
لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
يَوْمَ ١٣ رَبيعِ الثّاني: شَهادَةُ الزَّهراءِ عليها السَّلامُ (عَلى رِوايَةٍ)
عنوان المحاضرة: احْذَرْنَ هَوَس التجميل!!
قال الإمام علي عليه السلام:
«زكاة الجمال العفاف».[3]
مباحث الرواية العلوية
المبحث الأول: تفسير الرواية الشريفة
قبل أن نشرح الرواية الشريفة لابد من الوقوف على معنى الزكاة والعفاف.
المفردة الأولى: (الزكاة) ومعناها اللغوي هو النمو والزيادة، يقال: زكا الزرع: إذا نما وزاد، وزكت النفقة: إذا بورك فيها، وقد تطلق بمعنى الطهارة، قال تعالى:﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾[4] أي طهرها عن الأدناس، ومثله قولـه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾[5]، جاء في لسان العرب: (وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة وفي حديث الباقر أنه قال: (زكاة الأرض يُبسها، يريد طهارتها من النجاسة كالبول وأشباهه بأن يجف ويذهب أثره)[6]. [7]
المفردة الثانية: (العفاف والعفة)، وهي منع النفس عن الأمور المحرّمة، أو التي لا ينبغي القيام بها.
ويعرّف الشهيد المطهري (رحمه الله) العفاف فيقول: إنّ العفة حالة نفسانية تعني السيطرة على القوة الشهوانية بواسطة العقل والإيمان، أو عدم التأثر بالقوة الشهوانية.
ويطلق لفظ العفيف على الشخص الذي يقاوم الميول النفسانية، ومنها الميول الجنسية، ويحفظ نفسه من الانسياق وراءها).[8]
ومتعلقات العفة عديدة منها الصبر عن الشهوة، روي عن الإمام عليّ عليه السلام : « الصبر عن الشهوة عفّة » [9]، قال تعالى: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾[10]، أي الصبر عن الشهوة التي تثير الغريزة الجنسية، والصبر عن شهوة إظهار المرأة لمفاتنها، ومحاسنها، وجمالها المثير للرجال الأجانب بالالتزام بالحجاب الشرعي، بل الشريعة حثّت حتى العجوز التي جمالها الظاهري في زوال أن تبقى متشددة بالحجاب: انتبهوا إلى ذيل هذه الآية الكريمة: ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.[11]
والعفيفة هي التي تراعي كل أحكام العفة وبالأخص أمام الرجال الأجانب كغض النظر، وتجنب الملامسة والمفاكهة والاختلاط المحرم، والمحادثة خوفاً من الوقوع في الحرام ولو بالانجرار إليه شيئاً فشيئاً.
علماً أن المصداق الأشمل للعفة هو الورع عن كل محارم الله، روي عن الإمام علي عليه السلام: «أنّ أفضلَ العفّة الورع في دين الله والعمل بطاعته».[12]
الآن لنقف على معنى الحديث الشريف (زكاة الجمال العفاف)
إن أمير المؤمنين عليه السلام يخبرنا بأن (زكاة الجمال العفاف)، بمعنى أن على المرأة أن تزكّي جمالها بأن تكون عفيفة بالالتزام بأحكام العفة.
قد يسأل أحدكم: لكن الذي نعرفه أن الزكاة تجب على الأموال، فهل التزكية تشمل غير الأموال؟ ولماذا؟
الجواب: الزكاة غير محصورة بالأموال، يقول الإمام علي عليه السلام: «لكل شيء زكاة».[13]
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «المعروف زكاة النعم، والشفاعة زكاة الجاه، والعلل زكاة الأبدان، والعفو زكاة الظفر، وما أديت زكاته فهو مأمون السلب».[14]
وعنه عليه السلام: «على كل جزء من أجزائك زكاة واجبة لله عز وجل، بل على كل شعرة، بل على كل لحظة!، فزكاة العين النظر بالعبرة والغض عن الشهوات وما يضاهيها، وزكاة الأذن استماع العلم والحكمة والقرآن».[15]
وأما لماذا الزكاة؟ فيمكن أن نعرف فلسفة الزكاة في التشريع الإسلامي من خلال المعنى الذي تم طرحه، بأن الزكاة سبباً في الزيادة والنمو والبركة، وسبباً في التطهير، وأيضاً في الحماية من السلب، وهذا الأمر مثلما ينطبق على الأموال فهو ينطبق على غيره كالجمال، للتوضيح لنقف على النقاط الآتية:
1. إن (إيتاء زكاة المال يُطهّر نفس الإنسان من الأنانية والبخل والحرص، لشعور الإنسان بأن المال الذي يحصل عليه ملك له وحده، وتحت سيطرته وتصرفه هو فقط، وإعطاءه للزكاة تشذيب وتعديل لهذه المشاعـر والأحاسيس، لذلك يقـول تعالى:﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾[16].[17]
وهذا الأمر ينطبق على زكاة الجمال، فالمرأة التي تشعر بأنها جميلة قد يأخذها الغرور والعجب والزهو، وعلى هذا ستكون أمة لشهواتها كشهوة إظهار المفاتن لا أمَةً لله تعالى، ولقد حذرتنا الشريعة من الشهوة، قال الإمام علي عليه السلام: “الشهوات سموم قاتلات”[18]، والنتيجة أنها ستقع بالمعاصي بمخالفة أحكام العفة، فلذلك إن التزامها بالعفاف هو تطهير لها بإخراج حب الشهوة من قلبها لكون قلب الإنسان حَرَم الله فلا يحق لنا أن نسكن حرم الله غير الله.[19]
وأيضاً أن العفاف يُعد كفارة لذنوبها، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «لكل عضو من ابن آدم حظ من الزنا، فالعين زناه النظر، واللسان زناه الكلام، والأذنان زناهما السمع، واليدان زناهما البطش، والرجلان زناهما المشي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه».[20]
2. إن إيتاء الزكاة سبب في النمو والزيادة، وهذا ما كنّا نسمعه في زكاة الأموال لِمَا لها من دور في تنمية المال والثروة كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «إذا أردت أن يثري الله مالك فزّكه»[21]، وقول الإمام محمد الباقر عليه السلام: «الزكاة تزيد في الرزق»[22]. [23]
وهذا الأمر ينطبق على من لم تزكِ جمالها بالعفاف فسوف تفقد جمالها لكون المرأة التي تلتزم بأحكام العفاف كالتزامها بالحجاب الظاهري الشرعي الخالي من التبرج والتزيّن، والمكياج، وترك تركيب الأظافر، والصبغ، وتركيب الرموش، وترك نفخ الشفاه، وارتداء الثياب الفضفاضة غير المجسمة، والتزامها بالحجاب الباطني السلوكي الخالي من الميوعة والنظرات المحرمة والملامسة، والمفاكهة، والمحادثة مع الرجال الأجانب… إلخ فهذا العفاف سوف يزيد على جمالها الظاهري الجمال الباطني -وهو الأصل-.
3. إنّ إيتاء الزكاة للأمن من السلب، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «وما أديت زكاته فهو مأمون السلب».[24]
فعندما نأتي إلى الأموال فالشريعة تخبرنا بأنها تُحفظ بالزكاة وتضيع بترك الزكاة، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «ما ضاع مال في بر ولا بحر إلا بتضييع الزكاة، فحصنوا أموالكم بالزكاة».[25]
وهذا الأمر ينطبق على من لم تزكِ جمالها بالعفاف فسوف تفقد جمالها لكون الجمال الحقيقي مرهون بالجمال الباطني والذي من أبرز مصاديقه العفاف.
فكثيراً ما نرى نساءً يملكن جمالاً ظاهرياً من وجه حسن، وقوام جميل، ولكن لكونهن غير عفيفات، وبتعبير أمير المؤمنين عليه السلام: «نسوة كاشفات عاريات، متبرجات من الدين، داخلات في الفتن، مائلات إلى الشهوات، مسرعات إلى اللذات، مستحلات للمحرمات، في جهنم خالدا»[26]فتلك النسوة لا يتشرف الرجل الغيور العاقل بالتواصل معها ولا يفكر في الزواج منها؛ لأنه لا يراها جميلة رغم حسن مظهرها؛ لأنها غير عفيفة.
ولذا نجد حالات عديدة لرجال انخدعوا بجمال المرأة الظاهري المتبرجة المتزينة ولكن بعد أن عاشر -الرجل منهم-زوجته واكتشف سوء خلقها، وعدم ورعها، ندم؛ لأنه تسرع ولم يعمل بوصايا محمد وآل محمد في اختيار ذات الدين التي هي صاحبة الجمال الحقيقي. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «من تزوج امرأة لا يتزوجها إلا لجمالها لم ير فيها ما يحب».[27]
بمعنى أن أغلب الرجال ينخدعون بالجمال الظاهري اعتقاداً منهم أنها -أيضاً-جميلة في الباطن بسلوكها وأخلاقها، ولكن هناك فرق شاسع ما بين الجمال الظاهري والباطني والذي سنوضحه في المبحث الآتي:
المبحث الثاني: أقسام الجمال في الإسلام
إن أغلب الناس يعتقدون أن الجمال يتجسد بالجمال الظاهري الحسي فقط، في حين أن الجمال على قسمين: جمال ظاهري، وجمال باطني، وللتوضيح لنقف على هذين القسمين:
1. الجمال الظاهر: وهو الجمال المرتبط بعالم الأبدان، وهذا النوع هو أكثر ما يركز عليه الناس، فهو الجمال الحسي، المتعلق بالبدن والثوب والرائحة، قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام: «حُسْنُ الصُّورَةِ جَمَالٌ ظَاهِرٌ».[28]
إن هذا الجمال الظاهري الحسي -الذي تدركه الحواس- إما أن يكون طبيعياً بالخلقة التي جعلها الله تعالى للإنسان، وأما أن يكون الجمال مصطنعاً، أعني ما يدخله الإنسان على شكله الجميل من مُحسّنات تزيده جمالاً وذلك باستخدام أدوات تختلف من عصر إلى آخر، ومن بنية إلى أخرى، لكنها تهدف في النهاية إلى زيادة التجميل، وهذا النوع من الجمال لم ترفضه الشريعة الإسلامية، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.[29]
والأحاديث والروايات التي تتناول تفاصيل مظاهر الأناقة والزينة والجمال عديدة منها ما يتعلق بالثوب واللباس: يُروى أن الإمام الحسن بن علي عليه السلام إذا قام إلى الصلاة لبس أحسن ثيابه، فقيل له: «يا ابن رسول الله، لِمَ تلبس أجود ثيابك؟ فقال: إن الله جميل يحب الجمال فأتجمل لربي».[30]
ومما يزيد الجمال الظاهري تعديل الشعر، والتعطّر، وتقليم الأظافر، والتختم، والصبغ بالحناء والتكحل وتدهين الرأس، وهناك نصوص عديدة تحث على التنظيف والغسل، منها ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «اغسلوا ثيابكم، وخذوا من شعوركم، واستاكوا وتزينوا، وتنظفوا».[31]
والشريعة الإسلامية لمّا حثتنا على التجمّل الظاهري جعلت له شروطاً وقيوداً وهو أن لا يؤدي التجمّل إلى إثارة الغريزة الجنسية، والشهوة، والوقوع في الفتنة والحرام، وبما أن المرأة تمثّل عنصر الجذب والإغراء[32] لذا حرّم الإسلام على المرأة أن تكشف -أمام الرجال الأجانب-شعرها أو أن ترتدي الثياب الضيقة غير الساترة، وحرّم عليها أن تتبرج وتتزين بالمكياج، أو تركّب الرموش والأظافر، أو تنفخ الشفاه، أو ترتدي الأكسسوارات وغيرها.
(فالمتعة الجنسيّة يلزم حصرها في محيط المنزل وبالزوجة الشرعيّة، وأنْ يُترك المحيط الاجتماعيّ محيط عمل وإنتاج، ومن هنا لا يُسمح للمرأة حين خروجها من الدار أنْ تُهيّئ موجبات الإثارة الجنسيّة للرجال، كما لا يُسمح للرجل أنْ يتصيّد بنظراته النساء. إنّ هذا اللون من الحجاب لا يُعطِّل طاقات المرأة كما أنّه يؤدّي إلى تدعيم قُدراتها على العمل الاجتماعيّ أيضاً).[33]
2. الجمال الباطن: رغم اهتمام الإسلام بجمال الجسد والثياب، إلاّ أنّه دعا إلى إعطاء الأولويّة لجمال الداخل والباطن، معتبراً أنّ التقوى هي أجمل لباس، قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾.[34]
والجمال الباطن هو الجمال المتمثل بالتقوى، والطاعة، والعقل، والمعرفة، والفكر، وما يصدر منها من أفعال، كأقوال وأعمال وسلوك وأخلاق وآداب، ولقد وردت نصوص عديدة تثبت ذلك، نذكر منها ما يلي:
قال الإمام علي عليه السلام: «لا جمال أحسن من العقل».[35]
قال الإمام علي عليه السلام: «جمال العبد الطاعة».[36]
قال الإمام علي عليه السلام «جمال المؤمن ورعه».[37]
قال الإمام علي عليه السلام: «جمال العبد الطاعة».[38]
قال الإمام علي عليه السلام: «جمال الرجل حلمه».[39]
قال الإمام علي عليه السلام: «جمال العيش القناعة».[40]
إن جمال الباطن هو الجمال الحقيقي، ولا يقاس به جمال الوجه، ولون البشرة، ونعومة الشعر وما شابه ذلك؛ وذلك لأمور:
أولاً: أنه جمال ثابت: فما يعطى للعبد من الجمال الروحي والنور، للأعمال الصالحة كإقامته لصلاة الليل، يبقى معه في الدنيا، وعند الاحتضار، وفي البرزخ، وفي القيامة.. روي أنه سُئل الإمام زين العابدين عليه السلام: «ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجها؟.. فقال: لأنهم خلوا بربهم فكساهم الله من نوره»[41].[42]
بينما الجمال الظاهر على فرض أنه جمال حقيقي غير مزيف… فهو زائل ويبدأ بالذبول شيئاً فشيئاً فتظهر التجاعيد وتضعف عظام الجسم، والبصر، وكل الأجهزة وينحني الظهر… وأما إذا كان الجمال مزيّف ومصنّع بجعل تصليحات وتعديلات بالمكياج والزينة والتبرج فهو زائل بزوالها… ولكن آثارها الوخيمة سترافقه في الآخرة، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «دخلت أنا وفاطمة على رسول الله صلى الله عليه وآله فوجدته يبكي بكاءً شديداً، فقلت: فداك أبي وأمي يا رسول الله ما الذي أبكاك؟ فقال: يا علي ليلة أسرى بي إلى السماء رأيت نساء من نساء أمتي في عذاب شديد، فأنكرت شأنهن فبكيت لِما رأيت من شدة عذابهن، ورأيت امرأة معلقة بشعرها يغلي دماغ رأسها،… وقال أيضاً: ورأيت امرأة تأكل لحم جسدها والنار توقد من تحتها، إلى أن تقول الرواية: فقالت فاطمة عليها السلام : حبيبي وقرة عيني أخبرني ما كان عملهن وسيرتهن حتى وضع الله عليهن هذا العذاب؟
فقال: يا بنيتي أما المعلقة بشعرها فإنها كانت لا تغطي شعرها من الرجال، وأما التي كانت تأكل لحم جسدها فإنها كانت تزين بدنها للناس».[43]
ويفترض بالعاقلة أن تفكر، وتتعظ بمن سبقنها من النسوة اللاتي قد فُقن عليها في الجمال، والمال، والجاه، والسلطان… ولكن أين مصير ذلك الجمال، وصدق الإمام الهادي عليه السلام حينما قال:
| أين الوجوه التـي كانت منعّمة | من دونها تُضرب الأستار والكلل | |
| فأفصح القبر عنهـم حين ساءلهم | تلك الوجوه عليها الــدود يقـتـتل |
ثانياً: أنه جمال لا يُمّل منه: بخلاف الجمال الظاهري الذي مع مرور الأيام والتكرار، يصبح مملولاً منه، فكل نعيم دون الجنة مملول منه.
ثالثاً: أنه جمال كسبي: إن الجمال الظاهري، جمال يُرسم في عالم الأجنة والأرحام، فمن وُلدَ قبيحاً لا يصبح فيما بعد جميلاً… ولكن الجمال المعنوي، أعمق وأدوم، واختياري، وهو الصفة الجاذبة.. فقد يكون الإنسان من أقبح الناس روحاً، ولكنه في ليلة من الليالي، يصبح من أجمل الناس روحاً.. وأقرب مثال على ذلك: هو الحر بن يزيد، الذي كسب النعيم والخلود الأبدي، بما اكتسبه من جمال روحي في تلك اللحظات.
إن الإنسان من الممكن في لحظات أن ينزع منه رب العالمين بشرته الروحية القاتمة القبيحة، ويستبدلها ببشرة من أجمل أنواع الجمال البشري الروحي، المرتبط بالجمال الإلهي.[44]
السؤال المطروح هو: ماذا يترتب على عدم تزكية الجمال بالعفاف؟
يترتب عليه آثار وخيمة عديدة، ذكرنا بعضها في فلسفة الزكاة، وسنقف أيضاً على أثر آخر انتشر بين النسوة في الآونة الأخيرة وهو (هوس التجميل).
المبحث الثالث: هوس التجميل
هوس التجميل ظاهرة تفشت في مختلف المجتمعات، أدت إلى إقبال كبير على التزيّن وتعمّد إظهار المرأة لمفاتنها ومحاسنها أمام الرجال الأجانب، بارتداء الثياب الضيقة المثيرة وتركيب الأظافر، والرموش، ونفخ الشفاه، والخدّين، وغيرها.
وقبل عشرات السنوات كانت (عمليات التجميل تقتصر على علاج التشوهات الخلقية أو التشوهات الناتجة عن الحوادث، ولكن في السنوات الأخيرة تعدَّى ذلك إلى إجراء عمليات جراحية؛ لإبراز مفاتن المرأة كتكبير الصدر والمؤخرة، وشفط الدهون، ونحت الخصر، وأصبح الجمال في كثير من الأحيان موضة، وأصبحنا نسمع كثيراً عن موضة الشفاه الممتلئة، والعيون المرفوعة، والذقن المنحوتة، والأنف المرفوع وغيرها، ولأنَّ الأمر موضة فهو قابل للتغير والتبديل؛ أي أصبح تغيير الشكل أمراً ضرورياً لمواكبة الموضة، كما انتشرت أيضاً ظاهرة تقليد الفنانين والفنانات، وتغيير ملامح الشخص ليصبح نسخة عن أحد الفنانين المحبوبين لديه).[45]
لقد رصد تقرير دولي عدد عمليات التجميل التي أُجريت في جميع أنحاء العالم، إذ بلغ نحو 11.36 مليون وست وثلاثون ألف عملية خلال عام 2019، وارتفعت إلى 30 مليون عملية جراحية وغير جراحية في 2021 وهذا الرقم في تزايد مستمر.
وصارت المرأة تدفع آلاف الدولارات؛ من أجل أن تكون جميلة ويشار إليها بالبنان، وتتمنى أن تبقى شابة، ولا تشيخ ولكن مهما صرفت على وجهها وجسدها فسُنّة الحياة بأن هذا الجسد فيه مراحل ويفنى… نعم إن الإنسان يتمنى أن لا يفنى ولا يشيخ؛ لأنه مفطور على حب الخلود، ولكن لا تنسوا أن الخلود هو للروح وليس للجسد؛ لأنه ذاهب لا محاله للتراب وسوف يتفسخ ويصير تراباً، ولذا من باب أولى أن نهتم بالخالد وليس الفاني.
رُبّ تساؤل يَرِد: متى يصبح التجميل هوساً؟
الجواب: إنَّ معظم الناس يحبون الحصول على مظهر مثالي وشكل جميل، ولكنَّ بعضهم لا يعطي ذلك أهمية كبيرة، ولا يضعه ضمن أولوياته، في حين أن بعض النساء (لا يرغبن في مغادرة منازلهن دون مكياج، ودون تركيب أدوات الزينة بسبب عدم تقبُّلها لشكلها، أو عدم الرضى عن أجزاء محددة من جسمها، وتُظهِر الأبحاث المختصة بعلم النفس أنَّ لوضع النساء لأدوات التجميل سببين رئيسين:
1. التمويه: تميل النساء اللواتي يشعرن بالقلق، وعدم الثقة في مظهرهن إلى استخدام المكياج وأدوات الزينة ليبدين أكثر جمالاً وأكثر لفتاً للنظر.
2. الإغراء: تميل النساء اللواتي يرغبن في أن يكن أكثر جاذبية على نحو ملحوظ إلى استخدام المكياج والتزيّن ليكنَّ أكثر ثقةً واجتماعيةً وحضوراً.
هذا النوع من النساء يعتقدن أنَّهن إذا أظهرن وجههن الطبيعي دون مكياج فلن يتمكنَّ من تحقيق أيٍّ من هذين الأمرين، وسيُعامَلْن معاملة مختلفة[46] إلى أن يتحول هذا السلوك عند بعضهن إلى ما يشبه الإدمان، وتصبح الحاجة إلى التجميل وإجراء عمليات التجميل حاجة دائمةً؛ فهن يشعرن طوال الوقت بأنَّ أشكالهن تحتاج إلى تعديل وتحسين، وبدلاً من أن توصلهن العمليات إلى حالة من الرضى وتقبُّل للشكل يزداد توترهن وقلقهن، ويطمحن دائماً للوصول إلى المثالية الموجودة فقط في خيالهن، وهنا يمكننا القول إنَّهن وصلن إلى حالة من هوس التجميل.
إذاً يبدأ هذا الإدمان بسبب فقدان الشعور بالثقة والمنظور غير الصحيح عن مفهوم الجمال، ويرتبط هوس إجراء عمليات التجميل حسب علم النفس باضطراب تشوُّه الجسد، وهو اضطراب يُسبب إحساساً داخلياً للشخص بأنَّه قبيح وغير جميل، فيصبح عاجزاً عن رؤية أي شيء إلا عيوبه، حتى إنَّه في بعض الأحيان يتخيَّل عيوباً لا وجود لها، وهذا ما يدفعه لإجراء عمليات التجميل، لإصلاح وترميم ما يراه من عيوب.
والمشكلة الكبرى أنَّ العمليات لا تحل المشكلة، بل تزيد الوضع سوءاً؛ وذلك لأنَّه كلما أجرى عملية رغب في المزيد.[47]
بالإضافة إلى (الشعور بالألم المُصاحب لعمليّات الحقن، أو الذي يتبع الجراحة والذي قد يستمر لعدة أسابيع، وقد تأتي النتائج محبطة ومخيّبة للتوقعات ولا تلبي تصور المريض، بالإضافة لظهور بعض الندبات أو عدم اختفاء آثار الجراحة تماماً، كما قد يتفاقم الأمر فتُسبّب الجراحة بعض التشوهات المؤقتة أو الدائمة.
وبعض العمليّات التجميلية مثل حقن البوتوكس والفيلر وغيرها، تحتاج لتكرارها مرة أخرى على مدة للحصول على النتائج المرجوة، وأشارت الدراسات الحديثة أن بعض الأشخاص قد عانوا من نوبات من الاكتئاب والغضب بعد إجرائهم عمليات التجميل، الأمر الذي يحتاج لاستشارة نفسية).[48]
المبحث الرابع: أحكام الجمال المُصَنّع
إن هوس التجميل لا يقتصر على هوس إجراء العمليات الجراحية، بل هو يشمل كل ما يتعلق بالتجميل كهوس المكياج والتزّين وغيرها… وقد يعتقد بعضهم بأن كل امرأة تحب وتحرص على التجمّل فهي مصابه بهوس التجميل!!
كلا، فهناك تجمّل مصنّع ممدوح لا يُعد مرضاً حثت عليه الشريعة كتجمّل الزوجة لزوجها، روي عن الرسول صلى الله عليه وآله أنّه قال عن حقّ الزوج على المرأة: «.. وعليها أن تطيّب بأطيب طيبها، وتلبس أحسن ثيابها، وتزيّن بأحسن زينتها، وتعرض نفسها عليه غدوة وعشيّة.. ».[49]
وفي قِبال ذلك هناك تجمّل مُصنّع مذموم حرّمته الشريعة فيما لو كشفته المرأة أمام الرجال الأجانب، قال تعالى:﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ.. ﴾.[50]
ومصاديق الجمال المُصنّع عديدة، وهي كالآتي:
1. الأكسسوارات كالقلادة، والخلاخل، والخزامة التي توضع في الأنف، أو الثياب المزيّنة، أو غطاء الرأس المزيّن، أو الحقيبة، أو الحذاء وغيرها، ومن الزينة المكياج سواءً أكان خفيفاً أو كثيفاً.
الحكم الشرعي: لا إشكال في استخدامها بحد ذاتها، ولكن يحرم الظهور بها أمام الرجال الأجانب؛ لأنها تعدّ من الزينة عرفاً.
2. هناك بعض العمليات غير الجراحية التي يتم فيها استخدام مواد في الوجه تعطيه شكلاً مزيناً كنفخ الشفه أو تلوينها، أو تركيب الرموش الاصطناعية، أو وضع العدسات اللاصقة، أو عمل الوشم (التاتو) على الحاجبين، أو وضع الحنّاء على اليدين، أو صبغ وتركيب الأظافر.
وهذه تحتاج إلى تفصيلسنجيب عليها وفق فتاوى سماحة السيد السيستاني دام ظله، وهي كالآتي:
⭕ حكم نفخ الشفاه أو تلوينها: ورد إلى مكتب سماحة السيد السيستاني (دام ظله) السؤال الآتي: ما حكم توريد الشفه ونفخها؟
الجواب: إذا عُدّت زينة يجب إخفاؤها عن الرجل الأجنبي.[51]
والعرف الحالي يحكم بأنها زينة.
⭕ حكم ارتداء العدسات: تارة ارتداء العدسات لا يعدّ زينة كما لو كانت عدسات طبية تستعمل لتحسين النظر بدلاً من النظّارات، ولكن إذا عدّت زينة لها لم يجز، كما لو كانت تغيّر لون العين لتبدو أجمل فتلفت النظر.[52]
⭕حكم الوشم (التاتو) على الحاجبين: اذكر إليكم السؤال الوارد إلى مكتب سماحة السيد السيستاني (دام ظله)، وهو كالآتي:
هل يجوز الوشم للنساء إذا كان للزينة وهل يضر بالوضوء؟
الجواب: يجوز ذلك في حدّ نفسه، ولكن لا يجوز إظهاره أمام الأجانب إذا كان من الزينة، وإذا كان الطلاء فوق الجلد وكان حاجباً يمنع من وصول الماء للبشرة في الوضوء فيجب إزالته عند الوضوء، وإن كان يتعذّر ذلك ففي جواز الطلاء به إشكال. (493)
مع الأسف نجد بعض النساء لا تسأل عن الحكم إلا بعد أن تعمل الوشم، وتطلب منها الواشمة أن لا تغسل حاجبيها بالماء لبضعة أيام، فتتذكر أن عليها صلاة ويستلزم منها الوضوء، وتطلب حلاً… والجواب الذي يذكره الفقهاء بأنه إذا كان الطلاء فوق الجلد وكان حاجباً يمنع من وصول الماء للبشرة في الوضوء فيجب إزالته عند الوضوء، وإذا تعذّر إزالته ففي جواز الطلاء به إشكال، أي الأحوط وجوباً ترك الوشم-كما ذكرنا-، فالصلاة لها الأولوية في كل شيء، فهدفنا من الحياة هو عبادة الله عز وجل، لا عبادة الهوى والشهوات.
لذا الأفضل لمن تريد عمل الوشم أن تستثمر أيام حيضها؛ لأنه لا صلاة عليها، ولكن لا تنسوا إذا فعلت ذلك فلا يجوز لها إظهاره أمام الرجال الأجانب، بل يمكنها أن تحجبهما بإنزال حجاب الرأس عليهما أو ترتدي البوشيّة.
وعلى فرض أنها وشمت وتريد أن تتطهر لتصلي، فإذا أرادت غسل الرأس أو الوجه وكان الماء يضر بالجرح المكشوف الناتج من الوشم فالحكم هو ترك غَسل الجرح ولكن تغسل ما حول الجرح، وإذا اتّفق أن الجرح المكشوف يتضرّر بغسل ما حوله فإنّه يتعيّن التيمّم في مثل ذلك.[53] وإذا لا يمكنها إزالته فوجب عليها الجمع بين الوضوء أو الغُسل والتيمّم.[54]
⭕ حكم تركيب الرموش الاصطناعية، وإليكم السؤال التطبيقي الآتي:
السؤال: بعض النساء يضعن رموش تركيب بين الرموش الطبيعية بشكل حبات متفرقة على رموش العين وتكون مركبة على العينين لمدة أسبوع تقريباً. ما حكم وضع الرموش من حيث الوضوء والصلاة؟
الجواب وفق رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله): نعم يضر ذلك بالغسل والوضوء، فلا يجوز ذلك على الأحوط، ما لم يكن هناك عذر شرعي كدفع حرج شديد مثلاً، ولو عدت زينة وجب سترها على الأحوط.[55]
وأيضاً يضر بالغسل والوضوء حتى لو ركبت الرموش على رموش العين، ومعلوم أن تركيب الرموش لمجرد زيادة الجمال لا يُعد عذراً شرعياً، لذا لا يجوز لها تركيبها إلا إذا أخفتها عن الرجال الأجانب وأزالتها عند الوضوء.
⭕ حكم تركيب الأظافر أو صبغها، وإليكم بعض الأسئلة التطبيقية وفق رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله):
السؤال (1): ما حكم لصق الأظافر الصناعية لتطويل الأظافر الطبيعية من ناحية الوضوء؟
الجواب: لا يصح الوضوء معها؛ لأنها تمنع من وصول الماء إلى موضع اللصق.[56]
السؤال (2): هل يمنع صبغ الأظافر من وصول الماء إلى البشرة في الوضوء والغسل؟
الجواب: نعم يمنع وتجب إزالته. [57]
رُبّ تساؤل يرد: ما هي الآثار المترتبة على صبغ أو تركيب الأظافر، أو تركيب الرموش؟
الجواب: إن وضع الصبغ أو تركيب الأظافر الصناعية على أظافر اليد، أو تركيب شعرة على جفن العين ولو بمقدار رأس الإبرة سيترتب عليه آثار وخيمة عديدة نذكر منها ما يلي:
أولاً: إذا تم إظهارها للرجال الأجانب تكون قد ارتكبت معصية؛ لأن إذا سألنا العرف سيعدّها من الزينة.
ثانياً: إذا حجبت -ولو بمقدار رأس الإبرة-عن من وجب عليها غسله، ثم أحدثت-بالحدث الأصغر أو الأكبر-ومن ثم تطهرت فالوضوء والغسل باطل، ومعلوم أن الصبغ والأظافر والرموش تعد مواد حاجبة، ويترتب على ذلك ما يلي:
1. بطلان الصلاة، ويستلزم إعادة التطهير بعد إزالة الحاجب وقضاء الصلاة، ومعلوم أن التاركة للصلاة، أو من صلّت بدون وضوء -لكون الوضوء باطل-فسوف تعاقب، روي عن الصادق عليه السلام: «أنّ رجلاً.. وضع في قبره، فقالوا له: تضرب مائة سوط من عذاب الله قال: لا طاقة لي بها، فخففوا ذلك وخفضوا عدد السياط إلى أن بلغوا سوطاً واحداً، قالوا لا مفرّ منه ولا مهرب من ذلك، فقال: بأيّ سبب أضرب؟ قالوا: لأنك صلّيت يوماً بلا وضوء ومررت بضعيف وما أعنته، ثم ضربوه سوطاً من سياط عذاب الله، فامتلأ قبره بالنار».[58]
2. حرمة لمس آيات القرآن الكريم؛ لأن﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُون ﴾.[59]
3. حرمة دخول المساجد وأضرحة المعصومين عليهم السلام، فيما إذا كانت قبل ذلك محدثة بالحدث الأكبر كالحيض والجنابة والنفاس، واغتسلت رغم وجود الحاجب، فغسلها باطل.
4. بطلان الحج والعمرة؛ بسبب عدم تحصيل الطهارة المشروطة في الطواف وركعتي الطواف.
⭕ أحكام عمليات التجميل: إن الحكم الأولي لإجراء عمليات التجميل هو الجواز، ولكن لو ترتّب على إجرائها الوقوع في الحرام فَتَحْرُم بالعنوان الثانوي، كما لو كان الطبيب الذي يجري العملية رجلاً أجنبياً إذا كان مستلزماً لَّلمس أو النظر المحرمين.
ولكن يستثنى من حرمة إجراء الطبيب الأجنبي العملية للمرأة بعض الحالات، منها حالات الضرورة، ومع الأسف بعض النساء لما تقرأ فتاوى التجميل والاستثناءات تَعِد إجراء عملية تجميلية لها ضرورةً لابد منها؛ لأنها تريد أن تكون أجمل، في حين أنه ليس من موارد الضرورة، بل من موارده فيما لو كانت مشوهة بعوق ولادي، أو أصيبت بحادث عرضها لحالات الحروق، أو الكسور، أو حالات الاصطدام بالسيارات، وتسعى لدفع الألم الشديد او محاولة رفع التشوه.
والاستثناء الآخر هو الوقوع في الحرج الشديد الذي لا يُتحمّل عادة، مثال ذلك: زوجة سمينة لم تتمكن من إنزال وزنها بالطرق الأخرى، وترتب على زيادة وزنها إعراض زوجها عنها وهجرها في الفراش، وصارت الزوجة كالمعلّقة فإذا وقعت بشدة وضيق لا تتحملها، وكان الطبيب الرجل أرفق بعلاجها من المرأة جاز له النظر أو اللمس بالمقدار الذي يتوقف عليه معالجتها.
وإليكم بعض الأسئلة التطبيقية المتعلقة بالمقام:
السؤال (1): ما رأي سماحتكم في إجراء عملية شفط الدهون الزائدة لأنثى على يد جراح رجل؟
الجواب: إذا كان السمن موجباً للوقوع في المرض الشديد، أو الحرج الشديد الذي لا يتحمل عادة، جاز للمرأة أن تراجعه، أما لو كان لمجرد الأناقة والجمال، أو لم تكن في حرج شديد فلا يجوز لها أن تراجع الرجل لإجراء العملية بل تراجع الدكتورة الجرّاحة.[60]
السؤال (2): لقد أجاز سماحة السيد عملية تجميل الأنف مع عدم اللمس والنظر المحرمين، هل يعني أنه لا يمكن للطبيب الرجل إجراؤها، إلا المرأة مع العلم أنه لا يوجد إلا القليل من الطبيبات في هذا المجال وإن وجد فلا يمكن أن يكون الجميع نساء في صالة العمليات فهناك طبيب التخدير والممرض فهل يجوز في هذه الحالة إجراء العملية مع العلم أن العملية في الأنف والطبيب يرتدي القفازات فهل تتفضلون بتوضيح المسألة؟
الجواب: إذا توقف إجراء العملية علي ممارسة الطبيب الرجل ولم ينفك عن لمس أو نظر محرم، لم تجز العملية إلا إذا كان هناك ضرورة إلي العملية لدفع تشويه مثلاً.[61]
المبحث الخامس: علاج هوس التجميل
باختصار ننصح باتباع النقاط الآتية:
1. من ناحية نفسية يقول المتخصصون في علم النفس بأن المرأة التي لديها هوس التجميل يفترض عليها (بدلاً من التوجُّه إلى طبيب التجميل لإجراء عملية، لابدَّ من التوجُّه إلى عيادة الطب النفسي، والخضوع للعلاج المعرفي السلوكي المناسب.
ولكن مع الأسف أغلب أطباء التجميل لا يصارحون المرضى بمرضهم؛ لأن ذلك يتعارض مع مصلحتهم. ويُعتمَد في هذا النوع من العلاج على الكلام مع المريض من خلال جلسات معالجة نفسية عدة، تساعد على تعديل سلوك الفرد وطريقة تفكيره وتصرفاته، كما تساعد على معرفة الأسباب الكامنة وراء هذا الإدمان؛ وهذا يسهِّل العلاج ويجعله أكثر فاعلية، كما أنَّ هذه الجلسات تساعد المريض على مواجهة مشاعر القلق والتوتر، التي تصيبه بسبب شكله إذا ما تعرَّض لموقف ما).[62]
2. من ناحية عقلانية عليها أن تبحث وتقرأ عن الآثار الوخيمة المترتبة على هوس التجميل، وأن تفكر بكرامتها، بأنها ليست أمة وجارية للرجال الأجانب تسعى لتلبية رغبتهم في النظر إلى مفاتنها؛ من أجل أن تستجدي منهم نظرة، أو كلمة غزل.
3. من ناحية إيمانية عليها أن تكون أكثر ثقة بنفسها من خلال الثقة بالله، وأن تثقف نفسها بالثقافة الإسلامية لا الجاهلية التي أمرنا الله بتركها قائلاً:﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾[63]، ولتعلم أن الله الخالق يخبرنا بأن قيمة المرأة ليست بإظهار أنوثتها أمام الرجال الأجانب، بل قيمتها بتقواها وورعها، قال تعالى:﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾[64]فالله لم يقل (أن أكرمكم عند الله أجملكم)، فلذا وجب على المرأة أن تربي نفسها تربية إيمانية فهو الحل الأمثل.
4. أن تقتدي بالنسوة الصالحات العفيفات، وعلى رأسهن سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين فاطمة الزهراء عليها السلام التي صدرت منها مواقف عديدة تدل على عظم عفتها رغم قصر عمرها الشريف، ونستلهم منها دروساً نفتخر بها.
ومن أصعب هذه الموقف هو حادثة الهجوم على دار الزهراء عليها السلام من قِبل الأول والثاني واتباعهم الظالمين، فرغم أنهم علموا أن فاطمة عليها السلام في الدار لكنهم تعمدوا الهجوم بلا استئذان فما كان منها إلا أن لاذت وراء الباب رعاية للستر والحجاب، مع إننا لا نقول إنها كانت من دون خمار-حجاب-بل السيدة الزهراء عليها السلام لم ترضَ أن يرى أحد وجهها وخيالها رغم أنها تعلم أنه سيترتب على الاستتار خلف الباب كسر ضلعها وإسقاط جنينها وضربها، ولكنها تحمّلت كي لا يرى الظالمون وجهها الشريف.
حيث تذكر كتب الحديث والسيرة والتاريخ بأن (عمر أمر بجعل الحطب حوالي البيت وانطلق هو بنار وأخذ يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها. فنادت فاطمة عليها السلام بأعلى صوتها: «يا أبت يا رسول الله! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة «. فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وبقي عمر ومعه قوم، ودعا بالنار وأضرمها في الباب، فأخذت النار في خشب الباب، ودخل الدخان البيت، فدخل قنفذ يده يروم فتح الباب .. فأخذت فاطمة عليها السلام بعضادتي الباب تمنعهم من فتحه، وقالت: «ناشدتكم الله وبأبي رسول الله صلى الله عليه وآله أن تكفوا عنا وتنصرفوا «.
فأخذ عمر السوط من قنفذ وضرب به عضدها، فالتوى السوط على يديها حتى صار كالدملج الأسود. فضرب عمر الباب برجله فكسره، وفاطمة عليها السلام قد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه، فركل الباب برجله وعصرها بين الباب والحائط عصرة شديدة قاسية حتى كادت روحها أن تخرج من شدة العصرة، ونبت المسمار في صدرها ونبع الدم من صدرها وثدييها، فسقطت لوجهها -والنار تسعر -، فصرخت صرخة جعلت أعلى المدينة أسفلها، وصاحت: «يا أبتاه! يا رسول الله! هكذا يصنع بحبيبتك وابنتك.. آه يا فضة! إليك فخذيني فقد والله قتل ما في أحشائي «، ثم استندت إلى الجدار وهي تمخض، وكانت حاملة بالمحسن لستة أشهر فأسقطته، فدخل عمر وصفق على خدها صفقة من ظاهر الخمار، فانقطع قرطها وتناثرت إلى الأرض.[65]
وصدق الشاعر[66]حينما قال:
| قـال سليـمٌ قلتُ يا سلمـانُ | هل دخلــوا ولم يكُ استئـذانُ | |
| فَقَالَ إِي وعِزَةِ الجبـارِ | وما على الزهراءِ من خمــارِ | |
| لـكنها لاذتْ وراءَ البابِ | رعايةً للسترِ والحجــابِ | |
| فمُذ رَأَوها عصروها عصـره | كادت بنفسي أن تموتَ حسـره | |
| نادت أيا فضةُ أسندينـي | فقد وربي أسقَطُــوا جَنِــينِي |
ساعد الله قلب العقيلة حينما رأت أمها بهذا المنظر، وكأن لسان حالها عليها السلام
| الله وياج يامن كون اموت اويــاج | يمه وراح اضل كل عمري مختـنكه | |
| وشتدرين زينب لو حده الجــناز | الحزن يلجم اجروحي ويبكه يستنكه | |
| ارفعي اجفوف اديج ادعيلي اترجـاج | تكبر دمعتي شما تثكل الفـركه | |
| بس غمضتي عينج بده الحيل ايموت | بيـــــه وروحــــي احس ويــــــــــــــــــــــــاج متعلـــــــــــــــــــكه | |
| جرحج بيش اهوده من يجن اليل | اهوده ابيش جرحج لو نزف ملكه | |
| مريني بحلم كل لحضه الج | خبر فكدج ابد يلزهره ما اصدكه | |
| طبع بلتفكد امها اتعيش بس اهموم | تتنفس دمع وبروح محتركه[67] |
[1] الأنوار القدسية ديوان الشيخ محمد حسين الاصفهاني.
[2] مجمع مصائب أهل البيت -الشيخ الهنداوي-ص50-51.
[3] غرر الحكم: 5449.
[4] الشمس/9.
[5] الأعلى/14.
[6] لسان العرب-ابن منظور -ج3 -ص36.
[7] الشيخ حسن الصفار/ saffar.org / خطب الجمعة النصيّة/ زكاة العلم.
[8] كتاب لؤلؤة العفاف -محمود أكبري -ص9.
[9] مستدرك الوسائل-حسين النوري-ج11-ص263.
[10] النور/33.
[11] النور/ 60.
[12] ميزان الحكمة -الريشهري -ج3 -ص2009.
[13] غرر الحكم: 7301.
[14] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٢ – الصفحة ١١٥١.
[15] م.ن.
[16] التوبة/103.
[17] الشيخ حسن الصفار/ saffar.org/ خطب الجمعة النصيّة/ زكاة العلم.
[18] غرر الحكم: 876.
[19] مضمونه مروي عن الإمام الصادق ع. المصدر: بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٦٧ – ص٢٥.
[20] جامع أحاديث الشيعة -السيد البروجردي – ج ٢٠ – ص ٢٧٩.
[21] مستدرك الوسائل -المحدّث النوري -ج7 -188.
[22] البحار-المجلسي-ج ٩٦ -ص ١٤ / ٢٧ .
[23] الشيخ حسن الصفار/ saffar.org / خطب الجمعة النصيّة/ زكاة العلم.
[24] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٢ – ص ١١٥١.
[25] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٢ – ص ١١٤٨.
[26] من لا يحضره الفقيه -الشيخ الصدوق – ج ٣ – ص ٣٩٠.
[27] وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي – ج ٢٠ – ص٥٠.
[28] نزهة الناظر وتنبيه الخاطر-حسين الحلوان-ص145.
[29] الأعراف/32.
[30] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٨٠ – ص ١٧٥.
[31] الجامع الصغير -جلال الدين السيوطي – ج ١ – ص١٨٤.
[32] ننصح بمراجعة المحاضرة المعنونة (أهداف الحجاب) في كتاب (زاد المبلغات) -مياسة شبع -ج1-ص78.
[33] الحجاب -مركز المعارف للتأليف والتحقيق – ص 54.
[34] الأعراف/26.
[35] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ – ص ٤١٦.
[36] غرر الحكم: 4748.
[37] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ – ص ٤١٦.
[38] م.ن.
[39] م.ن.
[40] م.ن.
[41] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٨٤ – ص١٥٩.
[42] موقع السراج/ alseraj.net /المحاضرات/ الجميلة والمليحة -للشيخ حبيب الكاظمي.
[43] بحار الأنوار-المجلسي -ج ١٠٠ -ص ٢٤٥.
[44] موقع السراج/ alseraj.net /المحاضرات/ الجميلة والمليحة -للشيخ حبيب الكاظمي.
[45] النجاح/ annajah.net / أسلوب حياة/الجمال والعناية الشخصية/هوس عمليات التجميل.
[46] النجاح/ annajah.net / اسلوب حياة/الجمال والعناية الشخصية/العناية بالبشرة -لماذا تضع النساء المكياج؟ رأي العلم في هوس المكياج-بتصرف.
[47] النجاح/ annajah.net/ أسلوب حياة/الجمال والعناية الشخصية/هوس عمليات التجميل-بتصرف.
[48] تجميلي/ tajmeeli.com /ما هي أضرار ومخاطر عمليات التجميل وكيف تتجنبها؟ – بقلم Dr. Ghofran Habeeb.
[49] الكافي -الشيخ الكليني – ج ٥ – ص ٥٠٨.
[50] النور/31.
[51] المجيب/ almojib.com /جامعة النجف الحوزوية الإلكترونية النسوية حسب رأي السيد السيستاني -ما حكم توريد الشفه ونفخها.
[52] موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/ الاستفتاءات/ العدسات اللاصقة.
[53] موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/الاستفتاءات/ الوشم-سؤال رقم (8).
[54] م.ن.
[55] موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/الاستفتاءات/ الصلاة/ مكياج المرأة-سؤال رقم (13).
[56] موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/الاستفتاءات/ الصلاة/ مكياج المرأة -سؤال رقم (9).
[57] موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/الاستفتاءات/ الصلاة/مكياج المرأة -سؤال رقم (12).
[58] من لا يحضره الفقيه -الشيخ الصدوق – ج ١ – ص58.
[59] الواقعة/79.
[60] موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/الاستفتاءات/ عمليات التجميل -سؤال رقم (5).
[61] م. ن-سؤال رقم (5).
[62] النجاح/ annajah.net/ أسلوب حياة/الجمال والعناية الشخصية/هوس عمليات التجميل-بتصرف.
[63] الأحزاب/33.
[64] الحجرات/13.
[65][65] الهجوم على بيت فاطمة-عبد الزهراء مهدي – ص124.
[66] القصيدة للشاعر السيد محمد بن السيد مهدي القزويني.
[67] للشاعر عبد الله مراد الكربلائي.
