لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
موضوع المحاضرة: ظاهرة العزوف عن الزواج
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:
} مِنْ سُنَّتِيَ اَلتَّزْوِيجُ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي {([1]) .
مباحث الرواية النبوية
المبحث الأول: ما المقصود بالحديث النبوي؟
كما هو معلوم بأن من المستحبات المؤكدة في أحكام الإسلام هو الزواج ما بين الرجل والمرأة، لذا صرح به الرسول صلى الله عليه وآله بقوله (من سُنتي التزويج)، ولغة السنة هي الطريق والسيرة، أي أن طريقتي وسيرتي بالحياة هي التزويج، وهو من المستحبات أي يترتب عليه ثوابا عظيما.
وينبغي على المسلمين أن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وآله في أفعاله وأقواله وتقريراته، قال تعالى: } لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ { ([2]) ، سواء أكانت المرأة بكرا، أو ثيّبا([3]) وسواء كانت في بداية شبابها أو كانت كبيرة.
ثم يقول الرسول صلى الله عليه وآله: (فمَن رغب عن سُنتي فليس مني) أي أن من مَالَ عن طريقتي ومنهجي-أي ترك الزواج- فهو بعيد كل البعد عني، بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وآله ينهى عن العزوبية، ولكن هذا النهي ليس على نحو الإلزام- أي ليس بمحرم بل مكروه-، نعم إذا ترتب على ترك الزواج الانحراف والوقوع في المعاصي كالزنا فهنا يكون الزواج واجبا، ولذا نجد الروايات تنهى عن أن يكون الإنسان أعزب، ففي رواية ” أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال -لرجل اسمه عكاف: “ألك زوجة؟ قال: لا يا رسول الله، قالا: ألك جارية؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أفأنت موسر؟ قال: نعم، قالا: تزوج وإلا فأنت من المذنبين”([4]) .
والعزوبية تؤثر سلباً على آخرة الإنسان، فقد روي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أنه قال: “شرار موتاكم العُزَّاب”([5]).
وأنا اخترت هذا الموضوع لأننا نرى بأن بعض المسلمين وبالأخص الشباب –ذكورا وإناثا- صار يتبنى مبدأ العزوبية-أي ترك الزواج-، بل صاروا يحثون عليه، وكلما طلب منهم الأهل التزويج يرفضون، وقد تضاعفت النسب في الآونة الأخيرة، وبالأخص في بلاد المهجر؛ لأسباب عديدة سنذكرها، والتي منها ما يروجه الإعلام المنحرف إلى ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي لأجل تحطيم الأسرة بالحث على الشذوذ الجنسي وعلى تغيير جنس الإنسان وبسحب الأطفال من أهاليهم في بلاد الغرب ليعيش الضياع ولا يفكر بالزواج وتكوين أسرة كوالديه وغيرها الوسائل. فإن أحد أهم أهداف أعداء البشرية هو نشر الفساد ومنع الإنجاب، لأجل تقليل عدد سكان العالم من ثمان مليارات إلى مليار، لكي يتحكم الطواغيت الجبابرة على خيرات الأرض ويتسلطون عليها.
فالعزوبية تعتبر من المصائب الكبرى التي قد تؤدي بمجتمع مترابط إلى التفكك والانهيار، لأن العائلة-المتكونة من الزوجين والأولاد-هي الحصن الأساسي للمجتمع، فإذا ضُرب هذا الحصن، فسيكون المجتمع كله في مهب الريح على المستوى الاجتماعي، وهذه التجربة الغربية ماثلة بتفككها ومشاكلها الاجتماعية.
المبحث الثاني: أسباب العزوف عن الزواج، وعلاجها.
لماذا نجد أن الناس في الآونة الأخيرة أخذت تعزف عن الزواج، وازداد نسب العزوبية والعنوسة؟ نريد أن نقف على بعض الأسباب مع ذكر حلولها، وهي كالتالي:
أولاً: ترك الزواج بسبب الخوف من الفقر
كأن يقول الرجل ” أنا محتار في معيشة نفسي، فكيف سأتحمل نفقة الزوجة والأولاد؟”. والخوف من الفقر سببه ضعف الإيمان بالله، قال تعالى: } وأنكحوا الأيامى مِنكُم والصالِحينَ من عِبادِكُم وإمائِكُم إن يكونُوا فُقراء يُغنِهم اللهُ مِن فَضلهِ واللهُ واسعٌ عليمٌ { ([6]) .
روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام : ” من ترك التزويج مخافة الفقر، فقد أساء الظنّ بالله عزَّ وجلَّ”)[7]).
فالله تعالى هو مسبب الأسباب، فأنت اسع للعمل الحلال وتوكل على الله، وسترى أن الله سيهيء لك الرزق لك ولعيالك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ” اتخذوا الأهل، فإنّه أرزق لكم “([8]) .
ثانياً: غلاء المهور، فقد يكون الرجل يرغب بالزواج ولكن لما يطلب يد امرأة للزواج يشترطون عليه دفع مهر كبير رغم أن إمكانيته المالية محدودة.
فالبعض منا -مع الأسف-لا يطبق سنن الشريعة الإسلامية، ومنها أنها نهتنا عن المغالاة في المهور، روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: « إنَّ من يُمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها.. »([9])، فالشريعة اعتبرت أن تيسير الصداق فيه اليُمن أي فيه الخير والبركة، بينما غلاء المهور فيه شؤم، فقد روي عن الإمام الصادق S : « الشؤم في ثلاثة أشياء : في الدابة ، والمرأة ، والدار. فأمّا المرأة فشؤمها غلاء مهرها… »([10]).
فالبعض يعتقد أنه إذا غالى في مهر ابنته سيجعل الزوج وفيا ومخلصا للزوجة، في حين أن الزوج الخائن -الذي لا يخاف الله-حتى لو جعل مهر الزوجة ملايين الدولارات فإنه يستطيع أن يؤذيها ويسوّد عيشتها بحيث يجعلها تطلب الطلاق الخلعي الذي به ستضطر للتنازل عن مهرها –المتعارف بالحاضر والغائب-، أو يطلقها طلاقا رجعيا دون أن يدفع لها مهرها، وفي أغلب قوانين البلاد غير الإسلامية لا ُيُجبر الزوج على دفعه لأنهم لا يعترفون بالمهر إلا إذا اشترطت عليه دفعه باتفاقية كتابية تثبت ذلك في المحكمة.
والنتيجة أن الرجل الفقير أو متوسط الحال سيتأخر زواجه بسبب غلاء المهور.
ثالثاً: الاهتمام بالأمور الشكلية: هي إحدى الأسباب التي تؤدي إلى عدم التفكير في الزواج. فالرجل الذي يريد الزواج إذا تجاوز محنة المهر، تأتيه قضية الشكليات والبريستيج والذهاب إلى الفنادق الكذائيّة والصالات المُكلِفَةِ والتكاليف الباهظة.
وصار بعض المسلمين لا هم متمسكين بالقوانين الإسلامية، ولا هم مقلدين للغرب في إيجابيتهم. فمثلا أغلب الأوربيين الأصليين لما يتزوج الواحد منهم وإمكانيته محدودة فإنه يكتفي بشراء حلقة زواج، ويسكنها معه في شقته ويشتركا في ترتيبها، وإذا قررا عقد حفلة ستكون بسيطة والحضور قليل بين 15-50 حسب الإمكانية، أو أصلا يلغون فكرة الحلفة فيجمعوا الهدايا ويسافروا بها أو يصرفوها على أنفسهم …ولكن نحن المسلمون نرى أغلب أهالي البنت يشترطون على العريس مهر غال وأثاث متميز، وثياب ماركة، وعقد حفلات، للخطوبة، أو للعقد أو للزفاف، وكل حفلة كلفتها تقتضي على الزوج أن يعمل لفترة أشهر كي يسدد ثمنها.
والسبب الرئيسي الذي يدفع البعض للاهتمام المبالغ في الشكليات هو اعتقاده أنها من الأمور التي ستزيد من عِزّة وشرف ورفعة الابن أو البنت!!
كلاّ! فعِزّة وشرف ورفعة الابن أو البنت هي في التقوى والقناعة والتواضع لا بتلك الأشياء، قال تعالى: } إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ {([11])، فالبساطة في الزواج أمر حثت عليه الشريعة، فسابقا أتذكر الاحتفالات البسيطة تُعقد في بيت أهل العروس أو العريس، مع زينة وأطعمة بسيطة، مع منشدة حسينية تقرأ قصائد على حب أهل البيت Q -لأن ذكر أهل البيت فيه كل الخير والبركة -، لكن في الآونة الأخيرة أفكار الناس بدأت تتغير وصاروا ينظرون لهذه البساطة بأنها تجلب لهم الذل والعار، ولكن المؤمن القوي هو الذي يتمسك بتعاليم الدين ولا يبالي بما قيل أو يقال.
وكلامنا هذا لا يعني أن الشريعة تحرّم ذلك، بل هو جائز بشرط أن لا يترتب عليه حرام، ولكن لما نأتي للواقع نجد أن الأغلبية يقع في الحرام، وإليكم بعض الإشكالات المترتبة عليها:
1.تكليف الزوج ما لا يطيق أمرٌ نهتنا عنه الشريعة؛ لأنه قد يضطر لاقتراض مبالغ كبيرة التي ستجعله يعيش في أرق ليلا ونهارا في كيفية تسديده لأجل امور شكلية في حين يمكنهم إجراءها ببساطة فيما بينهم …قال صلى الله عليه وآله وسلم:” أيما امرأة أدخلت على زوجها في أمر النفقة وكلّفته مالا يطيق لا يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً إلاّ ان تتوب وترجع وتطلب منه طاقته “([12]).
2.يدخل في أغلبها الإسراف والتبذير.
3.إن أغلب الاحتفالات يمارس فيها الحرام، لأن فيها تفاخر، وفيها أغاني ورقص، ومعلوم أن سماع الأغاني من الكبائر، ولما يدخل الزوج على زوجته، لا يراعين بعض النسوة المسلمات الحجاب الشرعي بل تبقى الواحدة منهن على تبرجها وتزينها، ولا يبالين ما لو تم تصويرها وهي متبرجة غير محتشمة.
والمصيبة تكمن بأن بعض هذه الزيجات لن تستمر طويلا، بل ينتهي مفعولها بعد فترة قصيرة طالبة منه الطلاق؛ لأن أغلب من بنى أساس زواجه على هذه الشكليات التي لا تراعى فيها الحرمة، تجدها لا تخلو من الفجيعة، وتنتهي بالطلاق الحقيقي أو العاطفي، ترى لماذا؟
الجواب يرويه الإمام الصّادق عليه السلام: “بيت الغناء لا تُؤْمَنُ فيه الفجيعة، ولا يدخله الملك، ولا تُسْتَجَابُ فيه الدّعوة”([13]).
رابعاً: للهروب من المشاكل الزوجية
وهذا من أهم الأسباب وأبرزها، فبعض الأشخاص لما يسمعون بكثرة المشاكل الزوجية، أو لما يكون قد مر بتجربة زواج فاشلة، تتولد لدى بعضهم ردة فعل تجعلهم يرفضون الزواج.. كأن تقول المرأة لنفسها: ” ما الذي جنته المرأة من الزواج؟ هل توجد غير المشاكل، والقلق والكآبة والمسئولية واستغلال الزوج..”
وفي الحقيقة لا يستطيع أحدنا أن ينكر وجود المشاكل في الحياة الزوجية، فهناك بعض الأزواج ظالمون، وهناك بعض الزوجات ظالمات، ولكن هل الحل هو العزوف عن الزواج؟
الجواب: بالتأكيد ليس هو الحل، ونجيب على ذلك بالنقاط التالية:
1.لا توجد حياة بلا مشاكل حتى لو كنت عزباء فالمشاكل تلاحقك؛ لأن الدنيا دار امتحان وابتلاء، فلا راحة في الدنيا، روي أن الإمام الصادق عليه السلام قال لأصحابه: ” لا تتمنوا المستحيل!، قالوا: ومن يتمنى المستحيل؟! فقال: أنتم، ألستم تمنون الراحة في الدنيا؟ قالوا: بلى، فقال: الراحة للمؤمن في الدنيا مستحيلة “([14]).
2.لا تقولي لم أجني ثمارا من الزواج، بل هناك ثمار ولكن بوقت الغضب نغفل عنها، فمن ثمار الزواج هو نيل الأطفال، فهم من أكبر نعم الله، وهم ريحانة، تنتعش الأم بمجرد أن تشمه، ومن ثمار الزواج أنه إحياء لسنة الرسول صلى الله عليه وآله ، وتحصين النفس من الحرام، ونيل الأجر العظيم المترتب على الزواج والصبر وغيرها من الثمار.
3.قد يكون السبب الرئيسي للمشاكل الزوجية هو أن اختيارك للزوج غير صحيح، بسبب الاستعجال وعدم التأكد من تديّن الشخص وأخلاقه، وعدم اختباره، ولذا وجب أن يأخذ المسلم عبرة من التجربة السابقة، ويكون أكثر حذرا في انتخاب الزوج في المرة القادمة
4.هناك مشاكل لها حلول، فمثلا المرأة التي كانت ترفض الزواج بسبب ردة فعل بعض الأزواج في استغلال بعض الأحكام لأجل أذيتها كمن يمنع زوجته من الخروج في كل الحالات دون مراعاة الاستثناءات، أو الزوج الذي يجعل زوجته معلقة ظلما وعدوانا، فهنا تستطيع تفادي المشكلة بأن تشترط على الزوج في عقد الزواج بأن يعطيها وكالة في أن تستأذن نفسها في الخروج، وأن تكون وكيلة عن تطليق نفسها، وبالتالي لن يستطيع أذيتها بعد الزواج، وهكذا الحال مع بعض الأحكام، لذا بعض المشاكل لها حلول فوجب الصبر وسؤال المختصين.
5.ليست كل المشاكل الزوجية تنتهي بالطلاق، حتى تخافي في خوض تجربة الزواج ..بل هناك مشاكل يحتاج حلها إلى صبر وإلى عفو، وإلى تحكيم شخص مؤمن حكيم
فالمريض لما يجد أن أحد أصابعه ملتهب فهل تقترح على الطبيب أن العلاج يكون بأن يبتر إصبعك؟ بالتأكيد لا تقبل بل تطلب منه أن يعطيك دواء كبسول تتعاطاه بصبر ولفترة منتظمة، وإذا لم ينفع فقد يكون العلاج بأن يُضرب الإصبع بإبرة فيها دواء، ورغم أنها مؤلمة ولكنها أهون من الحل الآخر وهو العملية، فإذا لم ينفع فقد يعالج بعملية جراحية ورغم أنها مؤلمة ولكنها أفضل من البتر….فإذا جرب كل طرق العلاج ولم ينفع حينها يلجأ للبتر
وهكذا الحال مع مشاكل الحياة الزوجية…. من المؤسف أنّ أغلب المتزوجين ليس لديهم صبر، وأيضا بسبب تقليدهم للغرب الذين تبنوا مبدأ العزوبية والحث على تهديم الاسرة.
6.كما أن للزواج مشاكل، فإن للعزوبية مشاكل أيضا، ومن أبرزه انتشار الفساد في الأرض… فأي فساد أكثر من الفساد الذي نعيش فيه…حيث ترون بعض النسوة بلا كرامة شبه عاريات يغرين الرجل كي يُشبع شهوتها ثم تبحث عن الثاني والثالث والعاشر والعشرين…وكأنما الحياة فقط إشباع غريزة جنسية …إذا رضينا بذلك فقد رضينا أن نكون أقل من مستوى تفكير الحيوانات، فهي رغم أن لديها شهوة بلا عقل إلا أنها ترغب بالتزاوج ويعيش الزوجان معا وينجبان الأطفال ويعيشان معا.
فالمرأة العزباء تتألم عندما تكون وحدها لا يوجد من يؤنس وحدتها ولا من يواسيها إذا مرضت، ولا من ينفق عليها، ولا من يحقق أمنيتها لتكون أما لأطفالها، وكذلك الحال مع الرجل الأعزب، روي عن رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله ِ: “مِسْكِينٌ مِسْكِينٌ، رَجُلٌ لَيْسَتْ لَهُ امْرَأَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا مِنَ الْمَالِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا مِنَ الْمَالِ. وَقَالَ: مِسْكِينَةٌ مِسْكِينَةٌ مِسْكِينَةٌ ، امْرَأَةٌ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ؟ قَالَ: ” وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ “([15]).
لاحظوا في الحديث أن الرسول لما يخاطب المرأة يكرر كلمة “مسكينة” ثلاث مرات وليس مرتين كالرجل لأسباب منها لكون عاطفة المرأة أشد من الرجل، فهي تحتاج إلى رجل يسندها ويعطيها العطف والحنان وإن كان بشكل متقطع وليس دائم، باعتبار المشاكل الزوجية موجودة، وكما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” أفضل العمل أدومه وإن قل ” ([16]).
7.يجب عدم تركيز النظر على سلبيات الزواج، وترك إيجابياته، ولا النظر إلى ايجابيات العزوبية وترك سلبياتها، بل لكل منهما إيجابيات وسلبيات، ولكن العقل والشرع يحكم بأن الإيجابيات المترتبة على الزواج أكثر بكثير من الإيجابيات المترتبة على العزوبية، وأن السلبيات المترتبة على العزوبية أكبر بكثير من المترتبة على الزواج، وبالتالي يقدم الزواج على العزوبية، فالخمر قال عنه تعالى: } يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا { ([17])، ولذا حرمه تعالى، ولما نأتي للعزوبية فسنجد فيها آثام ومنافع، ومعلوم إذا دار الأمر بين دفع المفسدة وجلب المنفعة، كان دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، لذا نهى الشرع عن العزوبية وصار مكروها، فعن الإمام الصادق S: “نهى رسول الله صلى الله عليه وآله النساء أن يتبتَّلْنَ ويعطِّلْنَ أنفسهنّ من الأزواج”([18])، وذكر سبب ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله: ( إلا تفعلوه-أي إذا لم تتزوجوا- تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)([19]).
خامساً: انتشار الفساد وتحقق الإشباع الجنسي بطرق غير مشروعة بيسر وسهولة فهذا السبب هو من أهم الأسباب التي جعلت الشباب وبالأخص الرجال يعزفون عن الزواج.. فبسبب ما نراه من الاختلاط والتبرج والسفور والخلوة المحرمة وترك أحكام العفة سهل انزلاق الكثير من النساء والرجال وبالتالي صار الرجل يتمكن من الإشباع الجنسي وقتما يشاء ويتمكن من التنوع بدون مشاكل…
وبالأخص في هذا الزمن، الذي صرن بعض النسوة غير العفيفات -اللاتي بلا كرامة-يتحرشن بالرجال…لذا الرجل الفاسق صار لديه شبه إشباع، ويقول لنفسه: ” لماذا أتزوج وأقيّد نفسي بزوجة واحدة، فأنا أعزب ولي الحرية في التنويع، وأستطيع بسهولة من خداع المرأة وأنال ما أريد منها وأرميها وأذهب لغيرها، دون أن أتحمل مسئوليتها..”
الرد: هؤلاء الشباب يعيشون في ضياع وتسافل لأن الحياة ليست حياة بهيمية مجرد إشباع شهوة وغريزة وإنما هي استقرار وسكن وشعور بالطمأنينة وتبادل محبة حقيقية ووفاء وإخلاص. الزواج يجعل الرجل يستشعر بمعنى الأبوة، والزوجة بمعنى الأمومة…ولكن هؤلاء إذا أغرقوا أنفسهم في الملذات فلما يتقدم بهم العمر سيندمون لأنهم سيعيشون الوحدة وحرموا أنفسهم من نعمة الأولاد، وإذا فكر أحدهم أن يتزوج سيرفضهم المجتمع لكبر عمرهم ولكون الشارع المقدس نهى عن تزويج الرجل المشهور بالزنا وغير المتقي ..
سادساً: الاهتمام الكبير بالمعايير الاجتماعية
ونقصد بالمعايير الاجتماعية، ما يتعلق بالتحصيل الدراسي والمهنة والمال، والحسب والنسب، والحالة الاجتماعية (بكر، مطلقة، أرملة، عانس). فبعض الناس تهتم بهذه المعايير وتعطيها الأولوية حتى على الدين والأخلاق، ولكن -بينكم وبين الله -على فرض أنه تقدّم رجلٌ أعزب للزواج من مسلمة، وكان الرجل ذو حسب ونسب، حاصل على دكتوراه في تخصص معين، وغني لديه شركة ويملك دارا وسيارة فخمة ولكن ليس لديه دين وأخلاق…كأن لا يصلي ومشهورا بالزنا وخائنا وكذابا …فهل تكون قيمة للمعايير الاجتماعية إلى يمتلكها؟
الجواب: أبدا لا قيمة لها؛ لأن قيمة الإنسان بإيمانه الحقيقي بدينه وأخلاقه والإنسان الذي نقول “عنده دين” لا تطلق لمجرد أنه يصلي ويصوم ويبكي على الحسين ع، بل الدين هو من يطبّق تعاليم الدين، فالدين هو المعاملة، فبالإضافة إلى كونه مصليا عابدا لله وجب أن يكون صادقا أمينا، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة ” ([20]).
فالرجل الصادق الأمين هو الذي يمنح لزوجته كل حقوقها الزوجية ولا يخونها أبداً…ولذا ينبغي على المرأة أن تختبر الرجل لتتأكد من دينه وأخلاقه وأمانته عدة مرات، فإذا نجح ورضيت به فلتقبل به زوجا، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”([21])، وفي رواية عن الإمام أبي جعفر عليه السلام: ” من خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”([22]).
ولذا المعايير الأخرى ليست مهمة بقدر الدين، روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله:” تُنكح المرأة على أربع خلال: على مالها، وعلى دينها، وعلى جمالها، وعلى حسبها ونسبها، فعليك بذات الدين “([23]).
وهناك نقطة مهمة تتعلق بالحالة الاجتماعية وهي أن البعض يرفض الزواج من بعض الحالات الاجتماعية، كرفض الرجل بأن يتزوج من “الثيّب” -كالمطلقة أو الأرملة-، أو رفض المرأة البكر من الزواج من المطلق أو الأرمل.
ولما نسأل المرأة لماذا ترفضين الزواج من مطلق أو أرمل؟ تقول: ” لأني لا أتزوج من رجل كانت له علاقة سابقة مع امرأة قبلي…فمثلما أنا لم يلمسني رجلا فأريد رجلا لم يلمس امرأة “!!
ونرد على من تتبنى هذا الفكر بأنه لا يحق للمرأة أن تقارن نفسها بالرجل في كل شيء؛ لأن الطبيعة التكوينية والنفسية للرجل تختلف عن المرأة، منها أن الغريزة الجنسية للرجل أشد بكثير من المرأة، ولأجل ذلك الحجاب فُرض على المرأة دون الرجل، فلذا لما تثار الغريزة الجنسية للرجل يحتاج أن يفرغها إما بالحلال أو الحرام، فأما الرجل المتدين فهو الذي يفرغها بالحلال، لذا يلجأ للزواج، وبالأخص وأن المثيرات والمغريات انتشرت في الآونة الأخيرة، في الميدان الخارجي ومواقع التواصل، لذا صار من الصعب عليه الصمود مقارنة بالأجيال السابقة…
إذن إذا تقدّم لخطبتك رجلا، وأخبرك بأنه لم تكن لديه علاقة جنسية مع أي امرأة، فهذا إذا كان مؤمنا صادقا فهو من النادرين، ونحن لا نتكلم عن النادرين، أمثال نبي الله عيسى أو يحيى؟، بل نتكلم عن الأغلبية. فأغلب من يقول ذلك إما أنه يفرغ شهوته بالعادة السرية-وهي حرام-، أو أنه مريض من ناحية جنسية، أو لديه شذوذ جنسي، أو كانت له علاقة مع امرأة أو أكثر إما بالحلال أو الحرام، ولكنه كذّب عليك.
إذن باختصار على المرأة أن تصحح أفكارها ولا تطلب المثالية المبالغ بها؛ لأن نتيجتها إما لا تتزوج، أو تتزوج من كذاب. فلذا لو تقدم لخطبتها رجلا مؤمنا متدينا خلوقا صادقا أمينا ولكن علمت أنه كان سابقا متزوجا زواجا دائم أو منقطع، فلا ينبغي أن ترفضه.
ولما نأتي للرجال نجد أن بعضهم يرفض الزواج من ثيّب سواء أكانت مطلقة أو أرمله…في حين أننا لما نأتي للشريعة نجدها مثلما حثت على تزويج البكر فهي حثت على التزوج من الثيب بدليل كل زوجات الرسول كن ثيبا أي إما أرامل أو مطلقات إلا بكر واحدة، بل حتى الثيب فبعضهن من تزوجت مرتين أو ثلاث قبل أن تتزوج الرسول. صلى الله عليه وآله. فهل هذا الذي يرفض الثيب يريد أن يكون أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله الذي وجب أن نتخذه أسوة وقدوة لنا؟، وأيضا أنتم تعرفون أن أسماء بنت عميس من الصحابيات المؤمنات التي يمدحها التاريخ والإسلام، يروى أنها تزوجت من جعفر الطيار فترمّلت ثم تزوجت من أبي بكر فطُلقت ثم تزوجها أمير المؤمنين عليّ عليه السلام لإيمانها وتقواها وأخلاقها…
إذن يجب أن نفهم بأن عناوين الحالات الاجتماعية ليست ضرورية لكونها أمورا اعتبارية خارجة عن ذات الإنسان، فقيمة الإنسان الحقيقية تكمن في حسن خلقه وأمانته ومدى ورعه عن محارم الله وتقواه، قال تعالى } إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ {([24])، وإذا رفضنا الزواج لأجل هذه الأسباب التي ذكرناها وغيرها فحينئذ سوف ينتشر الفساد كما صرّح بذلك النبي صلى الله عليه وآله قائلا: ” إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”([25]).
لذا وجب على الشباب أن يستيقظوا من غفلتهم، وأن يبتعدوا عن العزوبية برفع الأسباب بشكل جدي، وأن يفكروا في الزواج لتحصين أنفسهم وإحياء السنة ولإدخال الفرح والسرور في قلوب آبائهم وأمهاتهم…وهذا يعتبر من بر الوالدين، فكل أم أمنيتها أن ترى ابنها عريسًا وتشهد زفافه، وكما قال الشاعر
كل أم لولدها بزفته تحــــــــــــــضر وتجهـِّز عروسه وبالولد تفــــــــخر
رملة شلون شافت روحها مطـــبَّر منهو يعينها ومنـــــــهو اليباريها
نعم أخواتي، فالأم حلمها أن ترى ابنها عريسًا، ولكن الأمهات المؤمنات الصالحات تقدم حبها لنصرة الدين وإمام زمانها على حبها لتحقيق حلمها برؤية ولدها عريسًا كما حدث مع رملة زوجة الإمام الحسن التي حثت ولدها القاسم رغم حداثة سنه على نصرة إمام زمانه عمه الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء حينما كان وحيدا فريدا لا ناصر له ولا معين، وفعلا خرج القاسم بعد أن استأذن عمه الحسين وقاتل الأعداء قتال الأبطال، ولكنهم قاتلهم الله أحاطوا به ورشقوه بالنبل وشد عليه الأزدي حتى ضربه بالسيف على رأسه ففلق هامته، وقيل أن رجلا شق بطنه وآخر طعنه بالرمح على ظهره فأخرجه من صدره، أي وا قاسماه. ولا أدري كيف حال الحسين عليه السلام عمه، الذي سمعه ينادي السلام عليك مني يا عماه أدركني، فجاء إليه الحسين كالصقر المنقض على الصفوف حتى وصل إلى القاسم ودموع الحسين جارية وحسراته وارية([26])
(نصاري)
| شال احسين جسّام الشفيه | ابگلب مالوم يبچي اعله ابن اخيه | |
| او رِجل جسام تسحل علوطيه | أثاري احسين ظهره انجسم نصين |
فجاء به حتى ألقاء بين القتلى من أهل بيته.
(نصاري)
| جابه او مدده ما بين اخوته | گعد عدهم يويلي وهم موته | |
| بس ما سمعن النسوان صوته | اجت رمله تصيح الله أكبر([27])) |
محاضرات (زاد المبلّغات) لشهر محرم الحرام
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
[1] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري -ج 14 -ص 152.
[2] الأحزاب/21.
[3] الثيّب هي المدخول بها سابقاً بزواج صحيح، كالمطلقة والأرملة.
[4] ميزان الحكمة-محمدي الريشهري-ج2-ص1180.
[5] ميزان الحكمة-الريشهري -ج2 -ص 1180.
[6] النور/32.
[7] مكارم الأخلاق -الشيخ الطبرسي -ص١٩٧.
[8] من لا يحضره الفقيه -الشيخ الصدوق -ج ٣ -ص ٣٨٥.
[9] كنز العمال-المتقي الهندي -ج١١ -ص ٩٩ – ٣٠٧٨٩.
[10] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٦١ -ص ١٩٨.
[11] الحجرات/13.
[12] الكافي – الشيخ الكليني-ج 5 -ص 508.
[13]الكافي -الشيخ الكليني – ج ٦ – ص ٤٣٣.
[14] بحار الأنوار –العلامة المجلسي-ج 78 -ص 453.
[15][15]سنن سعيد بن منصور -رقم الحديث: 475.
[16] تنبيه الخواطر-الحلواني -ج ١ -ص ٦٣.
[17] البقرة/219.
[18] الكافي -الشيخ الكليني – ج ٥ – ص ٥٠٩.
[19] الكافي -الشيخ الكليني – ج ٥ – ص٣٤٧.
[20] بحار الأنوار –العلامة المجلسي – ج ٧١ – ص ٩ – ١٣.
[21] وسائل الشيعة -الحر العاملي – ج ٢٠ – ص ٧٧.
[22] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٥ -ص٣٤٧.
[23] ميزان الحكمة ـــ محمدي الريشهري -ج 2 -ص 1181.
[24] الحجرات/13.
[25] وسائل الشيعة -الحر العاملي – ج ٢٠ – ص ٧٧.
[26] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج1-ص366.
[27] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج1-ص367.
