لَيْلَةُ القَدْرِ وَالإِمَامُ المَهْدِيُّ (عَجَّ)

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

عنوان المُحَاضَرَةُ: لَيْلَةُ القَدْرِ وَالإِمَامُ المَهْدِيُّ (عَجَّ)

تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ* سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ].[1]

ثمة ليلة من كل سنة ليست مثل باقي الليالي، وساعاتها ليست كباقي الساعات… إنها ليلة يعم فيها الفضل، ويشع منها الخير، وتنهمر فيها البركات.. إنها خير من ألف شهر.

فيا ترى أية ليلة هذه؟

إنها ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر؟ ليلة تتنـزل فيها الملائكة والروح بإذن ربهم من كل أمر، ويفرق فيها كل أمر حكيم..

من هنا صار كل مؤمن يرتجيها بروح تهش إليها شوقاً، وبقلب يهتز إليها حنيناً، وبعيون ترنو مجيئها من على مسافة..

غير أنه من اللافت للنظر، أن هذه الليلة لا يمكن لها أن تتكرر في السنة إلاّ مرة واحدة، فمن تفوته لا يقدر على إدراكها حتى تعود في وقتها من السنة القادمة.

لذا يجدر بكل واحد منا أن يشدد حيازيمه بالعزم والإرادة، وأن ينتظر ليلة القدر بفارغ الصبر استعداداً لها، حتى يغنم منها مغانم كثيرة وسعة.[2]

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: تَفْسِيرُ سُورَةِ القَدْرِ

ونبدأ بتفسير قوله تعالى: [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ][3]، ولنقف على الجزء الأول من هذه الآية الكريمة:

يقول المفسرون: الضمير في [أَنْزَلْنٰاهُ]‌ يعود إلى القرآن الكريم، ويشير إلى نزوله بالكامل، وليس مجرد نزول بعض آياته. [4]

قد يتبادر إلى الذهن تساؤل: كيف نزل القرآن كاملًا في ليلة واحدة، بينما هو معروف بنزوله التدريجي على النبي محمد صلى الله عليه وآله طوال مدة التبليغ؟

الجواب باختصار: إنّ للقرآن نزولين:

الأول: نزول دفعي: أي نزلت حقيقة القرآن الكريم -بغضّ النظر عن صياغته التفصيلية-دفعة واحدة على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الطاهر في ليلة القدر من شهر رمضان، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾.[5]

ويستفاد من آيات عديدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عالما بالقرآن قبل نزوله التدريجي، كالآية (114) من سورة طه: [وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ]، وجاء في الآية (16) من سورة القيامة: [لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ].

والثاني: النزول التدريجي، حيث نزل على مدى (23) سنة بحسب الظروف والحوادث والاحتياجات.[6] قال تعالى: [وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا] [7]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.[8]

وقد ابتدأ تنزيل القرآن الكريم في السابع والعشرين من شهر رجب، ولذا أطلق عليه يوم المبعث النبوي الشريف.

نأتي إلى الجزء الثاني من قوله تعالى: [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ][9]، ويستلزم منّا طرح عدّة أسئلة تتعلق بليلة القدر وهي كالآتي:

السؤال الأول: لماذا سميت هذه الليلة بليلة القدر؟

الجواب: إنّ سبب تسميتها بليلة القدر يعود لأسباب عديدة، وهي:

1 ـ إن أهم ما في هذه الليلة المباركة تقدير شؤون الخلائق لسنة كاملة، يشهد على ذلك قوله تعالى: [إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ] [10]. هذه الآية الكريمة تنسجم مع ما جاء من الرّوايات بأن في ليلة القدر يتم تعييّن مقدرات النّاس لسنة كاملة، وهكذا أرزاقهم، ونهاية أعمارهم، وأُمور اُخرى تفرق وتبيّن في تلك الليلة المباركة، فقد روي عن أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام قال: “إن ليلة القدر يكتب ما يكون منها في السنة إلى مثلها من خير أو شر، أو موت أو حياة أو مطر. ويكتب فيها وفد الحاج. ثم يفضي ذلك إلى أهل الأرض. فقلت: إلى مَنْ مِن أهل الأرض؟ فقال: إلى من ترى”.[11]

2 ـ وقال بعض إنّها سمّيت بالقدر لما لها من قدر عظيم وشرف كبير. في القرآن جاء قوله سبحانه: [مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ].[12]

3 ـ وقيل لأنّ القرآن بكل قدره ومنزلته نزل على رسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة المَلك العظيم في هذه الليلة.

4 ـ وقيل لأنّها الليلة التي قُدّر فيها نزول القرآن.

5 ـ وقيل لأنّها الليلة التي من أحياها نال قدراً ومنزلة.

6 ـ وقيل أيضاً لأنّها الليلة التي تنزل فيها الملائكة حتى تضيق بهم الأرض لكثرتهم. لأنّ القدر جاء بمعنى الضيق أيضاً كقوله تعالى: [وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ].[13]

كل هذه التفاسير يستوعبها المفهوم الواسع لليلة القدر مع أنّ التّفسير الأوّل أنسب وأشهر.[14]

السؤال الثاني: أية ليلة هي ليلة القدر؟

لا شك أنّ ليلة القدر من ليالي شهر رمضان، لأنّ الجمع بين آيات القرآن يقتضي ذلك. فالقرآن نزل في شهر رمضان، قال تعالى: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ][15] هذا من جهة، ومن جهة اُخرى تقول آيات السّورة التي نحن بصددها أنّه نزل في ليلة القدر.

ولكن، أية ليلة من شهر رمضان؟

المشهور في الرّوايات أنّها في العشر الأخيرة من شهر رمضان، جاء في بعض الأحاديث: “التمسوها في العشر الأواخر”[16]، وروى عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال في تفسير [إنَّا أنْزَلْنَاهُ في لَيْلَة مُبَارَكَة] قال: “نعم، ليلة القدر وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينـزل القرآن إلا في ليلة القدر”.[17]

ولكن أي ليلة من هذه العشرة هي ليلة القدر؟

ذهب العلامة المجلسي إلى أنه اتفق علماء الشيعة على انحصار ليلة القدر في إحدى ليالٍ ثلاث: (19 أو 21 أو 23 من شهر رمضان)، كما ورد هذا المعنى في العديد من الروايات[18]، منها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال لمن سأله عن ليلة القدر: “اطلبها في تسع عشر، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين”.[19]

وجاء في حديث آخر تحديد واحدة من ليلتين؛ إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين. فقد روى أبو حمزة الثمالي، قال: “كنت عند أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام، فقال له أبو بصير: جعلت فداك! الليلة التـي يرجى فيها ما يرجى؟ فقال: “في إحدى وعشرين أو ثـلاث وعشرين”. قال: فإن لم أقوَ على كلتيهما؟ فقال: ما أيسر ليلتين فيما تطلب. قال: قلت فربما رأينا الهلال عندنا وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى؟ فقال: ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها “.[20]

ما المقصود بقوله عليه السلام: “ما أيسر ليلتين فيما تطلب “و”ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها”؟

المقصود هو أن إحياء ليلتين أو أربع ليالٍ في سبيل إدراك فضل ليلة القدر أمر يسير وسهل، مقارنةً بعِظَم الأجر والثواب الذي يمكن أن يناله المؤمن في هذه الليالي المباركة.

مثال توضيحي: تخيل أن هناك هدية عظيمة، تساوي أجر عمل لمدة ألف سنة أو أكثر، ستُمنح لمن ينجح في تقديم عمل معين في يوم واحد فقط. ولكن هذا اليوم غير محدد بدقة، بل تم الإعلان عن أنه سيكون في يوم 20 أو 21 أو 22 أو 23 من الشهر الفلاني. فالعاقل سيكرر العمل في كل يوم كي لا يفوّت عليه هذه الفرصة العظيمة.

وثمّة روايات تركز على الليلة الثّالثة والعشرين من رمضان التي تسمى بليلة الجُهَنِي لرواية أحد الباقرين عليهما السلام، حيث رُوي عن زرارة عن أحدهما أنّه قال: “إنّ رجلاً يقال له الجهني (عبد الله بن أُنَيْس الأنصاري) قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ بيتي بعيد عن المدينة، فعيّن لي ليلة حتى أقدم فيها إلى المدينة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بليلة الثالث والعشرين.[21] فسميت هذه الليلة “ليلة الجهني” بسبب امتثال عبد الله أنيس الأنصاري لأمر النبي صلی الله عليه وآله وسلم؛ إذ لا يفوته المجيء إلى المدينة في هذه الليلة.[22] وكان أصحاب الأئمة عليه السلام يسألونهم عن موعد ليلة الجهني”.[23]

قال السيد العابد ابن طاووس في الإقبال: “اعلم أنّ هذه الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان، وردت أخبار صريحة بأنّها ليلة القدر على الكشف والبيان. فمن ذلك ما رويناه بإسنادنا إلى سفيان بن السمط، قال: “قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أفرد لي ليلة القدر، قال عليه السلام: ليلة ثلاث وعشرين”.[24]

السؤال الثالث: لماذا خفيت ليلة القدر؟

ونرد عليه بهاتين النقطتين:

1.من أجل توجيه النّاس إلى الاهتمام بجميع هذه الليالي. قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: “أخبرنا عن ليلة القدر؟ قال: ما أخلو من أن أكون أعلمها فأستر علمها، ولست أشك أن الله إنما يسترها عنكم نظرا لكم، لأنكم لو أعلمكموها عملتم فيها وتركتم غيرها وأرجو أن لا تخطئكم إن شاء الله”.[25]

أي الإمام علي عليه السلام يعلم موعد ليلة القدر، لكنه لم يصرّح بها لحكمة، فالله أخفى ليلة القدر رحمةً بالعباد حتى يجتهدوا في العبادة ولا يتكاسلون عنها في بقية الأيام، وهذا من قبيل الحكمة في إخفاء الصلاة الوسطى، ليهتم العبد بكل الصلوات، وأخفى الاسم الأعظم بين أسمائه كي تعظم كل أسمائه، وأخفى الله تعالى علينا ساعة الموت لنكون على استعداد دائم لاستقباله، وأخفى رضاه بين أنواع الطاعات كي يتجه النّاس إلى جميع الطاعات، وأخفى غضبه بين المعاصي، كي يتجنب العباد جميعها، وأخفى أحباءه بين النّاس كي يُحترم كلّ النّاس، وأخفى الإجابة بين الأدعية لتقرأ كل الأدعية[26].

2. أنَّ هناك سراً يتعلّق بالليالي الثلاث، يبدو من بعض الأحاديث، أن ليلة التاسع عشر وواحد وعشرين هما وسيلتان إلى ليلة القدر الحقيقية وهي ليلة ثلاث وعشرين. فمن وفق للعبادة فيهما نشط في الثالثة، وكان أقرب الى رحمة الله فيها. فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: “التقدير في ليلة القدر تسعة عشر، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين”[27]. [28]وسنوضح العلاقة فيما بين هذه الليالي الثلاث في المبحث الثاني.

ننتقل للآية الثانية من سورة القدر، وهو قوله تعالى: [وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ].

يقول السيد الطباطبائي (قد) في تفسير الميزان هي: (كناية عن جلالة قدر الليلة وعظم منزلتها)[29]. إنّ وزن ليلة القدر لا يُعلم، فالقرآن عندما يصل إلى ذكرِ الآخرة يستعمل كلمة: [وَمَا أَدْرَاكَ].. ففي سورة القارعة يقول: [الْقَارِعَةُ* مَا الْقَارِعَةُ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ][30]؛ أي أن عقولكم في الدنيا لا تحتمل إدراك حقيقة القارعة.. وذلك بمثابة الجنين في بطن أمه، فهو لا يفقه نعيم الدنيا، ولا يفقه ما يجري عليه في الحياة الدنيا؛ لأنه في عالمٍ ضيق ومحدود، وطعامه من دم المشيمة، فأين هو ولذائذ هذه الدنيا؟ وكذلك نحن الفانون لا تحتمل عقولنا ما يقال عن يوم القيامة، وأحداث ما وراء الطبيعة، والعناصر المرتبطة بعالم الخلود. فالقرآن الكريم عندما يصل إلى ليلة القدر، يستعمل التعبير نفسه: [وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ]!.[31]

الآن لنقف على الآية الثالثة من سورة القدر، وهو قوله تعالى: [لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ].

إنّ ليلة القدر ليست مجرد ليلة مباركة، بل عطية إلهية عظيمة. ولم يقل سبحانه إنها تعادل ألف شهر، بل إنها[خَيْرٌ][32] منها.. لعلها ألفي شهر، أو ثلاثة آلاف شهر! فنحن لا ندري، والقرآن أبهم في هذه النقطة؟! فالأمر له علاقة بالتوبة الخالصة، والعبادة الصادقة ونوعها، والدعاء المخلص.

وللتوضيح أكثر نقول:

إنّ حياة الإنسان محدودة بقدر معين لا يستطيع تجاوز حدوده الزمنية، فقد يكون عمره قصيرًا ولا يتمكن من تحقيق جميع أهدافه خلاله. فكيف يمكن للإنسان تمديد عمره ببركته؟

الحل يكمن بتعميقه، ومدى الانتفاع بكل لحظة منه. لنفترض أن شخصًا يملك قطعة أرض صغيرة، لكنه يحتاج إلى مساحة أكبر، فبدلًا من توسيع الأرض أفقياً، يبني طوابق متعددة، مما يجعله يستفيد من المساحة بشكل مضاعف قد تناطح السحب. كذلك، يمكن للإنسان أن يضاعف تأثير عمره عبر استثمار الوقت في أعمال عظيمة تمتد آثارها لسنوات طويلة.

لقد عاش بعض الناس سنين معدودات في الأرض، ولكنهم صنعوا عبرها ما يعادل قروناً متطاولة؛ مثلاً عمر رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله لم يتجاوز الثلاث والستين، وأيام دعوته ثلاث وعشرون عاماً منها، ولكنها أبعد أثراً من عمر نوح المديد، بل من سني الأنبياء جميعاً.

وهكذا خص الله أمته بموهبة ليلة القدر، التي جعلها خيراً من ألف شهر، ليقدروا على تمديد أعمارهم في البعد الثالث (أي بعد العمق) ولعل الخبر المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله يشير الى ذلك، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أري أعمار الأمم قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته ألاّ يبلغوا من العمر مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر.[33]

وفي حديث آخر: أنه ذكر لرسول الله رجل من بني إسرائيل أنه حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب من ذلك رسول الله عجباً شديداً، وتمنى أن يكون ذلك في أمته، فقال: يا رب! جعلت أمتي أقصر الناس أعماراً، وأقلها أعمالاً. فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: ]لَيْلَة الْقَدْرِ خَيْر مِّن ألْفِ شَهْر[ الذي حمل الإسرائيلي السلاح في سبيل الله لك ولأمتك من بعدك الى يوم القيامة في كل رمضان[34].[35]

إنك قد تحيي ليلة القدر بالطاعة فيكتب الله اسمك في السعداء، ويحرم جسدك على نار جهنم أبداً، وذلك بما يوفقك له من إصلاح الذات إصلاحاً شاملاً.

بلغنا إلى الآية الرابعة من سورة القدر وهو قوله تعالى: [تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ]. وسنتأمل في كلماتها من خلال أربعة أجزاء.

 الجزء الأول منها وهو قوله: [تَنَزَّلُ الْمَلآَئِكَةُ]، والكلمة أصلها تتنـزّل، وصيغتها مضارع تدل على الاستمرار، فنستوحي منها أن ليلة القدر لم تكن ليلة واحدة في الدهـر، وإنما هـي في كل عـام مرة واحدة، روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لابن العباس: “إن ليلة القدر في كل سنة وإنه ينـزل في تلك الليلة أمر السنة “.[36]

وأما الجزء الثاني من الآية الرابعة فهو قوله تعالى: [وَالرُّوحُ].

ما هو الروح؟ هل هو جبرائيل عليه السلام أم هم أشراف الملائكة؟ أم هم صنف أعلى منهم وهم من خلق الله، أم هو ملك عظيم يؤيد به أنبياءه؟

استفاد بعضهم من الآية الآتية، أن الروح هو جبرئيل عليه السلام، حيث قال: [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ][37]، واستظهر بعضهم من قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا][38]، أن الروح هي الوحي، فإن الملائكة يهبطون في ليلة القدر.

وجاء في حديث شريف ما يدل على أن الروح أعظم من الملائكة، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سئل هل الروح جبرئيل عليه السلام؟ فقال: جبرئيل من الملائكة، والروح أعظم من الملائكة، أليس أن الله عز وجل يقول: [تَنَزَّلُ الْمَلآَئِكَةُ وَالرُّوحُ].[39]

وقد قال ربنا سبحانه: [وأيَّدَه بِروح مِّنْهُ] مما يدل على أن الروح هو ما يؤيد الله به أنبياءه. ويبدو أن الروح خلق نوراني عظيم الشأن عند الله، وأن الله ليس يؤيد أنبياءه عليهم السلام به فقط، وإنما حتى الملائكة ومنهم جبرائيل يؤيدهم به. وبهذا نجمع بين مختلف الاحتمالات والأدلة، والله العالم.[40]

الجزء الثالث للآية الرابعة هو قوله تعالى: [فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم].

وهي تعني أن نزول الملائكة والروح في ليلة القدر إنما يكون بإذن الله وتدبيره، وليس لهم أي استقلالية في ذلك، بل هم ينفذون أمر الله ويقومون بالمهام التي يكلفهم بها، قال تعالى في حقهم: [بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ].[41]

وأما الجزء الرابع للآية قوله تعالى: [مِن كُلِّ أَمْرٍ].

يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير الأمثل: أي لكل تقدير وتعيين للمصائر، ولكل خير وبركة. فالهدف من نزول الملائكة في هذه الليلة إذن هو لهذه الأمور.

أو بمعنى بكل خير وتقدير، فالملائكة تنزل في ليلة القدر ومعها كل هذه الأمور.

وقيل: المقصود أنّ الملائكة تنزل بأمر اللّه، لكن المعنى الأوّل أنسب.

بإيجاز الآية الكريمة تقول: الملائكة والروح تتنزل في هذه الليلة بأمر ربّهم لتقدير كلّ أمر من الأمور.[42]

الآية الخامسة والأخيرة هي قوله تعالى: [سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ].

ماذا يجري في ليلة القدر حتى تصبح سلاماً الى مطلع الفجر؟

تجري أمور عديدة، نذكر منها الآتي:

1.السلام من الذنوب: في ليلة القدر، يغفر الله سبحانه وتعالى لفئات من المستغفرين، فينقذهم من نار جهنم، وأعظم سلام هو نجاة الإنسان من عواقب ذنوبه في الدنيا والآخرة.

2.السلام من العذاب :يسعى المؤمنون في هذه الليلة لبلوغ العتق من النار، فيبتهلون بالدعاء قائلين”:اللهم إني أسألك بكتابك المنـزل وما فيه، وفيه اسمك الأكبر، وأسماؤك الحسنى وما يخاف ويرجى أن تجعلني من عتقائك من النار”.[43]

3.السلام في العافية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله -لما سئل عن الدعاء الأفضل -: “تسأل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ثم أتاه من الغد فأجابه مثل ما أجاب في اليوم الأول، وهكذا إلى اليوم الرابع، ثم أتاه من اليوم الرابع فقال: يا رسول الله! أي الدعاء أفضل؟، قال: تسأل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أعطيتهما في الدنيا ثم أعطيتهما في الآخرة فقد أفلحت”.[44]

4.السلام من الشقاء: قد يدخل الإنسان هذه الليلة وهو من الأشقياء، فيخرج منها سعيدًا، ومن هنا يُستحب الدعاء قائلًا: اللهم امدد لي في عمري، وأوسع لي في رزقي، وأصح لي جسمي، وبلغني أملي، وإن كنت من الأشقياء فامحني من الأشقياء، واكتبني من السعداء، فإنك قلت في كتابك المنـزل على نبيك المرسل صلواتك عليه وآله: يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثَبِّت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَاب”.[45]

5.السلام في الرزق: في هذه الليلة يقدر الله لعباده أرزاقهم، وهو جزء من السلام الذي ينعم به الإنسان في حياته، لذا يُستحب أن يسأل العبد الله التوسعة في رزقه.

5.السلام في الأمن والصحة والذرية: يقدر الله لعباده الأمن والصحة والذرية، وهي جميعها من صور السلام التي ينعم بها الإنسان في حياته.

6.السلام من الملائكة: ورد أن الملائكة في هذه الليلة المباركة ينزلون ويسلمون على المؤمنين والمتهجدين في المساجد، وقيل أيضًا إنهم يسلمون على إمام العصر عليه السلام عند هبوطهم عليه.

المَبحَثُ الثَّانِي: الإِمَامُ المَهْدِيُّ (عَجَّ) وَلَيْلَةُ القَدْرِ

وسنطرحه في مطلبين:

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: لَيْلَةُ القَدْرِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الإِمَامِ المَهْدِيِّ (عَجَّ)

ببعض التأمل والالتفات بدقة إلى مفاهيم سورة القدر المباركة يستطيع أن يدرك المتتبع أن فيها دلالة على وجود الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يتضح ذلك من خلال فهم تفسير السورة، وذكرها ضمن النقاط الآتية:

أولاً: إنّ مطلع الفجر هو عصر الظهور للإمام المهدي (عج).

استند مجموعة من المفسرين إلى روايات عن أهل البيت عليهم السلام أن المراد بمطلع الفجر هو عصر الظهور للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، نذكر منها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام يذكر تفسيراً لقوله تعالى: [بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ] يعني حتى يخرج القائم عليه السلام.[46]

ثانياً: إن ليلة القدر دائمة مستمرة الى يوم القيامة

يذكر سماحة السيد الطباطبائي (قدس) في تفسير الميزان ما مضمونه: أن ليلة القدر ليست ليلة واحدة حدثت في الماضي فقط، بل هي ليلة تتكرر في كل سنة. أي أن كل عام هجري يحتوي على ليلة قدر جديدة، يتم فيها تقدير أمور السنة القادمة حتى ليلة القدر في العام الذي يليها. وينفي بذلك رأيين خاطئين:

1.إن ليلة القدر كانت ليلة واحدة في التاريخ لا تتكرر، وهو قول غير صحيح، لأن القرآن نفسه يشير إلى استمرارها.

2.إن ليلة القدر كانت تتكرر فقط في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم انقطعت بعد وفاته، وهذا أيضًا غير صحيح، لأن الروايات تؤكد استمرارها كل سنة. [47]، نذكر منها:

# روي عن حمران بن أعين أنه سأل أبا جعفر عن قول الله تعالى: [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ] قال: “نعم ليلة القدر وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر”.[48]

 # روي عن الإمام الباقر عليه السلام، حيث سئل عن الآية [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ]، فأجاب بأن ليلة القدر تتكرر كل سنة في العشر الأواخر من شهر رمضان. وهذا يعني أن بركاتها وأحداثها مستمرة، وليست محصورة في زمن معين.

# روي عن أبي ذر رضي ‌الله‌ عنه أنه قال: “قلت: يا رسول الله، ليلة القدر شيء يكون على عهد الأنبياء، ينزل فيها عليهم الأمر فإذا مضوا رفعت؟ قال: لا بل هي إلى يوم القيامة”.[49]

  وإذا كانت ليلة مستمرّة فسوف تستمر معها جميع لوازمها ومتعلقاتها، ومنها تنزّل الملائكة، وبما أن تنزّل الملائكة بما قدّر فيها من الآجال والأرزاق، وكل أمر يحدث من موت أو حياة أو خصب أو جدب أو خير أو شر، وهو لا يكون إلا على النبي صلى الله عليه وآله أو الوصيّ، فبعد النبي صلى الله عليه وآله لابد وأن يكون نزولها على الأئمة عليهم السلام وأولهم أمير المؤمنين عليه السلام وآخرهم المهدي المنتظر أرواحنا له الفداء.

  ومن الروايات التي صرّحت أن الملائكة تنزل على أمير المؤمنين عليه السلام في ليلة القدر، ما جاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “كان عليّ عليه السلام كثيراً ما يقول: اجتمع التيمي والعدوي عند رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقرأ: [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ ..] بتخشّع وبكاء، فيقولان: ما أشد رقتك لهذه السورة، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله: لما رأت عيني ووعى قلبي، ولما يرى قلب هذا من بعدي، فيقولان: وما الذي رأيت وما الذي يرى؟ قال: فيكتب لها في التراب [تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ]، قال: ثم يقول: هل بقي شيء بعد قوله [كُلِّ أَمْرٍ]؟ فيقولان لا، فيقول: هل تعلمان مَن المنزل عليه بذلك؟ فيقولان: أنت يا رسول الله، فيقول: نعم، فيقول: هل تكون ليلة القدر من بعدي؟ فيقولان: نعم، فيقول: فهل ينزل ذلك الأمر فيها؟ فيقولان: نعم، فيقول: فإلى من؟ فيقولان: لا ندري، فيأخذ برأسي ويقول: إن لم تدريا فادريا، هو هذا من بعدي…”[50]. [51]

 إذا حاول أحدٌ إنكار هذا الدليل، سألناه عن تفسير قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، حيث إن [تنزلُ] فعل مضارع يدل على الاستمرار والتجدد، مما يطرح سؤالًا جوهريًا: على من تنزل الملائكة في كل عام؟

إذا لم تكن تتنزل على جهة محددة، فإن ذلك يصبح عبثًا لا معنى له.

فهل يمكن أن تنزل إلى الأرض ثم تعود دون أن تستقر في موضع معين؟

العقل يحكم بأنها تنزل على خليفته في الأرض، قال تعالى: [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ].[52]

ولكن من هو خليفة الله؟ هل هم أئمة الهدى أم أئمة الضلال؟ هل هم الصالحون أم الطالحون؟ هل هم المصلحون أم المفسدون؟ هل هم الطاهرون ام الرجسون؟

 لا شك أن الملائكة لا تنزل إلا على حجج الله المعصومين الطاهرين، وعلى رأسهم أهل البيت عليهم السلام الذين قال تعالى عنهم: [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا][53]، بينما تتنزل الشياطين على الفاسقين الرجسين الآثمين، لقوله تعالى: [هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ].[54]

وحيث إن جميع الأنبياء قد رحلوا إلى جوار ربهم، وكذلك الأئمة المعصومين عليهم السلام، ولم يبقَ في هذا الزمان إلا الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، فإن الملائكة لا تنزل إلا عليه، إذ هو الحجة الباقية لله في الأرض. وذكرت روايات عديدة في ذلك، منها: روي: “إن صاحب هذا الامر في شغل تنزل الملائكة اليه بأمور السنة من غروب الشمس الى طلوعها في كل أمر سلام هي له إلى أن يطلع الفجر”.[55]

وروي عن أبي جعفر الثاني (الإمام محمد الجواد عليه السلام) قال: “إن أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن عباس: إن ليلة القدر في كل سنة، وأنه يتنـزّل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال ابن عباس: من هم؟ قال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون”.[56]

إن التمسك بسورة القدر في إثبات وجود الإمام المهدي عليه السلام حثنا عليه الإمام الباقر عليه السلام بقوله: “يا معشر الشيعة خاصموا بسورة ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ﴾ تفلحوا، فو الله إنها لحجة الله تبارك وتعالى على الخلق بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنها لسيدة دينكم، وإنها لغاية علمنا، يا معشر الشيعة خاصموا بـ:﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ فإنها لولاة الأمر خاصة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله”.[57]

المَطْلَبُ الثَّانِي: وَظِيفَةُ الإِمَامِ المَهْدِيِّ (عَجَّلَ اللَّهُ فَرَجَهُ) فِي لَيْلَةِ القَدْرِ

في ليلة القدر، يتولى الإمام المهدي (عجل الله فرجه) دورًا جوهريًا في تنفيذ التقديرات الإلهية للعام القادم، ويمكن تلخيص ذلك في النقاط الآتية:

أولاً: استقبال التقارير من الملائكة

من المسلّم به أن الله سبحانه وتعالى هو المدبر المطلق للوجود، كما قال: [إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ… يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾[58]. ولكن من سننه تعالى أنه “أبى أن يجري الأشياء إلا بالأسباب”[59]، ومن جملة هذه الأسباب أنه جعل بعض مخلوقاته جنودًا لتنفيذ أوامره، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[60]، ومن هؤلاء الجنود: الملائكة، الجن، الظواهر الطبيعية[61] والمخلوقات الحية[62]، وغيرها.

وقد سخر الله هذه الجنود لخليفته في الأرض، كما جاء في قوله تعالى: [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ][63]، كما سخرها لنبي الله سليمان عليه السلام، حيث قال سبحانه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾[64].

وفي زماننا الحالي، فإن جنود السماوات والأرض مسخرة للإمام المهدي (عجل الله فرجه)، وهي مأمورة بتنفيذ أوامره. ومن بين هذه الجنود الملائكة التي وصفها الله تعالى بـ: ﴿فالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا[65]، حيث تقوم بأمر الله بتدبير شؤون الكون والعباد، وتتلقى أوامرها من الإمام المهدي عليه السلام في ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾[66]، يقول السيد الطباطبائي (قد): (تتنزل الملائكة والروح في الليلة بإذن ربهم لأجل تدبير كل أمر من الأمور الكونية).[67]

فالخطوة الأولى للملائكة في ليلة القدر هي رفع تقارير مفصلة إلى الإمام المهدي (عجل الله فرجه) عن مجريات الكون وأعمال البشر، من طاعات ومعاصٍ، حسنات وسيئات، صغيرة وكبيرة، كما قال الله تعالى: [وَمَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ][68].

ثانياً: مراجعة التقدير الإلهي وتطبيق السنن الإلهية

بعد أن يستقبل الإمام المهدي (عجل الله فرجه) التقارير من الملائكة، يطّلع عليها ويشرف على تقدير مجريات الكون وما سيكون لكل إنسان خلال السنة القادمة. وقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام: «يُقدّر في ليلة القدر كلُّ شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل، خير وشر، وطاعة ومعصية، ومولود وأجل أو رزق، فما قدر في تلك السنة وقضى فهو المحتوم، ولله (عزَّ وجلَّ) فيه المشيئة».[69]

من تلك التقديرات التي يذكرها الإمام في الحديث هي:

# الخير: يشمل الأمور الإيجابية مثل: الصحة، الأمان، الغنى، ورفع البلاء.

# الشر: يضم الأحداث السلبية كالفقر، المرض، والموت.

# المواليد والأعمار: من سيولد ومن ستنتهي حياته خلال العام.

# الأرزاق: تشمل الزيادة أو النقصان في المال، الصحة، وغيرها.

# الطاعة والمعصية مثل: التوفيق للعبادة أو التعرض للابتلاءات، كالتوفيق للحج، حيث قال الإمام الصادق عليه السلام: «ليلة ثلاث وعشرين، الليلة التي يفرق فيها كلُّ أمر حكيم، وفيها يكتب وفد الحاج، وما يكون من السنة إلى السنة»[70]. وقد يكون التوفيق للحج مرهون بدعاء المسلم، لذا ورد استحباب أن ندعو الله تعالى في أدعية شهر رمضان: (اَللّـهُمَّ ارْزُقْني حَجَّ بَيْتِكَ الْحَرامِ، فِي عامي هذا وَفي كُلِّ عام، ما اَبْقَيْتَني في يُسْر مِنْكَ وَعافِيَة وَسَعَةِ رِزْق..).

رب تساؤل يرد: لكن التقدير الإلهي للطاعة والمعصية يدل على الجبر؟

الجواب: الله سبحانه لا يجبر الإنسان على الطاعة أو المعصية، بل يترك له حرية الاختيار، كما قال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾[71]. غاية ما في الأمر أن الله يقدّر له الفرص والظروف التي قد تساعده على الاختيار.

مثلاً، قد يكون مكتوبًا في ليلة القدر أن فلانًا سيُعرَض عليه طريق للهداية، مثل أن يستمع إلى موعظة تؤثر في قلبه، أو يلتقي بشخص صالح يدعوه للخير، ولكن الاختيار النهائي يبقى بيد العبد.

وبالمقابل، قد يكون مقدرًا أن شخصًا آخر سيتعرض لابتلاء، كأن يغريه شخص بالمعصية أو يكون في بيئة فاسدة، لكنه يبقى حرًا في اتخاذ قراره.

وهذا التقدير الإلهي لا يأتي عن عبث، بل يرتبط بالسنن والقوانين الإلهية، فمنها ما يتعلق بالابتلاء العام، ومنها التي لها علاقة بأعمال الآخرين، قال تعالى: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً][72]، ومنها ما يرتبط بأعمال الإنسان التي قام بها خلال سنته. فمن زاد في شكره لله زاده الله رزقًا، كما قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾[73]، ومن تصدّق دفع الله عنه البلاء، كما في الحديث الشريف: “الصدقة تدفع البلاء”[74]، ومن وصل رحمه زيد في عمره، كما روي في الحديث: “صلة الرحم تزيد في العمر”[75]، ومن عصى الله وأعرض عن طاعته، قد يُقدَّر له الحرمان من بعض النعم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.[76]

وتشير الروايات إلى أن التقدير الإلهي يمر بثلاث مراحل، كما روي عن زرارة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: “التقدير في ليلة تسعة عشر، والابرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين”[77]، وهذا يشابه الإجراءات الرسمية للمعاملات، حيث يبدأ بتقدير أولي عند تقديم الطلب ومراجعته، ثم بالمراجعة والتدقيق من قبل لجنة مختصة، وأخيرًا بالإمضاء والتنفيذ عند اعتماد المدير للقرار، ليصبح نافذًا وغير قابل للتغيير. وأيضا مراحل التقدير الإلهي في ليالي القدر، تمر بثلاث مراحل وهي كالآتي:

1. التقدير في ليلة التاسع عشر من رمضان

هذه الليلة هي ليلة تسجيل الأقدار المبدئية، حيث تُقدَّر فيها الأمور التي ستحدث خلال السنة المقبلة لكل إنسان. كالرزق والصحة والمرض، الأمن والخوف، الزواج، الحج، وغيرها من الأمور.

هذا التقدير أولي وليس نهائيًا، أي أنه قد يتغير بناءً على بعض العوامل، مثل: الدعاء والصدقة وصلة الرحم.

2. الإبرام في ليلة الحادي والعشرين من رمضان

في هذه الليلة، يُراجع التقدير الأولي، ويتم تثبيت بعض الأمور التي لا تتغير.

الإبرام يعني تثبيت بعض الأقدار وجعلها أكثر قربًا من التنفيذ، لكن لا يزال هناك مجال للتغيير في بعض الجوانب.

الأعمال الصالحة في هذه الليلة يمكن أن تؤثر على ما قُدِّر في الليلة السابقة.

قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[78]، أي أن بعض الأقدار قد تُغيَّر في هذه المرحلة.

3. الإمضاء في ليلة الثالث والعشرين من رمضان

هذه الليلة هي المرحلة النهائية، حيث يتم إمضاء (تنفيذ) ما قُدِّر وأُبْرِم.

ما يُكتب في هذه الليلة يكون نهائيًا ولا يُغيَّر خلال العام القادم، إلا في حالات نادرة تتعلق بمشيئة الله المطلقة. لذا، هذه الليلة هي الأهم للدعاء والتوسل، لأنها الفرصة الأخيرة لتغيير المصير قبل أن يُحسم نهائيًا.

لذا، ينبغي للمرء أن يستغل هذه الليالي المباركة في العبادة، لعل الله يكتب له الخير في عامه المقبل.

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: العِبَادَةُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ.

ليلة القدر من أعظم ليالي السنة، وقد أكدت الروايات على فضل إحيائها بالعبادة والدعاء، لما لها من أثر كبير في تحديد مصائر العباد، ونيل بركات الدنيا والآخرة. فقد ورد عن الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم عمّا جرى بين موسى عليه السلام وربّه عز وجل في مناجاة جليلة قال فيها موسى: “إلهي أريد قربك، قال: قربي لمن يستيقظ ليلة القدر، قال: إلهي أريد رحمتك، قال: رحمتي لمن رحم المساكين ليلة القدر، قال: إلهي أريد الجواز على الصراط، قال: ذلك لمن تصدق بصدقة في ليلة القدر. قال: إلهي أريد أشجار الجنة وثمارها، قال: ذلك لمن سبح تسبيحة في ليلة القدر، قال: إلهي أريد النجاة من النار، قال: ذلك لمن استغفر في ليلة القدر، قال: إلهي أريد رضاك، قال: رضاي لمن صلى ركعتين في ليلة القدر”.[79]

علينا أن ندرك أن هذه الليلة المباركة تأتي مرة واحدة في العام، ومن فاتته فلن يتمكن من إدراكها إلا في موعدها القادم. لذلك، ينبغي لكل منا أن يستعد لها بعزم وإرادة، مترقبًا قدومها بكل شوق، ليغتنم بركاتها العظيمة. فما أعظم خسارة من يُحرم خيرها! فقد ورد عن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أنها كانت تحث أهلها على الاستعداد لاستقبال ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان، فتأمرهم بالنوم نهارًا حتى لا يغلبهم النعاس ليلاً، قائلة: “محروم من حرم خيرها”.[80]

وأما مستحبات ليلة القدر فهي كثيرة منها:


1.الاستغفار: إن واحداً من أهم الأعمال في هذه الليلة هو الاستغفار. فقد ورد في مستحباتها أن يستغفر اللَّه سبعين مرة. وعن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام أنه قال: «عليكم في شهر رمضان بكثرة الاستغفار والدعاء، فأما الدعاء فيدفع البلاء عنكم، وأما الاستغفار فتمحى به ذنوبكم».[81]

إن الاستغفار الحقيقي ليس هو مجرد قول: «استغفر اللَّه» وتحريك اللسان بهذه الألفاظ، بل إن هذه الألفاظ ينبغي أن تكون شعاراً ظاهراً، لقرار عميق الجذور في نفس المستغفر. إن مصداقية الاستغفار -في الحقيقة-مرهونة باشتماله على خطوتين رئيسيتين هامتين:

الأولى: اكتشاف الخطأ، والإقرار بوجوده، وأنه خطأ لا يجوز الاستمرار عليه.

الثانية: التصميم على الإقلاع عنه والتخلص منه.

فإذا ما عرفت الخطأ وشخصته، ثم صممت على تجاوزه والإقلاع عنه، فتعلن حينئذ عن قرارك القلبي، بلسانك وتقول: «أستغفر اللَّه ربي وأتوب إليه».[82]

قد يتبادر إلى الذهن سؤال: إذا كانت كل الأمور تُقدَّر في ليلة القدر للسنة القادمة، فما فائدة الدعاء والاستغفار خلال العام أو حتى في ليلة القدر نفسها؟ هل يمكن أن يغير الدعاء والاستغفار شيئًا قد كُتب مسبقًا؟

الإجابة تكمن في أن الدعاء والاستغفار نفسه جزء من نظام التقدير الإلهي. فالله سبحانه وتعالى قدَّر لكل شيء أسبابًا ونتائج، فكما أنه قدّر أن من يلقي نفسه من مكان مرتفع قد تنكسر قدمه، كذلك قدّر أن من يدعو الله لرفع بلائه قد يُستجاب له، ومن يستغفر الله بصدق ويتوب توبة نصوح ستمحى آثار العقاب.

أي أن التقدير الإلهي يشمل السبب والنتيجة، فلو كان مكتوبًا أن يصيب شخصًا بلاء معين، فقد يكون مكتوبًا أيضًا أن هذا البلاء يزول بالدعاء أو الاستغفار.

مثال: قد يكون مقدرًا في ليلة القدر أن شخصًا سيواجه مشكلة، لكنه إذا دعا الله بصدق في وقت معين، فسيرفع الله عنه هذه المشكلة. أي أن الدعاء والاستغفار جزء من القدر وليس ضده.

2. الغسل .
3. الصلاة ركعتان يقرأ في كل ركعة بعد الحمد التوحيد سبع مرات ويقول بعد الفراغ سبعين مرة: (استغفر الله وأتوب اليه) .
4. رفع المصحف: هو وضع المصحف الشريف على الرأس والتوسل إلى الله عز وجل بالقرآن الكريم والنبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرة والائمة الاثنى عشر عليهم السلام لضمان استجابة الدعاء.

5.إحياء هذه اللّيالي الثلاث. فقد روي عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: “من قام[83] ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه”.[84]

6.الصّلاة مئة ركعة فإنّها ذات فضل كثير والأفضل أن يقرأ في كلّ ركعة بعد الحمد التوحيد عشر مرّات.

7. زيارة الامام الحسين عليه السلام: روي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: “إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ،﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾[85]، نَادَى مُنَادٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِمَنْ زَارَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ”.[86]

هذا وهناك أعمال أخرى يذكرها الشيخ عباس القمي في كتابه (مفاتيح الجنان) فراجع.[87]

إن الليلتين الأوليين (19-21) من شهر رمضان قد ارتبطتا بمجموعة من الأحداث والوقائع التاريخية المهمة، ذلك أن بعد انقضاء ليلة التاسع عشر من رمضان في سنة 40هـ قد شهدت إصابة الإمام الأول علي بن أبي طالب عليه السلام على يد الملعون عبد الرحمن بن ملجم المرادي، أما ليلة الحادي والعشرين فقد أعقبها نهار فجع الإسلام والشيعة والموالين والمحبين والكون، وضجت الملائكة في السماء وهبت على أثره ريح عاصفة سوداء مظلمة ونادى جبرئيل بين السماء والأرض بصوت يسمعه كل مستيقظ: تهدمت والله أركان الهدى وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى وانفصمت والله العروة الوثقى..

لماذا؟ ماذا حصل!!!

النداء يقول: “قتل ابن عم المصطفى قتل الوصي المجتبى قتل على المرتضى قتل سيد الأوصياء قتله أشقى الأشقياء”.

نعم، هذا النداء كان في التاسع عشر من شهر رمضان، حيث ضرب الملعون عبد الرحمن بن ملجم أمير المؤمنين عليه السلام على رأسه أثناء سجوده في صلاته في المحراب..

(أبوذية)

أركان الهدى من صاح هدّام
 
 او من راسك يحامي الجار هدّام
 
او عليك الحزن طول الدهر هدّام
 
 او ما ننساك يا حامي الحميه
 

وبقي يعاني أثر الضربة حتى ليلة الحادي والعشرين، حيث اشتد عليه الوجع واقترب موعد فراقه، فقال عليه السلام لأولاده وأصحابه: “بالأمس أنا صاحبكم واليوم أنا عبرة لكم وغدا أنا مفارقكم.

وفي هذه الليلة أوصى ولديه الحسن والحسين بجملة وصايا منها أوصيكما: بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تأسفا على شيء زوي عنكما وقولا بالحق واعملا للأجر وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا، أوصيكما وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغهم كتابي هذا. بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنت مسلمون – إلى أن قال – وإصلاح ذات بينكم فإني سمعت رسول الله يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، الله الله في الأيتام لا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم، الله الله في القرآن فلا يسبقكم إلى العمل به غيركم، الله الله في جيرانكم فإن رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم أوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، الله الله في الصلاة فإنها خير العمل وإنها عمود الدين، الله الله في الزكانة فإنها تطفئ غضب ربكم، الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم، الله الله في ذرية نبيكم فلا يظلمون بين أظهركم. ثم التفت إلى بني عبد المطلب قائلا لهم: يا بني عبد المطلب لا ألفينَّكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون قتل أمير المؤمنين ألا لا تقتلنَّ بي إلا قاتلي.

وفي خبر قال: أَبصروا ضاربي وأطعموه من طعامي واسقوه من شاربي ثم إذا أنا مت فاقتص منه – يا حسين – واضربه ضربة واحدة او ضربة بضربة ولا تحرقه بالنار ولا تمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم يقول: إياكم والمـُثلة ولو بالكلب العقور وإن أنا عشت فأنا أولى به. ثم عرق جبينه فجعل يمسح العرق بيده فقالت ابنته زينب: يا أبه أراك تمسح جبينك، قال: يا بنية سمعت جدك رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم يقول: إن المؤمن إذا نزل به الموت ودنت وفاته عرق جبينه وسكن أنينه. فقامت زينب وألقت بنفسها على صدر أبيها

وقالت: يا أبه حدثتني أم أيمن بحديث كربلاء وقد أحببت أن أسمعه منك فقال: يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن وكأني بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس فصبرا صبرا.

(مجردات)

تمشين يا زينب سبيه
 
 او وياچ كل الفاطميه
 
يو دونچن لبن الدعيه
 
 واحسين يبگه اعله الوطيه
 

او عباس علشاطي رميه

ثم نظر إلى أولاده فرآهم تكاد تزهق أرواحهم من شدة البكاء والنحيب فقال لهم: أحسن الله لكم العزاء ألا وإني منصرف عنكم وراحل في ليلتي هذه ولاحق بحبيبي محمد صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم كما وعدني فإذا أنا مت يا أبا محمد فغسلني وكفني وحنطني ببقية حنوط رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم فإنه من كافور الجنة جاء به جبرئيل إليه، ثم ضعني على سريري ولا يتقدم أحد منكم مقدم السرير واحملوا مؤخره واتبعوا مقدمه وصلِّ عليَّ يا بني يا حسن وكبّر عليَّ سبعا واعلم أنه لا يحل ذلك لأحد غيري إلا لرجل يخرج آخر الزمان اسمه القائم المهدي من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحق. فإذا أنت صليت عليَّ فنحِّ السرير عن موضعه ثم اكشف التراب عنه سترى قبرا محفورا ولحدا مثقوبا وساجة منقوبة فاضجعني فيها ثم اشرح اللحد باللبن وأَهِلِ التراب عليَّ ثم غيب قبري. فلما سمعت زينب وصية أبيها لطمت وجهها ثم أهوت عليه تشمه وتقبل يديه وتتزود من النظر إليه.

(أبوذية)

انشلع يمثبت الإسلام ودنه
 
 يليث الما گربلك بطل ودنه
 
گبلك يا علي احنه انموت ودنه
 
 ينور العرش يمضوِّي البريه
 

ثم دفع كتبه وسلاحه إلى الحسن وأمره أن يدفعها إلى الحسين إذا حضرته الوفاة وأمر الحسين أن يدفعها إلى ولده علي بن الحسين، وأقبل على علي بن الحسين فقال له: وأمرك رسول الله أن تدفع وصيتك إلى ولدك محمد بن علي فاقرأه من رسول الله ومني السلام.

ثم أخذ يودع أولاده الواحد بعد الآخر حتى أغمي عليه ساعة وأفاق وقال: هذا رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم وعمي حمزة وأخي جعفر وأصحاب رسول الله كلهم يقولون: عجل قدومك علينا فإنّا إليك مشتاقون.

ثم أدار عينيه في أولاده وأهل بيته وقال: أستودعكم الله جميعا سددكم الله جميعا وحفظكم الله جميعا، الله خليفتي عليكم وكفى بالله خليفة.

ولم يزل وهو بتلك الحال يسبّح الله ويذكره كثيرا ثم استقبل القبلة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، رفقا بي ملائكة ربي، ثم عرق جبينه وسكن أنينه وغمض عينيه وأسبل يديه ومد رجليه وقضى نحبه ولقي ربه شهيدا مظلوما. رحم الله من نادى وا إماماه وا علياه وا سيداه وا مظلوماه.

(مجردات)

(ابو احسين ما تمم اصيامه
 
 لفه العيد وولاده يتامه)
 
او صاحت زينب او لطمت الهامه
 
 فگدك صعب يا راعي الشهامه
 
الله اوياك يا حلو الجهامه
 
 عزنه راح من راحت أيامه
 

(مجردات)

ابعيد البله يا حارس الدين
 
 يملفه الأرامل والمساكين
 
عگبك يبويه اوجوهنه وين
 
 يا عيد الاگشر علمسلمين
 

وأما بناته فإنهن ألقين بأنفسهن عليه ونادين وا أبتاه وا علياه.[88]

(مجردات)

امصابك يبويه عم الاسلام
 
 يا راعي أراملها والايتام
 
چنه ابفرح والفرح مادام
 
 بينه اشعمل دولاب الأيام
 

 (مجردات)

اجه العيد ريته لا اجانه
 
 اولا بيَّن اهلاله ابسمانه
 
احنه ابمياتمنه او بچانه
 
 من المصاب اللي دهانه
 

[1] القدر/1-5.

[2] ليلة القدر معراج الصالحين-محمد تقي مدرسي-ص3.

[3][3] القدر/1.

[4] راجع: الميزان في تفسير القرآن-السید الطباطبائي-ج 20-ص 330.

[5] الشعراء/193-194.

[6] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي -ج ١٦ -ص١١٩-بتصرف.

[7] الإسراء/ 196.

[8] الحجر/9.

[9] القدر/1.

[10] الدخان/ 3-4.

[11]بحار الأنوار-المجلسي-ج 94-ص 22.

[12] الحج/ 74.

[13] الطلاق/ 7.

[14] تفسير الأمثل-ناصر مكارم الشيرازي-ج15-ص438-بتصرف.

[15] البقرة/185.

[16]حسب رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله-تفسير نور الثقلين-ج5-ص629.

[17] تفسير نور الثقلين-الحويزي-ج5-ص625.

[18] مرآة العقول-المجلسي-ج16-ص381.

[19] تفسير نور الثقلين-الحويزي-ج5-ص628.

[20] نور الثقلين-الحويزي-ج5-ص625.

[21] من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج2-ص160.

[22] بحار الأنوار –المجلسي-ج97-ص3-5.

[23] الكافي-الكليني -ج4، ص156؛ من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج2-ص160.

[24] إقبال الأعمال-ابن طاووس -ج1-ص 374.

[25] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٤ -ص ٥.

[26] روي عن الإمام علي عليه السلام: “إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرن شيئا من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليه في عباده، فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم”. ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -الصفحة ١٨١٨.

[27] تفسير نور الثقلين-الحويزي-ج5-ص627.

[28] ليلة القدر معراج الصالحين-محمد تقي المدرسي-ص19-20.

[29] تفسير الميزان -السيد الطباطبائي -ج ٢٠ -ص ٣٣٢.

[30] القارعة/1-3.

[31] موقع السراج/alseraj.net/ المحاضرات/ المحاضرات الرمضانية/ عظمة وفضل ليلة القدر-للشيخ حبيب الكاظمي.

[32] القدر/3.

[33]تفسير جامع الأحكام-القرطبي-ج20-ص133.

[34] تفسير نور الثقلين-الحويزي-ج5-ص615.

[35] ليلة القدر معراج الصالحين-محمد تقي المدرسي-ص7-8-بتصرف.

[36] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج94-ص15.

[37] الشعراء/193.

[38] الشورى/52.

[39] تفسير نمونة-مكارم شيرازي-ج26-ص184 نقلاً عن تفسير البرهان-هاشم البحراني-ج4-ص418.

[40] ليلة القدر معراج الصالحين-محمد تقي المدرسي-ص10-11.

[41] الأنبياء/26-27.

[42] الشيخ ناصر مكارم الشيرازي -ج ٢٠ -ص ٣٤٦.

[43] مفاتيح الجنان، ص225.

[44] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص ٢٠٢٤.

[45] إقبال الأعمال -السيد ابن طاووس -ج ١ -ص ٣٧٩.

[46] تفسير فرات الكوفي-فرات الكوفي-ج1-ص582.

[47] راجع: تفسير الميزان -السيد الطباطبائي -ج ٢٠ -ص ٣٣١.

[48] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٤ -ص ١٩.

[49] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج25-98.

[50] مدينة المعاجز-هاشم البحراني-ج2-ص448.

[51] شبكة الإمام علي ع/tableegh.imamali.net/ العقائد/ دروس في العقيدة/ ليلة القدر والإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) -نقلا عن (مجلة اليقين)، العدد (50).

[52] البقرة/30.

[53] الأحزاب/33.

[54] الشعراء/221.

[55] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري-ج7 -ص462.

[56] بحار الأنوار-بحار الأنوار-ج94-ص15.

[57] الكافي-الشيخ الكليني-ج١-ص٢٤٩.

[58] يونس/3.

[59] مضمون الحديث مروي عن الإمام الصادق عليه السلام. المصدر: بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٢ -ص ٩٠.

[60] الفتح/4.

[61] كالصواعق، الزلازل، الطوفانات، والرياح العاتية تُعد من جنود الله التي يمكن أن يُرسلها كعقاب أو كوسيلة لتغيير الأحوال.

[62] كبعض الحيوانات قد تُستخدم كجنود لله لتحقيق غايات معينة، كما في قصة جيش أبرهة الذي أُرسل عليه طير أبابيل تحمل حجارة من سجيل.

[63] البقرة/30.

[64] النمل/17.

[65] النازعات/5.

[66] القدر/4.

[67] تفسير الميزان -السيد الطباطبائي -ج٢٠ -ص ٣٣٢.

[68] ق/18.

[69] الكافي-الكليني-ج4-ص157-158.

[70] الهداية-الشيخ الصدوق-ص197.

[71] الإنسان/3.

[72] الأنفال/25.

[73] إبراهيم/7.

[74] البحار-المجلسي-ج 96 -ص 137/71.

[75] بحار الأنوار-المجلسيّ-ج71-ص 88.

[76] الشورى/30.

[77] وسائل الشيعة -الحر العاملي -ج ١٠-٣٥٤.

[78] الرعد/39.

[79] إقبال الأعمال -السيد ابن طاووس -ج1-ص ٣٤٥.

([80]) مفاتيح الجنان، ص236.

[81] وسائل الشيعة-الحر العاملي -ج10-ص304.

[82] موقع الشيخ الصفار/ saffar.me/ خطب الجمعة النصيّة/ ليلة القدر: قرارات التحوّل والتغيير-بتصرف.

[83] أي: من أحيا ليلة القدر بالصلاة، والعبادة، وقراءة القرآن، والدعاء، والتضرع إلى الله تعالى.

[84] فضائل الأشهر الثلاثة -الشيخ الصدوق -ص ١٠٥.

[85] الدخان/4.

[86] كامل الزيارات-ابن قولويه القمي-ص 184.

[87] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / ليلة القدر/ مستحبات ليلة القدر-بتصرف.

[88] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج4-ص135-136.