لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
عنوان المحاضرة: الغِناءُ سَعادَةٌ أَمْ شَقاءٌ؟!
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾.[1]
لو ألقينا نظرة إِلى المجتمعات البائدة لرأينا أنَّ أحَدَ أسبابِ انهيارها الغناءُ وتوابعه.. ولو فتَّشْنا عن أصول الفساد في المجتمعات المنحلَّة خُـلُـقياً في هذا الزمن لوجدنا من بينها الغناءَ، والرقصَ، والموسيقى، والمجون، وشرب الخمور…
ومَنْ أُريدَ التجسُّسُ عليه، أو إِفسادُه، أو إِضلالُه، أو تحويلُه عن أهدافه الأساسية فأحد المداخِلِ إِلى ذلك الغناء والموسيقى.
وإِذا تعلَّق الشباب بهما، وما يستلزمانه فلا مجال بعد للكلام عن التضحية، والوطن والاستقلال، والشجاعة وشؤون الأمَّة، والدفاع والعمل… وهذا يرجع إِلى أجوائهما التي تنمو بين الخمور، والنساء، والرقص، والابتذال، والحركات الرخيصة، والكلمات الساقطة، والأجواء الموبوءة، والتهاون بأعراض الناس ومقدَّساتهم، ومعاشرة أهل السوء والمنكر.[2]
ولو ألقينا نظرة إلى مجتمعاتنا الحاضرة التي انتشر فيها الفساد سنجد أن أغلبها يسمع الأغاني، وصار لديهم -وبالأخص الشباب-هوس بسماعها… حيث نجد الواحد منهم عندمّا يستيقظ من النوم يستمع للأغاني، وأثناء أكله يستمع للأغاني، بل حتى أثناء مشيه، وجلوسه، واستحمامه، ودراسته، وأدائه للرياضة، وفي أوقات فراغه، وفي السهرات والأعراس والحفلات العامة… وبعضهم لا يستطيع أن ينام حتى يستمع للأغاني… فالاستخدام المفرط لها أوصلهم لدرجة الإدمان عليها، يقول الدكتور «لوثر»: ( إنّ مفعول الغناء والموسيقى في تخدير الأعصاب أقوى من مفعول المخدرات). فمن المتعارف أنّ الموادّ المخدّرة ترد البدن عن طريق الفمّ كشرب الخمر، وأحياناً عن طريق الشمّ كالهيروين، وأحياناً عن طريق الزرق كالمورفين، وأحياناً عن طريق حاسّة السمع كالغناء.
ولهذا فإنّ الغناء والموسيقى المطربة قد تجعل الأفراد كالسكارى، أو يصلون لدرجة النشوة وهي السكر الخفيف، فتضعف إرادتهم، ولذا فإنّ كثيراً من مفاسد المخدّرات موجودة في الغناء، سواءً كان تخديره خفيفاً أم قويّاً. [3]
مباحث الآية الكريمة
المبحث الأول: ما معنى﴿ لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾؟
ذكر السيد الطباطبائي طاب ثراه في كتابة الميزان معقباً على هذه الآية الكريمة ما نصه: (اللهو ما يشغلك عما يهمك، (و لهو الحديث): الحديث الذي يلهي عن الحق بنفسه كالحكايات الخرافية، و القصص الداعية إلى الفساد و الفجور، أو بما يقارنه كالتغني بالشعر أو بالملاهي و المزامير، والمعازف فكل ذلك يشمله لهو الحديث.
والتعبير بـ لهو الحديث بدلاً من (حديث اللهو) ربما كان إشارة إلى أن الهدف الأساسي لهؤلاء هو اللهو والعبث، والكلام والحديث وسيلة للوصول إليه. [4]
وذهب أكثر المفسرين على أن المراد بـ ﴿ لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾ الغناء، ولذا تُعَدُّ هذه الآية من الأدلة الشرعية التي تثبت حرمة الغناء فقد روي عن الوشّاء قال : « سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: سُئل أبو عبد الله عليه السلام عن الغناء؟ فقال: هو قول الله:﴿ وَمِنَ النَّاسِ.. ﴾الآية».[5]
وروي عن محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام: سمعته يقول: الغناء ممّا وعد الله عليه النار»، وتلا هذه الآية:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾».[6]
المبحث الثاني: الآثار المترتبة على سماع الأغاني
يترتب على سماع الأغاني آثار دنيوية وأُخروية وخيمة، فأما الآثار الدنيوية فهي عديدة ونقتصر على بعض ما روته روايات أهل البيت عليهم السلام، وهي كالآتي:
1. الغناء يُنبت النفاق في القلب: روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «استماعُ اللَّهو و الغناء يُنبِتُ النفاقَ كما يُنبت الماءُ الزَّرع ». [7]
2. الغناء يورث قسوة القلب: روي عن النبي صلى الله عليه وآله: «ثلاث يقسين القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان». [8]
3. الغناء يورث الفقر: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «عشرون خصلة تورث الفقر: … وكثرة الاستماع إلى الغناء.. ». [9]
4. الغناء يمنع استجابة الدعاء: فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام: «بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة ولا تجاب فيه الدعوة .. ». [10]
5. الغناء سبب لرحيل الملائكة: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا تَدخلُ الملائكةُ بيتاً فيه خَمرٌ، أو دفٌّ، أو طَنبُور أو نَردٌ.. ». [11]
6. الغناء ينزع البركة: روي عن أنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا تَدخلُ الملائكةُ بيتاً فيه خَمرٌ، أو دفٌّ، أو طَنبُور، أو نَردٌ، ولا يُستجابُ دعاءُ هُم، وتَرتفِع عَنهم البركةُ». [12]
7. الغناء يستلزم اللعن: روي عن الإمام الصّادق عليه السلام: «اَلمُغَنّيةُ ملعونةٌ، ملعونٌ مَن أكَل َ مِن كَسبِها». [13]
8. الغناء يجلب الفجيعة: روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «بيت الغناء لا تُؤمن فيه الفجيعة». [14]
9. المُغَنّي لا صلاة له: روي عن ابن مسعود أنه قال: «إن النبي صلى الله عليه وآله سمع رجلاً يغني بالليل فقال: لا صلاة له، لا صلاة له، لا صلاة له». [15] والمقصود بـ (لا صلاة له) أنها غير مقبولة ولا يؤجر عليها.
10. الغناء يحث على الزنا: فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «الغناءُ رُقْيَةُ الزّنا». [16] أي أنه طريق يؤدي إلى الزنا.
وأما الآثار الأخروية فيترتّب عليها عذاب أليم، حيث سيعاقب بدخول النار، فقد روي عن الباقر عليه السلام: «الغِناءُ مِمّا وَعَدَ اللهُ عليه النارَ». [17]
وأما العذاب الذي سيناله في النار يذكره لنا رسول الله صلى الله عليه وآله، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، حيث قال: «مَنِ استمعَ إلي اللَّهو يُذابُ في اُذُنهِ الآنُك». [18]
نعم قد يسأل بعضكم عن تفسيرٍ لهذه الآثار العديدة، وهذا سنجيب عليه في محاضرة منفصلة ضمن سلسلة كتاب (زاد المبلغات) بإذن الله تعالى.
المبحث الثالث: خطورة متابعة المُغنّين
من الآثار الوخيمة المترتبة على متابعة المغنين -في الواقع الميداني كحضور احتفالاتهم، أو متابعتهم عن طريق العالم الافتراضي كالقنوات الفضائية، أو مواقع التواصل الاجتماعي-هو تقلديهم بأفكارهم وسلوكهم وأخلاقهم، كتقليدهم في الغناء والرقص والتخنيث، وممارسة الشذوذ الجنسي، وفي التبرج والسفور.. بل إن بعضهم قلّدهم حتى في اللباس الذي لا يُتوقع من الشخص أن يرتديه، من أجل لونه أو كيفية خياطته، كأن يكون خَلِقاً كارتداء البنطال الممزق، أو تقليدهم في قصّات وألوان الشعر أو ارتداء ما يشبه أكسسواراتهم.. أو شراء الأشياء التي تحمل رموزهم المطبوعة على الحقائب على أغلفة الكتب والدفاتر وغيرها… كما رأينا ذلك في تقليد الصبايا لبعض الفرق الكورية المنحرفة.
وكما هو معلوم أن المغنين، والفاسدين والمفسدين هم أعداء الله، انتبهوا ماذا قال الإمام الصادق عليه السلام: «مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ، وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ». [19]
وهذا الاتباع والتقليد يعني أنهم صاروا موالين لأعداء الله، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «لَا تَلْبَسُوا لِبَاسَ أَعْدَائِي، وَلَا تَطْعَمُوا طَعَامَ أَعْدَائِي، وَلَا تَسْلُكُوا مَسَالِكَ أَعْدَائِي فَتَكُونُوا أَعْدَائِي كَمَا هُمْ أَعْدَائِي». [20]
قد يسأل أحدكم: ما المقصود بأننا موالون لجهة معينة؟
التولي والولاء: هو الارتباط المنهجي بين المُوالي والموالي له، أي بعد أن يحدد شخصاً يسعى لاتباعه والاقتداء به، والله تعالى أوجب على المسلمين تولي الله ورسوله وأهل البيت عليهم السلام، قال تعالى:﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾. [21]
بينما حرّم علينا موالاة الكافرين والفاسقين على مستوى العقائد والأخلاق والسلوك والعادات.. ولذا ترتّب على التعلّق بالمغنين ضياع الهُوية الإسلامية واستبدالها بالهُوية الجاهلية… في حين وجب على المسلم الافتخار بالهُوية الإسلامية التي ليس لها مثيل بالكون؛ لأن الله تعالى صرّح في القرآن بأن أمّة محمد هي خير أمّة، قال تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾. [22]
أي نحن خيرُ أمة لأننا آمنا بدين الله الإسلامي وهو دينه الوحيد، قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [23]، وقال أيضاً:﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾[24]… ولكن أفضليتنا على الأمم الأخرى مشروطة بالمحافظة على هُويتنا الإسلامية واتباع كل أحكامها وإحيائها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
نحن خير أمة؛ لأن لدينا قادة ربانيين نصّبهم الله تعالى أسوة وقدوة للبشر لا مثيل لهم بكل الكون منذ أن خلق آدم وإلى قيام الساعة، وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، والتسعة المعصومون من ذرية الحسين عليهم السلام، والواجب علينا أن نتمسك بهذه الهُوية الإسلامية للموت، قال تعالى:﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾. [25]
فهل يعقل أن استبدل هُويتي الإسلامية بهُوية كافرة ضائعة؟، هل يعقل أن أترك حجج الله الطاهرين، وأهرول خلف مغنين فسقة وكفرة ملحدين.. أحدهم اسمه جونق (Jung)، والآخر جيون (Jeon)، كيم (Kim)، مين (Min) وأسماء أخرى لم ينزل الله بها من سلطان.
قد يعترض بعضهم قائلاً: أنا لّما أستمع للأغاني وأتابع الأفلام والمسلسلات التي تتضمن لقطات محرّمة وفاسدة..لا أقصد أن أترك محمد وآل عليهم السلام ؟
الجواب: لزم أن نعرف أن الله وأئمة الهدى في جانب، بينما أعداؤهم الذين يخالفون أوامرهم –أئمة الضلال-بالجانب الثاني المقابل….. فالإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء كان في جانب والأعداء في جانب آخر… فأنت لو كنت حاضراً في صبيحة يوم عاشوراء، فأي جانب ستختار؟
على الأغلب ستقول: (أختار أن أكون بجانب الإمام الحسين عليه السلام)
ولكن الذي يكون مع الإمام الحسين عليه السلام لزم عليه اتباع أوامر قائده.. والإمام الحسين عليه السلام أمرنا بطاعة الله وبطاعة رسوله وأهل بيته عليهم السلام ومنها حرمة سماع الأغاني وحرمة اتباع المفسدين لقوله تعالى:﴿ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴾. [26]، ولكن الذي يسمع الأغاني معنى ذلك أنه اتبع يزيد وأعوانه في سماع الأغاني، وفعل المحرمات.. لذا السامع للأغاني بالعمل صار مع أعداء الإمام الحسين عليه السلام.
ونحن في زماننا هذا إما نكون مع الإمام الحجة عج أو مع أعدائه…. والذي يحدد ذلك هو اتجاه بوصلة سلوكنا وأعمالنا، فإن كانت متجهة للفسق والفجور -كسماع الأغاني-فهذا يعني أننا مع الجهة المعادية للإمام المهدي عليه السلام، وإذا كانت بوصلة سلوكنا وأعمالنا متجهة للتقوى والانقياد لأوامر الله تعالى ورسوله وأهل بيته عليهم السلام فهذا يعني أننا مع جهة إمامنا المهدي عجل الله تعالى فرجه.
إذاً تبين من خلال ما تم طرحه أن الغناء شقاء وليس بسعادة؛ لأنه يترتب عليه خسارة الدنيا والآخرة، وهذا ما صرّح به تعالى في ذيل الآية الكريمة -محل البحث-بأن عاقبة من يسمع الأغاني هو العذاب المهين بقوله:﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾. [27]
يقول صاحب كتاب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: أما وصف العذاب ب (المهين) فلأن العقوبة متناغمة مع الذنب، فإن هؤلاء قد استهزؤوا بآيات الله وأهانوها، ولذلك فإن الله سبحانه قد أعد لهم عذاباً مهيناً، إضافة إلى كونه أليماً. [28]
المبحث الرابع: مُبرِّرات وهمية لسماع الأغاني
ذات يوم إحدى المُدرّسات سألتْ طالبات المدرسة عن الأسباب التي دفعتهن للاستماع إلى الأغاني، ووزعت عليهن أوراقاً ليتم تدوين الأسباب فيها، وبعد الاطلاع عليها تبين أن أعلاها نسبة هما المبرران الآتيان:
المُبرر الأول: أن سماع الأغاني ينفعنا في أمور نفتقرها في ديننا الإسلامي، ومنها أنها تعطينا الأمل والرجاء وتشجعنا على النجاح وتمنحنا التحفيز، من خلال كلماتهم التي يطرحونها !!!
الجواب: نرد عليه بهاتين النقطتين:
أولاً: إن عدم اطلاع الفرد على مبادي ء الأمل والرجاء في ديننا الإسلامي لا يدل على عدم وجودها فيه، فالقاعدة تقول: (عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود)، فلو نفترض أن لدى إحداكن مكتبة متنوعة ومن ضمنها كتب مختصة بالأمل والرجاء، ولما ألقت نظرة على المكتبة لم تنتبه لكتب الأمل والرجاء، فهل يحق لها أن تقول إن مكتبتها لا تهتم بما يتعلق بالأمل والرجاء؟
الجواب: لا يحق لها ذلك؛ لأنه اتهام باطل.. وهذا الأمر ينطبق على محل كلامنا، فأحدنا لو كان منصفاً، وراجع النصوص الشرعية من القرآن والسنّة سيجد أن أغلبها تدعو للأمل والرجاء.. ابتداءً من الله تعالى الذي يتصف بصفات تبعث الأمل والرجاء في نفوسنا، فمن أسماء الله: الغفّار، الرحمن، الرحيم، التوّاب، الوهّاب، الكريم، القادر، الشافي، المعطي، المجيب وغيرها… وأيضاً قادتنا وأئمتنا الأطهار عليهم السلام يبعثون الأمل في نفوسنا لكونهم يتصفون بأخلاق الله، وعلى رأسها خُلق الرحمة، قال تعالى:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾. [29]، وهم يحثوننا على التفاؤل وترك التشاؤم، روي عن الإمام عليّ عليه السلام: « تفاءل بالخير تنجح». [30] ألا يبعث ذلك الأمل والرجاء في نفوسنا؟
ونحن عندما نفتح القرآن نجد أن أغلب آياته تحث على الأمل والرجاء، والقصص المروية فيه أكبر دليل على ذلك، نذكر منها ما يلي:
* نبيّ الله إبراهيم عليه السلام ذو الـ 120 سنة، وزوجته ذات الـ 90 سنة حينما جاءته الملائكة﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ…﴾[31]، ألا تبعث هذه القصة على الأمل والرجاء؟
* نبيّ الله زكريا عليه السلام، وهو في الـ 99 عاماً وامرأته في 98 عاماً رزقه الله يحيى عليه السلام أليست هذه القصة تبعث الأمل والرجاء؟
* قصّة النبيّ موسى عليه السلام عندما أمر الله أمّه بإلقائه في اليم، ورغم ذلك حفظه الله وتربى في حضن أعدائه ونصره الله تعالى، ألا تبعث هذه القصة على الأمل والرجاء؟
* قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام حينما أمره الله بذبح ابنه، ففداه الله بذبح عظيم… ألا تبعث هذه القصة على الأمل والرجاء؟
* قصة نبي الله يوسف عليه السلام حينما رموه إخوته في البئر فإذا به يكون الأمين على خزائن الأرض، والتقى بأبيه يعقوب بعد فراق أربعين سنة، ألا تبعث هذه القصة على الأمل والرجاء؟
* نبيّ الله أيوب عليه السلام حيث بقي مبتلىً ومريضاً لمُدَّة ثماني عشرة سنة، وبمجرد أن دعا الله تعالى رفع الله عنه كل الابتلاءات، قال تعالى:﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ﴾.[32] ألا تبعث هذه القصة على الأمل والرجاء؟، وغيرها من القصص القرآنية …
وتارة يبعث الله فينا الأمل والرجاء بطرق أُخرى غير الأسلوب القصصي، كأن ينهانا عن اليأس، ويحذرنا منه حتى لو كنّا في أشد المحن، قال تعالى:﴿ وَلَا تَاْيْـَٔسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾. [33]
وكي لا نيأس، ويكون في قلوبنا الأمل والرجاء قال لنا تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً*إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾.[34]
وكي لا نيأس أخبرنا بأن الدعاء سبب في رفع البلاء،﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.[35]
وكي لا نيأس أخبرنا بأن نتوسل بأهل بيت النبوة، قال تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾.[36]
بل الله تعالى أعطانا الأمل حتى لو كانت ذنوبنا كثيرة، قال تعالى:﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾.[37]
أليست كل هذه النصوص الشرعية تزرع الأمل والرجاء في نفوسنا؟؟﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾. [38]
ولذا فالمشكلة فينا لا بالإسلام؛ لأن المربين كانت تربيتهم الإسلامية للأجيال ناقصة، وأيضاً نحن مُقصّرون لأننا لم نُتعب على تربية أنفسِنا وفق مبادي ء وقيّم الإسلام، بل اكتفينا بأن أدرّنا وجوهنا عن شريعة محمد وآله وتوجهنا إلى الملحدين والفاسقين والمغنين.
إن الذي يسمع الأغاني بحجة أنها تمنحه التحفيز الذي افتقدوه في الدين الإسلامي.. فهذه الحجة باطلة أيضاً؛ لأن ديننا الإسلامي الحنيف قائم على التحفيز… وما ذكرناه (بأن الدين الإسلامي هو دين الأمل والرجاء) فهذا بذاته يُعَدُّ تحفيزاً لنا، بالإضافة إلى أن الإسلام يحّفزنا لكل فضيلة، ولكل خلق وسلوك حسن، كالتحفيز على العمل، وعلى الدراسة، والتحفيز على التراحم بين الناس، ونشر العدل ورفض الظلم، والتحفيز على العفو والتسامح، على الصبر، على الكرم، على حسن الظن، وكظم الغيظ، وغيرها من الفضائل….
إن ديننا الإسلامي يحفزنا على تقويم أنفسنا وتنميتها كالروايات التي تحفزنا على ترك الخوف، كما روي عن الإمام عليّ عليه السلام: «إذا هبت أمراً فقع فيه، فإنّ شدّة توقّيه أعظم مما تخاف منه». [39]
وتحفزنا على اكتساب صفة الحلم، روي عنه عليه السلام: «إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ، فَإِنَّه قَلَّ مَنْ تَشَبَّه بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ». [40]
ومن الأساليب التي استعملتها النصوص الشرعية للتحفيز هي أنها رتبّت على من أطاع الله وعلى من تحلى بأحد الأخلاق الحسنة ثواباً عظيماً، فمثلاً روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا قام المصلّي إلى الصلاة، نزلت عليه الرحمة من أعنان السماء إلى الأرض، وحفت به الملائكة، وناداه ملك، لو يعلم هذا المصلّي ما في الصلاة ما انفتل. ألا يعد هذا تحفيزاً على الصلاة؟». [41]
وروي أيضاً عن الإمام الصادق عليه السلام: «من سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله، كتب الله عز وجل له ألف ألف حسنة». [42] ألا يعد هذا تحفيزاً على مساعدة الآخرين وقضاء حوائجهم؟
وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «الكادُّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله». [43] أليس هذا تحفيز على حفظ العائلة؟… بل حتى النصوص التي رتبت العقاب على ممارسة المعاصي فهي تحفيز لنا على الاستقامة وتطبيق العدل وترك الظلم.
ولكن حينما نأتي إلى التحفيز المطروح في الإعلام سواءً أكان الطارح للتحفيز مسلم أو كافر، فهي على قسمين، القسم الأول منه الذي يعرض مقاطع فيديو فيها مشاهد سليمة خالية من الإثارة والأغاني والموسيقى اللهوية، تتضمن عبارات جميلة محفزة، تبعث على النشاط وتقوي العزيمة، كأن تخبرك إذا فشلت فلا تيأس بل قُمْ وحاول مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى تنجح.. فمتابعة المحفزات الخالية من الفساد وترويج الضلال لا إشكال فيه.
ولكن القسم الثاني من هذه المحفزات هو القسم الأكبر المروج في وسائل الإعلام، هو التحفيز على ممارسة الرذيلة والأخلاق المنحرفة؟، فهذه المحفزات بما أنها مقترنة بشيءٍ من الفساد أو فيها ترويج للضلال لذا يحرم مشاهدتها أو سماعها.
مثال ذلك الذين يتابعون الأغاني سيجدون التحفيز الموجود فيها هو تحفيز محرم؛ لأنه مخصص لإثارة الشهوات واللذات المحرمة، فأنت حين تسمع الأغاني وتتابع الأفلام المنحلة ستجدهم يطرحون كلاماً قبيحاً يحث على ملامسة الحبيب ومعانقته.. وأنه صار معبوده؛ لأنه يفكر فيه في الليل والنهار ولا يهدأ له بال إلا بممارسة محرمة، ويجعلونها هي الغاية التي لزم أن يسعوا لتحقيقها في الحياة… إلخ
هل هذا هو التحفيز الذي يعجبكم؟… إن تحفيزهم يحث على اتباع الشهوات والهوى.. يحث على تعري المرأة ويحث الفتى والفتاة والمتزوج والمتزوجة على الزنا والخيانة… تحفيزهم يحث على ممارسة الشذوذ الجنسي، وعلى التخنيث وغيرها من الرذائل… انتبهوا يا موالين هذا التحفيز يدفعكم إلى خسارة الدنيا والآخرة… تحفيز يدفعكم إلى الهاوية… إلى نار جهنم وبئس المصير.
لذا فاحذروا أن تنجذبوا خلف كل محفز إلا إذا كان طاهراً…. وسأعرض عليكم إحدى نتائج تحفيزهم المنحرف، حيث أثبتت الدراسات الحديثة بأن أعلى نسب الانتحار في العالم تصدّرتها الدول الكافرة، بينما أقل نسب انتحار في العالم هي في الدول الإسلامية، فحسب منظمة الصحة العالمية تم إصدار وثيقة تم الإفصاح عنها في 15 ديسمبر 2019 على موقع واي باك مشين، مضمونها بأن كوريا الجنوبية -التي انخدع أغلب الصبيان بأغانيها- احتلت المرتبة الأولى في صدارة 30 دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ، بمعدل انتحار 42 شخص يومياً والمرتبة الثالثة عالمياً بأعلى معدل للانتحار، وأغلب نسب الانتحار ترجع إلى الاكتئاب وفقدان الأمل النفسي..[44]
أليس من باب أولى إذا كانت هذه الفرق الغنائية والراقصة، والأفلام والإنمي والتي تقولون إنها تمنح التحفيز والأمل أن تؤثر على سكان بلدهم قبل أن تؤثر على الآخرين؟، بل تبين أن بعض هؤلاء-من مغنين وممثلين ومشاهير-الذين تأخذون منهم الأمل انتحروا أيضاً…. إذاً هذه المحتويات الفاسدة تحفز على الانهيار، وستصل بالفرد المتابع لهم بالتدريج إلى الضياع واليأس والاكتئاب وفقدان الأمل النفسي والضياع، فلزم التفريق بين التحفيز السلبي والإيجابي، بين التحفيز الذي يكامل الروح وبين الذي يسافلها.
المبرر الثاني: نحن نسمع الأغاني ونتابع الأفلام والمسلسلات والكارتون والإنمي رغم الانحراف الذي فيها؛ لأنها تعلّمنا كيف نتعامل مع الحياة، مع الناس، مع الحزن، مع غدر الآخرين، وهذا لم نجده في الشريعة الإسلامية!!
ونرد عليه في النقاط الآتية:
أولاً: نحن من باب الإنصاف لا ننكر أن في الأفلام والمسلسلات والكارتون والإنمي بعض الأمور التي تفيد الإنسان، ولكن المصيبة تكمن في الأمور الأخرى التي تضر وتؤذي الإنسان أكثر مما تنفعه وتفيده…
مثال ذلك: إن متابعتها مثلما تُعلّم على التحفيز والنشاط والنظافة والتنظيم وغيرها فإنها بالمقابل تُعلّم على التعري والاختلاط المحرم، وتحفز على التخنيث وعقد علاقات غير مشروعة كالنظر المتبادل بين الجنسين والملامسة والخيانة والميوعة وما يترتب عليها من انهدام للأسر وضياع المجتمع، بل هناك أغانٍ فيها عبارات تشكك سامعيها بوجود الله وتروج للكفر والإلحاد ..فأي ضرر أعظم من هذا !!
إذاً لو عملنا مقارنة بين منافعها ومضارها سنجد حتماً أن ضررها أكبر بكثير من نفعها…. والعاقل يحكم بلزوم تركها… وهذا من قبيل تحريم الله للخمر والقمار؛ لأن في الخمر منافع ومضار، ولكن لكون ضرره أكثر من نفعه لذا حرمه الله تعالى قائلاً:﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾.[45]
: من قال إن الدين الإسلامي لم يعلمنا كيف نتعامل مع الحياة؟
فالإسلام علمنا كيف نتعامل مع الإنسان ابتداءً من لحظة ولادته -بأن نؤذّن في أذنه اليمنى ونقيم في اليسرى-، وانتهاءً بموته -بأن نلقنه الشهادتين، والإقرار بالنبي صلى الله عليه وآله وإمامة الأئمة الأطهار عليهم السلام، وما بين الولادة والممات -في مُدَّة حياته-علّمه الإسلام كيف يتعامل في كل جانب من جوانب حياته…
فكل الأئمة الأطهار عليهم السلام تطرقوا لها وبالأخص الإمام علي عليه السلام، فراجعوا نهج البلاغة ولو بالوقوف على الكلمات القصار، أو راجعوا رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام التي فيها خمسون حقاً، وهي تعلّم الإنسان كيف يتعامل مع الحياة… كيف يتعامل مع ربه، مع إمامه، مع والديه، مع أولاده، مع جيرانه، مع أقاربه، مع المعلم، مع الصديق، مع العدو، مع الحيوان، مع البيئة، بل حتى تعلِّمنا كيف نتعامل مع جوارحنا من سمع وبصر وغيرها.. كيف نتعامل مع مشاعر الحزن والفرح والحب والبغض وغيرها.
وهكذا فالإسلام تدخّل بكل تفاصيل حياتنا الصغيرة والكبيرة لدرجة أنه طرح علينا عدة إرشادات تعلمنا كيف نتصرف عندما ندخل لبيت الخلاء لكي نقضي حاجتنا.
وسبب هذا التفصيل؛ لأن الإسلام دين فطري مُتكامل وشامل، يتخذه المسلمون كمنهج لحياتهم في جوانبها المختلفة، وبذلك لا يوجد في الكون دستور علّم الإنسان كيف يتعامل مع الحياة مثل الدستور الإسلامي.
إذاً من الأسباب التي دفعت الناس للانحراف وسماع الأغاني هو جهلهم للدين الإسلامي وهجرهم لكنوز محمد وآل محمد عليهم السلام واستبدالها بمياه آسنة نجسة.
ونحن نوجه عتبنا إلى وزراة التربية التي غيّبت هذا التراث العظيم عن أولادنا وشبابنا ولم يذكروه في المناهج الدراسية والذي يفترض أن يتم تدريسه لهم بأسلوب يتناسب مع إدراكهم ابتداءً من الصف الأول الابتدائي وانتهاءً إلى آخر مرحلة من الجامعة….
ولكن نقول لهم كما قال تعالى:﴿ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾[46]، وبالتأكيد فالمسؤولون سوف يتحملون إثم ضياع هذه الأجيال، ولكن بنفس الوقت يبقى المكلف مسؤولاً عن تربية نفسه ويُحاسب على تقصيره.
قد يسأل أحدكم: هل يجوز سماع الموسيقى الخالية من الغناء؟
الجواب: لقد ذكر الفقهاء ومنهم سماحة السيد السيستاني (دام ظله) بأن الموسيقى تارة تكون محلّلة وهي الموسيقى غير المناسبة لمجالس اللهو واللعب، وتارة تكون محرمة وهي الموسيقى المناسبة لمجالس اللهو واللعب.[47]
حيث يُعَدُّ اللهو بالآلات الموسيقية من الذنوب الكبيرة، فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام : « بأن الاشتغال بالملاهي من الكبائر». [48]ويظهر من بعض الأحاديث أن أول من استخدم المعازف بغرض اللهو هو إبليس (لعنه الله)، فقد رُوِيَ عن الإمام الصادق عليه السلام أنهُ قال : « لَمَّا مَاتَ آدَمُ عليه السلام وَ شَمِتَ بِهِ إِبْلِيسُ وَ قَابِيلُ فَاجْتَمَعَا فِي الْأَرْضِ فَجَعَلَ إِبْلِيسُ وَ قَابِيلُ الْمَعَازِفَ وَ الْمَلَاهِيَ شَمَاتَةً بِآدَمَ عليه السلام ، فَكُلُّ مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ الَّذِي يَتَلَذَّذُ بِهِ النَّاسُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ذَاكَ ». [49]
وهذا الموقف يذكّرني بالمعازف والملاهي التي استخدمها أهل الشام شماتة بمقتل سيد شباب الجنة وأهل بيته وأصحابه وسبي نساءه… حيث يروى (كان دخول الركب الحسيني إلى دمشق نهاراً وأهلها قد علّقوا الستور والحجب والديباج، فرحين مستبشرين، ونساؤهم يلعبن بالدفوف، ويضربن على الطبول، كأنه العيد الأكبر عندهم. وروي عن سهل بن سعد الساعدي الصحابي أنه قال: «خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار قد علقوا الستور والحجب والديباج وهم فرحون مستبشرون وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلتُ في نفسي: لعل لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن. فرأيت قوماً يتحدثون، فقلت: يا هؤلاء ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟ قالوا: يا شيخ نراك غريباً! فقلتُ: أنا سهل بن سعد قد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وحملتُ حديثه، فقالوا: يا سهل ما أعجبكَ السماء لا تمطر دماً والأرض لا تخسف بأهلها. قلتُ: ولمَ ذلك؟ فقالوا: هذا رأس الحسين عترة رسول الله صلى الله عليه وآله يهدى من أرض العراق إلى الشام وسيأتي الآن. قلت: واعجباه! يهدى رأس الحسين والناس يفرحون؟!» [50]
نعم كل هذه الأحداث المروعة والرزايا قد شهدها صاحب الذكر الإمام الباقر عليه السلام والذي كان له من العمر ثلاث أو أربع سنوات، وحينما رجعوا إلى المدينة عاش بظل والده الإمام السجّاد عليه السلام إلى أن توفي فانتقلت الإمامة إلى ولده الباقر عليه السلام، الذي استمر في أداء مهامه في هداية الناس ونشر علوم أهل البيت عليهم السلام ونصرة الإسلام والمسلمين بينما استمر أعداؤه في معاداته والسعي لقتله… ولقد فعلها الملعون الطاغية هشام بن عبد الملك الذي أمر بقتله فدُس إليه السم.
قال المؤرخون: إنه لما حان حينه عليه السلام وتيقن وفاته أوصى إلى ابنه أبي عبد الله الصادق عليه السلام بجميع ما يحتاج إليه الناس وسلم إليه ما كان عنده من مواريث الأنبياء وسلاح رسول الله صلى الله عليه وآله. قال الإمام الصادق عليه السلام: كنت عند أبي عليه السلام في اليوم الذي قبض فيه فأوصاني بأشياء في غسله وكفنه وفي إدخال قبره، قلت: جعلت فداك والله يا أبتاه ما رأيتك منذ اشتكيت أحسن هيئة من اليوم وما أرى عليك أثر الموت.
وفي بعض الكتب أنه عليه السلام أوصى بثلاثمائة درهم لمأتمه وذلك لتستأجر له نوادب يندبنه في منى أيام منى. وكان عليه السلام يرى ذلك من السنة لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال اتخذوا لآل جعفر طعاما فقد شغلوا.
وفي نور الأبصار: أوصى الباقر عليه السلام لولده جعفر: أوقف لي من مالي كذا وكذا للنوادب يندبنني عشر سنين بمنى أيام منى. [51]
(أبوذية)
| الباقر بالعرش مكتوب يسمــه | صدگ من مات سم مسموم يسمه | |
| الكل الناس هالمنشور يسمه | او خل تعلم ابموته الجعفريه |
أقول: والإمام الحسين عليه السلام سمعته ابنته سكينة يوصي شيعته أن تندبه مدى الزمان.
| شيعتي مهما شربتم عذبَ ماءٍ فاذكروني | او سمعتم بغريب او شهيدٍ فاندبوني | |
| فأنا السبطُ الذي من غير جُرمٍ قتلــوني | وبجردِ الخيلِ بعد القتلِ عمدا سحقوني | |
| ليتكم في يوم عاشورا جميعا تنظروني | كيف استسقي لطفلي فأبوا أن يرحموني |
وسقوه سهمَ بغيٍ بدَلَ الماءِ المعين
(مجردات)
| عيدي الوصيه الشيعتي هاي | مياتم ينصبون العـزاي | |
| عله غربتي او محنتي او بلواي | او يذكرونّي عد شربة الماي |
حر او عطش ذوّبن لحشاي[52]
[1] لقمان/6.
[2] شبكة المعارف الإسلامية/almaaref.org/أخلاق وسنن/الأسرة والمجتمع/الشباب/مشاكل الشباب/الغناء والموسيقى، نقلاً عن كتاب أخي الحبيب-السيد سامي خضرة.
[3] كتاب الغناء سعادة أم شقاء-تأليف مياسة شبع-ص51-52.
[4] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – ج ١٣- ص16.
[5] الكافي-الشيخ الكليني-ج6-ص432.
[6][6] مسالك الأفهام-علي الجبعي- ج١٤- ص ١٨٠.
[7] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 12-ص 236.
[8] الخصال-الشيخ الصدوق-ج ١-ص ٦٢.
[9] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج15-ص347.
[10] الكافي-الشيخ الكليني-ج6-ص433.
[11] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج17-ص315.
[12] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج17-ص316.
[13] الاستبصار-الشيخ الطوسي-ج 3-ص 61.
[14] الكافي-الشيخ الكليني-ج6-ص433.
[15] نيل الأوطار-الشوكاني-ج 8 -ص264.
[16] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج 79 -ص 247.
[17] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 12-ص 226.
[18] دعائم الإسلام-القاضي نعمان-ج 2-ص 210.
[19] الكافي -الشيخ الكليني-ج ٢ -ص٧٥.
[20] عيون أخبار الرضا (ع) -الشيخ الصدوق-ج ١ -ص ٢٦.
[21] المائدة/55.
[22] آل عمران/110.
[23] آل عمران/19.
[24] آل عمران/85.
[25] آل عمران/102.
[26] الشعراء/151.
[27] لقمان/6.
[28] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي-ج ١٣-ص ١٦.
[29] الأنبياء/107.
[30] ميزان الحكمة-محمد الريشهري-ج3-ص 2348.
[31] الذاريات/28.
[32] الأنبياء/83.
[33] يوسف/87.
[34] الشرح/5.
[35] غافر/60.
[36] النساء/64.
[37] الزمر/53.
[38] محمد/24.
[39] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ – ص ٨٣٢.
[40] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٦٨ – ص ٤٠٥.
[41] وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي – ج ٤ – ص٣٢.
[42] الكافي -الشيخ الكليني – ج ٢- ص ١٩٧.
[43] الكافي-الشيخ الكليني – ج ٥ – ص ٨٨ .
[44] ويكيبيديا الموسوعة الحرة/wikipedia.org/ الانتحار في كوريا الجنوبية-الهامش رقم(4).
[45] البقرة/219.
[46] القمر/22.
[47] فقه للمغتربين -السيد السيستاني-ص311-312.
[48] منهاج الفقاهة -السيد محمد صادق الروحاني -ج ٢ -ص ١٥٦.
[49][49] الكافي-الشيخ الكليني-ج6 / 431.
[50] شبكة المعارف الإسلامية/ almaaref.org.lb / محطات إسلامية/محرم الحرام/مصائب النسوة والأطفال.
[51] نور الأبصار للحائري. المجالس السنية ج2 للسيد الأمين. مثير الأحزان للشيخ شريف الجواهري.
[52] مجمع مصائب أهل البيت –الشيخ الهنداوي-ج4-ص211-213.
