هَلْ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ اللهِ بِالْبَصَرِ؟

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

عنوان المحاضرة: هَلْ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ اللهِ بِالْبَصَرِ؟

تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [1]

نحن نعيش في زمانٍ كثرت فيه الفتن، ومن أخطر هذه الفتن ظهور طائفة في الدول الإسلامية يشكِّكون في وجود الله تعالى؛ لأنهم لا يرونه، ويسندون ما يحدث في هذا الكون إلى الطبيعة، أو إلى الصدفة، ويجهرون بذكر أدلتهم الواهية الباطلة على إنكار وجود الخالق العظيم في محيطهم وفي وسائل الإعلام، مستغلِّين ضعفَ عقيدة توحيد الله تعالى عند بعض المسلمين.[2]

  لقد ذكرنا في الجزء الثاني من كتاب (زاد المبلغات) بعض البراهين التي تثبت وجود الله تعالى، وذكرنا في الجزء الثالث الأدلة التي تنفي بأن الصدفة والطبيعة هي التي خلقت العالم والكون، ونريد أن نَردّ في هذه المحاضرة على من ينكر وجود الله لأنه لا يراه…لأنه صار من المألوف للإنسان أن يرى الشيء أو يلمسه، أو يحسبه بأي طريق معتبر لديه.

لذا فالسؤال المطروح: إذا كان الله موجوداً فلماذا لا نراه؟

بعبارة أخرى: كيف نؤمن بإله لا نراه؟

وقبل أن نجيب على السؤال، لنقف على معنى الرؤية البصرية.

الرؤية البصرية عبارة عن: انعكاس صورة المرئي على العين عن طريق وصول النور النابع أو المنعكس من الأشياء إلى العين، ثمّ انتقال هذا النور على شكل أمواج عصبية إلى الدماغ من أجل تحليله وتفسيره وتعقّل شكل وصورة المرئي.

مباحث الآية الكريمة

المبحث الأول: الرد على منكري وجود الله لعدم رؤيته

  يحتج بعضهم بعدم وجود الله لعدم إمكانية رؤيته!!

ونرد عليه بأن الرؤية ليست ملاكاً للوجود وعدم الرؤية ملاكاً للعدم، قال العقلاء (عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود)، فهناك أشياء كثيرة موجودة ولا تُرى بالعين، فليس كلّ غير محسوس معدوم. وإليكم الأمثلة الآتية:

1-الألم في الجسم لو لم تدل عليه علّة ظاهرية، فهو غير محسوس للآخرين في حين أنه موجود.

2-في المساء يحكم الإنسان بوجود النهار في الجانب الآخر من الكرة الأرضية، في حين أنه غير محسوس.

3-الأرض كروية ولكن الإنسان يحسها مسطحة.

4 -أمواج الراديو، وذبذبات الهواتف النقّالة موجودة في الفضاء، ولكنها ليست محسوسة.

5-إن الأمواج الصوتية التي تكون درجة ذبذبتها بين 20 و20000 مرة في الثانية هي التي يمكننا إدراكها، وأما الأمواج التي تكون درجة الذبذبة فيها دون هذا الحد أو فوقه فهي غير قابلة للسماع لنا.

6-ما ندركه من الأمواج الضوئية هي التي يكون درجة اهتزازها بين 458 مليون مليون، و727 مليون مليون في الثانية، أما الأمواج الضوئية التي دون ذلك أو فوقه في الفضاء فهي لا ترى.

7-الطاقة موجودة ولكنها لا تُحس، ولا يعرف أحد حقيقتها.

8-الجاذبية موجودة في جميع الأجسام بينما لا تخضع للحس.

هذه جملة من الحقائق العلمية المتفق عليها، مع أنها لا تخضع للحس.

 وأيضاً إن الحس (إما عن طريق الرؤية، أو السمع، أو اللمس) لا يعطينا الكشف الصحيح عن الواقع لوحده، فهناك أشياء تُرى في حين أنها لا واقع لها.

وإليك شواهد أخرى على ذلك:

1-الصورة تشاهد في المرآة في حين أنه لا وجود خارجي لها.

2-حينما يسير القطار يشاهد الإنسان الأشجار والجبال تمرّ من أمامه بسرعة، والواقع يكذب ذلك.

3-تبدو سكتا الحديد ملتقيتين من بعيد، في حين أنهما متوازيتان، والمتوازيان لا يلتقيان مهما مددناهما.

4-يبدو السراب للمشاهد ماءً في حين أنه لا يوجد ماء.

5-يقال: أن للفضاء بعداً رابعاً ولكنه غير محسوس.

6-في الشتاء حيث الباب الخشبي وباب الحديد يكونان في درجة حرارة واحدة، يحس اللامس أن باب الحديد أكثر برودة.

7-في جميع التجارب العلمية لو لم تساعدنا الأدوات والآلات فإن حواسنا الظاهرية عاجزة عن إدراك كثير من الأشياء.

 هذه جملة من الأمور التي يستنتجها الإنسان نتيجة إدراكه لها بالحواس، ولكن العقل لا يعتقد بوجودها، ولذلك فلا يصح مطلقاً أن نجعل الحس ملاكاً لتشخيص الواقع.[3]

  إذاً نفهم مما ذكرناه: (إن إيماننا بوجود الأشياء من خلال الحواس الخمس، إنما هو لأن العقل يقول بوجودها، والحواس ليست إلا وسيلة لذلك.

 فأساس الإيمان بالأشياء التي نراها هو العقل، والبصر ليس إلا وسيلة من وسائل العقل، وكذلك الحال مع ما نسمعه، أو نلمسه، أو نشمّه، أو نتذوقه.

 فإذا كان هنالك شيء يحكم العقل بوجوده، بوسيلة العقل مباشرة، دون واسطة هذه الحواس، فلابد من الإيمان به بطريقة أولى.

 يروى أنه جرى حوار بين هشام بن الحكم تلميذ الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وبين شيخ المعتزلة عمرو بن عبيد البصري … حيث قال هشام له: « أيها العالم اني رجل غريب أتأذن لي مسألة»

فقال: « نعم »

فقال: « ألك عين ؟»

قال: « نعم»

قال:« فما تصنع بها؟ »

قال :« أرى بها الألوان والأشخاص »

قال : « فلك انف ؟»

قال : « نعم »

قال: « فما تصنع به ؟»

فقال: « أشم به الرائحة »

قال :« ألك فم؟ »

فقال :« نعم »

قال :« فما تصنع به ؟»

قال: « أذوق به الطعام »

قال :« ألك أذن؟ »

فقال :«نعم »

قال :« فما تصنع بها ؟»

قال:» أسمع بها »

قال :« ألك قلب ؟»

قال :« نعم »

قال:» فما تصنع به ؟»

قال :« أميز به كلما ورد على هذه الجوارح والحواس»

قال :« أو ليس في هذه الجوارح غنىً عن القلب ؟ »

فقال :« لا»

فقال :« فكيف ذلك وهي صحيحة سليمة ؟»

فقال :« يا بني إن الجوارح إذا شكت في شيء شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردته إلى القلب فيستيقن ويبطل الشك »

فقال هشام :« فإنما أقام الله القلب لشك الجوارح ( أي لضبطها ) ؟»

قال :«نعم »

قال :« لابد من القلب وإلا لم تستيقن الجوارح ؟ «

قال :« نعم »…[4]

 والمقصود بالقلب العقل، إذن فنحن نتعامل مع هذه الأمور من خلال العقل، حيث إن للعقل أحكاماً تسمى بالقواعد العقلية، وهي أمور تحكم بها عقولنا مباشرة.

 ومن أهم تلك القواعد: ما يحكم به العقل من أن كل مصنوع له صانع، وكل ترتيب له مدّبر، وكل مربوب له ربّ.. فعندما ترى سيارة في الشارع وفيها آثار(الصنعة)، أو حينما ترى بيتاً جميلاً فيه غرفة نوم مرتّبة، وستائر معلّقة، ومسبحاً جميلاً، وحديقة غنّاء، وطيوراً في أقفاص، ومطبخاً قد وضع كل شيء في مكانه، فإن عقلك يقول: أن شخصاً حكيماً قادراً، صنع كلّ ذلك بتصميم مسبق، وخطّة محكمة، وقد وضحنا هذه القاعدة في برهان النظام في الجزء الثاني من كتاب زاد المبلغات.[5]

 ولا يمكن أن تنكر وجود (مصمم ذكي) للسيارة، أو للبيت لأنك لم تره، ولم تسمع له صوتاً، ولم تشم له رائحة، أو لم تلمس جسمه) .[6]

 ولا يمكن أن نقول أنها الصدفة أو الطبيعة العمياء الجاهلة التي أثبتنا بطلانها في الجزء الثالث من كتاب زاد المبلغات.[7]

 ولذا وجب على المؤمن أن يتسلّح بمثل هذه القواعد العقلية، ليحصّن بها نفسه، وليكون سبباً في هداية الآخرين، لا أقل من باب إتمام الحجة عليهم.

 روي أنه سَمِعَ بهلول أبا حنيفة يقول: أنّ جعفر بن محمّد يقول بثلاثة أشياء لا أرتضيها، يقول: الشيطان يعذّب بالنار، كيف وهو من النار؟ ويقول: أنّ الله لا يُرى ولا تصحّ عليه الرؤية، وكيف لا تصحّ الرؤية على موجود؟ ويقول: أنّ العبد هو الفاعل لفعله، والنصوص بخلافه.

 فأخذ البهلول حجراً وضربه به، فأوجعه، فذهب أبو حنيفة إلى هارون واستحضروا البهلول ووبّخوه على ذلك.

فقال لأبي حنيفة: أرني الوجع الّذي تدّعيه وإلّا فأنت كاذب، وأيضاً فأنت من تراب كيف تألّمت من تراب؟ ثمّ ما الّذي أذنبته إليك، والفاعل ليس هو العبد، بل الله؟ فسكت أبو حنيفة وقام خجلاً.[8]

  ولقد ذكر العلماء عدة حوارات ترد على من ينكر وجود الله لأن العيون لا تراه، اذكر منها الحوار الآتي:

ذهب جماعة من الطلاب إلى مدرسة إلحادية.. وفي اليوم الأول من الدوام، حضروا الصف، وكان في الصف منضدة عليها تصوير أحد زعماء الملحدين.

فجاء المعلم، وقال للطلاب: هل لكم عين؟ وأين هي؟

وهل لكم أذن؟ وأين هي؟

وهل لكم أيدٍ وأرجل؟ وأين هي؟

قال الطلاب: نعم.. لنا أعين وأذن وأيد وأرجل.. وهي هذه، وأشاروا إلى هذه الأعضاء.

قال المعلم: وهل ترون هذا الأعضاء وتحسون بها؟

قال الطلاب: نعم.. نراها ونلمسها.

قال المعلم: وهل ترون هذا التصوير على المنضدة.

قالوا: نعم.. نراها.

قال المعلم: وهل ترون المنضدة وسائر ما في الغرفة؟

قالوا: نعم.. نراها.

وهنا انبرى المعلم قائلاً: وهل ترون الله؟ وهل تحسون به؟

قالوا: لا… لا نرى الله ولا نلمسه.

قال المعلم: فهو إذاً خرافة تقليدية..

إن كل شيء في الكون نحس به ونراه، أما ما لا نراه ولا نحس به، فهو خطأ، يلزم علينا أن لا نعترف به.. وإلا كنا معتقدين بالخرافة..

وهنا قام أحد التلاميذ، وقال: اسمح أيها الأستاذ بكلمة؟

المعلم: تفضل.

التلميذ: أيها الزملاء أجيبوا على أسئلتي.

الزملاء: سل.

التلميذ: أيها الزملاء..

هل ترون المعلم؟

هل ترون الصورة الموضوعة على المنضدة؟

هل ترون المنضدة؟

هل ترون الرحلات؟

الزملاء: نعم.. نرى كل ذلك..

التلميذ: أيها الزملاء..

هل ترون عين المعلم؟

هل ترون أذن المعلم؟

هل ترون وجهه؟

هل ترون يده ورجله؟

الزملاء: نعم نرى كل ذلك..

التلميذ: أيها الزملاء.. هل ترون عقل المعلم؟

الزملاء: كلا! لا نرى عقله..

التلميذ: فالمعلم إذاً لا عقل له، فهو مجنون.. حسب مقالته، لأنه قال: كلما لا يراه الإنسان، فهو خرافة، يجب على الإنسان أن لا يعترف به.. وإنا لا نرى عقل المعلم.. فهو إذاً لا عقل له، ومن لا عقل له يكون مجنوناً.

وهنا ألقم المعلم حجراً، واصفر وجهه خجلاً، ولم ينبس ببنت شفة، وضحك الطلاب.[9]

 المبحث الثاني: رؤية الله تعالى في المنظور الإسلامي

المطلب الأول: عقيدة المسلمين حول رؤية الله

1. عقيدة الشيعة: يعتقد أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام تبعاً للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمّة الأطهار بأنّ رؤية الله عز وجل سواءً في الدنيا أو الآخرة، وبالعين المجرّدة تعدّ من الأمور المستحيلة؛ لأنّ الله عز وجل أجلَّ وأكبر من أن يكون كالأجسام المادية، مثل الشمس والقمر التي تدرك بالانعكاسات الضوئية.[10]

  بمعنى أن هذه العيون والأبصار التي نرى فيها الجبال والأنهار والطبيعة يستحيل أن نرى فيها الله تعالى، بل حتى في الآخرة لا يمكن رؤية الله تعالى أيضاً.

 قال الشيخ المفيد: «لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار، وبذلك شهد العقل ونطق القرآن وتواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمّد عليهم السلام، وعليه جمهور أهل الإمامة وعامّة متكلّميهم، والمعتزلة بأسرها توافق أهل الإمامة في ذلك»[11]

2. عقيدة أهل السُنّة: قال أبو الحسن الأشعري: «وندين بأنّ الله يُرى في الآخرة بالأبصار كما يُرى القمر ليلة البدر «[12]

 مع ملاحظة أنّ الرؤية التي وقع الاختلاف حول إمكانها، أو استحالتها هي الرؤية بمعنى إدراكه تعالى عن طريق حاسّة البصر، أمّا تفسير رؤية الله بالإدراك المعرفي، أو الكشف الشهودي (الرؤية القلبية) أو العلم الحضوري فهو مما لم يقع الاختلاف حول إمكانه، ولا خلاف في جوازه، وسنقف عليه في نهاية المحاضرة.

المطلب الثاني: الأدلة القرآنية على نفي رؤية الله بالبصر

ونذكر منها الآيتين الآتيتين:

1ـ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[13]

و «الإدراك» المضاف إلى «البصر» يفيد «الرؤية»، وقد بيّنت هذه الآية بأنّه تعالى منزّه عن الرؤية البصرية.[14]

2ـ ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ﴾[15]

و «لن» تفيد النفي الأبدي، فيثبت من قوله تعالى لموسى عليه السلام:﴿ … لَنْ تَرَانِي …﴾[16]أنّه تعالى لن يُرى بالبصر أبداً.[17]

ولو كان الله ممكن الرؤية بحاسّة البصر لكان النبي موسى عليه السلام أولى الناس برؤيته[18].[19]

المطلب الثالث: الأدلة الروائية حول نفي رؤية الله بالبصر

  توجد العديد من روايات أهل البيت عليهم السلام التي تنفي رؤية الله بالبصر، ونذكر منها الروايات الآتية:

1ـ قال الإمام علي عليه السلام: «انحسرت الأبصار عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفاً».[20]

2ـ وقال عليه السلام حول الله تعالى: «… ولا بمحدث فيبصر… ». [21]

3ـ وقال عليه السلام: «الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر». [22]

 4ـ سُئل الإمام الصادق عليه السلام: «أنّ رجلاً رأى ربّه عزّ وجلّ في منامه، فما يكون ذلك؟ فقال عليه السلام: ذلك رجل لا دين له، إنّ الله تبارك وتعالى لا يُرى في اليقظة، ولا في المنام، ولا في الدنيا، ولا في الآخرة». [23]

5ـ سُئل الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: «إنّا روينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيين، فقسّم الكلام لموسى عليه السلام ولمحمّد صلى الله عليه وآله الرؤية. قال عليه السلام: «… كيف يجئ رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله، فيقول:﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ …﴾[24]و ﴿… وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [25]و﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [26]، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني…؟! »[27]

المطلب الرابع: الأدلة العقلية على استحالة رؤية الله بالبصر

  ذكر العلماء أدلة عقلية عديدة تثبت استحالة رؤية الله بالبصر، ولكن بيانها يحتاج إلى مقدمات عقائدية يصعب توضيح تفاصيلها للعوام، ولكن سنذكر بإيجاز ما يمكننا توضيحه.

  يقول صاحب كتاب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل معقباً على قوله تعالى:﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار .. ﴾ما نصه: تثبت الأدلة العقلية أن الله لا يمكن أن يُرى بالعين؛ لأن العين لا تستطيع أن ترى إلا الأجسام، أو على الأصح بعضاً من كيفيات الأجسام، فإذا لم يكن للشيء جسمٌ ولا كيفية من كيفيات الجسم، لا يمكن أن تراه العين، وبتعبير آخر، إذا أمكنت رؤية شئ بالعين، فلأن لهذا الشيء حيزاً واتجاهاً وكتلةً، في حين أن الله أرفع من أن يتصف بهذه الصفات، فهو وجود غير محدود وهو أسمى من عالم المادة المحدود في كل شئ.[28]

 إن ما تدركه الحواس -من سمع وبصر وشم ولمس وتذوق-لا يكون إلا جسماً، كإدراك حواسنا للإنسان، والحيوان، والنبات، والجماد، والطبيعة، وغيرها.

 هذا الجسم محدود في المكان والزمان لا محالة؛ لأنه محصور بالطول والعرض والارتفاع، ومحدود بالزمان… بعبارة أخرى أن الجسم يحتاج وجوده إلى الزمان والمكان، كما لو قلنا (فلان عاش من سنة كذا إلى سنة كذا، ويسكن في العراق)، فكل جسم هو مربوط بالزمان والمكان، وكما هو معلوم أن الزمان والمكان مخلوقان، وللتوضيح حينما خلق الله الكواكب وخلقنا على كوكب الأرض صار لدينا مكان… ولما خلق الشمس والقمر وجعل الأرض تدور حول نفسها، وبنفس الوقت تدور حول الشمس حينها تحقق الزمان…

 والجسم حينما خلقه الله خلقه في مكان معين وزمان محدد، بمعنى أن الجسم محتاج إلى المكان والزمان، فلا يوجد مخلوق في الحياة الدنيا إلا وهو محصور بالزمان والمكان، وهذا الاحتياج ينسب فقط إلى المخلوق ولا ينسب إلى الخالق الغني بذاته غير المحتاج إلى غيره، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَني الْحَمِيدُ ﴾[29]، فلذا لو قلنا أن الله يمكن رؤيته بالبصر معنى ذلك أننا جعلناه جسماً محتاجاً للزمان والمكان وعلى هذا صار فقيراً، وليس غنياً، وكل فقير محتاج لغيره هو ليس بإله، بالإضافة إلى أن القول بتجسيم الله يستلزم منه إشكالات عديدة ذكرها العلماء في كتبهم العقائدية.

 يقول الشيخ علي الكوراني: (إن ما تراه العين لا بد أن يكون موجوداً داخل المكان والزمان، والله تعالى وجود متعال على الزمان والمكان؛ لأنه خلقهما وبدأ شريطهما من الصفر والعدم، فلا يصح أن نفترضه محدوداً بهما خاضعاً لقوانينهما! لقد تعودت أذهاننا أن تعمل داخل الزمان والمكان حتى ليصعب عليها أن تتصور موجوداً خارج قوانينهما، وحتى أننا نتصور خارج الفضاء، والكون بأنه فضاء! وهذه هي طبيعة الإنسان قبل أن يكبر ويطلع، وقد ورد أن النملة تتصور أن لربها قرنين كقرنيها، لكن عقل الإنسان يدرك أن الوجود لا يجب أن يكون محصوراً بالمكان والزمان، ويرتقي في إدراكه إلى ما هو أعلى من الزمان والمكان ويؤمن به وإن عرف أنه غير قابل للرؤية بالعين.

 وهذا الارتقاء الذهني هو المطلوب منا في فهم وجود الله تعالى، لا أن نجره إلى محيط وجودنا، ومألوف أذهاننا، كما فعل اليهود عندما شبهوه بخلقه وادعوا تجسده في عزير وغيره، وكما فعل النصارى فشبهوه بخلقه وادعوا تجسده بالمسيح وغيره)[30]

 (من الأمور الواضحة والبديهية، أن لكل شيء مقياسه، وللوصول إلى كل شيء أدواته وأسبابه المناسبة له. ليس هناك من يسمح بأن يقال لعالم الفلك: اكتشف لنا الميكروب الفلاني بمحاسباتك الفلكية، وليس من المتوقع من المتخصص في معرفة الميكروبات أن يكتشف لنا أقمار (المشتري) بأدواته الخاصة… وانطلاقاً من ذلك لا يصح مطلقاً أن نصل إلى (ما وراء الطبيعة) بالوسائل الطبيعية، ومن الخطأ أن نتوقع رؤية الخالق من وراء المجهر، أو التلسكوب، أو تحت سكاكين التشريح.

للمسافات مقياس هو الكيلومتر، وللأوزان مقياس هو الكيلوغرام، ولدرجة الحرارة مقياس هو الثرمومتر، وللضغط مقياس هو البارومتر… وهكذا.[31]

 وكما هو معلوم أن الجسم محدود، والله لا حدّ له، فكيف يستطيع المحدود-كالإنسان-من رؤية اللامحدود؟

 يروى أنه تحاكم جماعة من الماديين إلى (آينشتاين) ليروا رأيه بالنسبة إلى الله تعالى؟

 فأجاز لهم أن يمكثوا عنده (15) دقيقة، معتذراً بكثرة أشغاله، فلا يتمكن أن يسمح لهم بأكثر من هذا الوقت.

فعرضوا عليه سؤالهم، قائلين: ما رأيك في الله؟

فأجاب قائلاً: «ولو وفقت أن أكتشف آلة، تمكنني من التكلم مع الميكروبات، فتكلمت مع ميكروب صغير، واقف على رأس شعرة من شعرات رأس إنسان، وسألته: أين تجد نفسك؟ لقال لي: أني أرى نفسي على شجرة رأس شاهقة! أصلها ثابت وفرعها في السماء.

عند ذلك أقول له: أن هذه الشعرة التي أنت على رأسها، إنما هي شعرة من شعرات رأس إنسان.. وإن الرأس عضو من أعضاء هذا الإنسان …….. ماذا تنظرون؟

هل لهذا الميكروب المتناهي في الصغر: أن يتصور جسامة الإنسان وكبره؟

كلا!

إني بالنسبة إلى الله تعالى، لأقل وأحط من ذلك الميكروب، بمقدار لا يتناهى فأنى لي أن أحيط بالله الذي أحاط بكل شيء، بقوى لا تتنامى، وعظمة لا تحد؟».

فقام المتشاجرون من عند (آينشتاين)، وأذعنوا للقائلين بوجود الله عزوجل.[32]

المطلب الخامس: رؤية الله محصورة بالقلوب لا بالعيون

  إن عدم تمكّن الإنسان من رؤية الله تعالى بعينيه لا يعني أنه عاجز عن رؤية الله بشكل مطلق، بل هناك رؤية من نوع آخر تسمى بـ (الرؤية القلبية) يذكرها لنا أئمتنا الأطهار، نذكر منها الروايات الآتية:

1ـ سُئل الإمام الرضا عليه السلام: «هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ربّه عزّ وجلّ؟، فقال عليه السلام: «نعم، بقلبه رآه، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول:﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾[33]، أي: لم يره بالبصر، ولكن رآه بالفؤاد»[34]

 2. روي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، قَالَ: «سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقِيلَ لَهُ: يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ أَعْبُدُ مَنْ لَمْ أَرَهُ؟ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، وَ لَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ»[35]

نفهم من خلال المحاضرة أن الرؤية على قسمين:

1-رؤية مادية حسية بصرية.

2-رؤية معنوية قلبية (عقلية).

أما بالنسبة إلى القسم الأول، فالله سبحانه وتعالى منزه عن الرؤية المادية الحسية البصرية لقوله تعالى:﴿لاٰ تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ﴾[36]، ولقوله تعالى لموسى عليه السلام :﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ﴾[37]، ولقول أمير المؤمنين عليه السلام لذعلب اليماني : :﴿ لاٰ تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ ﴾ يعني أن رؤيته ليست بالعين، وبمشاهدة القوة البصرية الجسمانية فإن هذه غير جائزة على الله تعالى لما يستلزمه من الجسمية، والمكانية والجهتية، وغيرها والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك لقوله:     ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾[38]

وأما بالنسبة إلى القسم الثاني، وهو الرؤية المعنوية القلبية (العقلية)، وهي أن ينتقل بنا العقل من شاهد محسوس إلى شاهد غائب كما انتقل عقل (نيوتن) من مشاهدة التفاحة تسقط من الشجرة على الأرض -شاهد محسوس-انتقل من ذلك إلى حقيقة قانون الجاذبية -شاهد غائب-وامتلأ قلبه إيماناً بهذه الحقيقة وقلّده كلّ العلماء.

 فلقد رأت العيون الخلق وحكم العقل، وجزم بوجود الخالق، واعتقد القلب وآمن، كما ذكرنا ذلك في برهان النظام والحركة في الجزء الثاني لكتاب زاد المبلغات.

 بعبارة أخرى (إنّ الحواس عاجزة عن إثبات وجود الله تعالى بصورة مباشرة، ولكن يمكن الاستعانة في هذا المجال بصورة غير مباشرة، وذلك عن طريق معرفة النظام المهيمن على هذا العالم عن طريق الحواس، ومن ثمّ الاستنتاج عن طريق العقل بوجود منظّم حكيم وراء هذا النظام الدقيق) [39]

وهذا ما عناه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بقوله لذعلب: «تدركه القلوب بحقائق الإيمان » أي آمن القلب حقاً وواقعاً؛ لأنه رأى بعين الحس والعقل .

والخلاصة: إن الإنسان المؤمن إذا وصل إلى أعلى مراتب الإيمان، بحيث حصل له القطع، واليقين، والعلم المتين، بوجود الخالق العظيم من خلال الآثار والحقائق والآيات الدالة عليه،.. فحينها سيرى الله تعالى -بقلبه ووجدانه وعقله المذعن، الخالي عن الماديات، الصافي من الشكوك والأوهام-رؤية نورانية معنوية.[40]

المطلب السادس: هل يمكن رؤية الله في الآخرة؟

  لقد ذكرنا إن كثيراً من أهل السنة يعتقدون أن الله سيُرى يوم القيامة، في حين أننا نخالفهم في ذلك استناداً للأدلة العقلية والنصوص الشرعية، وللاختصار سنذكر دليلين مع ردود علمائنا عليها:

1. احتجاج أهل السنّة بدليلهم العقلي بأن ملاك الرؤية هو «الوجود»، وكلّ موجود يصح رؤيته، وبما أنّه تعالى موجود فيمكن رؤيته.[41]

ويرد عليه: بأن ملاك الرؤية ليس «الوجود» بما هو وجود، بل هو الوجود المقيّد بقيود، منها كونه جسماً مادّياً واقعاً في إطار ظروف خاصّة، لتصح رؤيته.

ولهذا توجد أُمور من قبيل: العلم، الإرادة، العقل، النفس، اللذة، والألم موجودة، ولكنّها لا ترى بالعين.[42]

2. احتجاج أهل السنة بقوله تعالى:﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾[43]، فهم يفسرون الآية بأن المؤمن يستطيع رؤية الله بعينه في الجنة.

يرد عليه:

1. «النظر» لا يفيد «الرؤية» دائماً; لأنّ حقيقة «النظر» في اللغة هو تقليب حدقة العين نحو الشيء طلباً لرؤيته[44]، وقد يقلّب الإنسان نظره طلباً للعثور على شيء، ولكنّه لا يراه، ولذلك يقال: «نظرت إلى الهلال فلم أره».[45]

2. البراهين العقلية والقرآنية، على استحالة رؤية الله بالبصر، والتي أشرنا إليها سابقاً، تلزمُنا اتّباع تفسير يجنّبنا الوقوع في محاذير القول برؤية الله بالبصر.

وقد فسّر لنا أهل البيت عليهم السلام هذه الآية، فقد روي عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام حول تفسير قوله تعالى:﴿ وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربّها ناظرة ﴾: «يعني مشرقة تنتظر ثواب ربّها».[46]

 واللافت للنظر أن الأحاديث والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام تستنكر هذه العقيدة الخرافية أشد استنكار، وتنتقد القائلين بها أشد انتقاد، من ذلك أن أحد أصحاب الإمام الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قال له: «يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) رَأَى رَبَّهُ، عَلَى أَيِّ صُورَةٍ رَآهُ؟ وَعَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَوْهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، عَلَى أَيِّ صُورَةٍ يَرَوْنَهُ؟ فَتَبَسَّمَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاوِيَةُ، مَا أَقْبَحَ بِالرَّجُلِ يَأْتِي عَلَيْهِ سَبْعُونَ سَنَةً أَوْ ثَمَانُونَ سَنَةً يَعِيشُ فِي مُلْكِ اللَّهِ وَ يَأْكُلُ مِنْ نِعَمِهِ، ثُمَّ لاَ يَعْرِفُ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ؟»… ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «يَا مُعَاوِيَةُ، إِنَّ مُحَمَّداً (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَمْ يَرَ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، وَ إِنَّ الرُّؤْيَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ: رُؤْيَةُ الْقَلْبِ وَ رُؤْيَةُ الْبَصَرِ، فَمَنْ عَنَى بِرُؤْيَةِ الْقَلْبِ فَهُوَ مُصِيبٌ، وَ مَنْ عَنَى بِرُؤْيَةِ الْبَصَرِ فَقَدْ كَذَبَ وَ كَفَرَ بِاللَّهِ وَ بِآيَاتِهِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ ».[47]

 أقول: وكيف يستطيع المحدود من رؤية اللامحدود؟

 قيل للإمام الصادق عليه السلام: «يزعم بعض الناس أنه يمكن أن يُرى الله، فقال عليه السلام: الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزء من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزء من نور الستر فإن كانوا صادقين فليملأوا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب».[48]

 بمعنى إذا كان الإنسان عاجزاً عن النظر إلى الشمس مباشرة دون حجاب، فكيف يستطيع النظر إلى الله تعالى الذي لا حدّ له﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾؟

 بل إن الخلق عندما يحشرون يوم القيامة لا يقدرون على النظر إلى نور بعض مخلوقات الله المقدّسةكنور فاطمة الزهراء عليها السلام، فلقد رويعن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال لأبي جعفر عليه السلام : « جعلت فداك يا بن رسول الله، حدثني بحديث في فضل جدتك فاطمة عليها السلام إذا أنا حدثت به الشيعة فرحوا بذلك، قال أبو جعفر عليه السلام : حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال: إذا كان يوم القيامة، إلى أن قال، فيقول الله تعالى: يا أهل الجمع، إني قد جعلت الكرم لمحمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة، يا أهل الجمع، طأطئوا الرؤوس، وغضوا الأبصار، فإن هذه فاطمة تسير إلى الجنة.. » [49]

رُبّ تساؤل يرد: لماذا النداء يأمرنا أن نطأطئ رؤوسنا ونغض أبصارنا عند مرور فاطمة عليها السلام ونحن نعلم أنها محتشمة، بالإضافة إلى أن يوم القيامة ليس دار تكليف فما الضرر لو وقع النظر عليها السلام؟

  الجواب: هناك عدة احتمالات ولكن سأكتفي بذكر ما يتعلق بمحل الشاهد وهو أن الزهراء عليها السلام سيكون لها نور متميز في يوم القيامة بحيث لا يقوى البشر على النظر إليها مباشرة، كامتناعنا عن النظر المباشر لعين الشمس في الدنيا…لذا طُلب منا أن نغض أبصارنا، بل ونطأطئ رؤوسنا لعظمة نورها الذي ربما يخطف الأبصار.

 فكما هو معلوم أن المؤمن يتجسد إيمانه وعمله الصالح يوم القيامة على هيئة نور يتلألأ، قال تعالى:﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾[50]فكيف بمن بلغت الدرجات العلى في الإيمان والعمل الصالح !! فبالتأكيد سوف يشغل مساحة أكبر وسيكون نورها أشد ….

 فالسيدة فاطمة عليها السلام واحدة من أهم أسمائها وألقابها «الزهراء « ، روي عن أبي هاشم العسكري قال : « سألت صاحب العسكر عليه السلام : لم سمّيت فاطمة « الزهراء » عليه السلام ؟ فقال: «كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين عليه السلام من أوّل النهار كالشمس الضاحية، وعند الزوال كالقمر المنير، وعند غروب الشمس كالكوكب الدرّيً»[51]

 بل حتى عوام الناس قد لاحظوا هذا النور، حتى تذكر بعض الروايات بأن عائشة قالت: «كنا نخيط ونغزل وننظم الإبرة بالليل في ضوء وجه فاطمة».[52]

 فمن باب أولى أن يكون لها نور ساطع لا يتحمل أحد النظر إليه إلا من أقدره الرحمن كأبيها وبعلها وبنيها صلوات ربي عليهم أجمعين.

 هذه الصديّقة الطاهرة حاول الرسول صلى الله عليه وآله تعريفها للناس كي يطيعوها ولا يؤذوها، ولا يُحرمون من بركاتها، فروي عن مجاهد: خرج النبيّ صلى الله عليه وآله وهو آخذ بيد فاطمة فقال: «من عرف هذه فقد عرفها ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمّد، وهي بضعة منّي، وهي قلبي، وهي روحي التي بين جنبيّ، من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله»[53]

يا ترى هل عرفت الأمة المحمدية السيدة فاطمة عليها السلام فاحترموها وقدسوها أم جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فخانوا الرسول وغدروا ببضعته وظلموها وآذوها؟

  عشرات الأدلة الروائية تثبت أنهم آذوها وظلموها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بغصب الخلافة من الخليفة الشرعي المنصّب من قبل الله تعالى وهو بعلها أمير المؤمنين علي عليه السلام، وغصب أرض فدك، وبحرق دارها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها وضربها…وهكذا بقيت مظلومة مهضومة.

يقول السيد المقرم[54]: رأت الزهراء عليها السلام أباها في المنام فشكت إليه ما نالها من بعده، فقال لها: انك قادمة عن قريب. وما زالت تقول في تلك الأيام والليالي: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأغثني، اللهم زحزحني عن النار وأدخلني الجنة وألحقني بأبي محمد. فإذا قال لها أمير المؤمنين عافاك الله وأبقاك. تقول: يا أبا الحسن ما أسرع اللحاق برسول الله.

ولما كان اليوم الذي توفيت فيه أتاها جبرئيل ومعه الملائكة فسلم عليها فأخبرت أمير المؤمنين عليه السلام بذلك وبعد هنيئة سمعها تقول: عليكم السلام يا رسل ربي فسألها أمير المؤمنين عمن سلم عليها فأخبرته بأن ميكائيل سلم عليها وهو يقول: إن الله تعالى يقرؤك السلام يا حبيبة حبيب الله وثمرة فؤاده اليوم تلحقين بالرفيق الأعلى وجنة المأوى.

وفي ذلك اليوم وقبيل المغرب قالت لأم سلمى زوجة أبي رافع التي كانت تمرضها أيام علتها: يا أماه اسكبي لي غسلا فاغتسلت ثم قالت: يا أماه أعطني ثيابي الجدد فلبستها وأمرتها أن تقدم فراشها وسط البيت ففعلت، ثم نامت مستقبلة القبلة وقالت: يا أماه إني مقبوضة الآن فلا يكشفني أحد. قالت أسماء بن عميس – وكانت تمرضها أيضا – فخرجتُ عنها وانتظرتها ساعة فناديتها بعد ذلك: يا بنت محمد المصطفى يا بنت أكرم من حملته النساء… يا بنت من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى. فلم تجب فدخلتُ البيت وكشفتُ الرداء عنها فإذا بها قد قضت نحبها وفارقت روحها الدنيا. رحم الله من نادى: وا فاطمتاه، وا سيدتاه، وا مظلومتاه.

(فائزي)

بنت النبي ماتت ابعلتها خفيه وآجــــرك الله يا علي في هالرزيه
ظلوا يتامه من بعدها حسن وحسين كلمن يگول امنه البتول خوي چا وين
نادى علي المرتضى والطم الخدين آجركــــم الله يا أولادي بالزچيه
مكسورة الأضلاع واحزني عليها دهري فجعني بالنبي واليوم بيها
گوموا دعينوني او جيبوا النعش ليها او ظلت نواديها ابظلمه هالعشيه

قام الإمام عليه السلام بتغسيلها وكانت تساعده على ذلك أسماء بنت عميس ولما غسلها أخذ في تكفينها وقبل أن يعقد الرداء عليها صاح: يا حسن يا حسين يا زينب يا أم كلثوم ويا فضة هلموا وتزودوا من أمكم الزهراء فهذا الفراق واللقاء في الجنة فأقبل الحسنان يقولان: وا حسرتاه لا تنطفي من فقد جدنا المصطفى وأمنا الزهراء إذا لقيتِ جدنا فاقرئيه منا السلام وقولي له: إنا بقينا يتيمين غريبين في دار الدنيا.

(نصاري)

گضت وامصابها ما مر شبيهه بچوا سبطينها او شبگوا عليها
حنت آه شبگتهم بديها او هتف بالعرش نحيهم يبو احسين
يحيدر شيل سبطين الزكيه شيل احسين يا حيدر واخيه
ارضها والسمه حنَّت سويه
 
 الفگد بضعة الهادي او ينحب الدين[55]

[1] الأنعام/ 103.

[2] شبكة الألوكة/ alukah.net / آفاق الشريعة / دراسات شرعية / عقيدة وتوحيد / الإلحاد (تعريف، شبهات، ردود) /الرد العلمي على من ينكر وجود الله-بتصرف.

[3] جامعة هل البيت ع / abu.edu.iq / كلية العلوم الإسلامية المحاضرات الإلكترونية محاضرات عامة العقائد محاضرات العقائد -المحاضرة 23-الله لا يُرى/للسيد فاضل الحسيني الميلاني، بتصرف.

[4] الكافي -الشيخ الكليني – ج ١ – ص١٧٠.

[5] زاد المبلّغات-مياسة شبع-ج2-محاضرة (اثبات وجود الله) -برهان النظام.

[6] حوار ساخن عن الإلحاد-هادي المدرسي-ص 101-102-بتصرف.

[7] زاد المبلّغات-مياسة شبع-ج3-اثبات وجود الله.

[8] في رحاب العقيدة، شبكة المعارف الإسلامية، ص 60.

[9] هل تحب معرفة الله للسيد محمد الحسيني الشيرازي ص22-23.

[10] مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.com/ الأسئلة العقائدية/رؤية الله عز وجل/رأي الشيعة في رؤية الله.

[11] أوائل المقالات-الشيخ المفيد: قول 25: القول في نفي الرؤية على الله تعالى بالأبصار، ص57.

[12] الإبانة-أبو الحسن الأشعري: باب في إبانة قول أهل الحق والسنّة، ص 17.

[13] الأنعام/ 103.

[14] انظر: التبيان، الشيخ الطوسي: ج 4، تفسير آية 103 من سورة الأنعام.

[15] الأعراف/143.

[16] م.ن.

[17] انظر: التبيان، الشيخ الطوسي: ج 4، تفسير آية 143 من سورة الأعراف، ص 536.

[18] انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثاني، البحث العاشر، ص 77.

[19] التوحيد عند مذهب أهل البيت -علاء الحسّون-ص126-127.

[20] التوحيد-الشيخ الصدوق-باب 2- ح 13- ص 51.

[21] المصدر السابق: باب 2-ح 34-ص 76.

[22] نهج البلاغة-الشريف الرضي: خطبة 185-ص 360.

[23] الأمالي -الشيخ الصدوق -ص ٧٠٨.

[24] الأنعام/103.

[25] طه/110.

[26] الشورى/11.

[27] الكافي-الشيخ الكليني-ج 1-كتاب التوحيد، باب في إبطال الرؤية، ح 2-ص 96.

[28] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – ج ٤ – ص٤١٤.

[29] فاطر/15.

[30] معرفة الله-علي الكوراني العاملي-ص46-47.

[31] جامعة أهل البيت ع / abu.edu.iq / كلية العلوم الإسلامية المحاضرات الإلكترونية محاضرات عامة العقائد محاضرات العقائد -المحاضرة 24-المحسوس هو الجسم/للسيد فاضل الحسيني الميلاني، بتصرف.

[32] كتاب هل تحب معرفة الله للسيد محمد الحسيني الشيرازي ص43. عن كتاب (التكامل في الإسلام) ج2.. للأستاذ أحمد أمين.

[33] النجم/11.

[34] التوحيد-الشيخ الصدوق: ب 8 – ح 17- ص 112.

[35] نهج البلاغة / من الخطبة 177.

[36] الأنعام/103.

[37] الأعراف/143.

[38] الشورى/11.

[39] التوحيد عند مذهب أهل البيت -علاء الحسّون-ج 1-ص42.

[40] مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.com/الأسئلة العقائدية/رؤية الله عزوجل/كيفية الرؤية القلبية-بتصرف.

[41] الإبانة عن أصول الديانة، أبو الحسن الأشعري: باب الكلام في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة، ص 26.

[42] التوحيد عند مذهب أهل البيت -علاء الحسّون-ج1 -ص 129.

[43] القيامة/22-23.

[44] رد في الصحاح للجوهري: 2 / 830: “النظر: تأمّل الشيء بالعين”.

[45] ورد في الصحاح للجوهري: 2 / 830: «النظر: تأمّل الشيء بالعين».

[46][46] التوحيد-الشيخ الصدوق-باب 8 ، ح 19- ص 113.

[47] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٣٦ – ص ٤٠٦.

[48] الوافي-الفيض الكاشاني-ج1-ص84-نقلاً عن (الكافي).

[49] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٤٣ -ص ٦٥.

[50] الحديد/12.

[51] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٤٣ – ص ١٦.

[52] أخبار الأُول وآثار الدول لأحمد بن يوسف الدمشقي، نقلاً عن كتاب: شرح إحقاق الحق -السيد المرعشي – ج ١٠ -ص ٢٤٤.

[53] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٤٣ – ص ٥٤.

[54] وفاة الصديقة الزهراء-السيد عبد الرزاق المقرم – ص 103 .

[55] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج4-ص74-76.