كَيفَ نُصادِقُ أَوْلادَنا؟

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

موضوع المحاضرة: كَيفَ نُصادِقُ أَوْلادَنا؟

تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع

روي عَنْ الإمام الصادق عليه السلام:

 } دَعِ اِبْنَكَ يَلْعَبُ سَبْعَ سِنِينَ، ويؤدّب سبعاً، وَ أَلْزِمْهُ نَفْسَكَ سَبْع سنين،

فَإِنْ أَفْلَحَ وَ إِلاَّ فإنه من لا خَيْرَ فيهِ { ([1]).

مباحث الرواية الصادقية

المبحث الأول: ما المراد من الحديث؟

يعلمنا الإمام الصادق عليه السلام في هذا الحديث الشريف المنهج التربوي الذي وجب علينا أن نطبقه على أولادنا حسب المرحلة العمرية…فقوله } دَعِ اِبْنَكَ يَلْعَبُ سَبْعَ سِنِينَ { بمعنى أن الطابع الذي يميز هذه المرحلة هي أنها مرحلة لعب؛ لأن الطفل غير مميز، فلما يدخل بمرحلة التمييز وجب تأديبه، وهذا ما صرّح به الإمام بقوله } ويؤدّب سبعاً { ، يؤدّب أي نبدأ بزرع القيم التربوية في نفوسهم وأهمها القيم التربوية الإسلامية من السنة السادسة أو السابعة، وأما في السبع سنوات الثالثة،- مرحلة المراهقة – يأمرنا الإمام عليه السلام بأن نلازمه بقوله:} وَ أَلْزِمْهُ نَفْسَكَ سَبْع سنين {، واللزوم في الحديث بمعنى المصاحبة.

والذي يهمنا في هذه المحاضرة هي مرحلة المراهقة وهي السبع سنوات الثالثة والتي تبدأ من سن 14 إلى نهاية ال21 ، ولكن – يرى علماء التربية – المراهقة المبكرة تبدأ من عمر 11سنة

وأنا اخترت مرحلة المراهقة لأن أكثر المربيين يعانون من أولادهم في هذه المرحلة، حيث تصدر منهم تصرفات غير معهودة، كالتمرد، والعناد، وعدم الاحترام، ورفع الصوت، والفضول لدرجة تدفعهم لممارسة سلوكيات منحرفة كالتدخن، أو تعاطى المخدرات أو المسكرات بالسر، أو مشاهدة الأفلام الإباحية أو عقد علاقات غير شرعية، وغيرها

ومن المعلوم أن العوامل المؤثرة على سلوك الأولاد عديدة منها البيئة التي يعيش فيها الولد كالإعلام والأصدقاء، والمعلّم، والمجتمع وقوانين الدولة، فإذا كانت منحرفة فسيكون سلوك الولد منحرفا. وشرعا يجب على الأبوين توفير البيئة المناسبة التي تجعله يحتفظ بدينه وإلا سينطبق على المربي عنوان التعرّب بعد الهجرة.

وكذلك من العوامل المؤثرة على سلوك الولد والتي نريد أن نتكلم عنها هو المربي –كالوالدين-فإذا كان المربي مؤهلا للتربية ويعرف كيف يتعامل مع أولاده في كل مرحلة بشكل صحيح فسوف يُفلح الولد، وإلا لن يفلح.

ولكن-مع الأسف-نجد بعض المربيين غير مؤهلين للتربية لكونه لا يعرف كيف يتعامل مع أولاده

والذي نراه في الواقع أن أحدنا لما يريد أن يحصل على إجازة لتخصص معين كقيادة السيارة تراه يجد ويجتهد ويدرس ويتعلم ويسجل في دورات تدريبية ويصرف الوقت والأموال إلى ان ينجح فيكون مؤهلا للسياقة، بينما لما تصل النوبة لتربية الأولاد-الذين هم أهم من السيارة-نجد هناك تقصيرا كبيرا، فالزوجة التي صارت أما، والزوج الذي صار أبا، ما زال أغلبهم لا يعرف كيف يتعامل مع أولاده، ولا يريد أن يخصص وقتاً ليتعلم ويتدرب، بل يكتفي بأن يربيهم على النهج الذي تربى عليه، القائم على القسوة والشدة ولغة الآمر والمأمور، روي عن الإمام علي عليه السلام: ” لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”([2])،  فقوله عليه السلام: }لا تقسروا {، بمعنى لا تستخدموا أساليب تربوية قائمة على الإكراه والقهر والقسوة والشدة.

فالنتائج المترتبة على عدم مراعاة أساليب التربية الصحيحة تؤدي إلى تمرد الأولاد وتخلق مسافة ما بين المربي والأولاد، بل قد تؤدي إلى ضياعهم وبالأخص العوائل المسلمة التي تسكن في بلاد الغرب؛ لكون قوانينهم تجيز لهم سحب الأولاد من أهاليهم فيما لو تعاملوا مع أولادهم بقسوة، أو فرضوا عليهم أوامر تخالف رغباتهم حتى لو كانت مخالفة لتعاليم الدين الإسلامي.

إذن الحل يكون بأن نتعلّم وندرب أنفسنا على التعامل الصحيح والمؤثر على أولادنا-ومنهم المراهقين-.

المبحث الثاني: كيف نتعامل مع المراهق؟

كيف نتعامل مع أولادنا في مرحلة المراهقة؟

الجواب: إذا كان لعلماء النفس والتربية تفسيرهم ورؤيتهم لكيفية التعامل مع المراهق، فإن للدين أيضاً رؤيته ووصاياه وإرشاداته في هذا الصدد، وهذا ما نحاول تسليط الضوء عليه في هذه المحاضرة

فلما نستقرئ روايات أهل البيت التربوية نجدها تؤكد على مصاحبة ومصادقة الولد في مرحلة المراهقة، فقد روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: “دع ابنك يلعب سبع سنين، وألزمه نفسك سبعاً، فإن أفلح وإلا فإنّه ممّن لا خير فيه” ([3]). واللزوم في الحديث بمعنى المصاحبة

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” لاعب ابنك سبعاً، وأدبه سبعاً، وصاحبه سبعاً([4]).

إذن أهل البيت عليهم السلام أعطونا الحل في التعامل مع أولادنا المراهقين بأن نتعامل معهم كالصاحب والصديق. ولكن لزم أن نعرف أن الأصدقاء والإخوان على قسمين، ذكرهما الإمام علي عليه السلام: ” اَلْإِخْوَانُ صِنْفَانِ إِخْوَانُ اَلثِّقَةِ وَإِخْوَانُ اَلْمُكَاشَرَةِ “([5]).

ف(إخوان المكاشرة) يمكن وصفها بالعلاقة السطحية التي لا تتعدى الظاهر والمجاملة والمقابلة، وهناك الصديق المقرّب جدا، منحه الإمام لقب “الثقة”…وعلى المربي أن لا يكتفي بأن يتعامل مع أولاده كصديق مكاشرة-مجاملة-، بل عليه أن يسعى جاهداً ليتعامل مع ولده كصديقٍ ثقة، ليكون المربي هو الصديق المقرّب لولده. فإذا الولد ارتاح ووافق على قبول هذه الصداقة، وصرت بالنسبة له الصديق الثقة المقرّب فحينها سيكون تأثيرك على ولدك أكبر من تأثير البيئة عليه

نفهم من ذلك أن الحل الذي أكدت عليه القوانين التربوية في الإسلام، بالإضافة إلى الدراسات الحديثة هي ضرورة مصادقة أولادنا وبالأخص في مرحلة المراهقة.

سؤال: لماذا التأكيد على الصداقة؟

الجواب: لأن رابطة الصداقة أقوى من رابطة الأمومة، وأقوى من رابطة الأبوة، وأقوى من رابطة الأخوة، ومن رابطة القرابة… لذا لا تنزعجون من أولادكم لما يتأثرون بالأصدقاء أكثر منكم، فالصداقة معناها كبير، روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: «الْأَصْدِقَاءُ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ فِي جُسُومٍ مُتَفَرِّقَةٍ»([6]).

بل حتى الزوجة إذا أرادت أن توطّد علاقتها مع زوجها والعكس، والأخ مع أخيه، فهذا يتحقق فيما لو كانت بينهما علاقة صداقة حقيقية قوية

قد تقول إحداكن: “ولكني أتعامل مع ابني كأني صديقة له، ورغم ذلك فهو لا يتأثر بي، بل يتأثر بأصدقاء السوء!! “، فلما أسألها:”أريد أن تكوني صريحة معي: هل توجهين له الأوامر أو تغضبين عليه أو مرات تهينيه؟”، تقول ” نعم لا أنكر.. فمرات أغضب وأصرخ عليه وأهينه لأن لا يسمع كلامي”

ولكن لزم أن نعرف أن الغضب والصراخ والإهانة وغيرها من الأساليب المنفّرة، لا تساهم في عقد صداقة فيما بينكما، بل أنها من أسباب رفض الصداقة.

فلو رأيتِ أن صديقتك المقرّبة غضبت وصرخت بوجهكِ وإهانتكِ، فهل ستستمري في صداقتها أم سترفضيها؟، أكيد سوف تنزعجين منها وترفضين صداقتها كصديقة مقرّبة..ولذا تصرفي مع ولدك كما تحبي أن تتصرف معك صديقتك المقرّبة.

ولكن المشكلة تكمن بأن أغلب المربيين غير عارفين بالحقوق التي وجب مراعاتها للاحتفاظ بصديق الثقة، وهذا سنتكلم عنه في المبحث التالي

المبحث الثالث: كيف نصادق أولادنا؟

لكي نكسب صداقة أولادنا كأصدقاء ثقة سنطرح مجموعة نقاط يجب على المربي الناجح التأمل فيها جيدا، ومراعاة تطبيقها على ولده، وأغلبها مأخوذة من المنهج التربوي لأهل البيت عليهم السلام، وهي كالتالي:

1.أن يكون المربي مصاحباً لولده، فالرسول صلى الله عليه وآله هو الذي أمرنا بصحبة أولادنا بقوله” وصاحبه سبعاً”، وفي معجم اللغة العربية المعاصرة أن معنى(صحِب الشَّخصَ(أي لاَزَمَهُ، رَافَقَهُ، عَاشَرَه.ُ

فالصديق الذي يرفض اصطحابي معه سأتنّفر منه، عكس الصديق الذي يحرص على اصطحابي معه. وكذلك الحال مع الأب الذي يريد أن يكون صديقا لولده، فوجب عليه أن يحرص على اصطحاب ولده معه قدر الإمكان، حينما يتسوق، أو يزور أقاربه أو أصدقائه، أو يزور مراقد أهل البيت عليهم السلام، ولما يصلي في المسجد أو يحضر مجالس العزاء أو عند تشييع الجنازة وغيرها، وكذلك الحال مع الأم التي يجب عليها تربويا أن تصحب ابنتها معها في أغلب الأحيان.

2.أن يكون المربي محبا لولده: أن أول ركن من أركان الصداقة هو أن يكون الصديق محباً له، وهذا الأمر متعارف فلو كنت لا تحب شخصا فلن تتخذه صديقاً لك، روي عن الإمام الصادق صلى الله عليه وآله: «وسمّوا أصدقاءً لأنَّهم تصادَقوا حقوقَ المودّةِ»([7]).

فالمودة هي مرتبة أعلى من الحب.. وهي إظهار الحب بالقول وبالعمل، ولكن المشكلة تكمن في أن بعض المربيين لا يظهرون هذا الحب لأولادهم، بل يخفونه بقلوبهم، ولا يظهرون لهم إلا توجيه الأوامر، أو الغضب والصراخ والتوبيخ، أو التفرقة بين الأولاد، أو مقارنتهم بمن هو أفضل منهم.. إلخ

   وبالتالي فالرسالة التي يفهمها الأولاد هي ” أنكم لا تحبونهم”، وهذه الرسالة يسمعها المستشارون من أولادكم، بل مرات المربي يصرّح لولده بعدم حبه له قائلاً: ” أنا لا أحبك لأنك عاصي “…. وهذا تربوياً ونفسياً غير صحيح، بل ينبغي إذا أردت أن أعاتبه أن أفرّق بين الذات والعمل، كأن أقول له: “ماما إني أحبك، ولكن السلوك والفعل الذي عملته لا أحبه”

 والشريعة الإسلامية تؤكد بعشرات النصوص على ضرورة أن نظهر محبتنا لأولادنا ويسمى هذا النوع من التربية بالتربية بالمحبة.. بأن أظهر محبتي له بتقبيله، بضمه، بالوفاء بالوعد، باحترامه، بالكلام كأن أقول له : “ماما إني أحبك.. أنت قطعة من قلبي…أنت روحي.. إلخ”، وهذا هو ما فعله الرسول صلى الله عليه وآله مع ابنته فاطمة حينما يقول لها فاطمة بضعة مني، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي([8]).

3. أن يكون المربي ثقةً: أن الركن الآخر من أركان الصداقة هي الثقة، ومعلوم أن من أكثر الصفات التي تعزز الثقة ما بين الصديقين هي أن يكون الصديق صادقا وأميناً، في أقواله وأفعاله، وإلا إذا كان كاذباً أو خائنا فلن يتخذه العاقل صديقا مقربا له.

وهاتان الصفتان أكد عليهما رسول الله صلى الله عليه وآله: ” لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة “([9]).

ولذا إذا أراد المربي أن يكون لولده صديق ثقة لزم أن يكون المربي صادقا وأميناً معه، وإلا إذا كان يكذّب على ولده، أو لم يكن أمينا معه فسوف يرفض صداقته وسيتعامل معه معاملة الأب.

4.أن يكون المربي ناصحاً لولده: ذكرنا أن الصديق الثقة هو الصادق الأمين، فهو بمنزلة المرآة الصافية التي تعكس حقيقة باطني بما فيها من محاسن ومعايب، فلذا صديقي إذا وجد فيّ عيباً فسكت ولم ينصحني فأكيد سوف أحزن وأتألم، لذا عدت صفة الناصح أحد أركان الصداقة،روي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:” إنَّما سميَ الصديق صديقاً لأنَّه يصدقك في نفسك ومعايبك؛ فمن فعل ذلك فاستنم إليه فإنه الصديق “ ([10]).

قد تقول إحدى الأمهات: “ولكن لطالما نصحنا أولادنا ولكنهم لا يتقبلون نصيحتنا!!”

الجواب: أن الخلل لا بالنصيحة وإنما بطريقة وأسلوب تقديم النصيحة.. فأغلب المربيين يقدمونها بأسلوب توجيه الأوامر (افعل، لا تفعل)، لذا تكرار هذا الأسلوب في اليوم أكثر مرة سيجعله يتخيل نفسه أنه بدرس تلقى عليه محاضرة تعاد عليه مرارا وتكرارا، وهذا حتما سيشعره بالملل والجزع.

وهذا الأمر متحقق معنا، فلو أراد أحدنا أن يسمع شيئا أثناء انشغاله بعمل ما كإعداده الطعام وفتح فيديو قصير على أحد مواقع التواصل كالتيك توك TikTok لشخص يوجه نصيحة أعجبته، فهنا لما ينتهي الفيديو يُعاد مرة أخرى أوتماتيكيًا، فلما تسمعه أكثر من مرة تنزعج وتمل وستوقفه…وهذا الأمر نفسه يحصل مع أولادنا لما نكرر توجيه النصيحة لهم بأسلوب الآمر والمأمور…. فالمراهق -على الأقل من وجهة نظره -لم يعد طفلاً صغيراً يتلقى الأوامر، ولذا الحل يكون بالابتعاد عن منطق السيّد والعبد واستبداله بأسلوب التربية بالحوار بالرفق، مع مراعاة النقاط التالية في الحوار، وهي كالتالي:

#1#أن يكون هناك أخذٌ وعطاء في الحوار، أي لا يتكلم المربي فقط والولد يسمع، بل الأفضل أن تستمع إليه أكثر مما تتكلم، ولذا الله خلق لنا أذنان اثنان ولسان واحد لحِكَمٍ، منها لكي نسمع أكثر مما نتكلم، فهذا بدوره يعطي للولد فرصة ليعبّر عن رأيه، فالتعبير عن الرأي يعتبر أحد مكونات التواصل الفعّال، وهو حق من حقوق الطفل وحاجة من حاجاته، ويعزز لديه الثقة بالنفس والقدرة على تحقيق الأهداف واتخاذ القرار، وهو أحد ملامح الذكاء الاجتماعي.

#2# أن يكون حوارنا مع أولادنا بأسلوب مقنع، فلا أكتفي بتوجيه الأوامر كأن أقول لابنتي “تحجبي”، بل المفروض أن أقنعها بالحجاب بأن أذكر لها أهداف الحجاب والروايات التي تثبت مشروعيته، وما هي فلسفة الحجاب، وما هي الآثار المترتبة على السفور، ولو بأن أستعين بسؤال المتخصصين بهذا الشأن ليساعدوكم في ذلك، سواء في موضوع الحجاب، أو الإعلام الفاسد، أو المخدرات، أو الصلاة وغيرها، فلكل موضوع أجوبة خاصة للإقناع.

 وهناك أجوبة عامة، مثال ذلك: رأيت ابنك يسمع الأغاني أو يُدخّن، فيمكنك أن تقنعيه بترك الحرام كأن تقولي له: ” ولدي حبيبي لو نفترض وأنت نائم رأيت خلفك عقرباً متجه نحوك، فهل الواجب عليّ أن أسكت وأمضي، أم الواجب عليّ أن أوقظك من نومك لتحمي نفسك منها”؟ فإذا اختار الخيار الثاني، أخبريه بأن السلوك الذي يمارسه هو محرم ومضر، وباطن الحرام في الآخرة يتحول إلى عقارب وحيات ونار وظلمة، قال تعالى: } وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ { ([11]) ، بمعنى الذي يعمل شر يحصد شر. لذا لزم أن تستغفر الله وتبتعد عن الحرام حتى لا تتأذى في الدنيا والآخرة.

#3# احرص أيها المربي على استخدام لغة الجسد، كأن تنظر لولدك حينما تتكلم معه، لا أن تتكلم معه وأنت مشغول بالنظر للهاتف الجوّال، أو للتلفاز ..

وحتى ينفّذ المربي هذه المطالب لا بد له من أن يخصص وقتاً يومياً لأولادهم للتحاور معهم، ولكن-مع الأسف-نجد أغلب المربيين يقصّرون في ذلك، في حين أن أحدهم مستعد ليستمع لغيره كأهله أو صديقه، ولكن لما تصل النوبة لولده يعتذر كأن يقول له: “ولدي أنا مشغول”، فهنا الولد سيتجه لأصدقائه الذين لديهم وقتا للتحاور معه… ولذا يفترض بنا ألا نستغرب لماذا يلجأ أولادنا لأصدقاء السوء.

5.الابتعاد عن الغضب المذموم: فلو كان عندي صديقٌ فيه صفات متميزة تدفعني لاختياره صديقَ ثقةٍ مقرّب، ولكن إذا علمت أنه غضوب ولا يتحكم بغضبه، فحتماً سوف أبتعد عنه، ولن أختاره كصديق ثقة، بل أتعامل معه كصديق من أصدقاء المكاشرة-أي علاقتي معه سطحية-.

وهذا الأمر نفسه يكون في علاقاتنا مع أولادنا، فلما نغضب عليهم سيتعامل ولدي معي كأب لا كصديق، وبالتالي يكون المربي قد جعل مسافةً فيما بينه وبين ولده.

مثال ذلك: أمٌ طلبت من ابنتها أن تعتبرها صديقةً مقربةً لها، وذات يوم البنت أخبرت أمها سراً بأن شخصا تحرّش بها في مواقع التواصل، وهي تواصلت معه وانخدعت به وأرسلت له صورتها وحصل بينهما كلام غزلي محرم. فيا ترى ما هي ردة فعل الأم؟

أغلب الأمهات المؤمنات يغضبن بهذه اللحظة، وتنهال عليها بالسب والشتم، وتفرض عليها عقوبة، ولا تكلمها. وبالتالي ستكون ردة فعل البنت برفض صداقة أمها ولن تخبرها بأسرارها مرة أخرى، وستتعامل معها ك(أم)، وتلجأ إلى من تعرفهن من الصديقات اللاتي أغلبهن صديقات سوء. وبالتالي فالأم خسرت صداقة ابنتها، ولن تعرف بماذا تفكر ابنتها، وهل أفكارها سليمة أو منحرفة لتصحيحيها.

قد تقول إحداكن: ما الحل؟ هل تريديني أن أشجعها على الرذيلة؟

الجواب: لماذا حصرتم الحل إما التعامل معها بغضب وإما أوافق على سلوكها المنحرف؟، بل هناك حل ثالث وهو أن أتعامل معها بالرفق، وهذا منهج أهل البيت عليهم السلام، يروى ” إن فتى شابًّا أتى النبيَّ صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال: (ادنه)، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: (أتحبه لأمك؟)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم) ، إلى أن قال (أتحبه لابنتك؟)(أتحبه لأختك؟)(أتحبه لخالتك؟)(أتحبه لعمتك؟)، وفي كل مرة كان يقول الفتى: (لا والله، جعلني الله فداءك)، فوضع الرسول يده عليه، وقال: (اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فَرْجَه)، فلم يكن بعد – ذلك الفتى – يلتفت إلى شيء”([12]).

قد تقول إحداكن: “يا ليت الرسول صلى الله عليه وآله موجود ليدعو لابني!!

نقول: اتبعي نهج رسول الله التربوي في مصاحبة ابنك، وبنفس الوقت توسلي بأهل البيت Q بأن يغفروا ذنب ولدك، ويطهروا قلبه، ويحصّنوا فرجه. فأهل البيت عليهم السلام يسمعوننا، لذا نقرأ أثناء زيارتنا للمعصومين” أشهد أنك تسمع كلامي وتردّ سلامي”، فالتوسل بالمعصومين أمرنا به الله تعالى قائلا: } وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا {([13]).

وأنتِ أيتها الأم لمّا ترين ابنتك قد أخطأت فحاوريها برفق: (ابنتي احذري من الرجال الأجانب، فهم يتواصلون مع المرأة لغرض اصطيادها وإفراغ شهوتهم الحيوانية، بأن يجعلوها ألعوبة يلهون بها ثم يرمونها، بأن يستغلوا عاطفتها، وكما قال الشاعر([14]): (نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ/ فكلامٌ فموعدٌ فلقاء) فأول مرة يطلب منها التعرّف عليها، ثم يستدرجها بالكلام ويخبرها بأنه معجب بها، ثم يخبرها بأنه يحبها، إلى أن يطلب منها صورتها، ثم فتح الكاميرا سراً…فيقوم بحفظ الصور والفيديوهات، وبعدها يجعلها عبدة له بأن يهددها بأن تشبع شهواته وقتما يريد وإلا سيرسل المقاطع لأهلها، وبعضهم يطلب منها أن ترسل له الأموال… الخ)

إذن بالحوار الهادئ ستتمكنين من نصحها وفي نفس الوقت ستحافظين على صداقتك معها، بينما أسلوب الغلظة والشدة سيبعد ابنتك عنك وبالتالي سترفض صداقتك، قال تعالى: } وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ{ ([15])

والشريعة لما تأمرنا بترك الغضب فلا يعني أن أبتسم بوجه ابني لما يرتكب الحرام، بل لا بد من إظهار الكراهة بالقول أو الفعل، فنحن ذكرنا أن الصديق المحب الصادق الحقيقي هو كالمرآة، فلما يراني منحرفا يسعى لمساعدتي، ولو بإظهار الكراهة بالقول والفعل…  وهذا الكلام ليس مني بل هو كلام الفقهاء، ومنهم سماحة السيد السيستاني دام ظله([16]) : (يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … -إلى أن يقول- نعم وجوب إظهار الكراهة قولاً أو فعلاً من ترك الواجب أو فعل الحرام عيني لا يسقط بفعل البعض، -ثم يذكر سماحة السيد السيستاني هذا الحديث- روي عن أمير المؤمنين S أنّه قال: «أَمَرَنَا رَسُوْلُ الله صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَلْقَىٰ أَهْلَ المَعَاصِيْ بِوُجُوْهٍ مُكْفَهِرَّةٍ»([17]) .

فمثلاً إذا كان ولدكِ تاركاً للصلاة وحاورتيه مراراً ولم ينفع، فهنا أظهري كراهتك له، فمثلاً لما تأكلون الطعام لا تجعلوه يأكل معكم، وقولوا له: ” ماما أنت عاصي ونخاف من الله أن يعاقبنا بسببك…فاذهب أنت وعد الطعام بنفسك”…وهكذا الحال مع الكلام فلا تحاوريه إلا للضرورة ولا تتمازحي معه، ولو كان حاصلا على امتيازات معينه كأن كنتِ تستشيريه في أمر ما، فاسحبي منه هذا الامتياز، فلو فعلتِ ذلك واستمريتِ عليه فسوف يشعر أنه منبوذ وسيفكر في الرجوع لطاعة الله

6. أن يظهر المربي اهتمامه لولده: فالصديق الذي يرى صديقه المقرّب غير مهتم به، فيبدأ بالانسحاب عنه، وكذلك الحال مع أولادنا، فحتى يقبلون صداقتنا كصديق ثقة لزم أن نشعرهم بأننا مهتمون بهم، روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال :” من اهتمّ بك فهو صديقك “ ([18]) .

قد يقول أغلبكم: الحمد لله فنحن مراعون لهذه النقطة؛ لأننا نعمل يومياً ساعات طوال لأجل جلب الأموال لأولادنا، وهذا دليل على اهتمامنا بهم!!

ولكن لما نأتي للواقع نجد أن بعض الأولاد يشكون من آباءهم وأمهاتهم بأنهم مقصرون وغير مهتمين بهم، رغم أن الأبوين يخصصون أغلب أوقاتهم للعمل وجلب الأموال، وشراء أغلى الماركات لكل ما يحتاجه أولادهم…

إذن لماذا الأولاد يتّهمون المربيين بعدم الاهتمام بهم؟

الجواب: نعم إن الأولاد يريدون أن توفروا لهم الأموال وتشتروا لهم كل ما يريدون، ولكن اعلموا أن الدلال يفسد الأولاد، فوجب الاعتدال، وأن أعلّمهم على القناعة. 

والنقطة المهمة هي أن الأولاد يريدون من يهتم بالجانب المعنوي أكثر بكثير من الجانب المادي. فهم يريدون من يهتم بمشاعرهم بأن يواسيهم في همومهم وأحزانهم، ومن يشاركهم في أفراحهم… يريدون من يهتم بهواياتهم وطموحاتهم …ويريدون من يشاركهم في أفكارهم بإيجاد الحلول لمشاكلهم، إلى من يشاوروه ويفهمهم الصح من الخطأ…يحتاجون إلى من يشعره بالسعادة والطمأنينة، وهذا لا يتحقق إلا إذا زرع المربي في قلب ولده الإيمان ويعرّفه ربه ونبيه وإمامه.. يحتاجون إلى من يرشدهم كيف يحمون أنفسهم من الضياع … ولكن لأنهم لم يجدوا منكم هذا الإرشاد لذا ترونهم ينتمون للاعب الفلاني أو للمغني الفاسق أو للشخصية التافهة المشهورة في مواقع التواصل، وهم بهذا الانتماء سيشعرون بضياع أشد، في حين أن المربي وظيفته أن ينتشله من الضياع ويحميه بأن يعلّمه منذ مرحلة الطفولة المتأخرة على إمام زمانه ويعرفه عليه؛ كي ينتمي إليه بقناعة ويطيعه، بتقليد أحد مراجع الدين العدول الذي أخذوا التعاليم الإسلامية من دستور حق معصوم من الخطأ، فيرجع إليهما الولد وقت الشدة ووقت اختلاط الحق مع الباطل، وهذا الدستور يتمثّل بالقرآن وبالتمسك بأهل البيت ع..فالموازين بالآونة الأخيرة انقلبت رأسا على عقب، أي الحرام -الذي لنفترض أن لونه احمر- صبغوه باللون الأخضر –كناية عن الحلال- فصارت الخمرة تسمى بالمشروبات الروحية، والميسر صار لعبة حظ، والغناء صار فنا، والرشوة صارت هدية/ والربا صار ربح وتجارة/ والاختلاط صار تحضرا/ والتبرج صار أناقة/ والتعري صار حرية/ والزنا صار علاقة حميمة، والدياثة صارت حداثة، والشذوذ صار مثلية، والأمر بالمعروف صار تزمتا، والنهي عن المنكر صار تخلفا..

فلذا وجب على كل مربي أن يعرّف أولاده على الميزان الغير قابل للخطأ الذي يميز بين الصح والخطأ، بين الحلال والحرام بالرجوع إلى تعاليم الشريعة، وهذا يحتاج أن نربي أولادنا تربية إيمانية منذ الصغر إلى الكبر.

7.مشاركته في مواهبه وألعابه: فالصديق لما يجد شخصا مهتما به ويشاركه في مواهبه وهواياته والألعاب التي يحبها، سيحبه أكثر ويتقرب منه أكثر، ويكون هو أولى من غيره بأن يتخذه صديق ثقة.

فمثلا لو كان يحب الألعاب الإلكترونية، فما المشكلة لو خصص المربي وقتا ليلعب مع ولده؟، ستقولين “أنا مشغولة؟”، أقول: هل يوجد شخص مشغول في حياته أكثر من رسول الله صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ والذي يعتبر قائد الأمة الإسلامية، فهو على جلالة قدره كان يلاعب الحسنين، وقال: ” من كان له صبي فليتصابى له” ([19])، لدرجة أنه كان ينحني ليركب الحسنين على ظهره ويمشي([20]).

ونحن لا نقول لكِ انحني بل على الأقل اجلسي مع طفلك على الكنبة وشاركيه اللعب لشوط أو شوطين، وبنفس الوقت ستتعرفي على مدى صلاح لعبته لتوعظيه.

8. أن يكون المربي حافظاً لولده: فمن شروط انتخاب الصديق الثقة هو أن يكون حافظاً لصديقه في ثلاثة أمور يذكرها لنا الإمام عليS إذ أنه قال: ” لا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلَاثٍ فِي نَكْبَتِهِ وَغَيْبَتِهِ وَوَفَاتِهِ” ([21]).

أي مثلما الصديق يكون حافظ لصديقه في نكبته فعلى المربي أن يحفظ ولده في نكبته، بأن يكون عونا له على مصائبه ومشكلاته، بأن يواسيه ويساعده على حلها

والصفة الثانية للصديق التي يذكرها الإمام علي عليه السلام هو أن نحفظه في غيبته، فإذا سمع أنه يُذكر بسوء من قبل الآخرين وإنهم بصدد انتقاصه فيدافع عنه، كأن يقول: “هذه غيبة والغيبة محرمة، فاتقوا الله”.

فالإنسان عادة يحب الذي يدافع عنه أكثر من غيره، بينما يكره الذي ينتقصه وبالأخص أمام الآخرين، لذا ترون الأطفال يحبون من الوالدين من يدافع عنهم أكثر من الثاني. ولكن كلامنا هذا لا يعني أن المربي يجب عليه أن يدافع عن ابنه حتى لو كان ظالما، بل يجب أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وأن ينصحه بأساليب غير منفّرة.

9.عدم انتقاص المربي للولد: فكلُ واحدٍ فينا لمّا صديقه ينتقص من قدره سيرفض صداقته، ولذا إذا المربي ينتقص من ولده سيرفض ولده صداقته، وسيعامله كأب أو كأم لا كصديق، وبالتالي لن يتأثر بهم مثلما يتأثر بصديقه، ومن مصاديق الانتقاص ما يلي:

#التوقف عن ذمه وإحباطه: كأن يقول المربي لولده: “أنا أعرف إنك غبي وكسلان ولا خير فيك”، فهذه الألفاظ تبّعد الطفل عن والديه ويرفض حتما صداقتهم. أو أن الولد عنده مهارة في عمل معين، ولكن المربي لا يحفزه، بل يحبطه ويستخف به، فلذا يضطر الولد بأن يكون تواصله مع صديقه، فلما يحفزه ويدعمه سيحبه وبالتدريج سيتخذه صديقا مقربا.

#الابتعاد عن أسلوب المقارنة مع الآخرين: كأن يقول المربي له: “فلان أحسن منك”، فتربويا يجب الابتعاد عن مقارنته بالآخرين حتى بإخوته وبأبيه؛ لأن المقارنة بمن هم أفضل حالٍ من حاله في بعض الميزات ستشعره بالدونية وبالحقد والحسد عليهم، وستدفعه للابتعاد عن المنتقد.

نعم إذا يريد المربي مقارنته بأحد فليقارنه بنفسه، كأن تقول له: “أنت العام كنت أحسن من هذه السنة، لماذا يا ولدي؟“.

# تجنب إفشاء أسراره: فمن الأمور التي يجب على المربي أن يتجنبها هي إفشاء أسرار أولاده: فنحن لو كانت لدينا صديقة تنشر أسرارنا، فسوف نرفض أن نجعلها صديقة ثقة مقربة، بل اعتبرها من أصدقاء المجاملة، روي عن علي عليه السلام: “جمع خير الدنيا والآخرة في كتمان السرّ ومصادقة الأخيار، وجمع الشرّ في الإذاعة ومؤاخاة الأشرار”([22]) .

ولو كانت هذه الأسرار عيبا فالإثم مضاعف لأنه أفشى سرا، ولأنه وقع في الغيبة أيضا. فشرعا لا يجوز للوالدين غيبة أولادهم من بلوغهم سن التمييز؛ لأن الأولاد يفهمون ويتأذون، وكفارتها أن يبرء الولد ذمة والده، أو أن يستغفر الوالد لولده.

ونحن نرى في الواقع أن الوالدين وبالأخص الأم لكونها عاطفية وتنفعل بسرعة لما يؤذيها ولدها، فتنفّس عن غضبها بأن تشتكي للآخرين وتكشف عيوب ولدها. والمصيبة أنها تتكلم بصوت عال بحيث الولد يسمعها وهي تذمه. فهنا الولد يتأثر كثيرا ويحزن، ويبدأ يكره أمه وينتقم منها بأن يعاندها أكثر..فهل تعتقدون بعد هذه المواقف يتقبل أن تكون أمه صديقة له؟

فهذه شرعا تعتبر غيبة وهي محرمة. وإذا قالت الأم إني لم أتكلم عليه بغيابه بل بحضوره، فهذه ليست غيبة!!

نقول: صحيح أنها ليست بغيبة ولكن هذا لا يعني أنه عمل جائز بل هو محرم، غاية ما في الأمر أن عنوانها ليس بغيبة بل عنوانها “الإهانة والاستخفاف بالمؤمن”.

وينبغي للولد أن يسامح والديه ولا يتزمت ولا يعقهما ولو كانا ظالمين…  روي عن الإمام الباقر عليه السلام: ” ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برّين كانا أو فاجرين “([23]).

10.استشارة المربي لولده: فالصديق الذي يستشيرني ويسمع رأيي يُشعرني بأهميتي وبأن لي مكانة عنده، لذا أعتز بهذه الصداقة، بينما لما أرى صديقي يستشير غيري ولا يستشيرني فسوف أحزن وأشعر بأنه يستصغرني. وكذلك الحال مع الولد..فأنتِ استشيري ابنك واسمعي رأيه في بعض الأمور، واجعليه بمنزلة الوزير الذي يستشيره المَلِك .. وهذا الأمر حثنا عليه رسول الله صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ” الولد سيد سبع سنين، وعبد سبع سنين، ووزير سبع سنين، فإن رضيت أخلاقه لإحدى وعشرين سنة وإلاّ ضرب على جنبيه فقد أعذرت إلى الله “([24]) .

كأن يمثّل المربي دور الحيران حقاً لا يعرف ماذا يصنع..؟؟، فيسأل ولده قائلاً: “ما رأيك يا ولدي هل أشتري هدية لصديقي المريض وروداً أم شوكولا أم ماذا..؟”، أو “عندي موعدان مهمان فأيهما أقدمه على الآخر..؟”،  أو : “ماما أريد أن نعّرف الناس بقضية الإمام الحسين Z، وأنا أفكر أن نطبع بعض الأوراق فيها عبارات مختصرة عن النهضة الحسينية، فما رأيك؟، وهل لديك أفكار أخرى؟” وغيرها من الاستشارات

قد يقول المربي: ولكن ابني ما زال طفلاً لا يفهم حتى أستشيره؟

نقول: من المفترض أن لا نستخف بآراء أولادنا، فبعض الأحيان لديهم أفكاراً حلّت مشاكل لم يتمكن الكبار من حلها. والنقطة المهمة هو أن الشريعة والتربويين لمّا يحثونا على استشارة أولادنا فالمنفعة ترجع للولد؛ لأن استشارته ستقوي ثقته بنفسه، وتشعره بحبك واهتمامك له، ولأن استشارتك للولد ستزيد من معلوماته لأن سيكون هناك أخذ وعطاء في الكلام. وأيضاً ستقرّب المسافة فيما بينكما وتسهّل عقد صداقة قوية-وهذا ما نبحث عنه-، وأخيرا أن الاستشارة ستعرّف المربي كيف يفكر ولده، وبهذا يمكنه تصحيح أفكاره المنحرفة.

مثال: سألتِ ولدك: “ماما أنا أشعر بالملل والضجر، فما هو رأيك؟”

فإذا قال الولد: “ماما اسمعي الأغاني واطربي معها، سوف تشعري بالراحة والانتعاش” فعلى المربي أن يصحح معلومته، كأن تقولي له: ) لا ماما، كيف أشعر بالراحة والانتعاش وأنا أعرف أن سماع الأغاني من الكبائر وتغضب الله وأهل البيت عليهم السلام؟، فالإمام بنفسه يقول: “إن بيت الغناء لا تُؤْمَنُ فيه الفجيعة، ولا يدخله الملك، ولا تُسْتَجَابُ فيه الدّعوة “([25])… أنا تذكّرت بأن الذي يرّيح النفس ويسعدها هو ذكر الله، قال تعالى: } أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ { ([26])، ولذا أنا مخيرة بين قراءة القرآن أو قراءة بعض الأدعية، أو التوسل بأهل البيت ع أو تذكّر مصائبهم عليهم السلام، فالذي يذكر مصائبهم تهون عليه كل الهموم والأحزان، روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال : «ذكرنا أهل البيت شفاء من العلل والأسقام ووسواس الريب» ([27]).

ومصائب أهل البيت عديدة ومتنوعة، وبالأخص مصيبة عاشوراء، التي قال عنها الإمام الصادق عليه السلام: (مُصيبَةً ما اَعْظَمَها وَأَعْظَمَ رَزِيَّتَها فِي الإسْلامِ وَفِي جَميعِ السَّماواتِ وَالاْرْضِ)، منها مصيبة العطش وقتل مسلم والأنصار والعباس والقاسم والأكبر، وأيضا مصيبة عبد الله الرضيع، فقد ورد في زياة الناحية المنسوبة إلى الإمام الثاني عشر الحجة بن الحسن (عج): السلام على عبد الله الرضيع المرمي الصريع المتشحط دما والمصعد بدمه إلى السماء المذبوح بالسهم في حجر أبيه. وفي خبر أن الحوراء جاءت به إلى أخيها الحسين عليه ‌السلام تحمله فدفعته إليه وهي باكية وقالت: أخي خذ طفلك. قيل: فأجلسه في حجرة يقبله، ويقول: بُعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدك المصطفى خصمهم. ثم أتى به نحو القوم يطلب له الماء قائلا:

يا قوم قد قتلتم إخوتي، وأولادي، وأنصاري، وما بقي غير هذا الطفل، وهو يتلظى عطشا من غير دنب أتاه إليكم فاسقوه شربة من الماء. فاختلف العسكر فيما بينهم، فمنهم من قال: إذا كان ذنب للكبار فما ذنب هذا الطفل؟ ومنهم من قال: اقتلوه ولا تبقوا لأهل هذا البيت باقية.

فلما رأى ابن سعد ذلك صاح بحرملة: ويلك يا حرملة اقطع نزاع القوم، قال: فما أصنع؟ قال: ارم الطفل بسهم، قال حرملة: فرأيت رقبته تلمع على عضد أبيه الحسين عليه ‌السلام، فرميت الطفل بسهمي، فذبحته من الوريد إلى الوريد فلما أحس الطفل الرضيع بحرارة السهم أخرج يديه من القماط واعتنق أباه، وجعل يرفرف كالطير المذبوح.

فملأ الحسين كفه من دمه، ورمى به نحو السماء، قائلا: اللهم لا يكن أهون عليك من فصيل ناقة صالح([28]).

 (نصاري)

تلگَّه احسين دم الطفل بيده
 
 اشحاله اليچتل ابحضنه اوليده
 
سال او ترس كفه من وريده
 
 او ذبَّه للسمه او للارض ما خرَ
 
اشلون احسين يوم الطفل عنده
 
 عبد الله انذبح من فوگ زنده
 
ظل محتار بيه احسين وحده
 
 يدفنه لو يجيبه للصواوين
 
على خدِّ الطفل سالت دمعته
 
 اشيگل العمِّتَه اشيعتذر لخته
 
كف ايده انترس من دم رگبته
 
 ذبه للسما او ظل بالسمه اسنين
 
نظر طفله او رگبته اشلون مالت
 
 حنِّ او دمعته امن العين سالت
 
يبويه من السهم روحك اشگالت
 
 ذبح او عطش بويه ضگت الاثنين([29])
 

محاضرات (زاد المبلّغات) لشهر محرم الحرام

تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع


[1] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ١٠١ – ص ٩٥.

[2] شرح نهج البلاغة-ج٢٠ -ص٢٦٧ / ١٠٢.

[3] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ١٠١ -ص ٩٥.

[4] شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (ع) -ص٥٨٦.

[5] مصادقة الإخوان-الصدوق -ج۱-ص30.

[6] عيون الحكم والمواعظ-الواسطي -ص 63.

[7] أمالي الطوسي-ح 6 –ص 609.

[8] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٤٣ -ص ١٧٢.

[9] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ١٥٧٤.

[10] ميزان الحكمة-الريشهري -ج 2-ص1589.

[11] الزلزلة/7.

[12] سنن أحمد بن حنبل-ج5-ص 256.

[13][13] النساء/64.

[14]منسوب للشاعر أحمد شوقي.

[15] آل عمران/159.

[16] المسائل المنتخبة-السيد السيستاني-باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (مسألة 631).

[17] الكافي-الشيخ الكليني-ج 5-ص 59.

[18] موسوعة أحاديث اهل البيت ع –الشيخ هادي النجفي-ج 6-ص40.

[19] الفقيه-الصدوق -ج ٣ -ص ٤٨٣ -٤٧٠٧.

[20]مناقب آل أبي طالب -ابن شهر آشوب -ج ٣ -ص ١٥٨.

[21] هداية الأمة إلى أحكام الأئمة (عليهم أفضل الصلاة السَّلام) -الحر العاملي-ج5-ص139.

[22] بحار الأنوار-العلامة المجلسي -ج ٧١-ص ١٧٨.

[23] بحار الأنوار –العلامة المجلسي -ج 74 -ص56 -15.

[24] وسائل الشيعة -الحر العاملي – ج ٢١ – ص ٤٧٦.

[25] مستدرك الوسائل -الميرزا النوري -ج ١٣ -ص ٢١٣.

[26] الرعد/28.

[27] المحاسن، أحمد البرقى -ج 1-ص 62.

[28] نفس المهموم – عباس القمي -ص349.

[29] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج2-ص21-22.