان، فإن الاختبار معيار تفرقُ به بين الأخيار والأشرار. [43]
فالاختبار يكشف لنا حقيقته لأن الأصدقاء على طبقات، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « إن الذين تراهم لك أصدقاء إذا بلوتهم وجدتهم على طبقات شتى: فمنهم كالأسد في عِظم الأكل وشدة الصولة، ومنهم كالذئب في المضرة، ومنهم كالكلب في البصبصة، ومنهم كالثعلب في الروغان والسرقة، صورهم مختلفة والحرفة واحدة، ما تصنع غداً إذا تركت فرداً وحيداً لا أهل لك ولا ولد، إلا الله رب العالمين؟!».[44]
السؤال المطروح هو: كيف أختبر الصديق؛ لأعرف أنه ثقة؟
إنَّ المؤمن الواعي، حينما يريد اتخاذ أخ الثقة، عليه أن يتعرّف على حقيقته من خلال العِشرة والمواقف والاختبار، وهناك مواقف ينبغي اختباره فيها يذكرها لنا أئمتنا الأطهار ونذكر منها ما يلي:
* اختباره عند الغضب والمال والسفر، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «لا تُسمِّ الرجل صديقاً سمةً معروفةً حتى تختبره بثلاث:
1-تغضبه، فتنظر غضبه يخرجه من الحق إلى الباطل.
2-وعند الدينار والدرهم.
3-وحتى تسافر معه»[45]
فالحالة الأولى اختباره عند الغضب، كأن تتعمّد عمل مواقف معه لترى ردّة فعله، هل سيغضب ويسئ إليك، ويتخلى عنك أم يصبر ويكظم غيظه ولا يتعدّى عليك، أو يفشي أسرارك ويغتابك، جاء في الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا أردت أن تعلم صحة ما عند أخيك فأغضبه، فإن ثبت لك على المودة فهو أخوك وإلا… فلا»[46]
وأما الحالة الثانية فهو الاختبار عند المال، فاختبره حينما يقترض منك مبلغاً هل سيرجعه أم سيماطل؟!، أو اختبره لما تقترض منه مالاً –حسب قدرته-هل سيقرضك أم يخذلك؟!، أو اختبر أمانته بأن تجعل شيئاً بقربه له قيمة مالية، ومثّل أنك لا تراه لتتأكد هل سوف يسرقها أم لا، روي عن الإمام علي عليه السلام: «في الضِّيقِ يَتَبَيَّنُ حُسْنُ مُوَاسَاةِ الرَّفِيق».[47]
وأما (الحالة الثالثة فهي الاختبار عند السفر ، فطرح مسألة السفر ليس له موضوعيّة، وإنّما المرادُ أن يتعرّف على طبيعته الحقيقية؛ لأنَّ الإنسان يستطيع أن يُحافظ على تطبُّعه، ويُخفي طبيعته في كثير من المواقع، لكن هذا الإنسان أحياناً في بعض الأمكنة تنكشف حقيقته أكثر، كأن يُسافر مع رفاقه سفراً متعباً يكون معهم فيه لأيام عديدة، فإنّ من الصعب عليه أن يُخفي طبيعته[48]، فمثلاً بعض النسوة المحجبات بحجاب شرعي حينما يسافرن للسياحة يتنازلن عن شيء من عفتهن، كأن يرتدين البنطال الضيق ويتبرجن، وهنا ينكشف إيمان الإنسان الحقيقي.
قال الإمام علي بن أبي طالب لابنه الحسن عليهما السلام: «يا بني سل عن الرفيق قبل الطريق».[49]
* اختباره في وقت الضيق، لتتأكد هل سيخذلك بالشدة أم يواسيك في محنتك، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام: «في الشدة يختبر الصديق» [50]
روي عن الإمام علي عليه السلام: «لا يعرف الناس إلا بالاختبار، فاختبر أهلك وولدك في غيبتك، وصديقك في مصيبتك، وذا القرابة عند فاقتك، وذا التودد والملق عند عطلتك، لتعلم بذلك منزلتك عندهم».[51]
وهناك مواقف أخرى يمكنك اصطناعها لتكتشف خلوه من الصفات التي نهانا أهل البيت عليهم السلام عن صحبة من يتخلّق بها.
المبحث الخامس: سبع أفكار في التعامل مع الصديق المتسلط
أيّها المربّي إذا كان ولدك يشتكي من تسلط بعض الأصدقاء، وتشعر أن ابنك لا يحسن التعامل مع الصديق المتسلط فهناك سبعة حلول عملية لتدريب وتعليم ابنك كيفية التعامل مع هذا الصديق، وهذه الحلول هي:
الفكرة الأولى: مَثّل مع ابنك دور الصديق المتسلط فكن أنت المتسلط وحاور ابنك أو ابنتك، ثم استمع لردودهم، وراقب تصرفاتهم معك، ستعرف إذا كان ابنك يحسن التعامل مع المتسلط، أو أنه ضعيف أمامه، فمثلاً أخبر ابنك بأنك ستدعوه للعب بالألعاب الإلكترونية، وهو يريد أن يكمل واجباته المدرسية، وابدأ الحوار معه وانظر كيف يرد عليك ويتعامل معك، فإذا شعرت بأنه ضعيف فعلّمه كيف يرد عليك ويتعامل معك، فإذا وجدته مازال ضعيفاً فدربه أن يكتب بعض الكلمات التي تجعل شخصيته مستقلة وقوية، فيحفظ هذه الكلمات ويرددها في المواقف الحرجة مثل «هذا رأيك ولكنه لا يناسبني» أو «الوقت لا يناسبني الآن أن أخرج معك فعندي شيء مهم لابد من إنجازه» أو «لا أحب أن أعمل شيئاً يغضب ربي أو والدي» وهكذا.
الفكرة الثانية: أن تطلب من ابنك أن يكتب لك خمسة حلول ذكية في التخلص من الصديق المتسلط ثم ناقش معه هذه الحلول، وقدم له أمثلة تساعده مثل أن يكون حازماً أو قوياً معه، فإذا لم يتركه المتسلط فيعتذر منه ويذهب لمكان آخر فيبتعد عنه، أو أن يواجهه ويقول له لا تفرض رأيك وأفكارك عليّ.
الفكرة الثالثة: أن تشرح لابنك صفات الصديق المتسلط حتى يعرف ويميز بين الصديق المتسلط والمتعاون، فالأول يفرض رأيه بقوة ولا يسمح له بالتعبير عن رأيه ويلزمه بتنفيذ طلباته، أو أنه يقاطعه ويستهزئ به، وأحياناً يرفع صوته ويستخدم العنف من أجل الاستجابة لأوامره، أو يستخدم أصدقاء آخرين للضغط عليه، أما المتعاون فهو الذي يقول رأيه ويستمع للرأي الآخر ولا يهدد أو يغضب إذا لم تنفذ أوامره.
الفكرة الرابعة: علم ابنك استخدام معيار رضا الله على ما يفرضه الصديق المتسلط، فلو قال له جرب التدخين ولو نفخة واحدة، أو جرب أن تشاهد هذا الفيلم الإباحي، أو جرب تشرب شربة واحدة من الكحول، فيرد عليه بقوة «أنا أفعل ما يرضي ربي».
الفكرة الخامسة: وهي أن تعلم ابنك أن يقول كلمة «لا»، وخاصة عندما يفرض الصديق سيطرته عليه، حتى ولو كان خارجاً معه وطلب منه عمل شيئاً خاطئاً فلا تستجب له وإذا ضغط عليه فمن حقه أن يتركه.
الفكرة السادسة: علم ابنك أنه في حالة استمرار الصديق المتسلط في تسلطه وضغطه فعليه أن يكون من حقه مقاطعة صداقته والكلام معه ويكتفي بالسلام عليه.
الفكرة السابعة والأخيرة: أخبره في حالة لو أراد إنهاء صداقته فليكن ذلك بطريقتين: الأولى، مواجهته وإخباره بإنهاء الصداقة ويفضل أن يكون وحده عند الحديث معه، والثانية، البعد عنه وتجنب أماكن وجوده من غير إخباره.
وهناك معلومة في الصداقات مهمة جداً يجب أن تخبرها ابنك وهي أن كل علاقة بين اثنين عندما تقطع فإن أحدهما يشعر بالحزن، فإذا شعر ابنك بالحزن فأخبره بأن هذا أمر طبيعي، فما دمت أنك تركته لله، فالله يعوضك خيراً منه.
هذه سبع أفكار وحلول عملية تساعد ابنك حتى لا يسيطر عليه الصديق المتسلط، وإذا شعرت بأن ابنك ما زال غير ناضجاً، ولا يستطيع التمييز بين الأصدقاء فساعده من خلال مصادقة أصدقائه للتعرف عليهم، وساعده في التحليل والتشخيص لشخصية أصدقائه.[52]
وينبغي إذا تأكد الفرد من كون صديقه تنطبق عليه مواصفات صديق السوء أن لا يتأخر عن ترك صحبته، بل ليهرب منه كما يهرب أحدنا من النار وإلا سيهلك كما هلك الضفدع لأنه تأخر في القفز …حيث تذكر الدراسات بأن العلماء أجروا تجربة يمكنكم مشاهدتها؛ بأن تكتبوا في المتصفح الإلكتروني (تجربة الضفدع والماء المغلي) ومضمونها بأنك إذا أمسكت ضفدعاً ووضعته في وعاء من الماء وأشعلت النار تحت الوعاء ستلاحظ شيئاً مثيراً للاهتمام وهو أن الضفدع يتكيف مع درجة حرارة الماء ويبقى في الماء ومع زيادة درجة الحرارة الضفدع يستمر في التكيف، ولكن عندما تصل المياه إلى نقطة الغليان حينها الضفدع لا يستطيع القفز من الوعاء، لا يمكنه ذلك، لأنه أصبح ضعيفاً جداً ومتعباً بسبب الجهود التي بذلها للتكيف مع درجة الحرارة، يقول بعضهم أن ما قتل الضفدع هو الماء المغلي… لكن في الواقع ما قتل الضفدع هو عدم مقدرته على تحديد متى يقفز، فهو لو قفز في البداية حينما شعر بارتفاع درجة الحرارة، ولم يجبر نفسه على التكيف لما انتهى به الحال للموت…
المبحث الخامس: نُدّرة الصديق الصالح!!
قد يسأل أحدكم قائلاً: لو تركت كل صديق فاسق، فلن أجد صديقاً؛ لأن الأغلبية صاروا منحرفين، فماذا افعل في حال عدم وجود صديق صالح؟
الجواب: إن كون الأغلبية فاسقين وعلى باطل، حقيقةٌ ذكرها تعالى قائلاً:﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾[53]، وبالأخص في هذا الزمان، روي عن أبى الجارود عن أبى عبد الله عليه السلام، قال: “يأتي على الناس زمان ليس فيه شيء أعز من أخ أنيس، أو كسب درهم من حلال”.[54]
ولكن رغم ذلك ننصح باتباع النقاط الآتية:
1. عدم اليأس والاستمرار في البحث عن الصديق الصالح، رُوي عن صادق آل محمد صلى الله عليه وآله أَنَّه قال في وصيةٍ له: «وَاطْلُبْ مُؤَاخَاةَ الأَتْقِيَاءِ وَلَوْ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَإِنْ أَفْنَيْتَ عُمُرَكَ فِي طَلَبِهِمْ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُخْلِ عَلَى وجْهِ الأَرْضِ أَفْضَلَ مِنْهُمْ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَمَا أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى العَبْدِ بِمِثْلِ مَا أَنْعَمَ بِهِ مِنَ التَّوْفِيقِ بصحبتهم» [55]
احذروا أن يكون صديق الثقة أحد أصدقاء العَالَم الافتراضي في مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأنهم مجهولون فلذا وجب أن لا نثق بهم ولا نعطيهم أسرارنا، فلطالما سمعنا بحالات نصب وغدر وخيانة وقتل قد صدرت من هؤلاء الأصدقاء…
فالمرأة حتى لو قبلتِ صداقة امرأة أخرى فوجب التعامل معها كما يتعامل أحدنا مع الزميل ولا نرفعها لرتبة صديق الثقة إلا في حالات نادرة كأن تعرفينها مسبقاً، أو تكون إحدى الشخصيات المؤمنة الموثوقة.
2. مصادقة عقولنا المرهونة بمصادقة الله وأهل بيته المعصومين، حتى لو استلزم منّا الوحدة، روي عن الرسول صلى الله عليه وآله: «الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء»[56]، ونقصد بالعقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان.[57]
فينبغي أن ننتبه لعقولنا، وأن نصادقها ونتكلم معها، فإذا صدر مني سلوك قبيح أبدأ بلوّم نفسي وأتكلم معها وكأن صديقي الصالح يتكلّم معي، رَوى الْحَسَنُ بْنِ الْجَهْمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الرِّضَا عليه السلام يَقُولُ: «صَدِيقُ كُلِّ امْرِئٍ عَقْلُهُ وعَدُوُّهُ جَهْلُهُ»[58]. وهذه العقول يمكننا مصادقتها فيما لو كانت صداقتنا الرئيسية بالدرجة الأولى مع الله ومحمد وآل محمد صلوات ربي عليهم أجمعين…فأهل البيت عليهم السلام يقبلون صداقتنا فيما لو كنّا مطيعين متّقين، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إن أصحابي أولوا النهى والتقى، فمن لم يكن من أهل النهى والتقى فليس من أصحابي»[59]
فالصديق الثقة هو حبيبك وهو طبيبك وهو من يقضي حاجتك ومغيثك، لا يغتابك ولا يغدر بك ولا يشمت بك ولا يمّن عليك… إلخ
وهذه الصفات نادراً ما نجدها عند أحد.. ولكنها موجودة بأعلى درجاتها عند محمد وآل محمد عليهم السلام، عند الله تعالى، ولذا نقرأ في دعاء الجوشن بأن الله هو الرفيق والصاحب والحبيب: (يا حَبيبَ مَنْ لا حَبيبَ لَهُ يا طَبيبَ مَنْ لا طَبيبَ لَهُ يا مُجيبَ مَنْ لا مُجيبَ لَهُ يا شَفيقَ مَنْ لا شَفيقَ لَهُ يا رَفيقَ مَنْ لا رَفيقَ لَهُ يا مُغيثَ مَن لا مُغيثَ لَهُ يا دَليلَ مَنْ لا دَليلَ لَهُ يا أنيس مَنْ لا أنيس لَهُ يا راحِمَ مَنْ لا راحِمَ لَهُ يا صاحِبَ مَنْ لا صاحِبَ لَهُ)، وأيضاً هذه الصفات نجدها عند حجج الله على البرايا المتخلّقين بأخلاق الله وعلى رأسهم محمد وآل محمد عليهم السلام… أتذكّر يوماً من الأيام آذتني جارتي كثيراً، وكنت أتمنى أن أجد صديقة حكيمة متقية لأستشيرها عمّا أفعل فلم أجد، فتذكّرت أن أهل البيت عليهم السلام هم أصدقائي المخلصون، ففتحت كتاب أخلاقي عن حُسن الجوار، فقرأت رواياتهم عليهم السلام فوجدت الجواب عند الإمام الكاظم عليه السلام حيث قال: « ليس حسن الجوار كف الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى » [60]
وهكذا الحال فيما لو كنتَ حزينة، أنظر لصورة الإمام وأكلمه، وعندما أحتاج أن يكلمني الإمام أكتب في المتصفح الإلكتروني -الحزن في روايات أهل البيت-وسنجد عناوين منها عنوان -ما يطرد الحزن-فلما أقرأها أشعر بالراحة.
3. مصاحبة العلماء والحكماء والمستشارين المؤمنين الثقات. روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «جالس العلماء يزدد علمك ويحسن أدبك»[61]
روي في وصية لقمان لابنه: «يا بنيّ جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإنَّ الله عزّ وجلّ يُحيي القلوب بنور الحكمة، كما يُحيي الأرض بوابل السَّماء» [62]
قد يقول أحدكم: ولكن العلماء يصعب عليّ مصادقتهم، رغم أني افتخر بهذه الصداقة؛ لأني أحتاج إلى نصائحهم واستشارتهم!!
نقول يمكنكم ذلك عن طريق زيارتهم، وحضور مجالسهم، والاستماع إلى محاضراتهم ولو عن طريق الإنترنت، فهناك علماء وخطباء كلامهم يدخل القلب مباشرة، فمثلاً عندما تبتلى بابتلاء كبير وتتمنى أن يكون لك صديقاً مقرباً كأن يكون عالماً ليواسيك، فما عليك إلا أن تكتب في باحث اليوتيوب -الابتلاء عند علماء الشيعة-وستجد ما يشفي غليلك.
4. البحث عن بديل بترقية العلاقة الزوجية أو الأمومة والأبوة أو الأخوة أو القرابة إلى مرتبة الصداقة.ولقد ذكرنا في الجزء الأول من كتاب (زاد المبلّغات)، محاضرة بعنوان (كيف نصادق أولادنا) ننصح بقراءتها.[63]
فالصديق الثقة المقرّب علاقته أقرب من غيره أي أقرب من علاقة الولد بأبيه وأمه وأخيه وأخته وأقاربه، روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «الصَّدِيقُ أَقْرَبُ الْأَقَارِب».[64]
ولذا إذا أرادت الأم أن يكون تأثيرها على ولدها أقوى من تأثير أصدقائه عليه فوجب عليها أن تكون صديقته المقرّبة، وإذا رأيتم علاقة قوية ما بين الأخوة والأخوات فاعلموا أنهم ارتقوا من رتبة الأخوة إلى رتبة الصداقة لدرجة صار كل منهما يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وكأنهما بجسد واحد، ومثل هذا الوصف لم نجد الشريعة منحته للعلاقات البشرية إلا للصديق الثقة المقرّب، روي عن الإمام علي عليه السلام «الْأَصْدِقَاءُ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ فِي جُسُومٍ مُتَفَرِّقَةٍ»[65]. وعنه عليه السلام: «الصَّدِيقُ إِنْسَانٌ هُوَ أَنْتَ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُك». [66]
هذه العلاقة الأخوية التي بلغت درجة الصديق المقرب تذكّرني بصاحبة الذكرى السيدة معصومة بنت الإمام الكاظم عليهما السلام التي لحقت بأخيها الإمام الرضا عليه السلام حينما حمله المأمون إلى خراسان قسراً بحجة تسليمه ولاية العهد التي كانت في حقيقة الأمر مؤامرة على الإمام الرضا وأهل البيت عليهم السلام …
هذه العلاقة القوية ما بين السيدة معصومة وأخيها الإمام الرضا عليه السلام من أسبابها أنها عاشت تحت ظل رعاية أخيها الإمام الرضا عليه السلام بسبب وجود أبيها في سجون هارون اللارشيد، لذلك تعلّقت وارتبطت روحها بأخيها الإمام علي الرضا عليه السلام… فقد شابهت عمتها السيدة زينب الحوراء عليها السلام بعدة نواحٍ منها: اشتراكهما في النسب العلوي والفاطمي، وكونهما أختين لإمامين معصومين، وشدة ارتباطهما بأخويهما، فكما ارتبطت روح السيدة زينب عليها السلام بأخيها الإمام الحسين عليه السلام، كذلك ارتبطت روح السيدة معصومة بأخيها الإمام الرضا عليه السلام، وكما خرجت السيدة زينب مع أخيها الإمام الحسين عليه السلام لكربلاء، كذلك خرجت السيد معصومة إلى خراسان في طلب أخيها الإمام علي الرضا عليه السلام (في سنة 201ه فلما وصلت إلى (ساوة) مرضت مرضا شديدا فسألت عن المسافة بين المكان الذي هي فيه وبلدة (قم) التي تضم الكثير من وجوه الشيعة فقيل لها المسافة عشرة فراسخ فقالت: إحملوني إلى قم فحملت ولما أشرفت على قم إذ مر بضعينتها راكب فسأل لمن هذه الضعينة فقيل له: هي لفاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر وهي وافدة من الحجاز لغرض اللقاء بأخيها أبي محمد الرضا عليه السلام فأقبل ذلك الرجل إلى مجلس موسى بن خزرج الأشعري وهو من وجوه الشيعة في قم آنذاك وكان مجلسه حاشدا بالناس فقال الرجل وهو باك يا موسى لقد حل الشرف في بلدكم ونزلت الخيرات والبركات بساحتكم فقال: موسى لا زلت مبشرا بخير ما الذي جرى؟ قال: ضعينة أخت الرضا عليه السلام دخلت قُم فلما سمع موسى بكى فرحا وقام لاستقبالها مع أصحابه فلما وافى الضعينة تناول يد القائد لناقتها فقبلها وقال: لي إليك حاجة قال وما هي قال أن تشرفني بإعطائي زمام الناقة حتى أكون أنا القائد لناقة هذه الشريفة العفيفة لدى دخولها قم وهكذا سلم إليه زمام الناقة فقادها موسى بيده حتى أنزل السيدة فاطمة في بيته.
وبقيت عليها السلام في بيت موسى سبعة عشر يوما معززة مكرمة ثم توفيت سلام الله عليها وحزن الناس عليها أشد الحزن وأمر موسى بتغسيلها وتكفينها فتولت النساء ذلك ثم صلى عليها موسى في حشد كبير من شيعة أهل البيت عليهم السلام في قم. قال بعضهم واختلف أهل قم فيمن ينزلها في قبرها فبينما هم كذلك وإذا بفارس ملثم أقبل إلى الجنازة فتولى إنزالها في القبر ثم أهال التراب عليها وعاد من حيث أتى ولا أحد يدري من هو.[67]
(نصاري)
| صار الهم عليها من البچه ويد | وبعض من الوسف ظل يصفج الإيد | |||
| شريفه او گاصده الخيها امن ابعيد | او برض ثم گرّبت منها المنيه | |||
نعم لقد ماتت السيدة فاطمة المعصومة غريبة ولكن شاء الله أن يكون لها قبر شامخ يقصده آلاف الناس كل يوم ولكن جدتها فاطمة الزهراء عليها السلام التي ماتت بين أهلها وأصحاب أبيها وليس لها قبر ظاهر!!! يقصده الزائرون.
| ولايِّ الأمورِ تُدفن سرا | بضعةُ المصطفى ويُعفى ثراها | |
| بنتُ مَن أمُّ مَن حليلةُ مَن | ويلٌ لمن سنَّ ظلمَها وآذاها |
(أبوذية)
| عگب عزها عليها الدهر ينصاب | فجعها او خله دمع العين ينصاب | |
| اهي بتمن او منها الضلع ينصاب | او حماها امگيد ابحبل الوصيه |
***
| ماتت ولم يشهدوا ليلا جنازتَها | سوى عليٍّ وعمارٍ وسلمانِ | |
| وفي الصحيح رووا أنَّ النبي بها | قد قال فاطمةُ روحي وجثماني[68] |
[1] الكافي-الشيخ الكليني-ج 2 -ص 375.
[2] موقع النجاح/ annajah.net /أسلوب حياة/دروس الحياة/هل نستطيع العيش دون صديق؟ -بقلم سامر العلي.
[3] سيكولوجيا/ kenanaonline.com/التحليلات السيكلوجية/أهمية الصداقة في حياة الإنسان العصري.
[4] الفرقان/ 28.
[5] نهج البلاغة-الخطبة 86.
[6] التربية الأسرية، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ص68-177-بتصرف.
[7] رياض المسائل-الطباطبائي-ج8ص175. صراط النجاة-السيد الخوئي-ج3-ص428.
[8] ويكي شيعة/ wikishia.net / البدعة.
[9] وسائل الشيعة -الحر العاملي – ج ١٦ – ص ٢٧٢.
[10] بحار الأنوار-المجلسي-ج71-ص196/ح29.
[11] البدعة مفهومها وحدودها -مركز الرسالة -ص 24، نقلاً عن كنز العمال، لعلاء الدين الهندي ١٦: ١٨٤ / ٤٤٢١٦.
[12] مستدرك سفينة البحار الشاهرودي – ج ١٠ – ص٤٧٥.
[13] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٦٥ – ص ١٣١.
[14] غرر الحكم: 10602.
[15] بحار الأنوار-المجلسي-ج71-ص191.
[16] الفرقان/28-29.
[17] بحار الأنوار-المجلسي-ج71-ص198.
[18] بحار الأنوار-المجلسي-ج ٧١-ص ١٧٨.
[19] آل عمران/120.
[20] المحجة البيضاء-الفيض الكاشاني-ج3-ص394.
[21] مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق ع-ص36.
[22] بحار الأنوار-المجلسي-ج75-ص229.
[23] غرر الحكم: ص433.
[24] الأنعام/68.
[25] ميزان الحكمة -الريشهري – ج ٤ – ص ٢٨٣٩.
[26] راجع المحاضرة بعنوان الحرية بين الانضباط والانفلات، من كتاب زاد المبلغات -ج2.
[27] بحار الأنوار-المجلسي-ج71-ص197.
[28] بحار الأنوار-المجلسي-ج71-ص195.
[29] الأخلاق في القرآن-آية الله مكارم الشيرازي-ج1-ص141-بتصرف.
[30] غرر الحكم: ح 5702.
[31] نهج البلاغة: الحكمة 159.
[32] بحار الأنوار-المجلسي-ج71-ص 281.
[33] آية الوصايا العشر-الشيخ أكرم بركات-ص105 بتصرف.
[34] أمالي الطوسي-ح 6 -ص609.
[35] نهج البلاغة: 494.
[36] موسوعة أحاديث أهل البيت ع –هادي النجفي-ج 6-ص40.
[37] ميزان الحكمة-الريشهري-ج 2-ص1589.
[38] غرر الحكم: 1904، 2078.
[39] غرر الحكم: 1142.
[40] غرر الحكم: 5837-5842.
[41] البحار-المجلسي-ج 74 -ص191 / 5.
[42] غرر الحكم: 10257.
[43] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ -ص ٤٧.
[44] البحار –المجلسي-ج 74 -ص 179 / 22 .
[45] بحار الأنوار-المجلسي-ج71-ص 180.
[46] ميزان الحكمة -الريشهري -ج ٢ – ص ١٥٩٠.
[47] ميزان الحكمة-الريشهري-ج ٢ -ص١١٠٣.
[48] آية الوصايا العشر-الشيخ أكرم بركات -ص106-بتصرف.
[49] بحار الأنوار – المجلسي-ج ٧٣ -ص٢٢٩.
[50] غرر الحكم: ٦٢١٤، ٦٤٧٢.
[51] البحار-المجلسي-ج ٧٨ -ص ٢٣٩ / ٤.
[52] الدكتور جاسم المطوع/ drjasem.com / مقالات/ كيف نجعل المراهقة صداقة/ (7) أفكار في التعامل مع الصديق المتسلط.
[53] الزخرف/78.
[54] مصادقة الإخوان –الشيخ الصدوق-ج1-ص82.
[55] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٧١ – ص ٢٨٢.
[56] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٧٤ – ص ٨٤.
[57] الكافي -الشيخ الكليني – ج ١ – ص ١١.
[58] الأنوار البهية -الشيخ عباس القمي – ص ٢٢١.
[59] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٦٥ – ص ١٦٦.
[60] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ – ص٤٨٦.
[61] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ – ص ٤٠٢.
[62] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ – ص ٤٠٢.
[63] زاد المبغات-مياسة شبع-ج1-ص163.
[64] غرر الحكم: 674-1669.
[65][65] غرر الحكم: 674، 1669.
[66] غرر الحكم:46.
[67] ميراث المنبر. حياة الإمام موسى بن جعفر للقرشي.
[68] مجمع مصائب أهل البيت الله-الشيخ الهنداوي-ج4-ص406-408.
