أَرْبَعٌ مُهْلِكَاتٍ.. كَيْفَ نَتَجَنَّبُهَا؟

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

عنوان المُحاضَرَةُ: أَرْبَعٌ مُهْلِكَاتٍ.. كَيْفَ نَتَجَنَّبُهَا؟

تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع

روي عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: “مَنِ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ فَهُوَ خَلِيقٌ بِأَنْ لاَ يَنْزِلَ بِهِ مَكْرُوهٌ أَبَداً، قِيلَ: وَمَا هُنَّ؟، قَالَ: اَلْعَجَلَةُ وَاَللَّجَاجَةُ وَاَلْعُجْبُ وَاَلتَّوَانِي”.[1]

من المعلوم، إن الحياة مليئة بالتحديات والمصاعب، وكثيرًا ما نجد أنفسنا أمام مشكلات معقدة، سواء على المستوى الشخصي، أو الاجتماعي، أو حتى في أمور العمل والعلاقات. ولكن هل تساءلنا يومًا: ما السبب الحقيقي وراء الكثير من هذه الأزمات؟ لماذا نجد أنفسنا مرارًا وتكرارًا نقع في الأخطاء ذاتها، ونعاني من العواقب ذاتها؟ 

لقد لخص لنا الإمام عليّ عليه السلام في هذا الحديث الشريف أربعة عوامل رئيسية تؤدي إلى الهلاك، وتجلب المكروه للإنسان، وهي: (العجلة، واللجاجة، والعجب، والتواني). وكأن أمير المؤمنين عليه السلام يضع أمامنا خريطة واضحة، يُخبرنا فيها أن هذه الصفات ليست مجرد عيوب أخلاقية، بل هي أسباب مباشرة لكثير من المآسي التي تحلّ بالإنسان. 

فكم من قرارات متسرعة أوقعت أصحابها في الندم؟

وكم من عناد أضاع فرصًا عظيمة وأفسد العلاقات؟

وكم من غطرسة وغرور كانت سببًا في خسارة الهيبة والاحترام؟ 

وكم من تأجيل وتسويف أدى إلى ضياع الأحلام وفوات الفرص؟

إن هذه المهلكات ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل هي حقائق ملموسة، نراها يوميًا في حياتنا. نجدها في قصص الفاشلين، وفي صفحات التاريخ، بل وربما نجدها في أنفسنا إذا تأملنا بصدق. لذا، فإن إدراك خطورة هذه الصفات هو الخطوة الأولى نحو إصلاح الذات، وبناء مجتمع أكثر وعيًا وحكمة. 

في هذه المحاضرة، سنتناول هذه المهلكات الأربع بعمق، وسنسلط الضوء على تأثيرها المدمر، وكيف يمكننا تجاوزها وتحقيق التوازن الذي أوصانا به الإمام علي عليه السلام. فتعالوا معنا لنبحر في هذه الحكمة النورانية، لعلنا ننجو من المهالك، ونعيش حياة بعيدة عن المكروه.

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: العَجَلَةُ

المهلكة الأولى التي حذّر منها الإمام عليّ عليه السلام في الحديث قيد البحث هي “العجلة”، وهي نوعان: عجلة مذمومة وعجلة ممدوحة، وسوف نتناول كلّ نوع منهما في المطلبين الآتيين:

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: العَجَلَةُ المَذْمُومَةُ

العجلة المذمومة هي التسرع في اتخاذ القرارات أو القيام بالأعمال دون تفكير كافٍ أو تأمل في العواقب. وهي ناتجة عن ضعف النفس وصغرها[2]، مما يجعل الإنسان مندفعًا نحو الفعل دون روية، من أمثلة ذلك:

# العجلة في الحكم على الناس: شخص يغضب من زميله بسبب سوء فهم بسيط، فيقرر قطع العلاقة فورًا، ثم يكتشف لاحقًا أنه أساء التقدير وخسر صديقًا مخلصًا.

# العجلة في اتخاذ القرارات المالية: شخص يسمع عن فرصة استثمارية فيسارع بوضع ماله دون دراسة، فيخسر كل شيء.

# العجلة في الكلام: شخص يتحدث دون تفكير، ثم يندم على ما قاله لأنه جرح مشاعر الآخرين.

# العجلة في قرار الطلاق: زوجان يمران بخلاف حاد، فيقرر أحدهما الطلاق فورًا بدافع الغضب، دون محاولة التفاهم أو الإصلاح، ليكتشف لاحقًا أن القرار كان متسرعًا، وأن الأطفال أصبحوا مشتتين بينهما، يعانون من غياب الاستقرار الأسري.

# العجلة في الشراء بسبب العروض الزائفة: شخص يرى إعلانًا عن تخفيضات كبيرة في متجر، فيسارع بالشراء دون مقارنة الأسعار أو التفكير في حاجته للمنتج، ليجد لاحقًا أنه اشترى شيئًا بسعر أعلى مما يستحق.

# ترك العمل بسبب موقف عابر: موظف يشعر بالظلم في يوم سيئ من مديره، فيقدم استقالته فورًا، ثم يدرك لاحقًا أنه فقد فرصة جيدة بسبب لحظة انفعال.

الفَرْعُ الأَوَّلُ: العَجَلَةُ فِي المَنْظُورِ الإِسْلَامِيِّ

رب تساؤل يرد: ما هي وجهة نظر الإسلام تجاه العجلة؟

الجواب: لقد حذر الإسلام من العجلة بشدة، بنصوص شرعية عديدة، نذكر منها ما ورد ذكره في النصوص القرآنية:

1.قوله تعالى: [وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ].[3]

2.قوله تعالى: [أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ].[4]

3.قوله تعالى:﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾.[5]

وأما ما ورد ذكره في النصوص الروائية فهي عديدة، نذكر منها الآتي:

1.روي عن الإمام علي عليه السلام: “العَجَلُ يُوجِبُ العِثَارَ”[6]، أي يوجب التعثر والسقوط. مثال ذلك: شخص يتسرع في عبور الشارع دون النظر، فيتعرض لحادث.

2.روي عنه عليه السلام: “مَعَ العَجَلِ يَكثُرُ الزَّلَلُ”.[7]

أي مع العجل يكثر السقوط في الخطأ والهفوات. مثال ذلك: طالب يجيب على أسئلة الامتحان بسرعة دون قراءة جيدة، فيرتكب أخطاءً فادحة.

3. روي عنه عليه السلام -في وصيته لابنه الحسن عليه السلام لما حضره الموت -: “أنهاك عن التسرع بالقول والفعل”.[8]

مثال عن التسرع بالقول: شخص يغضب فينطق بكلمات جارحة ثم يندم عليها لاحقًا.

مثال عن التسرع بالفعل: قائد يتخذ قرارًا عسكريًا دون تخطيط، مما يؤدي إلى خسائر فادحة.

إنّ سبب ذم العجلة بشدة هو أن الأعمال تحتاج إلى وعي وبصيرة، وهما لا يتحققان إلا بالتأمل والتروي، بينما تمنعهما العجلة، مما يترتب عليها مخاطر سنطرحها في الفرع الآتي:

الفَرْعُ الثّانِي: مَسَاوِئُ العَجَلَةِ

ونذكر منها الآتي:

1.الندم والخسارة: أي قرار متسرع غالبًا ما يؤدي إلى الندم. روي عن الإمام علي عليه السلام: “العَجَلُ قَبلَ الإمكانِ يوجِبُ الغُصَّةَ”.[9]

أي أنّ التسرع في القيام بشيء. (قَبلَ الإمكانِ) أي قبل أن تتوفر الظروف المناسبة أو الشروط اللازمة لفعل شيء ما. (يُوجِبُ الغُصَّةَ) أي يؤدي إلى الندم، الألم، أو الفشل، كما أن الغصة في الحلق تُشعر الإنسان بالضيق. من أمثلة ذلك:

2.ضعف المكانة والاحترام: الإنسان العجول يُنظر إليه على أنه غير ناضج أو غير حكيم.

3.فقدان الفرص الحقيقية: العجلة قد تجعل الإنسان يتجاهل خيارات أفضل كانت تحتاج لبعض الصبر والتفكير.

4.الوقوع في فخ الشيطان: الشيطان يدفع الإنسان إلى التسرع ليوقعه في الأخطاء ويبعده عن التفكير السليم، وهذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله بقوله: “العجلة من الشيطان.”[10]

الفَرْعُ الثّالِثُ: أَسْبَابُ العَجَلَةِ

ونذكر منها الأسباب الآتية:

1.ضعف النفس وقلة الصبر: المتعجّل يفتقر إلى الصبر والتروي، فيتصرف بردود فعل سريعة دون تفكير. مثال: امرأة لم تتحمل مشكلات أهلها، فتسرعت في الزواج بأول من تقدم لها دون التأكد من أهليته، فواجهت مشكلات زوجية كبيرة، بينما كان الصبر والتأني سيمنحانها شريكًا أكثر توافقًا.

2.عدم القدرة على التحكم في المشاعر والانفعالات: الشخص الذي لا يستطيع ضبط مشاعره يكون أكثر عرضة للعجلة، لأن قراراته غالبًا ما تكون ناتجة عن انفعالات لحظية مثل: الغضب، أو الحماس الزائد، دون تفكير منطقي في العواقب.

3.الخوف من ضياع الفرص: يعتقد بعضهم أن السرعة ضرورية لاغتنام الفرص، فيقعون في أخطاء جسيمة. مثال: رجل تسرّع في منح ثقته لشخص آخر، فاستثمر كل أمواله في مشروع خاسر وفقدها.

4.التأثر بالآخرين: قد يندفع الإنسان لمجاراة من حوله، حتى لو كان ذلك خطأ. مثال: امرأة أجرت عملية تجميل متسرعة بسبب تأثرها بترويج على مواقع التواصل، فصدّقت المديح في التعليقات، لكن العملية فشلت وأدت إلى تشوه وجهها.

5.التسرع في طلب النتائج:  بعضهم يسعى للنجاح بسرعة، فيتخذ قرارات متسرعة تنتهي بالفشل، كمن تزوجت رجلًا غنيًا طمعًا في ماله، ثم اكتشفت فساده، فاضطرت لطلب الطلاق والتنازل عن مهرها.

6.الجهل بالعواقب: الشخص المتسرّع لا يُدرك أن العجلة قد تفضي إلى ندم دائم، فيتّخذ قرارات دون تفكير في نتائجها. ومثال ذلك: فتاة تندفع للتواصل مع رجل أجنبي دون وعي بعواقب الأمر، فيستغلّها لاحقًا بتهديدها، إما بابتزازها ماليًّا أو بنشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي.

الفَرْعُ الرّابِعُ: عِلَاجُ العَجَلَةِ المَذْمُومَةِ

السؤال الذي ينبغي علينا طرحه هو: كيف نتجنب العجلة؟

 الجواب: باتباع الخطوات الآتية:

1. التأني والتثبت في اتخاذ القرارات: إِنَّ «التأني» و«التثبت» هما الصفات المضادة للعجلة، ويقصد بهما التروي والتفكير العميق قبل اتخاذ القرار، والتأكد من صحة المعلومات قبل التصرف، لتجنب الوقوع في الأخطاء والندم[11].

فقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِنَّ الأناة مِن اللّه والعجلة مِن الشيطان»[12]، وروي عنه أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنّما أهلك الناس العجلة، ولو أنَّ الناس تثبتوا لم يهلك أحد».[13]

🔹 كيفية التطبيق:

# التفكير قبل الفعل: لا ينبغي القيام بأي عمل إلا بعد التفكير في نتائجه المحتملة، وتقييم العواقب الإيجابية والسلبية.

# التحقق من المعلومات: قبل إصدار الأحكام أو اتخاذ القرارات، يجب التأكد من صحة الأخبار والمعلومات.

🔹 أمثلة تطبيقية:
✅ في الزواج: قبل الزواج، التأني يكون في التفكير العميق دون استعجال، والتثبت يكون في التحقق من أخلاق الطرف الآخر ودينه من مصادر موثوقة.
✅ في اتخاذ القرارات المالية: شخص يقرر شراء سيارة فور رؤيتها، لكنه يتمهل ويطرح أسئلة مثل: “هل هذا القرار صحيح؟ هل لدي معلومات كافية؟ هل تناسب احتياجاتي؟”
✅ في العلاقات الاجتماعية: شخص يسمع خبرًا مزعجًا عن صديقه، فيقرر ألا يرد بغضب أو يتخذ موقفًا حتى يتأكد من صحة الخبر.

2.تقوية الصبر والتدرب عليه: إنّ الصبر هو مفتاح التروي، لأنه يساعد الإنسان على التحكم في انفعالاته وعدم التسرع في اتخاذ قرارات قد يندم عليها لاحقًا، قال الله تعالى:﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.[14]

🔹 كيفية التطبيق:

# عند الشعور بالغضب أو الرغبة في اتخاذ قرار متسرع، يجب التوقف للحظة وإعطاء النفس وقتًا للهدوء.

# الانشغال بشيء مفيد مثل العمل أو الذكر، أو ممارسة نشاط يساعد على تهدئة النفس.

# التروي في الردود الشفهية أو الكتابية حتى لا تُقال كلمات يندم عليها لاحقًا.

مثال تطبيقي: شخص يشعر بالغضب من رسالة مستفزة، بدلاً من الرد فورًا، يقوم بتأجيل الرد حتى يهدأ، ثم يعيد النظر في طريقة تعامله مع الموقف بحكمة.

3. التخطيط المسبق: التخطيط المسبق يمنع الفشل في الأمور الكبيرة والقرارات بعيدة المدى. ينبغي وضع خطة واضحة قبل الإقدام على أي خطوة مهمة، وتجنب الارتجال الناتج عن العجلة.

مثال: قرر أحد المستثمرين إطلاق مشروع جديد وكان متحمسًا للبدء بسرعة وتحقيق الأرباح. بدلاً من التخطيط المسبق لاختيار فريق العمل بعناية، استعجل في توظيف أشخاص دون التحقق من نزاهتهم وكفاءتهم، ولم يُجرِ بحثًا كافيًا عن خلفياتهم المهنية، ووقع عقودًا طويلة الأمد معهم دون وضع شروط قانونية لحماية حقوقه. هذا الاندفاع أدى إلى وقوعه في مشاكل كبيرة.

4. الاستشارة وطلب الرأي: عند مواجهة قرار مهم، يُنصح باستشارة ذوي الخبرة، وعلماء الدين الحكماء، وأصحاب التجارب، قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ[15]. وروي عن الإمام علي عليه السلام: “خير من شاورت، ذووا النهى والعلم وأولو التجارب والحزم”.[16]

5. الاستفادة من تجارب الآخرين: التعلم من أخطاء من استعجلوا وندموا يمكن أن يكون درسًا قيمًا. ويمكن قراءة قصص الشخصيات التي فشلت بسبب العجلة تساعد في تجنب الوقوع في نفس الأخطاء.

6.توفر الإمكانات والخبرة قبل الإقدام: التسرع في تحقيق الأهداف دون امتلاك المهارات والخبرة اللازمة يؤدي إلى الفشل والندم. قال الإمام علي عليه السلام: “العَجَلُ قَبلَ الإمكانِ يوجِبُ الغُصَّةَ”.[17]

مثال: شخص يسعى لفتح مشروع، فعيّن شخصا لا يمتلك الإمكانات والخبرة الكافية، مما تسبب في خسارة المشروع.

7.التدرج في التعلم واتخاذ القرارات: التأني في اكتساب المعرفة يضمن النجاح، بينما التسرع يؤدي للفشل. مثال: شخص يلقي محاضرات دينية أو علمية دون تأهيل كافٍ، فيخطئ في الإجابة على الأسئلة، فيضلل الناس ويفقد مصداقيته، فيندم على استعجاله.

8.التوقيت المناسب بين التأني والمبادرة: إن معرفة متى يكون التأني مطلوبًا ومتى تكون السرعة ضرورية هو مفتاح النجاح في اتخاذ القرارات. فالتسرع في فعل شيء قبل أوانه يؤدي إلى الفشل والندم، بينما التأخير غير المبرر يؤدي إلى ضياع الفرصة. مثال: أن الزراعة لها وقت محدد، فإن الشخص الذي يزرع البذور في غير موسمها أو يستعجل الحصاد قبل نضوج المحصول سيخسر جهده، وكذلك من يُهمل الزراعة في وقتها فلن يحصد شيئًا لاحقًا.

 القاعدة الذهبية: “لكل شيء وقته، فلا تستعجل قبل أوانه، ولا تؤخر ما ينبغي الإسراع فيه!”

الخلاصة: إنّ كل نقطة من هذه النقاط تُعالج جانبًا معينًا من العجلة، وتُسهم مجتمعة في بناء شخصية متأنية وحكيمة في اتخاذ القرارات.

المَطْلَبُ الثّانِي: العَجَلَةُ المَمْدُوحَةُ

العجلة الممدوحة: هي المبادرة والمسارعة إلى فعل الخيرات والأعمال الصالحة دون تأخير، قال تعالى: [وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَومِكَ يَا مُوسَى * قَال هُم أولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى][18]، فذيل الآية يصرّح بأن سبب عجلة نبي الله موسى عليه السلام هو لنيل رضا الله، وهو أمر ممدوح[19]، وما يتعلق بالروايات فهي كثيرة، تحث على العجلة في موارد الخير، منها: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “إن الله يحب من الخير ما يعجل”.[20]

ومن موارد الخير التي ينبغي عدم التباطؤ فيها: المسارعة إلى أداء البر، ودفع الشر، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام: “التثبت خير من العجلة إلا في فرص البر، العجلة مذمومة في كل أمر إلا فيما يدفع الشر “[21]، يشير هذا الحديث إلى أن التروي مقدم على العجلة في كل شيء إلا في أمرين: فرص البر[22]، ودفع الشر.

من أجل ذلك ينبغي علينا المسارعة في أدائها، وعدم إهمالها وتأخيرها بغير مبرر؛ لأن شياطين الجن والأنس سيحاولون الوسوسة من أجل طلب (الأعذار والتسويف ليومٍ بعد آخر، مما يؤدي غالبًا إلى تعطل الأعمال وظهور المشكلات فيها، وشاهد هذا الكلام هو الحديث الوارد عن الإِمام الصادق عليه السلام: «مَن همَّ بشيء مِن الخير فليعجله فإِنَّ كل شيء فيه تأخير فإِنَّ للشيطان فيه نظرة»[23]).[24]

ومن أبرز مظاهرها العجلة الممدوحة في فرص البر:

1.أداء الصلاة في أول وقتها: روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: “صَلّوا صَلاتَكُم في أوَّلِ وَقتِكُم، فَإِنَّ اللهَ جلّ جلاله يُضاعِفُ لَكُم”.[25]

2. التوبة: روي عن الإمام علي عليه السلام: “لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو اَلْآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ وَيُسَوِّفُ اَلتَّوْبَةَ بِطُولِ اَلْأَمَلِ”. [26]

3. قضاء ما في الذمة من عبادات وديون: يجب الإسراع في أداء الصيام، الصلاة، الحج، الزكاة، الكفارات، والخمس، وعدم تأخيرها، حتى لا تُنسى أو تعيقها الظروف، أو يسبق الأجل فيُحاسب عليها.

4. المسارعة إلى إبراء الذمة من حقوق الآخرين، سواء كانت حقوقًا مالية، أو مظالم معنوية كالغِيبة، أو الاعتداء على الحقوق، لأن التأخير يؤدي إلى ضياع الحقوق أو تعذّر إرجاعها.

5. مساعدة المحتاجين فورًا: شخص يرى فقيرًا بحاجة إلى طعام أو مال، فلا ينبغي له تأجيل مساعدته، لأن التأخير قد يزيد من معاناته.

6. الصلح بين المتخاصمين: عند حدوث خلاف بين شخصين، فمن الخير المسارعة في الإصلاح قبل أن يتفاقم النزاع ويؤدي إلى قطيعة أو عداوة دائمة. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث”.[27]

ومن مظاهر العجلة الممدوحة في دفع الشر:

1. إنقاذ شخص في خطر: شخص يرى طفلًا على وشك السقوط في بئر أو التعرض لحادث، فلا ينبغي له التفكير كثيرًا، بل يجب أن يتصرف فورًا لإنقاذه.

2. دفع الظلم عن المظلوم: إذا رأى شخص ظلمًا يقع على إنسان ضعيف، كالتعدي عليه بالضرب أو السرقة، فعليه أن يتدخل فورًا لوقف الظلم أو إبلاغ الجهات المختصة، ولا يكتفي بالقول باللهجة العامية العراقية “شعليه”، “شلي كار”!!

3.التصرف السريع في الأزمات: عند اندلاع حريق أو وقوع كارثة، يجب المسارعة إلى إبلاغ الجهات المختصة أو التدخل عند القدرة، لتفادي الأضرار وإنقاذ الأرواح.

الخلاصة: (إِنَّ العجلة المذمومة هي التي تكون في الأمور التي تحتاج إلى تأنٍ وتفكير أثناء البحث والدراسة قبل اتخاذ القرار، وأكثرها تنحصر في الأمور الدنيوية

 أمّا السرعة والعجلة الممدوحتان فهما اللتان يكونان بعد التثبت واتخاذ قرار الشروع بالعمل، والتصميم على التنفيذ، لذلك نقرأ في الرّوايات: «سارعوا في عمل الخير» أي بعد أن يثبت أن هذا العمل خير فلا مجال للتأخير والتسويف، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: “إذا عرض لك شئ من أمر الآخرة فابدأ به، وإذا عرض لك شئ من أمر الدنيا فتأنه حتى تصيب رشدك”[28]).[29]

قد يظن بعضهم أن النهي عن العجلة المذمومة يعني الدعوة إلى التواني!!، وهذا غير صحيح وسنجيب عليه في نهاية المبحث الرابع.

المَبْحَثُ الثَّانِي: اللَّجَاجَةُ

المهلكة الثانية التي حذّر منها الإمام علي عليه السلام في الحديث قيد البحث هي: ” اللَّجَاجَةُ “، وسنناقشها في المطالب الآتية:

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ اللَّجَاجَةِ وَأَدِلَّتُهَا

اللَّجَاجَةُ[30]: هي الإصرار الشديد على رأيٍ أو موقفٍ دون دليل شرعي أو تفكيرٍ منطقي، حتى لو تبيَّن خطؤه. وهذا يؤدي إلى العناد المذموم[31] والخصومات التي قد تُوقع الإنسان في المشكلات مع الآخرين.

مثال رقم (1): شخص يناقش قضية علمية، ويُثبت له الآخرون بالدليل خطأ رأيه، لكنه يرفض الاعتراف بالخطأ ويستمر في الجدال لمجرد المكابرة.

مثال رقم (2): زوج يمتنع عن الإنفاق على زوجته رغم أن النفقة واجبة عليه شرعًا، لكنه يُصرّ بعناد على أنه غير مُلزَم بذلك، مدعيًا أن الزوجة تعمل أو أن أهلها يستطيعون مساعدتها، دون أي دليل شرعي يبيح له هذا الامتناع. وعندما تُذكّره بأن النفقة حق شرعي لها، يستمر في رفضه بلا حجة شرعية صحيحة، بل بناءً على رأيه الشخصي فقط.

لقد نهى الإسلام عن اللجاجة وحذرنا منها، فقد روي عن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله أنه قال: «إيّاكَ وَاللَّجاجَةَ؛ فَإِنَّ أوَّلَها جَهلٌ وآخِرَها نَدامَةٌ».[32]

الجهل -في هذا الحديث-لا يعني مجرد نقص المعرفة، بل هو الإصرار على الباطل ورفض الاستماع للعقل والمنطق، حيث يتصرف الإنسان بغير حكمة، متبعًا الهوى والعناد، مما يؤدي به إلى الندم بعد فوات الأوان.

واللجوج الذي يرفض الحق مع علمه به ويسمى جاحداً، قال تعالى: [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ].[33]

وهناك بعض الأمثال التي تضرب على اللجوج المعاند على الباطل، منها: “عنزة ولو طارت” الذي يُستخدم للدلالة على الإصرار على الرأي الخاطئ رغم وضوح الحقيقة. تعود قصة المثل إلى شخصين شاهدا جسمًا أسود من بعيد، فظن أحدهما أنه غراب، بينما أصر الآخر على أنه عنزة. عندما اقتربا، طار الغراب، فقال الأول: “ألم أقل لك إنه غراب؟” فردّ الآخر بعناد: “عنزة ولو طارت”. هذا المثل يُجسّد مفهوم اللجاجة، أي الإصرار على الخطأ والعناد دون مبرر.

المَطْلَبُ الثَّانِي: أَسْبَابُ اللَّجَاجَةِ

إنّ أسباب اللجاجة باختصار:

1.الغرور والتكبر: يرفض الشخص الاعتراف بالخطأ خوفًا من فقدان مكانته.

2.الجهل وقلة الوعي: يتمسك برأيه دون علم أو دليل صحيح.

3.التعصب: ينحاز لفكرة معينة أو جهة دون تقبل النقاش.

4.الخوف من التراجع: يخشى الاعتراف بالخطأ لأنه يراه ضعفًا.

5. الرغبة في إثبات الذات بأسلوب خاطئ: بعض الأشخاص يتمسكون بآرائهم عنادًا ظنًا أن ذلك يعزز شخصيتهم أو يثبت مكانتهم أمام الآخرين.

6.سوء التربية والبيئة: نشأ في بيئة تعزز الإصرار بلا مبرر.

7.المنافسة غير الشريفة: يرفض التراجع ليُثبت تفوقه على الآخرين.

8.الانتقام أو العناد الشخصي: يرفض قبول الحق بدافع العداء أو الكراهية.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: مَسَاوِئُ اللَّجَاجَةِ

إنّ الآثار المترتبة على اللجاجة عديدة، نذكر منها الآتي:

1.ضياع الحق: روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: اللجاج بذر الشر ” [34]، أي أن العناد والإصرار غير المبرر هو أصل كثير من المشاكل والفساد، ومنها: ضياع الحقوق، لأن الشخص اللجوج يرفض التراجع عن الخطأ أو قبول الحق، مما يؤدي إلى ظلم نفسه أو زوجته وأولاده والآخرين.

2.إثارة النزاعات: العناد يؤدي إلى الخلافات والمشاحنات بين الأفراد والمجتمعات، روي عن الإمام علي عليه السلام: “اللجاج مثار الحروب”.[35]

3.الفشل في اتخاذ القرارات: روي عن الإمام علي عليه السلام: “اللجوج لا رأي له”[36]، أي الشخص العنيد لا يستطيع اتخاذ قرارات صحيحة، لأنه متمسك برأيه حتى لو كان خاطئًا.

4.الخسائر المادية والمعنوية: روي عن الإمام الهادي عليه السلام: “اللَّجَاجَةُ مَسْلَبَةٌ لِلسَّلَامَةِ، وَمُؤَدِّيَةٌ إِلَى النَّدَامَةِ‏” [37]، أي اللجاجة والإصرار على الخطأ، تؤدي إلى فقدان السلامة المادية أو المعنوية.

مثال عن فقدان السلامة المادية: رجل يُنصح بعدم الدخول في مشروع تجاري غير مدروس، لكن بعناده يصرّ على استثماره، رغم تحذيرات الخبراء، فيخسر ماله ويندم لاحقًا.

مثال عن فقدان السلامة المعنوية: شخص يرفض الاستماع لنصائح الأطباء بضرورة علاج مرضه، ويصر بعناد على أنه بصحة جيدة، حتى تتفاقم حالته ويصل إلى مرحلة يصعب علاجها، فيندم حيث لا ينفع الندم.

5.التراجع الاجتماعي: كثرة الجدال والعناد تجعل الشخص مكروهًا بين الناس؛ لأن ” خير الأخلاق أبعدها عن اللجاج “.[38]

6.الندم لاحقًا: روي عن الإمام علي عليه السلام: “اللجاج أكثر الأشياء مضرة في العاجل والآجل “[39]، أيبعد فوات الأوان، يدرك اللجوج خطأه لكنه لا يستطيع إصلاح ما أفسده فيندم.

المَطْلَبُ الرَّابِعُ: عِلَاجُ اللَّجَاجَةِ

نختصر العلاج بالنقاط الآتية:

1.التواضع وقبول الحق: إنّ الإنسان لا يمكنه التخلص من اللجاجة إلا إذا أدرك خطأه واقتنع بضرورة قبول الحق، والحق هو ما جاء به منهاج محمد وآل محمد عليهم السلام. قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ][40]، وهذا هو الأساس في العلاج، لأن قبول الحق يتطلب التواضع وتحمل مرارته. فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: “اصبر على مرارة الحق، وإياك أن تنخدع لحلاوة الباطل”[41]، وعنه عليه السلام: “الحق منجاة لكل عامل”[42]، أي أن ترك العناد وقبول الحق فيه نجاتنا.

2.زيادة الإيمان والوعي والتعلم: كلما ازداد إيمان الإنسان وعمله بتعاليم أهل البيت عليهم السلام، أدرك خطأ سلوكه المخالف للشريعة، فيزول العناد المذموم، لأن طاعة الشريعة تقضي على اللجاجة.

3.التفكير قبل الإصرار: التأمل في العواقب يمنع التمسك بالرأي الخاطئ.

4.الاستشارة وقبول النصيحة: روي عن الإمام علي عليه السلام: من استبد برأيه هلك[43]، مما يؤكد أهمية سماع آراء الآخرين.

5.مجاهدة النفس والتخلص من الكبر: اللجاجة غالبًا ناتجة عن الكبر، وأهل البيت عليهم السلام أكدوا أن الكبر مفتاح الضلال.

6.طلب العون من الله بالدعاء: كالدعاء المروي عن أهل البيت عليهم السلام: ” اللهم صل على محمد وآل محمد، وأرني الحق حقا فأتبعه، والباطل باطلا فأجتنبه، ولا تجعله عليّ متشابها، فأتبع هواي بغير هدى منك، واجعل هواي متبعا لرضاك وطاعتك”.[44]

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: العُجْبُ

المهلكة الثالثة التي حذّر منها الإمام علي عليه السلام في الحديث قيد البحث هي: “العجب”، والتي سنتناولها في المطالب الآتية:

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: العُجْبُ فِي المَنْظُورِ الإِسْلَامِيِّ

يقول الشيخ النراقي في كتابه جامع السعادات: “العُجُب هو استعظام نفسه لأجل ما يرى لها من صفة كمال[45]، سواء كانت له تلك الصفة في الواقع[46] أم لا[47]، وسواء كانت صفة كمال في نفس الأمر[48] أم لا[49]“.[50]

لقد نهتنا الشريعة عنه في نصوص عديدة، منها:

# عن الباقر عليه‌ السلام: «من دخله العجب هلك».[51]

# قَالَ رسول الله صلى الله عليه وآله: “قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِدَاوُد عليه السَّلام: يَا دَاوُدُ، بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ، وأَنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ!، قَالَ: كَيْفَ أُبَشِّرُ الْمُذْنِبِينَ، وَأُنْذِرُ الصِّدِّيقِينَ ؟!، قَالَ: يَا دَاوُدُ، بَشِّرِ الْمُذْنِبِينَ أَنِّي أَقْبَلُ التَّوْبَةَ وأَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ، وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ أَلَّا يُعْجَبُوا بِأَعْمَالِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَنْصِبُهُ لِلْحِسَابِ إِلَّا هَلَكَ”.[52]

والجدير بالذكر: أنّ العُجُب الذميم هو استكثار العمَل الصالح، والإدلال به، أمّا السرور به مع التواضع للّه تعالى، والشكر له على توفيقه لطاعتِه، فذلك ممدوحٌ ولا ضيرَ فيه.[53]

المَطْلَبُ الثَّانِي: أَسْبَابُ العُجْبِ

نذكر منها الآتي:

1. الانبهار بالنفس، أو بالعمل: عندما ينبهر الإنسان بعبادته أو أعماله، يتحول هذا الانبهار إلى حجاب يمنعه عن الله، فيظن أنه مستغنٍ عن رحمته، مما قد يقوده إلى الكِبر والضلال، كما كان حال إبليس وفرعون. الرؤية الصحيحة للنفس هي إدراك الفقر الدائم إلى الله، مما يجعل الإنسان يرى أعماله قليلة أمام عظمة رحمته، ويتجنب العُجب الذي يؤدي إلى الاستكبار والضياع.

2.الجهل بحقيقة النفس: عدم إدراك الإنسان لنقائصه وعيوبه يجعله يظن أنه كامل، مما يؤدي إلى الإعجاب بنفسه.

3.نسيان فضل الله: عندما ينسى الإنسان أن ما لديه من نِعَم هو بفضل الله، ينسب الفضل لنفسه، فيُعجب بأعماله.

4.استصغار الذنوب: التقليل من شأن المعاصي والاعتقاد بأنها غير مؤثرة، مما يزيد من شعور العُجب.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: مَسَاوِئُ العُجْبِ

للعجُب أضرارٌ ومساوئ:

1-إنّه سببُ الأنانيّة والتكبّر، فمَن أُعجِب بنفسه ازدهاه العُجُب، وتعالى على الناس، وتجبّر عليهم، وذلك يُسبّب مقت الناس وهوانهم له.

2-إنّه يعمي صاحبه عن نقائصه ومساوئه، فلا يهتم بتجميل نفسه، وملافاة نقائصه، ممّا يجعله في غمرة الجهل والتخلّف.

3-العجب يجعل الإنسان يرى طاعاته عظيمة ويفتخر بها، بينما ينسى ذنوبه. وهذا خطر كبير، لأن نسيان الذنوب يمنع التوبة ويعرّض الإنسان لسخط الله. كما أن الإعجاب بالطاعة قد يفسدها، لأن العابد قد لا ينتبه إلى نقصها وعيوبها، مثل: قلة الإخلاص، الرياء، أو الغفلة عن الخشوع، مما قد يمنع قبولها عند الله.[54]

المَطْلَبُ الرَّابِعُ: عِلَاجُ العُجْبِ

ونطرحه كالآتي[55]:

1.العلاج العام: يكمن بإدراك أن كل نعمة عند الإنسان هي من الله، فلا يحق له أن يغترّ بها أو يفتخر على الآخرين.

2.العلاج التفصيلي: التخلص من أسباب العجب من خلال التفكير السليم، وذلك كما يلي:

أ. إن كان العجب بسبب العلم: ينبغي أن يعرف الإنسان أن العلم الحقيقي هو معرفة الله ومعرفة النفس، والإنسان غالبًا جاهل بهما. ولو كان عالمًا حقًا لازداد خشية وتواضعًا، قال تعالى: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ].[56]

وأنّ الإنسان مهما تعلم، يبقى علمه محدودًا، والعالِم الحقيقي هو الذي يدرك أنه بحاجة دائمة للتعلم، قال تعالى: [وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا].[57]

مثال: عالم متواضع يدرك أن علمه محدود، فيستمر في البحث والتعلم، بينما الجاهل يعجب بنفسه معتقدًا أنه يعرف كل شيء.

ب. إن كان العجب بسبب العبادة: الهدف من العبادة هو تحصيل العبودية الحقيقية والتواضع، والعجب بها يفسدها.

علينا أن نتذكر دائما أن العبادة تحتاج إلى نية صادقة، وأن الإنسان لا يستطيع تأديتها كما يستحق الله، لذا يجب أن يكون متواضعًا.

🔹 مثال: شخص يؤدي الصلاة بخشوع ويفتخر بأنه أفضل من غيره، بينما المؤمن الصادق يرى نفسه مقصرًا رغم اجتهاده، وله أسوة حسنة بأمير المؤمنين عليه السلام المعروف بتواضعه حتى لقب بــ: (أبي تراب) الذي (كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة).[58]

ج. إن كان العجب بسبب العائلة أو الأصل:

النسب ليس مقياسًا للشرف، فالفخر الحقيقي بأعمال الإنسان لا بأصوله.

روي أنه افتخر رجلان عند الكليم عليه ‌السلام فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان إلى أن عدّ تسعة، فأوحى الله إلى الكليم قل له: «كلّ التسعة من أهل النار وأنت عاشرهم».[59]

د. إن كان العجب بسبب الجمال:

الجمال سريع الزوال، يتغير مع الحوادث، المرض، الشيب، الهرم، والموت.

بعد الوفاة، يتحول الجسد إلى جيفة قذرة، فكيف يفتخر الإنسان بجمال فانٍ؟، وصدق الإمام عليّ عليه السلام حينما قال: “ما لِابْنِ آدَمَ وَالفَخْرُ، وَإِنَّمَا أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ يَحْمِلُ العَذِرَةَ”.[60]

و. إن كان سببه المال: إنّ قيمة الإنسان ليست بكثرة ماله، فالمال معرض للضياع بالغصب، الحرق، الغرق، أو غيرها من الحوادث. والقصور والمركوبات والزينة وغيرها سنتركها جميعا عند الموت.

كثير من الكفار والمنافقين أغنى من المؤمنين، فهل يعني ذلك أنهم أفضل؟، وكم ثري مغرور بماله، لكنه لا يستطيع شراء راحة البال أو رضا الله.

نقل أنّ وحداً من أولاد الملوك افتخر على غلام حكيم، فقال له الغلام: إن كان فخرك بأبيك فالفخر له، وإن كان من ملبوسك فالشرف له، وإن كان من مركوبك فالفضل له، ولو أخذ كلّ حقه لم يبق فيك ما يصلح لافتخارك.[61]

 ز. إن كان سببه القوة والبطش: فقوة الإنسان ضعيفة جدًا أمام الأمراض والأوجاع. ولو تحرك عرق في جسده، فقد يصبح عاجزًا تمامًا، حتى الذباب قد يسلبه شيئًا من طعامه وصحته ونظافته وراحته ولا يستطيع استرجاعه!

إن الدراسات تؤكد أنّ هناك حيوانات أقوى منه بكثير، بل حتى بعض الحشرات كالنمل، مثل: نمل الحقول الأمريكية، يمكنها حمل أوزان تصل إلى 5000 ضعف وزنها، مما يجعلها أقوى بكثير من الإنسان من حيث نسبة القوة إلى الوزن[62]، فلماذا العُجُب بقوة أجسامنا؟

ح. إن كان سببه الأعمال الصالحة: يجب على الإنسان ألا يفتخر بكثرة أعماله الصالحة، ظنًّا منه أنه خير من غيره، لأن القبول بيد الله وحده، وقد يكون غيره أكثر إخلاصًا وتقوى، روي عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: “لاَ يَتِمُّ عَقْلُ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ حَتَّى تَكُونَ فِيهِ عَشْرُ خِصَال.. ..(فلما وصل للعاشرة) قال عليه السلام: لاَ يَرَى أَحَداً إِلاَّ قَالَ: هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَ أَتْقَى، إِنَّمَا اَلنَّاسُ رَجُلاَنِ رَجُلٌ خَيْرٌ مِنْهُ وَ أَتْقَى وَرَجُلٌ شَرٌّ مِنْهُ وَ أَدْنَى، فَإِذَا لَقِيَ اَلَّذِي شَرٌّ مِنْهُ وَ أَدْنَى قَالَ لَعَلَّ خَيْرَ هَذَا بَاطِنٌ وَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَخَيْرِي ظَاهِرٌ وَهُوَ شَرٌّ لِي، وَإِذَا رَأَى اَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَتْقَى تَوَاضَعَ لَهُ لِيَلْحَقَ بِهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ عَلاَ مَجْدُهُ وَ طَابَ خَيْرُهُ وَ حَسُنَ ذِكْرُهُ وَ سَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ”.[63]

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: التَّوَانِي

المهلكة الرابعة التي حذّر منها الإمام علي عليه السلام في الحديث قيد البحث هي: “التواني” الذي يُعرَّف بأنه: التأخير والتسويف في أداء الأعمال بعد وضوحها، مما يؤدي إلى ضياع الفرص والندم. يُعد التواني صفة مذمومة لأنه يعكس تقاعسًا وتكاسلًا عن أداء الواجبات في وقتها المناسب.

وسنتناول صفة التواني بالتفصيل في المطالب الآتية:

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: أَسْبَابُ التَّوَانِي

من أبرز هذه الأسباب:

1.الغفلة: الانشغال عن الهدف الأساسي للإنسان، يؤدي إلى إهمال الواجبات والتكاسل في أدائها. قال الإمام علي عليه السلام: ” ويل لمن غلبت عليه الغفلة، فنسي الرحلة ولم يستعد”.[64]

2.الكَسَل: عدم الرغبة في بذل الجهد، مما يؤدي إلى تأجيل الأعمال وتراكمها، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “إياك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كل شر، من كسل لم يؤد حقا، ومن ضجر لم يصبر على حق”.[65]

3.اتباع الهوى وطول الأمل: إنّ اتباع الهوى يؤدي إلى التواني، لأن الانشغال بالشهوات والملذات يجعل الإنسان يؤجل الأعمال المهمة، ويسوّف في أداء الواجبات، مما يسبب ضياع الفرص والندم لاحقًا.

وأيضا من الأمور التي تدفع إلى التواني والتأجيل هو طول الأمل بالاعتقاد بوجود متسع من الوقت لإنجاز المهام، روي عن قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: “إني أخاف عليكم اثنين اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فإنه يرد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة”.[66]

4.الضجر (الملل والسأم): الضجر هو أحد أسباب التواني، لأنه يجعل الإنسان يفقد الحافز للاستمرار في أداء الأعمال، فيؤجلها أو يتركها دون إنجاز.

المَطْلَبُ الثَّانِي: مَسَاوِئُ التَّوَانِي

نذكر منها الآتي:

1.ضياع الفرص: الفرص لا تنتظر، والتردد في اتخاذ القرار بعد وضوحه يؤدي إلى فوات الخير، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: “الفرصة تمرّ مرّ السحاب فانتهزوا فُرَص الخير”.[67]
مثال: شخص يُعرض عليه عمل مناسب، لكنه يتردد في القبول بحجج واهية، حتى يتم توظيف شخص آخر، فيندم على تضييع الفرصة.

2.تراكم المسؤوليات: كلما تأخرت في إنجاز مهمة، تضاعفت عليك الواجبات حتى تصبح عبئًا ثقيلاً.
مثال: طالب يؤجل دراسته حتى تتراكم عليه الدروس، فيجد نفسه عاجزًا عن الاستعداد للامتحان.

3.الندم والحسرة: كثيرون يدركون بعد فوات الأوان أنهم أضاعوا وقتهم في التردد والتأجيل.
مثال: شخص يتكاسل عن بر والديه بحجة الانشغال، حتى يفاجأ بوفاة أحدهما دون أن يراه، فيشعر بندم لا يمكن إصلاحه.

4.ضعف الثقة بالنفس: التواني يزرع في النفس الإحساس بالفشل، لأن الإنسان يعتاد على عدم المبادرة، مما يفقده الثقة بقدراته.
مثال: شخص يريد البدء بمشروع، لكنه يؤجل ويخشى المخاطرة، حتى يرى غيره يحقق النجاح الذي كان يمكن أن يكون له.

5.التقصير في الطاعات: من يسوّف في أداء العبادات يفقد تدريجيًا روحها، وقد ينتهي به الحال إلى تركها. مثال: شخص يؤخر الصلاة بحجة الانشغال، حتى يعتاد على التأخير، وربما ينساها في النهاية.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: عِلَاجُ التَّوَانِي

للعلاج من صفة التواني المذمومة ننصح باتباع النقاط الآتية:

1.تقوية الوعي بأهمية الوقت: العاقل هو الذي يدرك أن العمر محدود، وكل لحظة تمر لا تعود. قال الإمام علي عليه السلام: “إضاعة الفرصة غصة”[68]، فمن أضاع وقته ندم لاحقًا.

2.تنظيم الأولويات: ترتيب المهام وفق الأهمية والاستعجال في إنجاز الضروري منها. مثال :طالب يحدد وقتًا ثابتًا للمذاكرة بدل تأجيلها لليلة الامتحان.

3.التدرّب على الحزم واتخاذ القرار: روي عن الإمام علي عليه السلام: “الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي”[69]، بمعنى أنّ النجاح يتحقق بالحزم، لكن الحزم نفسه يحتاج إلى تفكير وتدبر قبل اتخاذ القرار. فلا يكون الحزم مجرد تسرع، بل يجب أن يكون مبنيًا على دراسة دقيقة واستشارة، حتى يكون القرار صائبًا. مثال: قائد جيش يريد اتخاذ قرار بالتحرك نحو المعركة، فلو استعجل دون استشارة أهل الخبرة، قد يوقع جيشه في الهزيمة. لكن إن فكر جيدًا، وناقش خطته مع مستشاريه، ثم قرر بحزم، فإنه يكون أقرب إلى النصر.

4.الاستعانة بالدعاء والتوكل على الله: ينبغي طلب العون من الله في التغلب على الكسل والتواني، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل”.[70]

5.علاج الضجر: بـ:(تنويع الأساليب) وذلك بتغيير طرق العمل لكسر الروتين، مثل: الدراسة بأسلوب جديد. و(تقسيم المهام) أي إنجاز المهام على مراحل لتجنب الإرهاق والملل. و(الراحة المتوازنة) بأخذ فترات راحة قصيرة دون الإفراط فيها.

6.مجاهدة النفس وترك التعلق بالراحة الزائدة: ينبغي التغلب على الميل إلى الراحة والتكاسل، فالحياة تحتاج إلى سعي وجهد. مثال: شخص يستيقظ مبكرًا للعمل رغم رغبته في النوم الطويل.

رب تساؤل يرد: هل أنّ النهي عن التَّوَانِي المذموم يعني الدعوة إلى العجلة؟!

الجواب: في الحقيقة، حينما يحثّ العقل والشريعة على اجتناب التَّوَانِي، فليس المقصود بذلك التشجيع على العجلة، لأن كليهما صفتان مذمومتان، وإنما المقصود هو (التَّأَنِّي). فهناك فرق واضح بين هذه المفاهيم، وللتوضيح نقول:

  • العجلة تفريط، لأنها تسرّع غير مدروس يسبب الأخطاء.
  • التَّوَانِي إفراط، لأنه تأخير غير مبرر وتسويف بعد وضوح الأمر، مما يؤدي إلى ضياع الفرص والندم.
  • التَّأَنِّي هو التوازن بينهما، وهو التروي والتفكير العميق قبل اتخاذ القرار، لضمان الوصول إلى الخيار الصحيح بعيدًا عن الاندفاع.

لنطبق هذه المفاهيم على مثال رجل يبحث عن شريكة لحياته:

في حالة العجلة: يعجب الرجل بامرأة فينجذب إليها سريعًا دون أن يسأل عن دينها أو أخلاقها أو طباعها، فيقرر الزواج منها فورًا دون تحرٍّ أو استشارة. وبعد الزواج، يُفاجأ بصفات لا تناسبه أو بسلوكيات لا تليق به، فيندم على استعجاله بعد فوات الأوان.

في حالة التواني: بعد أن يعجب بامرأة ويتحقق من صلاحها، يتردد في اتخاذ القرار ويسوّف بلا سبب واضح، مما يؤدي إلى ضياع الفرصة بزواجها من شخص آخر، فيندم على تردده الذي لم يكن له مبرر.

في حالة التأني: حينما يعجب الرجل بامرأة، لا يندفع في القرار، بل يسأل عن أخلاقها ودينها ومعايير أخرى تجعله يطمئن لاختيارها كزوجة صالحة. وبعد أن يتأكد من صلاحها، يقرر الزواج منها وينفذ قراره بدون تأخير، جامعًا بين التروي والحسم في الوقت المناسب.

📌 القاعدة الذهبية: “اتخذ قرارك في وقته المناسب: لا تستعجل فتصاب بالندم، ولا تتردد فتخسر الفرصة!”

الخلاصة: عند التأمل في المشاكل التي يواجهها الإنسان في حياته العائلية، الزوجية، أو العملية، يجد أن معظمها ناتج عن المهلكات الأربع: “اَلْعَجَلَةُ وَاَللَّجَاجَةُ وَاَلْعُجْبُ وَاَلتَّوَانِي” كالتسرع في اتخاذ القرارات، الإصرار على موقف خاطئ، التفريط في الفرص، أو الإعجاب بالنفس. لذا، يجب مجاهدة النفس لتجنبها، فمن فعل ذلك كان جديرًا بعدم الوقوع في تبعاتها.

المَبْحَثُ الأَخِيرُ: أَبُو طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: نَمُوذَجٌ فِي تَجَنُّبِ المُهْلِكَاتِ

ومن النماذج البارزة في تجنب هذه المهلكات، صاحب الذكرى: عمران بن عبد المطلب، المعروف بـ: “أبي طالب عليه السلام”، عم النبي محمد صلى الله عليه وآله، والملقب بـ:”ناصر الإسلام”.

عند مراجعة سيرته الشريفة، نجد أنها تتضمن العديد من المواقف التي تثبت نزاهته عن الصفات المذمومة، وتعكس فطرته السليمة، وتربيته الصالحة في بيت هاشم، وتأثره بدين إبراهيم، وقربه من النبي محمد صلى الله عليه وآله.

إليكم بعض هذه المواقف:

# (ما يتعلق بنزاهته عن العجلة): عندما طلبت قريش من أبي طالب أن يكفّ ابن أخيه عن الدعوة، لم يتعجل ولم يتسرع في الرد. بل استدعى النبي صلى الله عليه وآله واستمع إليه، ثم قال له: “اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت، فوالله، لا أُسلّمك لشيء أبداً”[71].

#  (ما يتعلق بنزاهته عن اللجاجة): عندما أخبره النبي صلى الله عليه وآله بأن الله سلط الأرضة على معاهدة قريش، فلم تدع فيها اسماً ومحَت الظلم والبهتان، لم تأخذه اللجاجة ولم يتردد لحظة في تصديقه، بل واجه قريش بثقة، قائلاً: “إن كان الحديث كما يقول ابن أخي، فأفيقوا، وإن لم ترجعوا، فوالله لا نسلّمه حتى نموت عن آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلاً، دفعنا إليكم صاحبنا”.

فقالوا: قد رضينا بما تقول، وتعاقدوا على ذلك، ثمّ فتحوا الصحيفة، فوجدوا الأمر كما أخبر به الصادق الأمين.

# (ما يتعلق بنزاهته عن العجب والتواني): رغم أنه كان شيخ قريش وسيدها، لم يُظهر أبو طالب أي كِبر أو عُجب بنفسه، ولم يتوانَ عن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله، بل كان يرى أن أعظم شرف له هو أن يكون في خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال في شعره متواضعا متحمسا:

          واللّه‏ لن يصلوا إِليكَ بجمعِهِمْ حتّى أُوسَّدَ في التّرابِ دفينا
فاصدع بأمرِكَ ما عليك غضاضةٌ وابشر بذاك وقرّ منك عيونا
ودعوتني وعلمتُ أنّك صادقٌ ولقد صدقْتَ وكنت ثَمَّ أمينا
ولقد علمتُ بأنّ دينَ محمّدٍ من خيرِ أديانِ البريّةِ ديناً[72]

وهكذا، كان أبو طالب عليه السلام بحقٍّ رجلًا حكيمًا، ثابتًا على الحق، ومستحقًا للقب “ناصر الإسلام”؛ لأنه نصر نبي الإسلام، ربّاه صغيرًا، وحماه كبيرًا حتى لحظاته الأخيرة. فقال له النبي صلى الله عليه وآله عند وفاته:” يا عمّاه! وصلتَ رحِماً، وجزيت خيرا، يا عمّ! فلقد ربّيت، وكفلت صغيراً، ونصرت، وآزرتَ كبيرًا”[73].

ثم توفي سيدُ البطحاء عن نيّف وثمانين سنة بعد السيّدة خديجة بثلاثة أيّام في شهر رمضان.[74]

لقد توجع وحزن الرسول صلى الله عليه وآله على فقد عمّه أبي طالب عليه السلام حتى سمّى عام رحيله ورحيل السّيدة خديجة عليهما السلام بـ: (عام الحزن) وهو العام العاشر من بعثته المباركة، وصدق الشاعر حينما قال[75]:  

هذا رَسُولُ الله يبكي على أحبابهِ الصفوةِ من غالبِ
يبكي على عمٍ عطوفٍ قضى يبكي على فقد أبي طالبِ
يبكي الذي آواهُ في حجرهِ واليتمُ مكتوبٌ من الكاتبِ
يبكي على الناصرِ إذ أوجست منهُ قريشٌ خيفةَ الراهبِ
حتى قضى فاْستوحدَتْ بأسَهُ عصابةٌ من شانئٍ ناصبِ
إذْ أظلمتْ مكةُ في عينهِ وصارَ للهجرةِ بالراغبِ

وبعد وفاة أبي طالب عليه السلام نزل جبرئيل على الرسول صلى الله عليه وآله قائلاً له: “ذهب ناصرك، فهاجر”، مُشيرًا إلى دوره العظيم في نصرة الإسلام.

لقد شهد الإمام الباقر عليه السلام بإيمانه قائلاً: “لو وُضع إيمان أبي طالب في كفّة ميزان، وإيمان هذا الخلق في الكفة الأخرى، لرجح إيمانه”[76]. ثمّ قال عليه السلام: ألم تعلموا أنّ أمير المؤمنين علياً عليه السلام كان يأمر أن يحجّ عن عبد الله، وآمنة، وأبي طالب، في حياته، ثمّ أوصى في وصيّته بالحجّ عنهم.[77] لكن أعداء الحق لم يجدوا ذنبًا له سوى أنه والد عليّ عليه السلام، فافتروا عليه الأكاذيب، ليحطّوا من مقام أمير المؤمنين، غير أن التاريخ أنصفه، وثبتت مواقفه التي أضاءت درب الإسلام.[78]

فَسَلَامٌ عَلَىٰ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام يَوْمَ وُلِدَ، وَيَوْمَ مَاتَ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا

ساعد الله قلب أمير المؤمنين عليه السلام بفقد والده أبي طالب عليه السلام. يروى أنه رثاه بعد رحيله قائلاً[79]:

أبا طالبٍ عصمةُ المستجير وغيثُ المحولِ ونورُ الظّلَمْ
لقد هدَّ فقدُكَ أهلَ الحُفاظِ فصلّى عليكَ وليُّ النِّعَمْ

شعر شعبي في رثاء سيد البطحاء أبي طالب عليه السلام[80]:

ياراعي الحميه وطـــــــــــاهر الاردان يازهرة البيت شعظم مكنونك
يصابر عل الاذى وللكـــــــفر مادنيت راس وبالفضل كلهم يعرفونك
ياكافل يتيم الهاشــــــــــــمين شلون بيا وجهت شرع ﮔلي يكفرونك؟
وانته الدافعت عن النبي المهيوب وتراعيه بخطاه شما مشى عيــونك
تدفيه بفراش الرحمة وتداريه صدﮒ راعي المحـــــــنه يخيِّب ظنونك!
وتنيمه بوسط جفنك خايف وسهران وتـﮔــــــــله لاتهاب اللي يريدونك
جعفر وي علي للمصطفى تحرسون تناديهم يولدي وهم يطيـــــــــعونك
وشِعرك بالمحافل يسند الاســـــــــــــلام وعن حــب النبي لا ما يغيرونك
ﮔلت للمصطـــــــــفى انشر لواء الديـن واهلي ومهجتي لفديها من دونك
وليدك عله الحوض يشــــــرِّب الوفـَّاد ويريدون الكفر منها يحرمونك؟
بتت بالشعب وي المصطفه جوعان وعن وجه النبي ما فرغ ماعونك
لعد شنهو السبب ياكافل المخــــــــــــــتار اقلام النصب ﮔـــلي يعادونك؟
لأنك والد الحيد الصميـــــــــــــــده الليث علي المرتضى كلهم يطلبونك
يبو طالب يوالد جعفر الطــــــــــيار ابشر بالجـــــنان وضحـــكة سنونك
كهاتين بجنانه ﮔـالها المخـــــــتار وحاشاه الوفي ميســــــــــــــدد ديونك

[1] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٧٥ -ص٦٢.

[2] راجع: جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ١ -ص ٢٤٦-بتصرف.

[3] طه/ 114.

[4] النحل/1.

[5] الإسراء/ 11.

[6] غرر الحكم: ٤٣٢، ٩٧٤٠.

[7] غرر الحكم: ٤٣٢، ٩٧٤٠.

[8] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص ١٨٣٤.

[9] غرر الحكم: ۱۳۳۳.

[10] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ١ -ص ٢٤٦.

[11] إنّ التثبت والأناة متقاربان في المعنى، لكن بينهما فرق دقيق: فالأناة هي التروي والتفكير وعدم التسرع قبل اتخاذ القرارات، والتصرف بحكمة دون تسرع. وأما التثبت هو التحقق والتأكد من صحة المعلومات أو الأمور قبل الحكم عليها أو العمل بها.

[12] بحار الانوار-المجلسي-ج68-ص340.

[13] بحار الانوار-المجلسي-ج68-ص340.

[14] البقرة/ 45.

[15] آل عمران/ 159

[16] غرر الحكم: 5755، 3279، 4990.

[17] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص ١٨٣٦.

[18] طه/83-84.

[19] راجع: تفسير الميزان -السيد الطباطبائي -ج ١٤ -ص١٩٠.

[20] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص١٨٣٥.

[21] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص ١٨٣٥.

[22] المقصود بالبر: الأعمال الصالحة والخيرات، مثل الصدقة، الإحسان، بر الوالدين، الإصلاح بين الناس، وأداء الواجبات الدينية والاجتماعية.

[23] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ١ -ص ٨٤٤.

[24] شبكة المعارف الإسلامية/ almaaref.org/ أخلاق وسنن/ منهج حياة/ المسلك القرآني/ المسلك القرآني/ أضرار العجلة-بتصرف.

[25] المعجم الكبير: 17-370-1013 عن عياض.

[26] نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع) -ج ٤ -ص ٣٨.

[27] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٧٢ -ص ١٨٩.

[28] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص ١٨٣٥.

[29] شبكة المعارف الإسلامية/ almaaref.org/ أخلاق وسنن/ منهج حياة/ المسلك القرآني/ المسلك القرآني/ أضرار العجلة-بتصرف.

[30] قيل أنّ اللَّجَاجَةُ لها أكثر من تعريف:

التعريف الأول: الخصومة أو الاستمرار على المعارضة في الخصام، أو التمادي في الأمر ولو تبيَّن الخطأ.

التعريف الثاني: المواظبة على الطلب بإصرار وعناد وإلحاح من دون دليل شرعي على الفعل. المصدر: نشرة الكفيل/ نشرة أُسبوعيةٌ ثقافيةٌ (مجانية) تصدر عن العتبة العباسية المقدسة/ العدد 961. السيد صباح الصافي.

[31] العناد يُعتبر مفهومًا أعمّ من اللجاجة. فالعناد يشمل الإصرار والثبات على الرأي أو الموقف، سواء كان ذلك في الحق أو الباطل. أما اللجاجة، فهي نوع خاص من العناد، حيث يُصرّ الشخص على موقفه أو رأيه الخاطئ، مع علمه بخطئه، ويستمر في ذلك بدافع من الكبر أو الجهل.

[32] بحار الأنوار-المجلسي-ج٧٤-ص٦٧.

[33] النمل/14.

[34] غرر الحكم: ح 358.

[35] غرر الحكم: ح 358.

[36] غرر الحكم: ح 358.

[37] نزهة الناظر وتنبيه الخاطر –الحلواني-ص140.

[38] من أحاديث الإمام علي عليه السلام. المصدر: غرر الحكم: ح 358.

[39] غرر الحكم: ح 358.

[40] الرعد/11.

[41] غرر الحكم: 2472.

[42] غرر الحكم: ٧١٦، ٥٤٨.

[43] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٧٢ -ص ١٠٤.

[44] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٩ -ص ٧٧.

[45]مثال: شخص متفوق في دراسته، لكنه يرى نفسه أعلم من الجميع، ويرفض الاستماع إلى آراء الآخرين.

[46] مثال: رجل يكثر من الصلاة والصيام ويُحسن للناس، فهذه صفات كمال حقيقية.

[47] مثال: شخص يعتقد أنه ذكي جدًا، لكنه في الحقيقة محدود التفكير ويرفض الاعتراف بذلك.

[48] مثال: العلم والتقوى من صفات الكمال الحقيقية، لكن العُجب بهما قد يُفسدهما.

[49] مثال: شخص يفتخر بماله أو نسبه، معتقدًا أن ذلك يجعله أفضل من غيره، رغم أن المال والنسب ليسا مقياسًا حقيقيًا للكمال.

[50] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ١ -ص ٢٨٢.

[51] الكافي-الكليني-ج٢ -ص٣١٣.

[52] الكافي-الكليني-ج 2 -ص 314.

[53] أخلاق أهل البيت-السيد مهدي الصدر-ص139-140.

[54] أخلاق أهل البيت-السيد مهدي الصدر-ص139-140-بتصرف.

[55] كشف الغطاء عن وجوه مراسم الاهتداء-القزويني-ج1-ص157-164-بتصرف.

[56] فاطر/28.

[57] الإسراء/85.

[58] الكافي-الكليني-ج ٤ -ص ١٥٤ -ح ١.

[59] المحجة البيضاء-الفيض الكاشاني-ج ٦ -ص ٢٤٣.

[60] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ – هامش صفحة ٣٢٩.

[61] كشف الغطاء عن وجوه مراسم الاهتداء-القزويني-ج1-صض62.

[62] موقع أخبار غادي/ ghadinews/ صور مذهلة تظهر تفوق النمل على الإنسان في رفع الاثقال وأمور عدة.

[63] تحف العقول-بان شعبة الحراني-ص ٣٢٦.

[64] غرر الحكم: ١٠٠٨٨.

[65] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص٢٧٠٥.

[66] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٦٧ -ص ٧٧.

[67] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٦٨ -ص ٣٣٧.

[68] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص ٢٣٩٩.

[69] نهج البلاغة: الحكمة 48.

[70] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص٢٧٠٦.

[71] شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد -ج ١٤ -ص٥٤.

[72] الغدير-العلاّمة الأميني -ج7 -ص334.

[73] راجع: بحار الأنوار-المجلسي -ج 35 -ص125.

[74] بحار الأنوار-المجلسي-ج19-ص24-25. وفي رواية أخرى أن وفاته عليه السلام في السادس والعشرين من شهر رجب من السنة العاشرة للبعثة. المصدر: مصباح المتهجد-الطوسي -ص 812.

[75] الشاعر: بشار العالي البحراني.

[76] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٣٥ -ص ١٥٦.

[77] م.ن-ص156-157.

[78] راجع: ظلامة أبي طالب عليه السلام-السيد جعفر مرتضى العاملي-ص140.

[79] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٣٥ -ص١١٤.

[80] بقلم: خليل علي الزبيدي، نقلا عن منتدى الكفيل.