أَسْرَارُ الدُّعَاءِ بَيْنَ الِاسْتِجَابَةِ وَالمَنْعِ

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

عنوان المُحَاضَرَةُ: أَسْرَارُ الدُّعَاءِ بَيْنَ الِاسْتِجَابَةِ وَالمَنْعِ

تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ].[1]

عند استقراء النصوص الشرعية، نجد العديد منها تحثّ الإنسان على الدعاء وتعده بالاستجابة، كما في الآية محل البحث، وكقوله تعالى: [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ].[2]

وهنا قد يتساءل الكثيرون عند قراءة هاتين الآيتين: لماذا ندعو الله ولا نرى استجابة؟، فنحن نرفع أيدينا إليه مرارًا، نطلب قضاء حوائجنا وحل مشكلاتنا، ولكن لا تتحقق بعض دعواتنا، فما السبب؟

(إن الذي يدعو بإلحاح ولا تُستجاب دعوته قد يُبتلى بسوء الظن بالله تعالى. وبعض الناس يلجؤون إلى الدعاء حتى عند زيارة الأئمة عليهم السلام، حينما يشدّون الرحال إلى هذه الأماكن الطاهرة، ومع ذلك قد لا تُستجاب دعوتهم. بل إن بعضهم قد يعود من الزيارة ليجد أن مشكلته ازدادت تعقيدًا، فيعرض عن الله ورسوله وأئمة أهل البيت عليهم السلام، دون أن يدرك أن هناك أسبابًا قد تؤدي إلى تأخّر استجابة الدعاء أو منعه. لذا، ينبغي للمؤمن أن يتأمل في أحواله بدقة ووعي..).[3]وأن يبحث عن الأسباب التي حجبت دعائه، وما هي الأمور التي ينبغي علينا القيام بها ليكون دعاؤنا مستجابا!!

في هذه المحاضرة، سنكشف أسرار القبول والمنع، ونتأمل كيف نزيل العوائق التي تحول بيننا وبين استجابة الدعاء، لنكون أقرب إلى رحمة الله وعطائه.

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: سُنَنُ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ

الدعاء وسيلة عظيمة يتقرّب بها العبد إلى ربه، وهو باب مفتوح لنيل رحمته وعطائه. ومع ذلك، فإن استجابته لا تجري بعشوائية، بل تحكمها سنن وقوانين إلهية ثابتة، كما قال تعالى: [فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا].[4]

ومن سنن الله في الكون أن نظامه قائم على الأسباب والمسببات، فلا يتحقق أي أثر إلا بوجود العلة التامة، التي تتكوّن من المقتضي، وتوفر الشرط، وانتفاء المانع.

🔹 المقتضي هو العنصر الأساسي الذي يمتلك القابلية للتأثير، ومن أمثلته: النار هي المقتضي للإحراق، وشرب الماء هو المقتضي لرفع العطش، والدواء هو المقتضي للشفاء.

لكن وجود المقتضي وحده لا يكفي ما لم تتحقق الشروط وينتفي المانع. فعلى سبيل المثال: لا تحترق الورقة إلا إذا اجتمعت العلة التامة، وهي: وجود النار كمقتضي، واقترابها من الورقة كشرط، وانتفاء المانع، مثل: الرطوبة التي قد تمنع الاشتعال.

وهذا القانون ينطبق على استجابة الدعاء، إذ لا يُستجاب الدعاء إلا إذا توفر المقتضي، وتحَققت الشروط، وانتفت الموانع. فمن أدرك هذه القاعدة، عرف أسرار القبول، وسلك طريق الاستجابة بيقين وثقة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: ما هو المقتضي والشروط التي ينبغي توفرها؟ وما هي الموانع التي يجب رفعها لكي يُستجاب دعاؤنا؟

سنجيب عن هذا التساؤل عبر عدة مباحث، وسنبدأ في هذا المبحث بتوضيح “مقتضي الدعاء”.

🔹 المقتضي هو ذات الدعاء، أي أن استجابة الدعاء تتطلب تحقق الدعاء نفسه، فهو السبب الأولي لحدوث الأثر، كما قال تعالى: [إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ][5]، ولقوله تعالى: [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ][6]، وهذا يدل بوضوح على أن الدعاء هو السبب والمقتضي الأول للاستجابة.

(إنّ الدعاء في العرف العام هو طلب توجّه المدعو نحو الداعي، كما يُقال: “دعا زيدٌ عمرًا”، أي ناداه ليستجيب له. وبالقياس على ذلك، دعاء الله تعالى هو طلب توجّهه عزّ وجلّ نحو الداعي، واستجابته له).[7]

وبناءً على ذلك، إذا لم يدعُ الإنسان، فلن يُستجاب له، لأن الدعاء نفسه هو شرط جوهري للاستجابة.

قد يتبادر إلى الأذهان سؤال: “لماذا ندعو الله وهو سبحانه يعلم حاجاتنا وأحوالنا قبل أن نسأله؟”

الجواب: الله تعالى هو العالِم المطلق، كما قال في كتابه الكريم: [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ][8]، وهو يرزق الجميع بلا استثناء، سواء طلبوا منه أم لم يطلبوا، فيمنح العافية، والرزق، والأمان، والماء، والهواء وغيرها من النعم التي لا تُحصى للمؤمن والكافر على حدٍّ سواء.

ومع ذلك، فإن للدعاء حِكَمًا وأسرارًا عديدة، منها:

1.الدعاء أمر إلهي: جاءت النصوص الشرعية الكثيرة التي تحثّ على الدعاء، حتى ورد أنه “أفضل العبادة”[9]، فنحن مأمورون بطاعة الله حتى لو لم ندرك العِلّة الكاملة لذلك، لأن في امتثال أمره الخير لنا.

2.محبة الله لسماع دعاء عباده: إن الله سبحانه حين يأمرنا بالدعاء، فذلك لأنه يحبنا، فالإنسان إذا أحب شخصًا، أراد سماع صوته والتواصل معه، بينما إذا كرهه، فإنه لا يرغب في سماعه. والمؤمن يحب ما يحبّه الله، ومن ذلك أن يبثّ حاجاته إليه. وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “أن الله تبارك وتعالى يعلم ما يريد العبد إذا دعاه، لكنه يحبّ أن تبثّ إليه الحوائج، فإذا دعوت فسمّ حاجتك”.[10]  .[11]

3. الدعاء جزء من نظام الأسباب والمسببات: جعل الله الكون قائمًا على نظام الأسباب، ومن هذه الأسباب التي تتحقق بها حاجات الإنسان: السعي والعمل، والتوسل بأهل البيت عليهم السلام، والاستغفار والتوبة، والإكثار من شكر الله، والصدقة. وأحد أهم هذه الأسباب هو: الدعاء والتضرّع إلى الله.

فهناك نِعَم لا تُنال إلا بالدعاء، كما قال تعالى:﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ[12]، أي أن الله يُولي اهتمامه بعباده بقدر توجههم إليه، فإن تركوا الدعاء والعبادة، صاروا بلا قيمة في ميزان الحق.

4. الدعاء يُحقق العبودية لله: الله سبحانه غنيٌّ عن دعائنا، ولكن مصلحتنا تكمن فيه، فهو يعلّم الإنسان التوكل عليه، ويجعله يدرك ضعفه وعجزه أمام قدرة الله، ويشعر بحاجته الدائمة إليه، مما يعزّز روح العبودية الحقيقية. قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[13]، فحين يدعو الإنسان ربه، يلجأ إليه بقلب خاشع، مدركًا أن كل الأسباب بيده وحده.

إذن، الدعاء ليس مجرد وسيلة لقضاء الحاجات، بل هو منهج تربوي يُقوّي الإيمان، ويعزز التوكل، ويجدد الصلة بالله سبحانه، ليظل القلب معلقًا به في كل الأحوال.

لكن الدعاء وحده لا يكفي ما لم تتحقق الشروط وينتفي المانع. و(في الآية الشريفة تلميح لبعض شروط الدعاء التي إذا توفرت تجعل الدعاء مستجابا)[14]، وهذا سنتطرق إليه في المبحث الآتي:

المَبْحَثُ الثَّانِي: شُرُوطُ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ

(لاستجابة الدعاء شروط مذكورة في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وهي تنقسم إلى شروط الصحة، فلا يستجاب الدعاء بدونها، وشروط الكمال).[15]

وسنطرح الشروط في هذين المطلبين:

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: شُرُوطُ صِحَّةِ الدُّعَاءِ

شروط صحة الدعاء هي المعايير الأساسية التي يجب أن تتوفر لكي يكون الدعاء صحيحًا ومؤهلًا للاستجابة.

عند تأمل الآية الكريمة: [إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ][16]، نجد أنها تُشير بوضوح إلى بعض شروط صحة الدعاء، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:

1.حضور القلب والإخلاص في الدعاء: يشير قوله تعالى: [إِذَا دَعَانِ] إلى ضرورة أن يكون الدعاء صادرًا عن توجه صادق وخالص إلى الله تعالى، لا مجرد ألفاظ ترددها الألسن دون وعي. فالدعاء الذي تُرجى استجابته هو الدعاء النابع من القلب، وليس الدعاء الذي يُقال بلسان غافل لا يعي معانيه. جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام:” لا يقبل الله عز وجل دعاء قلب لاهٍ “[17]، وعن الصادق عليه السلام:” إنّ الله عز وجل لا يستجيب دعاء بظهر قلبٍ ساهٍ، فإذا دعوت فاقبل بقلبك ثم استيقن الإجابة”.[18]

وحينما نأتي للواقع نجد كثيرًا ما يُردَّد الناس الدعاء والذهن شارد، منشغل بالتلفاز، أو بأحاديث الآخرين، أو غارق في هموم الدنيا، فلا يعي الداعي ما ينطق به. ولو تأمل أحدنا كيف يكون حاله لو وقف أمام شخصية مرموقة يرجو قضاء حاجته، لرأيناه بكامل انتباهه وخشوعه، فكيف إذًا بالمناجاة بين يدي ملك الملوك، الذي بيده كل شيء؟

لذا ينبغي للداعي أن ينقطع إلى الله تعالى ويضطر إليه، فتستجاب دعوته، كما وعد تبارك وتعالى بذلك في قوله: [أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ][19]،

2. الإيمان بالله وقدرته على الإجابة: هذا الشرط مستنتج من قوله تعالى: [وَلْيُؤْمِنُوا بِي]، أي أن الاستجابة مشروطة بالإيمان بالله وعدم الشك في قدرته على الاستجابة. حيث لا يرى العبد سبباً في التأثير والإجابة وقضاء الحاجة غير الله سبحانه وتعالى. جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: “إن الله عز وجل لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثم استيقن بالإجابة”. [20]

فأن الدعاء لا يُستجاب إذا كان صاحبه غير موقن بالإجابة أو كان يشك فيها. بل يجب أن يكون مقرونًا باليقين بقدرة الله على تحقيق ما يُسأل، كما في الخبر المروي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال لي أبو الحسن الرضا عليه السّلام: «أخبرني عنك لو أني قلت لك قولا أكنت تثق به مني؟ فقلت له: جعلت فداك إذا لم أثق بقولك فبمن أثق وأنت حجة اللّه على خلقه؟ قال: فكن باللّه أوثق فإنك على موعد من اللّه أليس اللّه عزّ وجل يقول: إِذا سَأَلَكَ …».[21]

3. اشتراط الاستجابة لأوامر الله تعالى: يُستنبط هذا الشرط من قوله تعالى: [فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي][22]، فكأن الآية تقرّر: إن اللّه تعالى يستجب دعاء العباد، ولا بدّ للعباد أن يستجيبوا له فيما يدعوهم إليه، ودعاؤه تعالى العباد هو الإيمان به والعمل الصالح. أي على العبد أن يلتزم بطاعة الله وأوامره، وهذا شرط قوي لقبول الدعاء، وفي الحديث القدسي أنّ الله أوحى إلى داود عليه السلام: “يا داود، إنّه ليس عبد من عبادي يطيعني فيما آمره إلاّ أعطيته قبل أن يسألني، وأستجيب له”.[23]

ومن ثمّ ورد في الروايات أن الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر[24]، وأنّ دعوة آكل الحرام، وآكل السحت محجوبة، وكذا دعاء الظالم، وقاطع الرحم كما سنوضح ذلك في المبحث القادم.

المَطْلَبُ الثَّانِي: شُرُوطُ الكَمَالِ

شروط الكمال هي الشروط التي لا تبطل الدعاء بتركها، لكنها تؤثر في درجته وكماله وثوابه. والشروط عديدة، نذكر منها الآتي:

1- الطهارة من الحدث والخبث. 2- استقبال القبلة. 3- خضوع القلب ورقته والبكاء والتباكي، والتضرع ومدّ اليدين. 4- الابتداء بالثناء على اللّه، والمدح له، ثم الإقرار بالذنوب. 5- الإلحاح بالدعاء. 6- البكاء حال الدعاء. 7- الصدقة قبل الدعاء. 8- الاجتماع في الدعاء. 9- الدعاء للإخوان. 10- رفع اليدين. 11- الدعاء عند السحر، وقبل طلوع الشمس وغروبها. 12- الدعاء عند قراءة القرآن، والأذان، ونزول المطر.13- مداومة الدعاء في الرخاء والشدّة، والإلحاح في الدعاء. 14- عدم القنوط واليأس. 15- الدعاء في الأمكنة الشريفة كالمسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمراقد المقدّسة للأئمة الأطهار وخصوصا تحت قبة سيد الشهداء عليه السلام. 16- الصدقة، وشمّ الطيب، والذهاب إلى المسجد: روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: “كان أبي إذا طلب الحاجة.. قدَّم شيئاً فتصدق به، وشمَّ شيئاً من طيب، وراح إلى المسجد”.[25]

16-عند الدعاء نقدّم الصلاة على محمّد وآل محمد على الحاجة ونختم بها. ومن جميل ما روي في هذا المقام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “إذا دعا أحدكم فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنَّ الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقبولة، ولم يكن الله ليقبل بعض الدعاء ويرد بعضاً”.[26]

17-التوسل بمحمد وأهل بيته عليهم السلام: روي عن سماعة بن مهران، قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: “إذا كان لك يا سماعة عند الله حاجة فقل: اللهم إني أسألك بحق محمّد وعلي، فإن لهما عندك شأناً من الشأن، وقدراً من القدر، فبحق ذلك الشأن وبحق ذلك القدر أن تصلًي على محمّد وآل محمّد وأن تفعل بي كذا وكذا”.[27]

رب تساؤل يردّ: ما السرّ في كون الصلاة سببا لقبول الدعاء؟

الجواب نطرحه بهاتين النقطتين:

الأول: إن العبد إذا جعل الصلاة في أول الدعاء وفي آخره وعرض المجموع على اللّه تعالى فإنّ اللّه الكريم يستحي أن يردّ بعضه ويقبل بعضه، وما دامت الصلاة غير محجوبة فلا بد من عدم محجوبية الدعاء أيضا، واللّه أكرم من أن يقبل الطرفين ويدع الوسط، مثال ذلك: أن من باع أمتعة صفقة واحدة، فإنّ المشتري لا يسوغ له أخذ الصحيح وردّ المعيب، بل أما أن يردّ الجميع، أو يقبل الجميع، ولا يردّ المعيب فقط، وهذا الداعي مزج دعاءه بالصلاة على محمّد وآله، وعرض الجميع صفقة واحدة على ربّ الأرباب وهو أكرم وأجلّ من أن يردّ المعيب ويقبل الصحيح.

وهذا هو أحد أسرار الصلاة جماعة، والدعاء في الاجتماع، والصلاة في أول وقتها، لأنها إن ارتفعت أول الوقت، فإنها ترتفع مع صلاة ولي العصر (عج) وعندها يستحي اللّه تعالى أن يقبل صلاة الإمام عليه السّلام ويردّ صلاة العبد.

الثاني: إن من كانت له حاجة عند سلطان، فإنه يتقرّب إليه بأحبّ الوسائل لديه فيتشفّع بفلان وفلان من المقرّبين لدى حضرته، وبعبارة أخرى، من أحبّه السلطان وأكرمه يجب أن يكرمه الناس فإذا فعل ذلك استحقّ العطاء من السلطان.

والنبي محمّد وأهل بيته عليهم السّلام هم أقرب الخلق إلى اللّه تعالى وأحبّهم إليه فلا بدّ من التوسّل بهم والتقرّب بحبّهم إلى ربّهم عند طلب الحاجة منه سبحانه وتعالى، فلو لم يستجب دعاءك في الأساس فإنه سيستجيبه كرامة لهؤلاء الذين توسّلت بهم وقدّمتهم بين يدي حوائجك.[28]

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَوَانِعُ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ

قد يسأل سائل إن جميع الشروط قد توفرت ولم يستجب دعائي؟

نقول في محل الجواب: أننا ذكر أن العلة التامة تتكون من 1. المقتضي، 2. توفر الشروط، 3. رفع الموانع. ولقد تكلمنا عن المقتضي وتوفر الشروط، ولكنها ليست كافية لتحقق العلّة إلا برفع الموانع، ونذكر منها الأمثلة الآتية:

# إنّ الورقة لا تحترق رغم وجود النار إذا كانت مبللة بالماء، لأن الماء يمتص الحرارة ويمنع وصول درجة الحرارة الكافية للاحتراق.

# لا يتحقق الشفاء رغم تناول الدواء إذا كان الجسم لا يمتصه بسبب خلل في الجهاز الهضمي.

# لا ينطفئ الحريق بالماء إذا كان هناك زيت مشتعل، لأن الزيت يطفو على الماء.

# لا يزول العطش بشرب الماء المالح، لأنه يزيد الجفاف بدلاً من الترطيب.

# لا ينمو النبات رغم توفر الماء والتربة الجيدة إذا كان في مكان مظلم بلا ضوء شمس.

هذه أمثلة توضح أن وجود السبب وحده لا يكفي، بل لا بد من انتفاء الموانع. وهذا ينطبق على موضوع الدعاء، فإن هنالك كثيراً من الموانع التي تمنع استجابة الدعاء، نذكرها في الموانع الآتية:

المَانِعُ الأَوَّلُ: ارْتِكَابُ الذُّنُوبِ

المانع الأول من استجابة الدعاء هو ارتكاب الذنوب، وهذا ما صرّحت به النصوص الشرعية، فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء كميل: «اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء»، (فالذنوب وسوء الاعمال، تحجب الدعاء وتمنع الاجابة. وتوضيح ذلك: أن للذنوب في حياة الإنسان دورين:

الدور الأول: إنها تحجب الإنسان عن الله وتقطعه، فلا يتمكن الإنسان من الإقبال على الله والتوجه اليه.

والدور الثاني: إن الذنوب تحجب الدعاء وتمنعه من الصعود الى الله، لأن الدعاء لو صعد الى الله فإنها سوف تتم الإجابة من عند الله، لأنه ليس في ساحة الله تعالى عجز أو بخل إذا وصل الإنسان اليه، لكن الذنوب تسبب عجزاً في الدعاء بحيث يمنعه عن الصعود الى الله والوصول اليه.

إذن الذنوب قد تمنع الانسان من أصل الدعاء، وقد تمنع الدعاء وتحبسه من الصعود الى الله، وإذا لم يصعد الدعاء إلى الله فبالتأكيد لن تتم الإجابة، فالله لا يستجيب دعاء المذنب والعاصي لان دعائه عاجز عن الوصول اليه).[29]

روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إن العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجلٍ قريب، أو إلى وقتٍ بطيء، فيذنب العبد ذنبًا فيقول الله تبارك تعالى للملك: لا تقض حاجته واحرمه إيَّاها، فإنَّه تعرَّض لسخطي، واستوجب الحرمان مني».[30]

والذنوب التي تردّ الدعاء عديدة، نذكر منها الآتي:

ذنوب سبعة يذكرها الإمام زَيْنَ الْعَابِدِينَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عليه السلام بقوله‏: ” الذُّنُوبُ الَّتِي تَرُدُّ الدُّعَاءَ: سُوءُ النِّيَّةِ، وَخُبْثُ السَّرِيرَةِ، وَالنِّفَاقُ مَعَ الْإِخْوَانِ، وَتَرْكُ التَّصْدِيقِ بِالْإِجَابَةِ، وَتَأْخِيرُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ حَتَّى تَذْهَبَ أَوْقَاتُهَا، وَتَرْكُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْبِرِّ وَالصَّدَقَةِ، وَاسْتِعْمَالُ الْبَذَاءِ وَالْفُحْشِ فِي الْقَوْلِ”.[31]

في هذا الحديث، يوضح الإمام زين العابدين عليه السلام سبع ذنوب تمنع استجابة الدعاء. كل نقطة تمثل (حاجزًا بين العبد وربه)، فإذا وقع الإنسان في هذه الذنوب، فقد يحرم من إجابة دعائه. إليك شرحًا مبسطًا لكل نقطة مع مثال لتوضيحها:

الذنب الأول: سوء النية: أن يكون الدعاء صادرًا عن نية فاسدة، من أمثلة ذلك: شخص يدعو الله أن يرزقه مالًا، لكنه يريد به التكبر والظلم، أو الدعاء لينجح في غش الآخرين، فهذا دعاء غير مقبول.

الذنب الثاني: خبث السريرة (فساد القلب والنية)[32]: بأن يحمل الإنسان في قلبه حقدًا أو غشًا تجاه الآخرين، فلا يكون صادقًا مع الله ولا مع الناس.

مثال: شخص يدعو الله بالرزق لكنه في نفس الوقت يحسد الآخرين على ما لديهم، فكيف يُستجاب دعاؤه؟، لذا عليه تطهير القلب من الحسد والغل، والدعاء للآخرين بالخير كما يدعو لنفسه. روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “كان رجل من بني إسرائيل يدعو الله تعالى أنْ يرزقه غلاماً، ثلاث سنين، فلمّا رأى أنّ الله لا يُجيبه قال: يا ربّ، أبعيد أنا منك فلا تسمعني، أم قريب فلا تُجيبني؟ فأتاه آتٍ في منامه قال: إنّك تدعو الله منذ ثلاث سنين بلسانٍ بذيء وقلبٍ عاتٍ غير نقيّ، ونيّة غير صافية (صادقة)، فأقلع عن بذائك، وليتّق اللهَ قلبُك، ولتحسِّن نيّتك، ففعل الرجل ذلك عاماً فولد له غلام”.[33]

الذنب الثالث: النفاق مع الإخوان: بأن يظهر الإنسان المحبة والإخلاص للناس، لكنه في الباطن يخدعهم أو يتمنى لهم السوء.

مثال: شخص يبتسم في وجه صديقه، لكنه يطعن فيه ويغتابه خلف ظهره، ثم يدعو الله بالخير، فكيف يُستجاب له؟، علاجه أن يكون صادقاً في العلاقات، وعدم إظهار شيء وإخفاء شيء آخر، لأن الله يعلم ما في القلوب.

الذنب الرابع: ترك التصديق بالإجابة: أي الشخص الذي لا يُصدّق بأن الله سيستجيب دعائه، وهذا ينافي حسن الظن بالله.

مثال: شخص يدعو الله بالنجاح لكنه يقول في نفسه: “لا أصدق بأن الله يحقق لي النجاح، أنا لن أنجح”، فكيف يُستجاب له وهو يشك في قدرة الله؟، ففي الحديث: “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة”[34].

الذنب الخامس: تأخير الصلاة عن وقتها: الصلاة عمود الدين، ومن يؤخرها بلا عذر فإنه يُقصّر في حق الله، فيُحرم من استجابة دعائه.

روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر العقوبات المترتبة على المتهاون بأداء الصلاة، وذكر من العقوبات الدنيوية: “…وَ لَا يَرْتَفِعُ دُعَاؤُهُ إِلَى السَّمَاءِ…”.[35]

الذنب السادس: عدم التقرب إلى الله بالبرّ[36] والصدقة:

البرّ والصدقة من أسباب القبول عند الله، وحرمان النفس من هذه الأعمال يمنع استجابة الدعاء.

مثال: شخص يدعو الله بالرزق لكنه لا يساعد الفقراء ولو بالقليل، ولا يحسن إلى الآخرين، وبالأخص امتناعه عن إخراج الحقوق المالية الواجبة كالخمس، والتقصير في النفقة على العيال.

الذنب السابع: استعمال الفحش في القول

الفحش في القول هو الكلام البذيء، السبّ، اللعن، والكلمات النابية كلها تُبعد الإنسان عن رحمة الله. مثال: شخص يدعو الله أن يفرّج كربه، لكنه يشتم الناس ويؤذيهم بلسانه، فكيف يُستجاب له؟، لذا علاجه أن يضبط اللسان، بأن يكون اللسان أداة للخير وليس للشر.

الذنب الثامن: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، روي عن الإمام الكاظم عليه السلام: “لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم”.[37]

الذنب التاسع: سماع الأغاني: روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة، ولا يدخله الملك”.[38]

الذنب العاشر: أكل الحرام: روي أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يا رسول الله أحب أن يستجاب دعائي، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: طهر مأكلك، ولا تدخل بطنك الحرام».[39]

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: «من سره أن تستجاب له دعوته، فليطب مكسبه».[40]

الذنب الحادي عشر: قطيعة الرحم: إن قطيعة الرحم مخالفة لأمر الله عز وجل ولذلك كانت مانعاً لاستجابة الدعاء، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «قطيعة الرحم تحجب الدعاء».[41]

الذنب الثاني عشر: الظلم: (كيف يتأمَّل الإنسان أن يستجيب له ربُّه وهو يظلم أحداً من عباده، أخوته، أو زوجته، أو أولاده، أو موظَّفيه، أو جيرانه أو أحداً من أهل ملّته ومذهبه وهم ليس لهم ناصرٌ ولا معين غير الله؟ هيهات! فإنَّ الظُّلم حاجب عن الخيرات مانع للبركات، وعدم استجابة الدُّعاء أحد آثار ظلم الإنسان لعيال الله وخلقه)[42]، فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله عز وجل: «وعزتي وجلالي، لا أجيب دعوة مظلوم دعاني في مظلمة ظلمها ولأحد عنده مثل تلك المظلمة».[43]

الذنب الثالث عشر: الدعاء بالمنهي عنه وبما فيه شر للناس:

الله لا يستجيب لدعاء الشخص إذا كان يتضمن أمر نهتنا عنه الشريعة الإسلامية، كالولد الذي يدعو الله أن يغيب عنه والديه لكي يرتكب الحرام.

أو أن يتضمن الدعاء ضررًا لغيره دون وجه حق. مثال: شخص يدعو على أخيه بالضرر بدافع الحسد، فهذا دعاء غير مقبول.

المَانِعُ الثَّانِي: عَدَمُ الوَفَاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ

المانع الثاني من استجابة الدعاء هو عدم الوفاء بعهد الله، روي أنّ رجلاً سأل الإمام الصادق عليه السلام قائلاً: “جعلت فداك، إن الله يقول [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ][44]وإنَّا ندعو فلا يستجاب لنا ؟! قال عليه السلام: “لأنكم لا توفون بعهد الله، لو وفيتم لوفى الله لكم”.[45]

قد يسأل أحدكم: وما هو عهد الله الذي وجب علينا الوفاء به؟

الجواب في قوله تعالى: [أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ][46]، إنّ عبادة الشيطان لا تعني السجود له، بل طاعته في معصية الله والانحراف عن طاعته وعبادته، ومن فعل ذلك فقد خان العهد الإلهي. وهذا العهد لا يقتصر على اجتناب الذنوب فقط -التي ذكرناها في المطلب الأول-، بل يشمل أيضاً الإيمان الصادق، والالتزام بالمواثيق الإلهية، وطاعة الله، والعمل الصالح، والإخلاص له.

وبما أنّ القلوب هي موضع العهد مع الله، لذا إذا امتلأت بالإيمان والصدق أوفت بعهدها، وإذا فسدت بالخيانة والغفلة نقضت العهد، وهذا المعنى أشار إليه الإمام علي عليه السلام حينما سأله قائلاً: “..يا أمير المؤمنين، أنت القبلة إذا ما ضللنا، والنور إذا ما أظلمنا، ولكن نسألك عن قول الله تعالى:﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[47] فما بالنا ندعو فلا نجاب، قال: لأن قلوبكم خانت بثمان خصال:

أولها: إنكم عرفتم الله، فلم تؤدوا حقه كما أوجب عليكم، فما أغنت عنكم معرفتكم شيئا.

والثانية[48]: إنكم آمنتم برسوله، ثم خالفتم سنته، وأمتم شريعته، فأين ثمرة إيمانكم؟

والثالثة: إنكم قرأتم كتابه المنزل عليكم فلم تعملوا به، وقلتم: سمعنا وأطعنا، ثم خالفتم.

والرابعة: إنكم قلتم إنكم تخافون من النار، وأنتم في كل وقت تقدمون أجسامكم إليها بمعاصيكم، فأين خوفكم؟

والخامسة: إنكم قلتم إنكم ترغبون في الجنة، وأنتم في كل وقت تفعلون ما يباعدكم منها، فأين رغبتكم فيها.

والسادسة: إنكم أكلتم نعمة المولى، ولم تشكروا عليها.

والسابعة: إن الله أمركم بعداوة الشيطان، وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا[49] فعاديتموه بلا قول[50]، وواليتموه بلا مخالفة.

والثامنة: إنكم جعلتم عيوب الناس نصب أعينكم، وعيوبكم وراء ظهوركم، تلومون من أنتم أحق باللوم منه، فأي دعاء يستجاب لكم مع هذا؟ وقد سددتم أبوابه وطرقه، فاتقوا الله وأصلحوا أعمالكم، وأخلصوا سرائركم، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فيستجيب الله لكم دعاؤكم “.[51]

المَانِعُ الثَّالِثُ: المَنْعُ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ

المانع الثالث من استجابة الدعاء هو أن يكون في تحقيقه شر أو ضرر، بينما في منعه الخير والمصلحة للعبد. فقد يطلب الإنسان شيئًا يراه خيرًا، لكنه في الحقيقة يحمل له ضررًا في دينه أو دنياه، والله سبحانه يعلم ما لا يعلمه العبد، فيمنع عنه ما قد يؤدي إلى الأذى أو الفتنة.

قال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا[52]، فربما يستعجل الإنسان في طلب شيء يظنه خيرًا، لكنه لو تحقق لكان سببًا في هلاكه أو فتنة له.

لذا، فإن من رحمة الله بعبده أن يمنع عنه بعض الدعوات، حفظًا له من ضرر قد لا يدركه، وبدلًا من ذلك يعوضه بما هو أفضل له في الدنيا أو الآخرة.

(ولتوضيح الأمر نقول: إنّ استجابة الدعاء من قبل الله تعالى، لا يكون إلّا من باب التلطف والرحمة بالعبد، فإذا استجيب له في حاجة، وأعطى ما لم يكن في مصلحته وصلاحه، فإنّ تلك الاستجابة والعطاء لا تعد لطفاً أو رحمة؛ لأن العطاء في غير صلاح الإنسان مخالفة للطف والرحمة.

وإذا نسلم أنّ الإنسان عاجز عن تشخيص صلاحه لعدم قدرته على الإحاطة العلمية الشاملة والدقيقة لجميع ما فيه خيره وصلاحه، أو ضرره وفساده، حيث يقول تعالى: [وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ][53]، فإن الله يعطي الإنسان الدعاء ما فيه صلاحه، أما ما يطلبه وهو في غير صلاحه، فإنّ الله تبارك وتعالى يعوضه عنه غيره مما فيه صلاحه في هذه الدنيا، أو يدخّر له في الآخرة من الثواب والعطاء عوضًا عمّا فاته في الدنيا.

بعبارة أخرى: إن الأمور التي فيها صلاح الإنسان على قسمين: القسم الأول حتمي، بينما القسم الثاني متوقف على الطلب والمسألة والدعاء. ولأنّ الإنسان لا يميز بين القسمين، فأنّ عليه أن يدعو، فإذا كان ما طلبه معلقاً تحقيقه بالدعاء فإنّه سيحصل عليه، وإذا كان حتمياً لا يحتاج إلى الدعاء، فسيحصل عليه، مع حصوله على ثواب الدعاء الذي يعتبر من أفضل القربات، ومن أقرب الوسائل التي تجعل للعبد مقام الحظوة عند الله تعالى).[54]

أمثلة عن ذلك:

# شخص يطلب الغنى لكنه لو رُزق المال لطغى وتجبر وابتعد عن طاعة الله.

# رجل يطلب الذرية لكن الله يعلم أن ولده سيكون سبب شقائه أو فتنة له في دينه.

# رجل يسأل الله منصبًا رفيعًا لكنه لو تولّاه لظلم الناس أو فُتن بالسلطة.

# شخص يدعو بالزواج من شخص معين لكن الله يعلم أن هذا الزواج سيكون سببًا في تعاسته أو فساد دينه.

# امرأة تتمنى الشهرة لكنها لو حصلت عليها لوقعت في الغرور والانحراف عن مبادئها.

# رجل يدعو بالشفاء من مرض معين لكن الله يعلم أن بقاء المرض فيه تكفير لذنوبه ورفعة لدرجاته.

ولنا في قصة موسى والخضر عليهما السلام عبرة في ذلك، حيث قام الخضر عليه السلام بثلاثة أفعال ظنّها موسى عليه السلام شرًّا، لكنها كانت في حقيقتها خيرًا خفيًّا، وكشف الله له الحكمة بعد ذلك، والأحداث كالآتي:

1. خَرْقُ[55] السفينة: إنّ الخضر خرق السفينة، مما جعلها تبدو معطوبة، فاعترض موسى عليه السلام على فعله ظناً منه أنه شر، فتبين أن ذلك كان لحمايتها من المصادرة على يد الملك الظالم، قال الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.[56]

2. إقامة الجدار: إنّ موسى استغرب لماذا لم يطلب الخضر أجرًا على إقامة الجدار، لكنه كان يخفي كنزًا لأيتام، وكان سيُسرَق لو لم يُصلح الجدار.

قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾.[57]

3.قَتْلُ الغُلَام: ظن موسى عليه السلام أن قتل الغلام ظلم، لكن تبيّن فيه المصلحة لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.[58]

رب تساؤل يرد: لماذا لم يبدّلهما الله تعالى خير منه زكاة وأقرب رحما (مع وجوده).

الجواب: إنّ عالم الإمكان عالم واسع فسيح، فالله تعالى يمكن أن يدع هذا الغلام حيّاً ويبقيه لوالديه ويرزقهما معه غيره، ولكن الله تعالى لا يفعل إلاّ بحكمة وقدر.

فممّا يظهر نقول: بأنّ هذا الغلام كان كافراً مؤذياً طاغياً سيؤذي والديه بشكل كبير قد يصل بهما إلى الابتعاد عن الإيمان أو عن الراحة، لقوله تعالى: [فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً][59]، فرأفةً بهما أمر الله تعالى بقتله.

وكذلك فقد يكون الله تعالى قد قدّر لهما أن يكون لهما ابن واحد في هذه الدنيا، ولذلك وجب الإبدال والترجيح بين الصالح والطالح، فقتله كان مبرّراً ولمصلحة مقبولة.

وقد يكون الله تعالى بصبرهما أو تألمهما على هذا الغلام يثيبهما ذلك الابن الصالح البار. وقد يقتضي قتله لأنّه ببقائه معهما يجعلهما كافرين أو متابعين له لكلّ ما يريد محبّة له وانقياداً لتجاوزاته، وتبريراً لأفعاله القبيحة فلا يستحقّان وهما على تلك الحالة أن يرزقا بتلك البنت الصالحة التي أنجبت سبعين نبيّاً، فلولا قتله لما أبدلهما الله تعالى بتلك الجارية (البنت)، ولمّا استحقّا هذه المكرمة العظيمة التي هي اختيار الله تعالى الذي هو خير من اختيارنا قطعاً، فالخير فيما يختاره الله تعالى.[60]

العبرة من القصة: قد يمنع الله عنك أمرًا تظنه خيرًا، لكنه في الحقيقة يحميك من ضرر، أو يهيئ لك خيرًا أعظم في المستقبل.

المَانِعُ الرَّابِعُ: تَرْكُ العَمَلِ بِالأَسْبَابِ

المانع الرابع من استجابة الدعاء هو ترك العمل بالأسباب. في حين أن الدعاء لا يعني ترك الأسباب المادية والاعتماد فقط على الله دون بذل الجهد، بل استجابة الدعاء مشروط بالتزام الإنسان بأوامر الله والعمل وفق السنن والأسباب، وأما الذين يعتمدون على الدعاء دون العمل بالأسباب فلا يُستجاب لهم دعاؤهم، ومنهم:

# الذي يدعو دون عمل: من يعتمد على الدعاء دون بذل الجهد، كمن يضع يده على خده ويجلس في بيته ويقول يا ربِّ ارزقني مالاً، وهو لا يتحرك ولا يعمل فلن يعطيه الله شيئاً في هذه الحياة الدنيا، ولو دعا ليلا ونهارا لأن الله (عزَّ وجلَّ) أبى ألا تجري الأمور إلاّ بأسبابها، والأسباب التي ترزق العبد الحركة والعمل (عبدي منك الحركة ومني البركة). فعلى العبد أن يعمل ويتحرك ثم بعد ذلك يدعو الله أن يوفقه في عمله. روي عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: “رجل قال لأقعدن في بيتي ولأصلين ولأصومن ولأعبدن ربي فأما رزقي فسيأتيني فقال: هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم” [61]، وفي رواية أخرى: فيقال له: ألم أجعل لك سبيلا إلى طلب الرزق؟ “.[62]

# المُبذّر الذي يطلب الغنى: من أنفق ماله بغير حكمة ثم دعا الله أن يغنيه، فلا يُستجاب له، لأن الله أمر بالتوازن في الإنفاق، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾.[63]

# الذي يُقرض بلا شهود: من يُديِّن شخصًا دون أن يوثق ذلك، ثم يدعو الله ليسترد حقه، فلا يُستجاب له، لأنه خالف أمر الله في التوثيق؛ قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ][64]، روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: “ثلاثة لا يستجاب له دعوة _إلى أن ذكر_ ورجل كان له حق على إنسان لم يشهد عليه فيدعو الله أن يرد عليه فيقال له: قد أمرتك أن تشهد وتستوثق فلم تفعل”.[65]

# الزوج الذي يدعو على زوجته ظلمًا: من يدعو على زوجته رغم أن أمرها بيده، فالأولى أن يطلقها إن لم يردها بدلًا من الدعاء عليها، روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: “ثلاثة لا يستجاب لهم دعاء _ إلى أن ذكر _ ورجل له امرأة يدعو الله أن يريحه منها ويفرق بينه وبينها فيقال له: أمرها بيدك خلِّ سبيلها”.[66]

فهؤلاء لا يُستجاب لهم، لأنهم أهملوا الأسباب التي أمرهم الله بها، فالدعاء وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون مقرونًا بالعمل والحكمة والتزام أوامر الله.

الخلاصة: نفهم مما تقدم أنّ الدعاء يكون مستجاباً إذا توفرت شروطه، وإذا رفعت موانع الاستجابة التي تم ذكرها في المباحث السابقة.

قد يستغرب بعضنا في استجابة دعائه رغم تقصيره فيما يتعلق بالشروط والموانع!!، (لكن لا يخفى أنّ الله يتعامل بفضله، إذ برغم أنّ الدعاء المستوفي لشروطه عزيز الوجود، إلّا أنّ أصل الاستجابة التي وعد بها تعالى هي باب عظيم من الفضل والإحسان. بمعنى أنّ الله في بعض الأحيان يجيب دعاء العباد تفضلا رغم أنّ معظمه غير مستوفٍ لشرائط الدعاء المستجاب)[67].

وتبقى القاعدة الأساسية: إذا أراد الإنسان تحقيق أمرٍ ما، فعليه مراعاة السنن الإلهية المرتبطة به، والتي تتمثل في استجابة الدعاء عند توفر شروطه وانتفاء موانعه.

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: إِرْشَادَاتٌ لِلدَّاعِينَ: بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالصَّبْرِ

هناك إرشادات ينبغي مراعاتها في الدعاء، نذكر منها الآتي:

1.الدعاء في كل صغيرة وكبيرة: ينبغي أن يسأل العبد ربَّه في جميع أموره، مهما بدت صغيرة، فقد ورد في الحديث: “يا موسى سلني كل ما تحتاج إليه حتى علف شاتك وملح عجينك”[68]،

2.الدعاء في السراء والضراء: لا ينبغي أن يقتصر الدعاء على أوقات الشدة وينسى العبد ربه في الرخاء، بل يجب أن يكون الدعاء مستمرًا في كل الأحوال. فقد روي عن أبي جعفر عليه السلام: “ينبغي للمؤمن أن يكون دعاؤه في الرخاء نحوا من دعائه في الشدة، ليس إذا أعطي فتر[69]، فلا تمل الدعاء”.[70]

3.شمولية الدعاء للدنيا والآخرة: لا ينبغي أن يقتصر الدعاء على طلب الأمور الدنيوية كالرزق، والصحة، وتفريج الكروب، بل ينبغي أن يشمل ما يتعلق بالآخرة كطلب قبول التوبة، وحسن العاقبة، والعتق من النار، وطلب السلامة من سوء الأخلاق، والتخلص من الصفات المذمومة كالحسد، والحقد، وسوء الظن، وغيرها.

4.الإلحاح في الدعاء وعدم الملل: قد يتصور بعض الداعين أن الله قد ملَّ من دعائهم بعد طول المدة، فيتوقفون عن الإلحاح، كأن يقول: “لقد دعوتُ الله لسنين ولم يُستجب لي، واعتقد ملّ الله من دعائي”، لكن الحقيقة أن الله يحب العبد اللحوح في الدعاء. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “..إذا فتح لأحدكم باب دعاء فليجهد، فان الله لا يمل حتى تملوا”.[71]

5.الصبر عند تأخر الإجابة: لا ينبغي أن ييأس العبد إذا تأخرت الاستجابة، فقد ورد عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: “لا يزال المؤمن بخير ورجاء، رحمة من الله عز وجل ما لم يستعجل، فيقنط ويترك الدعاء، قلت له: كيف يستعجل؟، قال: يقول: قد دعوت منذ كذا وكذا وما أرى الإجابة”.[72]

والحاصل أنه ينبغي ألا يتوقف عن الدعاء لبطء الإجابة، للأسباب الآتية:

أولاً: التأخير لمصلحة العبد في الدنيا: فقد يكون الوقت غير مناسب لتحقيق الحاجة، وسيُعطاها العبد في وقت لاحق، كما أخّر الله رزق اليتيمين حتى يبلغا سن الرشد، قال تعالى: [وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ][73].

ثانياً: التعويض في الآخرة: من لم يُعطَ حاجته في الدنيا، فقد يكون نصيبه تعويضًا أعظم في الآخرة، كما في حال المؤمنة التي حُرمت من الذرية في الدنيا. فإن الله إما أن يعوّضها بأقل مما حُرمت منه، أو بنفسه، أو بأكثر منه. فإذا كان التعويض بأقل، فهذا ظلم، والله منزّه عن الظلم. وإذا كان التعويض بنفسه، فهذا عبث، إذ ما الحكمة من سلب النعمة ثم إعادتها بعد أن عانت الحرمان في الدنيا؟ إذن، لا بد أن يكون التعويض بالأكثر[74]. وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: إنّ المؤمن ليدعو الله عزّ وجل في حاجته، فيقول الله عزّ وجل أخروا إجابته، شوقاً إلى صوته ودعائه، فإذا كان يوم القيامة، قال الله عزّ وجل: عبدي دعوتني فأخرت إجابتك، وثوابك كذا وكذا. ودعوتني في كذا وكذا فأخرت إجابتك وثوابك كذا وكذا، قال: فيتمنّى المؤمن أنّه لم يستجب له دعوة في الدنيا مما يرى من حسن الثواب “.[75]

وعلى التقديرين فهو في خير لأنه مشغول بالدعاء الذي هو أعظم العبادات ويترتب عليه أجزل المثوبات ورجاء رحمة في الدنيا والآخرة.

يقول الشيخ حبيب الكاظمي: “إن هنالك تفسيرا غريبا في بعض النصوص لتأخير الإجابة، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على عمق محبة الله -تعالى- لعباده الداعين، وهو الغني عنهم.. فهل تصدق أن الله تعالى يؤخر الإجابة -رغم صلاح الأمر- لأنه يحب أن يسمع صوتك؟!.. فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العبد ليدعو فيقول الله عز وجل للملكين: قد استجبت له ولكن احبسوه بحاجته، فإني أحب أن أسمع صوته وإن العبد ليدعو فيقول الله تبارك وتعالى: عجلوا له حاجته فاني أبغض صوته”[76].. فهل بعد ذلك حنان فوق ذلك؟”.[77]

واعلم أيها القارئ أنّ تأخير الاستجابة يتفاوت مع إيمان الداعي: يروى أنّ أحد العلماء كان في حرم أمير المؤمنين -عليه السلام- وكان يتوسل بالإمام من أجل أن يتوفق في الحصول على كتابٍ يكمل به موسوعته؛ فلم يستجب له!..وإذا به يرى إنساناً قروياً يقف أمام المعصوم، وبكلمات مختصرة أخذ حاجته ورجع!.. يبدو أن هذا الشيخ تأثر لأنه يطلب حاجة معنوية، فلا يعطى.. وهذا الإنسان القروي في حركة واحدة، عقد الصفقة مع إمامه.. ففي عالم الرؤية رأى الإمام عليه السلام وطيّب خاطره، بمعنى: أن هؤلاء إيمانهم من خلال المعجزات والكرامات، وأنت عالِم لا يُتوقع منك ما يتوقع من هذا الإنسان الساذج البسيط.. فإذاً يجب أن يكون هناك طول نفس في هذا الطريق.. فرب العالمين يقول في القرآن الكريم: [قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا][78]، تقول الروايات أن بين هذا الكلام وإجابة الدعوة أربعين سنة!.. فموسى كليم الله، ومن أولي العزم، يأتيه الخطاب أن الدعوة أُجيبتْ.. ولكن يصبر أربعين سنة ليعطى تلك الحاجة!.[79]

6.عدم الاعتراض على تأخير الإجابة: يجب على المؤمن أن يثق بحكمة الله في الاستجابة، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: يقول الله عز وجل: “ابن آدم تسألني فأمنعك لعلمي بما ينفعك. ثم تلح عليَّ بالمسألة فأعطيك ما سألت فتستعين به على معصيتي، فأهم بهتك سترك، فتدعوني فأستر عليك، فكم من جميل أصنع معك، وكم من قبيح تصنع معي، يوشك أن أغضب عليك غضبة لا أرضى بعدها أبدا”.[80]

وينقل: (أن رجلا له ابنتان زوج إحداهما زراعا والأخرى رجلا يعمل الآنية من الخزف والطين فكان إذا زار الأولى وسألها عن حالهم قالت: لقد انقطع المطر عنا هذه المدة ويوشك أن يموت زرعنا، فادع الله لنا أن ينزل الغيث وإلاّ هلكنا. وإذا زار الثانية وسألها عن حالهم قالت: نحن بخير قبل أن ينزل المطر بنا فادع الله أن يحبسه عنا وإلاّ هلكنا. فقال الرجل: اللهم إني لا أسألك أن تنزل الغيث ولا أن تحبسه ولكن أسألك ما علمت لنا فيه الخير والصلاح وأنت أرحم الراحمين).[81]

وجاء في دعاء الافتتاح: “فإن أبطأ عني عتبت بجهلي عليك ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور”.[82]

7. معرفة الله في الدعاء: روي أنّ رجلاً سأل الإمام الصادق عليه السلام عن علة عدم استجابة دعائهم، فقال عليه السلام: “لأنكم تدعون من لا تعرفونه”[83]، فكلما كان الداعي أكثر معرفة بالله وإدراكًا لعظمته، كان دعاؤه أقرب إلى الإجابة، وهذا ما يجعل دعاء أهل العلم والمعرفة بالله أكثر تأثيرًا واستجابة من غيرهم، لأنهم يخشون الله أكثر من غيرهم، قال تعالى: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ].[84]

وعلى رأس هؤلاء العلماء هم: محمد وآل محمد عليهم السلام، الذين عرفوا الله حق معرفته، لذا دعاؤهم مستجاب، ومنهم نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله الذي دعا الله كثيرا فكان يستجيب له الدعاء في كل مرة.

من تلك الأدعية التي طلبها من الله تعالى واستجيبت له هو ما رواه لنا الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري، حيث قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: “إن الله تبارك وتعالى اصطفاني واختارني وجعلني رسولا، وأنزل علي سيد الكتب، فقلت: إلهي وسيدي، إنك أرسلت موسى إلى فرعون، فسألك أن تجعل معه أخاه هارون وزيرا، تشد به عضده، وتصدق به قوله، وإني أسألك يا سيدي وإلهي أن تجعل لي من أهلي وزيرا، تشد به عضدي.

فجعل الله لي عليا وزيراً وأخاً، وجعل الشجاعة في قلبه، وألبسه الهيبة على عدوه، وهو أول من آمن بي وصدقني، وأول من وحد الله معي، وإني سألت ذلك ربي عز وجل فأعطانيه.

فهو سيد الأوصياء، اللحوق به سعادة، والموت في طاعته شهادة، واسمه في التوراة مقرون إلى اسمي، وزوجته الصديقة الكبرى ابنتي، وابناه سيدا شباب أهل الجنة ابناي، وهو وهما والأئمة بعدهم حجج الله على خلقه بعد النبيين، وهم أبواب العلم في أمتي، من تبعهم نجا من النار، ومن اقتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم، لم يهب الله عز وجل محبتهم لعبد إلا أدخله الله الجنة”.[85]

نعم لقد تحقق ما قاله النبي صلى الله عليه وآله فجعل الله له عليا وزيرا وأخا.

ولقد صرّح النبي صلى الله عليه وآله بهذه الأخوة أمام المسلمين في مواقف عديدة، منها: موقف المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار الذي تمّ في المدينة المنورة بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله إليها، حيث (جمع الرسول المهاجرين والأنصار وقال لهم: «تآخوا في الله أخوين أخوين». ويذكر المؤرخون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين ثلاثمائة من أصحابه من المهاجرين والأنصار وهو يقول: يا فلان أنت أخ لفلان).[86]

وكان ذلك في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان، ومعلوم أنّ شهر رمضان معروف باستجابة الدعاء فيه لقوله صلى الله عليه وآله في خطبته في استقبال شهر رمضان قائلاً: “وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ”، لدرجة أنه ورد في بعض الأخبار: «من فاته الدعاء في شهر رمضان فلينتظر يوم عرفة، ومن فاته الدعاء فيه فلينتظر شهر رمضان المقبل».[87]

رب تساؤل يرد: ما سبب إجراء المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؟

يمكن تلخيص الأسباب في النقاط الآتية:

1. تحقيق الوحدة الإسلامية والتآخي الحقيقي: المؤاخاة أسست لعلاقة قوية بين المهاجرين الذين تركوا أموالهم وأهلهم في مكة، وبين الأنصار الذين استقبلوهم في المدينة، مما جعل المجتمع الإسلامي متماسكًا.

2. تخفيف المعاناة عن المهاجرين: المهاجرون فقدوا أموالهم وأهلهم عند خروجهم من مكة، فكانت المؤاخاة وسيلة لسد حاجاتهم المعيشية والنفسية، من خلال تكافل الأنصار معهم في المال والمسكن والعمل.

3. إرساء مبدأ المساواة ونبذ القبلية: قبل الإسلام، كان المجتمع العربي قائمًا على العصبيات القبلية، فجاءت المؤاخاة لتكسر هذه الحدود، حيث آخى النبي صلى الله عليه وآله بين مختلف القبائل، وجعل الولاء قائمًا على العقيدة والإيمان لا النسب.

4. توطيد أواصر الأخوة الحقيقية بين المسلمين: المؤاخاة كانت تجسيدًا عمليًا لمعاني الأخوة الإسلامية، حيث كان كل أنصاري مسؤولًا عن أخيه المهاجر، يعينه ويواسيه.

5. تمهيدًا لولاية الإمام علي عليه السلام: فيروى أنه لما فرغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من المؤاخاة، قال له علي عليه السلام: “يا رسول الله آخيت بين أصحابك وتركتني فرداً لا أخ لي!”، فقال: “إنّما اخترتك لنفسي، أنت أخي في الدنيا والآخرة، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى. فقمت وأنا أبكي من الجدل والسرور».[88]

إنّ هذه المؤاخاة كانت إعلانًا لمقام أمير المؤمنين عليه السلام بين المسلمين، حيث أظهر النبي أنه الأجدر والأقرب إليه روحيًا ودينيًا.

قال الشاعر أبو تمام الطائي في هذا المعنى:

أخوه إذا عدَّ الفخَار وصِهْرُه فَمَا مثلُهُ أخٌ ولا مِثلُه صِهْرُ
وشدّ به أزر النبيّ محمّد كما شدّ من موسى بهارونه الأزرُ[89]

أبوذيات بحق الإمام علي عليه السلام[90]

نفوس اهل الضغاين من فتاها وفــتوات الملاحـــم مــن فتاها
أنـــشـــدك عن الامه من فتاها ويـــا هــو الرفع رايتها العليه
* * *
يتاج ابـراس أهل الحگ والاشراف ونور الـــــباري بالهيبه والاشراف
الكعبه الهـا شرف عالي والاشراف الــــك بــيت الـــولاده أصبحت هيه
* * *

موال بحق الإمام علي عليه السلام[91]

يــــا بــــاني الـــديـــن يا ســــر الحجه والنها وابـــعـــلمك وصــــارمك راح الـــشرك وانـها
وظلــــت قــــريش ابحـــقــد منـــك تجـر ونّها والــــراد بــــيك الغــــدر شـــاف الـوكت لافته
تكـــفـــيك هـــالــمــكرمه ولكـــل نــظــر لافته جـــبــريــــل بـــيـــها هتــــف لا صارم ولافته
بـــس ذو الفــــقار وعـــلي واهل الشرك ونّها مجــــدك يــبو حسين عالدنيه تعالى وسمه
يا حجة الله يـــا مــــالك عــــــلومه وسمه اشما رادت الناس تـــتباها وتـــشد اوسمه
بـــس ليك الگــــلوب يا قــبلة نظرها ترب وگــــلوبنه الـــوالهه برياض حـــــبك ترب
مــا من جدال أيـــحصل هالناس كلها ترب وانت الذهب يا علي وللكون شخصك سمه
* * *
لــــو خـــانت ايــــام دهـــرك بالصـــبر جاري من حيث حكم الجلاله اعله الـــبــشر جــاري
فرگــــاك كثــــر ونيـــنـي وجـــزّعت جــــاري عاف النــــزل وابـــتعد مـــن يمنه راح وشال
گبلك ترانــــي البـــعــد وهّـــن عضــاي وشال لو چنت تقره ابــصــحف يعگوب دمعه وشال
(اقره ابصحف مدمـــعي الطول العمر جاري)
* * *

[1] البقرة/ 186.

[2] غافر/60.

[3] موقع السراج/ alseraj.net/ كلمات قصيرة/ الدعاء/ موانع الإجابة-سماحة الشيخ حبيب الكاظمي-بتصرف.

[4] فاطر/43.

[5] البقرة/ 186.

[6][6] غافر/ 60.

[7] النور المبين في فضل الصلاة على محمد وآله الطاهرين-السيد حسين الطالب-ص170-بتصرف.

[8] يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

[9] وسائل الشيعة -الحر العاملي -ج ٧ -ص٣٠.

[10] شرح أصول الكافي -مولي محمد صالح المازندراني -ج ١٠ -ص ٢٤٦.

[11] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / الدعاء/ شروط استجابة الدعاء.

[12] الفرقان/ 77.

[13] فاطر/15.

[14] مواهب الرحمن في تفسير القرآن-السيد عبد الأعلى‌ الموسوي السبزواري-ج3 -ص 47.

[15] النور المبين في فضل الصلاة على محمد وآله الطاهرين-السيد حسين الطالب-ص170.

[16] البقرة/ 186.

[17] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ -ص٤٧٣.

[18] الكافي-الكليني-ج2-ص 473.

[19] النمل/62.

[20] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ -ص ٤٧٣.

[21] نور الثقلين-الحويزي-ج 1 -ص 171.

[22] البقرة/186.

[23] بحار الأنوار-العلّامة المجلسي-ج90-ص376.

[24] مروي عن الإمام علي عليه السلام. المصدر: شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد -ج ١٩ -ص ٢٥٢.

[25] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٠ -ص ٣٤٥.

[26] وسائل الشيعة-الحر العاملي -ج 7-ص 96.

[27] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 7 – ص 102.

[28] النور المبين في فضل الصلاة على محمد وآله الطاهرين-السيد حسين الطالب-ص171-172-بتصرف.

[29] موقع الشیعة/ar.al-shia.org/ الإسلام/ الدعاء وشروط استجابته/ شروط استجابة الدعاء في رواياتنا-الکاتب: الشيخ علي دعموش.

[30] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 15-ص302-ح13.

[31] معاني الأخبار-الشيخ الصدوق-ص271.

[32] خبث السريرة أعمّ من سوء النية، فهو يشمل فساد الباطن عمومًا، أي أن يكون الإنسان ذو قلب حاقد، حاسد، مليء بالبغضاء، أو ذا نفاق داخلي.

[33] الكافي-الكليني-ج 2-ص 324-325.

[34] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٠ -ص ٣٢١.

[35] بحار الأنوار-المجلسي-ج80 -ص 21.

[36] معاني البرّ في هذا السياق عديدة منها: (الإحسان إلى الناس)، ويشمل برّ الوالدين والإحسان إليهما، والعطف على الأيتام والمساكين. و(الأعمال الصالحة) ويشمل أداء الطاعات والعبادات بصدق وإخلاص، و(التزام الأخلاق الفاضلة والصدق في القول والعمل).

[37] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٣ – ص١٩٤٥.

[38] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج12-ص225.

[39] وسائل الشيعة-الميرزا النوري-ج 5/145، ح5.

[40] وسائل الشيعة-الميرزا النوري-ج 7/84، ح2.

[41] مستدرك الوسائل-ميرزا حسين نوري الطبرسي-ج 15/185.

[42] منار الهدى-مركز نون للتأليف والترجمة-ص344.

[43] وسائل الشيعة-الميرزا النوري-ج 7-ص146.

[44] غافر/60.

[45] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٠ -ص ٣٦٨.

[46] يس/60-61.

[47] غافر/60.

[48] في الأصل: والثاني، وما أثبتناه من البحار

[49] فاطر/6.

[50] كذا في الأصل، ولعل الصواب: فعاديتموه بالقول.

[51] أعلام الدين في صفات المؤمنين -الديلمي -ص ٢٦٩-270.

[52] الإسراء/11.

[53] البقرة/216.

[54] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / الدعاء/ اسباب عدم استجابة بعض الادعية-بتصرف.

[55] خرق السفينة يعني ثقبها وكسرها بشكل يحدث ضررًا في بدنها.

[56] الكهف/79.

[57] الكهف/ 82.

[58] الكهف/ 80-81.

[59] الكهف/80.

[60] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية/ الخضر/ الحكمة من قتل الخضر (عليه السلام) للغلام.

[61] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٥ -ص ٧٧.

[62] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٤ -ص ١٦.

[63] الفرقان/67.

[64] البقرة/282.

[65] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٠ -ص٣٥٧.

[66] وسائل الشيعة -الحر العاملي -ج ٧ -ص ١٢٥.

[67] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / الدعاء/ اسباب عدم استجابة بعض الادعية-بتصرف.

[68] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٠ -ص ٣٠٣.

[69] فَتَرَ عن الدعاء يعني تراخى، ضعف، أو انقطع عن الدعاء بعد مداومةٍ عليه.

[70] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ -ص ٤٨٨.

[71] وسائل الشيعة-الحر العاملي -ج ٧ -ص ٢٨.

[72] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ -ص٤٩٠.

[73] الكهف/82.

[74] مضمون فكرة التعويض مأخوذ من إحدى محاضرات الشيخ الوائلي رحمه الله.

[75] الكافي-الكليني-ج 2-ص490.

[76] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ -ص ٤٨٩.

[77] موقع السراج/ alseraj.net/ كلمات قصيرة/ الدعاء/ موانع الإجابة-سماحة الشيخ حبيب الكاظمي-بتصرف.

[78] يونس/89.

[79] موقع السراج/alseraj.net/ محاضرات الشيخ حبيب الكاظمي/ الاستعداد للمصالحة مع الله عز وجل.

[80] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٧٠ -ص ٣٦٥.

[81] فرائد المرجان-السيد محمد صالح الموسوي-ج2 -ص102.

[82] إقبال الأعمال -السيد ابن طاووس -ج ١ -ص ٣٠١.

[83] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٠ -ص ٣٦٨.

[84] فاطر/ 28.

[85] بحار الأنوار-المجلسي-ج ٩٢-ص ٣٨ / 6، نقلا عن الأمالي -الشيخ الصدوق -ص ٧٤.

[86] شبكة المعارف الإسلامية/ almaaref.org/ معارف ومفاهيم/ إضاءات إسلامية/ إضاءات إسلامية/ إضاءات إسلامية/ التآخي بعد الهجرة المباركة، نقلا عن سيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله-الشيخ جعفر سبحاني.

[87] مواهب الرحمن في تفسير القرآن-السيد عبد الأعلى‌ الموسوي السبزواري-ج3 -ص 47.

[88] بحار الأنوار-المجلسي-ج ۳۸ -ص۳۳۸.

[89] مناقب آل أبي طالب-ابن شهر اشوب-ج ۲-ص ۳۰۷.

[90] للشاعر جابر الكاظمي.

[91] م.ن.