لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
عنوان المحاضرة: هَلِ الحِجابُ يَتَعارَضُ مَعَ العَدْلِ؟
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾.[1]
أمر الله سبحانه وتعالى عباده بالعدل في آيات عديدة، ومنها الآية التسعون من سورة النحل، وهي قوله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾.
والعدل من الصفات الحميدة والكمالية، والعقلاء يقبّحون من يترك العدل ويظلم الناس، ولا يمكن لله عزَّ وجلَّ إلّا أن يتّصف بهذه الصفة لأنّها صفة كمال، كما أنّه لا يمكن أن يأمر الناس بهذه الصفة الكمالية ولا يكون عنده هذا الكمال، مع أنّه تعالى هو الحاوي لكلّ صفات الكمال على النحو الأتمّ والأكمل.
لذا فكل المذاهب الإسلامية تتفق بأن الله تعالى يتصف بصفة العدل، بل إن عدل الله هو أحد أصول الدين الخمسة.
ولكي يعيش الإنسان بسلام وأمان نهانا عن الظلم، لذا شرع الله تعالى لنا قوانينَ متعددة، كلها قوانين عادلة، وأمرنا بتطبيقها، قال تعالى:﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَان َ﴾.[2]
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «إن العدل ميزان الله سبحانه الذي وضعه في الخلق ونصبه لإقامة الحق، فلا تخالفه في ميزانه ولا تعارضه في سلطانه».[3]
فقوله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾[4]، أي أن مضمون الآية يأمرنا بأن نطبق العدل على أنفسنا أولاً، وأن نأمر الآخرين بتطبيقه، من خلال تطبيق قوانين الله تعالى، أي تنفيذ كل أحكام الله تعالى بشكل مطلق.
مباحث الآية الكريمة
المبحث الأول: العدل بين القوانين الإلهية والوضعية
قد يسأل سائل: بأن العدل لا ينحصر بقوانين الله تعالى، بل إن كل الناس وكل قوانين الدول تدعو إلى العدل وترفض الظلم، ولكن في بعض الأحيان القوانينُ الوضعية البشرية تخالف القوانينَ الإلهية، فلماذا وجب عليّ أن آخذ العدل من قوانين الله، لا القوانين البشرية التي تخالف قوانين الله؟
الجواب: لأن القوانين البشرية معرضة للخطأ، ففيها مزيج من القوانين العادلة والقوانين الظالمة، بينما الله تعالى كل قوانينه عادلة منزهة عن الظلم.
فالموجود الذي يظلم هناك دواعي تدفعه للظلم، ولكن هذه الدواعي إذا انتفت عنه فلن يكون ظالما أبداً وثبت أنه عادل، ومن أبرز تلك الدواعي ما يلي:
1-الجهل: من دواعي الظلم الجهل بالظلم والعدل، كالشخص الذي يعتقد بأن فلانًا قد ظلمه فلذا يعتدي عليه ويظلمه؛ من أجل الانتقام منه في حين أنه مظلوم.
وهذا الجهل ينسب للمخلوقين لا للخالق، لأن البشر مهما أوتوا من علم فعلمهم ناقص، قال تعالى:﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا َ﴾.[5]
في حين أنّ الله تعالى علمه مطلق، يقول تعالى:﴿ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[6]، ويقول تعالى:﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾.[7]
2-الخوف: أحياناً يؤدّي الخوف إلى الظلم، سواءً كان الخوف من الآخر على سلطة، أم على مال وجاه؛ مما يدفع بالأشخاص إلى ظلم الآخرين للحفاظ على أوضاعهم ومراكزهم وغير ذلك، كما لو خافت امرأة على منصبها ومنزلتها فتحاول إسقاط امرأة أخرى متميزة ومحاربتها؛ كي لا تنافسها.
وهذا السبب يستحيل أن يكون في الله تعالى؛ لأنّه هو القويّ العزيز مالك الملك، غلب جبروته كلّ شيء، وقدرته غير متناهية، يقول تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[8]، و﴿ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.[9]
3-الحاجة والحرمان: الإنسان المحتاج الّذي ييأس من تحصيل مطالبه بالطرق المشروعة، قد يلجأ إلى طرق أخرى يظلم فيها نفسه بالمعصية، ويظلم الآخرين بسلب بعض حقوقهم والاعتداء عليهم، مثل الجائع الذي يسرق الأموال من أجل أن يعيش هو وعائلته.
وهذا لا يمكن أن يكون في ساحة الله عزَّ وجلَّ لأنّه غير محتاج لأحد، فهو الغنيّ المطلق الذي عنده خزائن السماوات والأرض. يقول تعالى:﴿ اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.[10]
وهذا لا يختصّ بالحاجة والحرمان الماديّ فقط، بل يشمل الحاجة والحرمان النفسيّ أيضاً كعقدة النقص.[11]
إذن نفهم من ذلك أن القوانين الوضعية لكونها قوانين بشرية؛ فهي تتضمن بعض القوانين الظالمة بسبب الجهل، أو الخوف، أو الحاجة والحرمان، أو لتحقيق مصالح شخصية وغيرها.
المبحث الثاني: هل الحجاب يتعارض مع العدل؟
في الآونة الأخيرة أخذ أعداء الإسلام يشيعون إعلاميًا بأن الحجاب الإسلامي يتعارض مع العدل والمساواة، وبأنه ظُلمٌ بحق المرأة، وإلا لماذا جعل الدين الإسلامي الحجاب مفروضاً على النساء دون الرجال؟
الجواب: إن الدين الإسلامي فرض الستر والحجاب على المرأة، وهذا الحكم لا يتعارض مع العدل؛ لأسباب عديدة، نذكر منها ما يلي:
أولاً: قولكم: «بأن الدين الإسلامي ظلم المرأة؛ لكونه فرض عليها الحجاب» يحتاج إلى تأمل؛ فمن قال: إن الدين الإسلامي هو الدين الوحيد الذي فرض الحجاب على المرأة؟
بل كل الديانات السماوية فرضت الحجاب على المرأة، والنصوص عديدة نذكر منها ما ورد في سفر التكوين (24/63-65) ما نصه: «… وقالت (رفقة) للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا؟ (المقصود نبي الله إسحاق على نبينا وآله و)؟ فقال العبد: هو سيدي، فاتخذت البرقع وتغطت».
وأيضا جاء في سفر العدد (5/18): (لقد فارقتِ سبيل بنات إسرائيل اللاتي من عادتهن أن تكون رؤوسهن مغطّاة، ومشيتِ في طرق النساء الوثنيّات اللاتي يمشين ورؤوسهن مكشوفة).
ثانياً: لو جاز على المرأة الاعتراض على هذا الحكم لأنه مختص بها، ولا يشمل الرجال؛ لجاز على الرجال الاعتراض على أحكام عديدة مختصة بهم: كالنفقة والمهر والجهاد وغيرها من الأحكام.
ثالثاً: أن الإسلام بالأصل ساوى بين الجنسين، وإليكم النماذج الآتية:
- ساوى الإسلام بين الجنسين في القيمة الإنسانية، فالمرأة لم تخلق من منشأ يختلف عن الرجل، بل كلاهما مخلوقان من تراب ونطفة، قال تعالى:﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ﴾[12]، لا كما يعتقد جماعة أهل السنة بأنها مخلوقة من ضلع الرجل، ولدينا الأدلة من روايات المعصومين لسنا الآن بصدد الخوض فيها.
- ساوى الإسلام بين الجنسين بمنحهما حق الحياة، فالله حرم قتل الذكر والأنثى؛ فلم يجوّز قتل النساء دون الرجال، قال تعالى:﴿ لَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾[13]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ ﴾.[14]
- ساوى الإسلام بين الجنسين في التكليف، فكل ما فرضه تعالى على الرجال من صوم، وصلاة، وصدقة، وصبر، وغيرها فهو أيضا مفروض على المرأة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾.[15]
- ساوى الإسلام بين الجنسين في القدوة، أي مثلما ألزم المسلمين الاقتداء بالرجل المؤمن الصالح، وعلى رأسهم النبي محمد وآله ، كذلك لزم أن نقتدي بالمرأة الصالحة وعلى رأسهن السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وكمريم أم عيسى وآسية زوجة فرعون، قال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾.[16]
- كذلك ساوى الإسلام بين الجنسين في التعليم، فلم يفرضه على الرجال وحرّمه على النساء، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة».[17]
باختصار: ساوى الإسلام بين الجنسين في الوظائف والتكاليف، وميزان التفاضل فيما بينهما هو التقوى، قال تعالى:﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[18]، ولذا فالمرأة إذا كانت أتقى من الرجل فلها الأفضلية عليه، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح».[19]
إذن نفهم من هذا أن الأصل هو التماثل والمساواة في التكليف ما بين الجنسين، ولكن هناك أمرًا مهمًا وجب أن لا ننساه، وهو أن لكل قاعدة استثناء، أي أن هناك أحكامًا قد شرعت لأحد الجنسين تختلف عن الآخر، كبعض الأحكام المختصة بالإرث، والشهادة، والجهاد، وغيرها، ومنها أن أحكام العفة كالستر والحجاب المفروضة على المرأة أكثر من الرجل.
المبحث الثالث: لماذا الحجاب مفروض على النساء دون الرجال؟
نعم، قد يعترض بعضهم: لماذا خصص الإسلام أحكام العفة-ومنها ما يتعلق بالستر والحجاب-بالنساء دون الرجال؟ ألا يدل هذا على تفضيل الإسلام للرجال على النساء؟، ألا يعدّ هذا ظلماً؟
الجواب سنطرحه بالنقاط الآتية:
أولاً: إن فرض الحجاب على النساء ليس عقوبة، بل هو حماية ووقاية ومصلحة للفرد والمجتمع، وهذا الأمر قد ذكرنا بعض تفاصيله في محاضرة بعنوان: (أهداف الحجاب) التي طُرِحت في الليلة الخامسة في الجزء الأول لكتاب (زاد المبلغات).
ثانياً: لا يدل تخصيص الحجاب بالنساء على أن الإسلام يفضّل الرجل على المرأة، فتخصيص الحكم لا يدل على تفضيل الأشخاص أو الموضوع، ولتوضيح المطلب نذكر هذين المثالين:
مثال1: الشهيد في المعركة لا يُغسّل بينما غيره يُغسّل، فهذا الحكم لا يدل على تفضيل كل من لم يتم تغسيله على من يُغسّل، وإلا فرسول الله صلى الله عليه وآله وهو خير البشر قد غُسِّل، بينما هناك العديد ممن استشهدوا في المعركة لم يغسلوا.
مثال 2: فضّل الإسلام المتزوج على الأعزب، حيث روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «رَكعتان يُصليهما متزوج أفضلُ من سبعين رَكعة يُصليهما عَزْبٌ».[20]
فهل كل متزوج خير من نبي الله يحيى أو عيسى عليهما السلام لأنهما غير متزوجين؟ الجواب: لا بالتأكيد.
إذن إن فرض الحجاب على المرأة دون الرجل لا يدل على تفضيل الذكر على الأنثى.
ثالثاً: من قال إن أحكام العفة مفروضة على النساء دون الرجال؟، بل العفة مفروضة على كلا الجنسين (الذكر والأنثى)، وإليكم بعض أحكام العفة المفروضة على كلا الجنسين:
1. غض البصر وحفظ الفرج مفروضان على كلا الجنسين، قال تعالى:﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾.[21]
2. الخلوة محرمة بين الجنسين: روي عن علي عليه السلام: (لا يخلو بامرأة رجل، فما من رجل خلا بامرأة إلّا كان الشيطان ثالثهما).[22]
3. اللمس والمصافحة محرم بين الجنسين، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ( يا علي… ولا يجوز للمرأة أن تصافح غير ذي محرم إلا من وراء ثوبها).[23]
4. المزاح محرم بين الجنسين: روي عن أبي بصير، قال: «كنت أقرئ امرأة كنت أعلمها القرآن فمازحتها بشيء، فقدمت على أبى جعفر عليه السلام فقال لي: أي شيء قلت للمرأة؟ (فغطيت وجهي)، فقال: لا تعودن إليها ».[24]
نعم، لا يمكن أن ننكر أن هناك أحكاماً إضافية للعفة، تلتزم بها المرأة أكثر من الرجل، وهي كالآتي:
1ـ ما يتعلق بالستر، فمساحة ستر المرأة أكبر من الرجل، فالمرأة وجب عليها ستر بدنها عن الرجال الأجانب عدا قرص الوجه والكفين، وعندما نأتي إلى الرجل نجده من ناحية شرعية ملزماً أيضاً بستر بعض أجزاء من بدنه، حيث إنه لا يجوز له التعري، ولا اللبس المنافي للاحتشام، حتى إنّ بعض الفقهاء يفتي بوجوب التستر على الرجل فيما هو أزيد من ستر العورة المتعارفة، إذا كان خروجه كذلك يشكل فتنةً للمرأة، لذا لم يجوّز العلماء ظهور الرجال نصف عراة أمام النساء كما في [المجالس الحسينية، ومواكب اللطم]، وإذا حدث ذلك فلا يجوز للنساء أن ينظرن إليهم على نحو الاحتياط الوجوبي[25]، بل وحرم على الرجل لبس الحرير على الرغم من أنه أباحه للمرأة، كما أنّ الإسلام لا يجيز للرجال أن يكشفوا عوراتهم أمام الرجال، فضلاً عن النساء.
2ـ ما يتعلق بالزينة، صحيح أن الإسلام حرّم على النساء إظهار زينتها أمام الرجال الأجانب، إلا أنه أجاز لها التزين، ولبس الحلي، ولبس الذهب فيما بينها وبين نفسها، وأمام النساء، وزوجها والمحارم، ولكن هذا الأمر حرّمه على الرجل، بمعنى أن الإسلام حرم على الرجل لبس الذهب، بل حتى لبس القلائد أو السلاسل الفضية إن كان فيه ظهور بمظهر الكافر، أو التزين بزي النساء، كما حرّم عليه حلق اللحية.
3. ما يتعلق بالخضوع في الصوت وترقيقه، فيحرم على المرأة تعمد ترقيق صوتها أمام الرجال الأجانب، قال تعالى:﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾[26]والرجل بطبيعته لا يخضع في صوته كالمرأة إلا إذا تعمد فعل ذلك من باب التخنيث وهذا حتما محرم.
إذن الفارق الرئيس بين الجنسين هو بمساحة الستر، ولكن قد تعترض امرأة قائلة: لماذا نسبة أحكام العفة عند النساء أكبر من نسبة أحكام الرجال، وبالأخص فيما يتعلق بالستر والحجاب؟، فهذا يتعارض مع العدل؟
الجواب: أن كون نسبة أحكام العفة عند النساء أكثر من الرجال لا يتعارض أبدا مع العدل، للأسباب الآتية:
أولاً: إن العدل لا يستلزم بالضرورة المساواة في الأحكام ما بين الجنسين، بل مقتضى العدل يستلزم منه المساواة في بعض الأحكام، والاختلاف في بعضها الآخر، وسبب ذلك يرجع للاختلافات التكوينية والنفسية ما بين الجنسين، قال تعالى:﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ﴾[27]، وللتوضيح نذكر بعضًا من تلك الاختلافات من باب الإيجاز:
1. الجهاز التناسلي.
2. المخ والدماغ، فمخ الرجل أكثر وزنا من مخ المرأة ب 10%، الجهاز اللمبي (مركز الانفعالات العاطفية) عند المرأة أوسع وأعمق من الرجل.
3. القلب والجهاز الدوري، قلب المرأة أسرع من قلب الرجل.
4. العظام: بوجه عام عظام المرأة أخف وزناً من الرجل، فمثلاً: عظام الفخذ في المرأة تزن في المتوسط 279 جم، بينما عظام الفخذ في الرجل تزن في المتوسط 385جم.
5. العضلات: قدرة الشغل لعضلات المرأة أقل من قدرة الشغل لعضلات الرجل؛ لأن هرمون التستوستيرون يزيد كتلة العضلات وقوتها.
6. الشعور بالألم: النساء أكثر شعورًا بالألم من الرجل.
7. الدم: فهنا اختلاف في نسب بعض المكونات.
8. الكبد: فحجم كبد الرجل ووزنه أكبر من المرأة.
9. الرئة: فرئة المرأة أصغر حجماً، وأقل وزناً من رئة الرجل، وكذلك كمية الهواء التي تدخل الرئة في الدقيقة أقل من الرجل.
10. جهاز المناعة: مستوى الأجسام المضادة في دم المرأة أكبر من مستواها في دم الرجل.
وفي الحقيقة أن كلا الجنسين مختلفان في كل شيء، حتى يروى أنه في أحد المؤتمرات العالمية التي عقدت لبيان الاختلافات ما بين الجنسين، رفع أحد العلماء يديه وقال: (كيف نغفل عن هذه الاختلافات، ومعلوم أن كل خلية من خلايا الرجل تحميل كروموسومات (X – Y) بينما تحمل المرأة (X – X)، ومن ثم فإن الخلايا إذا اختلفت ستختلف الأعضاء لأنها عبارة عن مجموعة خلايا.
ثانياً: إن الاختلاف وعدم التماثل والتساوي في بعض أحكام الجنسين ليس بظلم؛ لأن التماثل والاختلاف في أحكام الجنسين هو من أجل تكامل الحياة، كالتماثل والاختلاف في الأمور التكوينية، فالله خلق للإنسان يدين متشابهتين، وعينين، وأذنين متماثلتين، وقدمين متماثلتين، وكليتين متماثلتين، ومع ذلك خلق له أيضا في نفس اليد الواحدة أصابع مختلفة، وأسنان مختلفة، وأعضاء مختلفة؛ لأن مصلحة الإنسان وتكامله يقتضي هذا التماثل والاختلاف، قال تعالى:﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾.[28]
نفهم من ذلك أن الاختلاف لا يعني بالضرورة الظلم، ولا التساوي والتماثل يعني بالضرورة العدل.
وسبب الاعتراض هو أن أكثرنا يعتقد أن العدالة معناها التماثل والتساوي، أي أن أعطي للأول عين ما أعطي للثاني نفسه، فإذا حصل اختلاف فقد انتفت العدالة، وتحقق الظلم، ولكن هل هذا التعريف صحيح؟
الجواب: كلا، (فمن المهم التفريق بين معنى «العدل» ومعنى «المساواة»، فلا يصح الخلط بينهما، فالعدل هو إعطاء كل ذي حقّ حقه، أو وضع الأمور في مواضعها، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «العدل يضع الأمور مواضعها».[29]
أما المساواة فهي التوزيع لشيء ما، أو لحقّ ما بالتساوي، فلو منح معلّم كل طلابه درجة واحدة دون أن يأخذ بنظر الاعتبار المستوى الدراسي، والجهد المبذول من الطلاب، يكون قد ساوى بين طلابه، ولكنه لم يعدل بل ارتكب ظلماً.
كذلك لو وصف الطبيب دواءً واحداً لجميع مرضاه، وأعطى نوعية الدواء نفسها، وبمقدار متساوٍ لكلّ المرضى، فهذه المساواة بين المرضى تعد ظلماً لبعض المرضى.
كما أن في خلق المخلوقات على نسق واحد، وبشكل متساوٍ في بعض الصور ظلم، فلو تساوى قلب الحوت الذي يزن طناً مع قلب عصفور، فهل هو عدل؟، أو تساوت جذور نبتة صغيرة مع جذور شجرة ضخمة، فهل هذا عدل؟، فخلق هذه الأمور بشكل متساوٍ هو عين الظلم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، والأمثلة على ذلك كثيرة.
(والنتيجة أن المساواة في بعض صورها قد تكون ظلماً، فهناك فرق واضح بين المساواة والعدل).[30]
إذن مثلما يلزمنا العقل أن نراعي الاختلافات العمرية، والصحية، والعلمية، والمهنية وغيرها، فالعقل أيضا يلزمنا أن نراعي الاختلافات الجنسية، هل هو ذكر أم أنثى، باعتبار أن هناك اختلافات تكوينية، ونفسية عديدة فيما بينهما.
إذن ماذا نستنتج من ذلك؟
إن الاختلاف ليس في كل الحالات ينتج عنه الظلم، والتماثل ليس في كل الحالات ينتج عنه العدل، وإذا كان هذا الاختلاف مشرع من قبل الله تعالى فحتماً أن هذا الاختلاف هو العدل، بينما التماثل هو الظلم.
فالله تعالى هو الخالق لهذا الإنسان، وهو الأعلم بمصلحة كل من المرأة والرجل والمجتمع، ونحن عندما نلقي نظرة على التكاليف المفروضة على الجنسين، سنجد بأن عدل الله يقتضي بأن يجعل الأصل في التكليف بين الجنسين هو التماثل، ولكن استثنى منها بعض التكاليف التي يستلزم منها الاختلاف، ومنها ما يتعلق بالستر والحجاب.
قد يقول أحدكم: ما أبرز الاختلافات التكوينية والنفسية التي على أساسها صارت أحكام الستر والحجاب عند النساء مساحتها أكبر من الرجال؟
الجواب: الاختلافات عديدة، نذكر منها ما يلي:
1. إن المرأة -في الأعم الأغلب-أجمل وأرق وألطف من الرجل، ولذا فهي تمثل عنصر الجذب والإغراء والإثارة الأكبر، عن أمير المؤمنين عليه اسللام قال: (فإن المرأة (ريحانة وليست بقهرمانة)[31]. [32]
فالمرأة هي صاحبة مفاتن ومحاسن كثيرة فلابد من سترها، بخلاف الرجل فإنه وإن كان هناك بعض الرجال مثل نبي الله يوسف عليه السلام كان مثار إعجاب بعض النساء إلا أنه فرد نادر، ولا يمكن أن تقاس الأحكام عليه.
فالمرأة إذا أظهرت مفاتنها ومحاسنها سواءً أكان سفورها كلي أم جزئي، فهي ستثير من ينظر إليها بنسبة معينة، حتى لو قالت إنها لا تتقصد ذلك، ولم تتعمد هذه الإثارة.
2. رغبة النساء في التبرج والتزين وميلهن له أكثر من الرجال، قال تعالى:﴿ أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينن ﴾[33]، فالنساء المتبرجات والسافرات يتزين ويتبرجن ويرتدين الثياب المثيرة، لماذا؟
الجواب: لأنها تريد أن تكون مطلوبة من الرجال، ولقد أثبتت دراسات عــــديـــــدة أن المستهلكين (وأغلبهم من النساء) لا يستطيعون اتخاذ قرار بالتوقف عن شراء مستحضرات التجميل، قد يقومون بتغيير النوعية والكمية، لكنهم لا يتوقفــــون أبدا عن الشراء. ففي سنة 2008 م بلغ حجم المبيعات العالمية في مستحضرات التجمـــــــيل 170مليار دولار، 40مليارا منها في الأميركتين، و60 مليارا في أوروبــــــا، و60 مليارا في أستراليا وآسيا، و10 مليارات في إفريقيا.[34] وما بعدها تضاعفت النسب.
بعبارة أخرى: إنّ الميل نحو التجمُّل أمر خاصّ بالنساء، فالرجل صيد -من زاوية القلوب-والمرأة صائد، والمرأة صيد -من زاوية الأجساد-والرجل صائد، وينشأ ميل المرأة نحو الظهور الأنيق جرّاء نزوعها لصيد قلوب الرجال.
ولم يحدث في أيِّ مكان من العالم أن ارتدى الرجال الأسوياء -غير المخنثين-ألبسة تحكي عن أبدانهم، وتأنّقوا بشكل مثير. فالمرأة بحكم طبيعتها الخاصّة تُريد أنْ تجلب قلب الرجل وتجعله أسيراً للارتباط بها. لذا فإنّ التبرُّج والعريّ ,انحرافان خاصّان بالنساء، وحكم الستر مقرّر لهنّ، وهذا التبرج والتزين أمام الرجال الأجانب يترتب عليه مفاسد وانحرافات عديدة.
فأساس الحجاب في الإسلام هو: (أنّ المتعة الجنسيّة يلزم حصرها في محيط المنزل وبالزوجة الشرعيّة، وأنْ يُترك المحيط الاجتماعيّ محيط عمل وإنتاج، ومن هنا لا يُسمح للمرأة حين خروجها من الدار أنْ تُهيّئ موجبات الإثارة الجنسيّة للرجال، كما لا يُسمح للرجل أنْ يتصيّد بنظراته النساء. إنّ هذا اللون من الحجاب لا يُعطِّل طاقات المرأة كما أنّه يؤدّي إلى تدعيم قُدراتها على العمل الاجتماعيّ أيضاً).[35]
3. إن الغريزة الجنسية عند الرجل أقوى منها في المرأة، ولذا فإن الرجل أقرب وأسرع في الإثارة من المرأة، فالرجال أكثر حسّاسيّة من النساء فيما يتعلّق بالمؤثّرات البصريّة، فهم يتأثّرون بجميع أجزاء بدن المرأة، بينما النساء لسنَ كذلك، فنظر الرجل إلى بدن المرأة يؤثّر في غرائزه بشكل كبير، ولهذا نجد النساء يتّجهن نحو تطوير أزيائهنّ بشكل مستمرّ، لمعرفتهنّ بأنّ الرّجال يتأثّرون بسرعة بأجسادهنّ وبما يبرزنه من مفاتن من خلال الألبسة الفاضحة. ولذا أوجب الإسلام عليها الحجاب، روي عن الرضا عليه السلام كتب فيما كتب من جواب مسائله: (حرم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج وغيرهن من النساء؛ لما فيه من تهييج الرجال وما يدعو التهييج إلى الفساد والدخول فيما لا يحل ولا يجمل، وكذلك ما أشبه الشعور…).[36]
4. إن عاطفة المرأة أشد من عاطفة الرجل، وقد ذكرنا سابقا بأن الجهاز اللمبي (مركز الانفعالات العاطفية) يكون عند المرأة أوسع وأعمق من الرجل لحكمة، منها: لكون المرأة هي الوحيدة المهيأة تكويناً للحمل والإنجاب والرضاعة وغيرها، ولذا فهذا الدور وغيره يحتاج منها إلى أن تمتلك عاطفة أشد من الرجل، ولذا ترون الأم عندما يمرض ولدها تسهر طوال الليل من أجل رعايته، بينما الأب لا يتحمل ذلك.
فهذه العاطفة لزم أن تسيطر عليها المرأة، وتستخدمها في مجال الإصلاح، لا الإفساد، فالرجل الفاسق الذي لا يسيطر على غريزته الجنسية يحاول إفراغ شهوته عن طريق استغلال نقطة ضعف المرأة بكون عاطفتها أشد من الرجل، ولذا يحاول إثارتها بالغزل والنظرات المحرمة حتى يحرك عاطفتها نحوه، فيصطادها إلى أن يوقعها في الحرام، وكما قال الإمام علي عليه السلام: «كم من شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا».[37]
فالمرأة لها جانبان، الجانب الأنثوي والجانب الإنساني، فأما الجانب الأنثوي فيكون بارزا للآخرين؛ لما تقوم المرأة بإظهار مفاتنها ومحاسنها بأن ترتدي الثوب الضيق وتكشف عن أجزاء من بدنها وتتبرج وتتزين وتتعطر، وتتمايل في مشيتها وترقق صوتها، وأما الجانب الإنساني فهو بأن تظهر قيمها ومبادئها الراقية كالعفة، والحشمة، والستر والحجاب، والحياء، وحسن الخلق، والإقرار للعبودية لله تعالى بالطاعة المطلقة وبالورع عن محارم الله.
فالإسلام أراد من المرأة المسلمة أن تخفي أمام الرجال الأجانب الجانب الأنثوي، وتظهر الجانب الإنساني، وأجاز لها أن تظهر الجانبين مع غير الرجال الأجانب كالمحارم، بشرط أن لا يترتب على إظهار الجانب الأنثوي إثارة، لأن ما يتعلق بإظهار الجانب الأنثوي المثير هو من مختصات الزوج فقط.
وأما إذا لم تحتشم المرأة، ولم تتحكم بشهوتها فسوف يترتب على ذلك ظلم لنفسها، وللرجال وللمجتمع، كالتعرض للتحرش، وسحق عزتها، وكرامتها، والاستخفاف بهويتها الإسلامية، وستجعل من نفسها ألعوبة يعبثون بها ثم يرمونها، وسوف تكون سبباً في إغراء الرجال، وما يترتب عليه من مشكلات زوجية وأسرية، وازدياد في نسب الطلاق، وما يترتب على تبرجها من تحطيم للمنظومة الأخلاقية وغيرها من الآثار الدنيوية، عدا العقوبات الأخروية.
لذا وجب تطبيق العدل المتمثل باتباع آيات الله التي أمرتنا بالستر والحجاب، واتباع تعاليم المعصومين عليهم السلام، وإلا إذا عاندت المرأة وانقادت وراء هواها وشهواتها فحتما ستكون من الهالكين.
روي عن صاحب الذكرى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: «من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيه ضل، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر».[38]
ولنا في بنات الوحي والرسالة في النهضة الحسينية أسوة حسنة، فلقد خرجن برفقة إمام زمانهن من أجل نصرة الإمام الحسين عليه السلام، وقمن بأدوار عظيمة خلدها التاريخ التي لولاها لما خلدت النهضة الحسينية، ومن تلك الأدوار المحافظة على عفتهن وحجابهن رغم تعرضهن لمصائب تنهد لهولها الجبال.
يقول السيد عبد الرزاق المقرم في كتابه مقتل الحسين عليه السّلام[39]، ما نصه: «حين فُجِعْنَ بمقتلِ إخوانهنّ وأولادهنّ وأنصارهنّ تعرّضن لهجوم جيش عمر بن سعد الطَّغام الأجلاف، فنهبوا رِحالَهُنّ وسلَبوا أغلب ما عليهنّ من الأردية التي يَستَترنَ بها، فصارَت الواحدةُ منهُنّ تلوذ بالأخرى، وصِرنَ يَستُرنَ وجوهَهُنّ بأيديهنّ من نظرات طَغامِ جيش ابن سعد، ثمّ حُملن على نُوقٍ هزيلة بغير وِطاءٍ ولا محمل، وساقوهنّ كما يُساق سَبيُّ الترك والروم، حتّى إذا اقترب بهنّ الحادي من الكوفة، وخرج أهل الكوفة ينظرون إلى موكب السبايا، صرخت بهم إحدى المخدّرات: غُضُّوا أبصارَكُم عنّا! ألا تَستَحْيون من اللهِ ومن رسولِه أن تنظروا إلى حَرَمِ رسولِ الله وعيالاتِه؟!»
فهذه الرواية فيها دلالات كثيرة على شدة عفة وحياء نساء الطف رغم أنهن مسبيات أسيرات من قبل الأعداء، وهي كالاتي:
1-استتارُ النسوة خلفَ بعضِهن بعضا.
2-سترُ وجوههن بأيديهن أو بكُمهن.
3-الطلب من الناس أن يغضوا النظر عنهن.
وهكذا تحملن بنات الوحي والرسالة ظلم أعداء دين الله في الكوفة، وأثناء سبيهن إلى الشام، تحملن الجوع والعطش والضرب والسب والشتم، وكانت كل تلك الظلامات توجه لا فقط للنساء، بل حتى لأطفال الحسين عليه السلام ومنهن السيدة رقية عليها السلام التي بموتها وأثناء تغسيلها شاهدوا ضلوعها زرقاء بسبب ضرب السياط.
هلمّوا بنا لنقف على تفاصيل الحادثة، قال في المنتخب: كان للحسين بنت صغيرة يحبها وتحبه، وقيل كانت تسمى رقية، وكان لها ثلاث سنين وفي مقتل الحسين لبحر العلوم كان عمرها أربع سنين، وكانت مع الأسرى في الشام، وكانت تبكي لفراق أبيها ليلها ونهارها وكانوا يقولون لها هو في السفر، فرأته ليلة في النوم، فلما انتبهت جزعت جزعا شديدا، وقالت: ائتوني بوالدي وقرة عيني، وكلما أراد أهل البيت إسكاتها ازدادت جزعا وبكاء، ولبكائها هاج حزن أهل البيت فأخذوا في البكاء، ولطموا الخدود، وحثوا على رؤوسهم التراب، ونشروا الشعور، وقام الصياح.
فسمع يزيد صيحتهم وبكاءهم فقال: ما الخبر؟ قيل له: إن بنت الحسين الصغيرة رأت أباها بنومها فانتبهت وهي تطلبه وتبكي. فلما سمع ذلك قال: ارفعوا إليها رأس أبيها وحطُّوه بين يديها تتسلى به، فأتوا بالرأس في طبق مغطى بمنديل.
(مجردات)
| جابوه او شافتهم امن ابعيد | او صاحت هله ابراسك يلعميد | |
| يهلال عزنه ابليلة العيد | ليش اگطعت بينه يصنديد | |
| او عفتنه اويه ناس موش اجاويد | ||
فوضعوه بين يديها فرفعت المنديل وضمت الرأس إلى صدرها وهي تقول: يا أبتاه من ذا الذي خضَّبك بدمائك يا أبتاه من ذا الذي قطع وريديك يا أبتاه من ذا الذي ايتمني على صغر سنى.
(مجردات)
| يـــــــــا والــــــــدي والله هظيمه | اصيـــــــــــــر من صغري يتيمه | |
| والنــــــــــــــوح من بعدك لجيمه | أثاري الأبــــــــو يا ناس خيمه | |
| ايفيي على ابناتــــــــــه او حريمه | ||
يا أبتاه من ليتيمة حتى تكبر، يا أبتاه من للنساء الحاسرات، من للأرامل المسبيات، يا أبتاه من للعيون الباكيات، يا أبتاه من للضائعات الغريبات، يا أبتاه من لنا بعدك، يا أبتاه من لنا بعدك، يا أبتاه ليتني قبل هذا اليوم عمياء، يا أبتاه ليتني توسدت التراب ولا أرى شيبك مخضبا بالدماء.
ثم وضعت فمها على فم الشهيد المظلوم وبكت حتى غشي عليها!!
قال الإمام زين العابدين عليه السلام: عمه زينب ارفعي اليتيمة من على رأس والدي فإنها فارقت الحياة.
(مجردات)
| عمه يزينـــــــــــب گومي ليها | شيليها عن راسه وليها | |
| ماتت الطفلـــــــــه من بچيها | واختي انكسر گلبي عليها |
فلما حركتها زينب وإذا بها قد ماتت فارتفعت الأصوات وعلا الصراخ.
قيل: وأحضر لها أهل البيت مغسلة لتغسلها، فلما جردتها عن ثيابها قالت: لا أغسلها، فقالت لها زينب عليها السلام ولم لا تغسلينها؟ قالت: أخشى أن يكون فيها مرض، فإني أرى أضلاعها زرقا، قالت: والله ليس فيها مرض، ولكن هذا من ضرب سياط أهل الكوفة. قال في معالي السبطين: وكان متنها مجروحا من كثرة الضرب.[40]
(مجردات)
| من جلة الوالـــــــــي علـينه | يضربونه او نشگف بدينه | |
| او يشتمون حامينه او ولينه | إتمنينه أبو فاضل العينه | |
| ايشاهد اخلافه اشصار بينه[41] | ||
[1] النحل/90.
[2] الرحمن/9.
[3] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٣ – الصفحة ١٨٣٨.
[4] النحل/90.
[5] الإسراء/85.
[6] المائدة/97.
[7] يونس/61.
[8] المجادلة/21.
[9] البقرة/259.
[10] البقرة/267.
[11] في رحاب العقيدة-نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية-بتصرف.
[12] فاطر/11.
[13][13] النساء/29.
[14] التكوير/8.
[15] الأحزاب/35.
[16] التحريم/11-12.
[17] بحار الأنوار -الشيخ المجلسي-ج ٦٧ -ص ٦٨.
[18] الحجرات/13.
[19] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ١١٨٧.
[20] ثواب الأعمال-الشيخ الصدوق-ص 62.
[21] النور/30-31.
[22] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري-ج14-ص265.
[23] الخصال-الشيخ الصدوق-ص588.
[24] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج20-ص198.
[25] منهاج الصالحين-السيد السيستاني-ج3-كتاب النكاح-الفصل الثاني في أحكام النظر واللمس والتستّر وما يلحق بها-مسألة 15.
[26] الأحزاب/ 32.
[27] آل عمران/36.
[28] التين/4.
[29] بحار الأنوار-العلّامة المجلسي-ج 75-ص 350.
[30] زاد المغترب-سلسلة المعارف الإسلامية-نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، بتصرف.
[31] القهرمانة: مديرة البيت ومتولية شؤونه.
[32] نهج البلاغة-للإمام علي بن ابي طالب ع-الرسالة: 31.
[33] الزخرف / 18.
[34] جريدة العرب الاقتصادية الدولية/ aleqt.com / أخبار اقتصادية/حجم مبيعات مستحضرات التجميل .. 170 مليار دولار.
[35] الحجاب-مركز المعارف للتأليف والتحقيق-ص 54.
[36] علل الشرائع-الشيخ الصدوق-ص 565.
[37] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ -ص ٤٥١.
[38] أصول الكافي-الشيخ الكليني-ج-1 ص72 -ح10.
[39] مقتل الحسين ع-السيد عبد الرزاق المقرم -ص 371.
[40] نفس المهموم-عباس القمي-ص456.
[41] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ص203-205.
