لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
عنوان المحاضرة: أَهْلُ البَيْتِ الوَسِيلَةُ عليهم السلام إِلَى اللَّهِ
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
بسم الله الرحمن الرحيم
[وَٱبۡتَغُوۤا۟ إِلَیۡهِ ٱلۡوَسِیلَةَ] [1].
حينما نتصفح الوسائل الإعلامية ومنها مواقع التواصل الاجتماعي ونتابع منشوراً يحثنا على زيارة مراقد المعصومين والتوسّل بهم وبآثارهم، نقرأ في التعليقات هجوماً من بعض النواصب والوهابية بأن الشيعة مشركون وكفرة لأنهم يعبدون أئمتهم بالتوسّل بهم، وبدلاً من أن يقولوا يا الله، يقولون: ” يا حسين، يا علي، يا فاطمة”، ويتبركون بآثارهم، فهم يستعينون بغير اللّه وهذا شرك.
نعم، إنّ هؤلاء المعارضين خرّيجون من مدرسةٍ مخالفةٍ لنهج الإسلام … مخالفةٍ للنهج المحمّدي الأصيل …. نعم، أنّهم أتباع محمد بن عبد الوهاب الذي يعتقد بأن مَنْ يستغيث بغير الله أو يدعو غيره فهو مشرك، وقد صرّح بذلك في كتابه التوحيد[2].
ومن أجل إقناع المقابل قام بتأويل كلام الله عن محلّه لكي يثبت بشتى الطرق رأيه المنحرف، وعقيدته الضالّة رغم أنه لا يعلم تأويل القرآن إلا اللّه والرّاسخون في العلم. وصدق الباري عزّ وجلّ حينما وصفهم قائلا: [وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ][3]
ولأن هذه المسألة قد شاعت في الآونة الأخيرة، لذا كان من المناسب أن نقف على حقيقتها مستمدّين ذلك من كتاب الله العزيز، والسنّة الشريفة الصحيحة، والعقل السليم الحصيف، وما اتّفق عليه علماء الأُمة الكرام، لنُبيّن الرُشد من الغي، فمَن يكفر بالطاغوت ويؤمن باللّه فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، فالله سميع لأقوالنا، عليم بنيّاتنا وأعمالنا، ومنه نستمد التوفيق.
المبحث الأول: الاستعانة بغير اللّه
السؤال الذي ينبغي علينا طرحه هو: هل الاستعانة بغير اللّه تعالى شِرك؟
إنّ القول بأنّ الاستعانة بغير الله شِرك سيَلزم منه وقوع كل البشرية في الشِرك، فهل إذا مرض المسلم يجلس في بيته ويقول: [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] [4]، أم لا بدّ له من الاستعانة بالطبيب والدواء؟، وهل إذا جاع أو ظمِئ يقول: [هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ] [5]، أم لا بدّ له من الاستعانة بالطعام والشراب؟
لزِم علينا أن ننتبه، فحين نستقرئ النصوص الشرعية، منها النصوص القرآنية سنجد آيات عديدة تؤكد بأن هذا الكون قائم بعلل وأسباب طبيعية مادية وغيبية، وبأن الاستعانة والاستغاثة بها لا يُعدّ شركاً، بل هو سُنّة من سُنن الله تعالى، منها قوله تعالى:﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ﴾[6]، حيث يقصّ الله جلّ وعلا في هذه الآية قصة الرجل القبطي الذي استغاث بنبي الله موسى عليه السلام فأغاثه، فلو كانت الاستغاثة نوعاً من الشِرك، لم يجز لنبي الله موسى عليه السلام أن يغيثه لأن فيه مخالفة للمولى، ومعلوم أن الأنبياء عليهم السلام كلهم جاؤوا بالتوحيد الخالص للّه تعالى وعدم الإشراك به.
ومنها قوله تعالى:﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾[7]، هنا نبي الله موسى عليه السلام لم يطلب من الله مباشرة بأن يعلّمه، بل طلب من عبد من عباد الله بأن يعلّمه، أي استغاث بغير الله وهذا يعني أن من توسّل بغير الله فلا يُعدّ شِركاً.
ومن السُنّة نذكر النصوص الآتية:
قال الإمام الصـادق عليه السلام:” أبى الله أن يُجري الأشياء إلاّ بأسـباب، فجعل لكل شيءٍ سبباً، وجعل لكل سببٍ شـرحاً، وجعل لكل شرحٍ علماً…” [8].
وقال الصادق عليه السلام أيضا: «أوجب الله لعبـاده أن يطلبـوا منه مقاصدهم بالأسباب التي سبّبها لذلك وأمرهم بذلك» [9].
ورُوي: «أنّ زاهداً من الزُهّاد، فارق الأمصار وأقام في سفح جبلٍ، فقال: لا أسأل أحداً شيئاً حتى يأتيني ربي برزقي، فقعد سبعاً، فكاد أن يموت، ولم يأته رزق، فقال: يا رب! ان أحييتني فأتني برزقي الذي قسمت لي، وإلا فاقبضني إليك. فأوحى اللّه تعالى إليه: وعزّتي وجلالي! لا أرزقك حتى تدخل الأمصار، وتقعد بين الناس. فدخل المصر فأقام، فجاء هذا بطعام، وهذا بشراب، فأكل وشرب. فأوجس في نفسه ذلك، فأوحى الله إليه: أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا، اما علمت إني أرزق عبدي بأيدي عبادي أحب إلي من أن أرزقه بيد قدرتي؟» [10] .
إذن نؤكد بأن هذا الكون قائم بعلل وأسباب، وهذه الأسباب على قسمين: مادية وغيبية، ولفهم المطلب أكثر لنقف على ما يتعلق بالشفاء من الأمراض، ولنذكر الأسباب التي تُعدّ من وسائل الشفاء، وهي على قسمين:
أولاً: الأسباب العادية (المادية)، ونذكر منها الآتي:
1.أخذ الدواء، فقد روي «إنّ موسى بن عمران عليه السلام اعتلّ بعلّة، فدخل عليه بنو إســرائيل، فعرفوا علّته، فقالوا له: لو تداويت بكذا لَبرِئت، فقال: لا أتداوى حتى يعافيني الله من غير دواء. فطالت علّته، فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي! لا أُبرؤك حتى تتداوى بما ذكروه لك. فقال لهم: داووني بما ذكرتم. فداووه، فبريء. فأوجس في نفسه من ذلك، فأوحى الله تعالى إليه: أردت أن تبطل حكمتي بتوكلّك عليّ، فمَن أودع العقاقير منافع الأشياء غيري؟» [11].
2.الشّفاء بالعسل، قال تعالى: [يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ] [12].
3.المساج والرياضة.
4.الصيام، رُوي عن رسول الله -صلى الله عليه وآله-: “صوموا تصحّوا” [13].
5.الجراحة، والحجامة: فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «الحجامة … فيه شفاء من كل داء» [14].
ثانياً: الأسباب غير العادية (الغيبية)، ونذكر منها الآتي:
1.إخراج الصدقة، رُوي عن رسول الله -صلى الله عليه وآله-: “داووا مرضاكم بالصدقة؛ فإنها تدفع عنكم الأمراض والأعراض” [15].
2.الدعاء، فقد رُوي عن علي بن الحسين عليه السلام: «الدعاء يدفع البلاء النازل وما لم ينزل» [16].
3.قراءة القرآن، قال تعالى: [وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ] [17].
4.الشفاء بأسماء الله الحسنى، فقد ورد في دعاء كميل: (يا من اسمه دواء وذكره شفاء …).
5.الشفاء بتربة الحسين عليه السلام، رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن في طين الحائر الذي فيه الحسين عليه السلام شفاء من كل داء، وأماناً من كل خوف ” [18].
6.التوسّل بالمرضيّين عند اللّه، قال تعالى عن لسان نبيّ الله عيسى عليه السلام: [وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ] [19].
إذاً إنّ أولياء الله الصالحين ومنهم الأنبياء والأئمة عليهم السلام لهم القابلية على شفاء المرضى بإذن الله وحَولِه وقوّته، بل أكثر من ذلك فهم قادرون على الخلق وإحياء الموتى بإذن الله كما فعلها نبي اللّه عيسى: [أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [20].
إنّ الله تعالى قد مدّ هؤلاء الصالحين -وعلى رأسهم المعصومين- بالمعاجز والكرامات بسبب طاعتهم المطلقة وإخلاصهم للّه تعالى، فقد رُوي في الحديث القدسي: ” عبدي أطعني حتى أجعلك مَثَلي أقول للشيء: كنْ فيكون، تقول للشيء: كنْ فيكون”[21].
معنى ذلك أنّ الناس لمّا تستعين بالآخرين كأن تتوسّل بنبي الله عيسى عليه السلام للشفاء من الأمراض أو إحياء الموتى أو قضاء حوائجها لا يُعدّ شِركاً.
وهذا الأمر معروف لدى كل الأمم كما استعان (أبناء يعقوب عليه السلام بأبيهم قائلين: [يَا أَبَانَا استَغفر لَنَا ذنوبَنَا إنَّا كنَّا خَاطئينَ] [22]، وقول يعقوب عليه السلام لهم: […سَوَف أَستَغفر لَكم رَبّيَ إنَّه هوَ الغَفور الرَّحيم] [23]مع أنه ورد قوله تعالى: […وَمَن يَغفر الذّنوبَ إلاَّ اللّه…] [24]، ولم يوجّه يعقوب عليه السلام أبناءه لطلب الاستغفار من الله مباشرةً، وإنما توسّط بطلب الاستغفار لهم، وقرّر هذا المعنى المولى سبحانه عند ذِكره لهذه الحكاية ولم يُعقّب عليها بشيء.
وأيضاً ندب المولى سبحانه الصحابة الى طلب التوسّط بالنبي -صلى الله عليه وآله- لتحقيق مرادهم في الحصول على التوبة من الله ونيل رحمته، قال تعالى: […وَلَو أَنَّهم إذ ظَّلَموا أَنفسَهم جَآؤوكَ فاستَغَفروا اللّهَ وَاستَغَفرَ لَهم الرَّسول لَوَجَدوا اللّهَ تَوَّابًا رَّحيمًا] [25]، وهذه الآية يستفاد منها العموم لحالتي الحياة والموت، ولا يُقتصر بها على حالة وجوده الشريف -صلى الله عليه وآله- بين ظهراني الصحابة، وذلك لورود الفعل [جَآؤوكَ] في سياق الشرط (لو) الذي يستفاد منه العموم)[26].
والنتيجة أنّ التوسّل بالعلل والأسباب لا يُعدّ شركاً، وإلا من يقول بذلك فهذا يعني أنّ الله والأنبياء يأمروننا بالشِرك -والعياذ بالله-، (إذ أن الشِرك يعني العبودية لغير الله عزّ وجلّ، أو توهم أنّ الذي ينفع ويضرّ هو غير الله عزّ وجلّ، وهذا ما كان عليه عرب الجاهلية.
(أما المسلمون -ومنهم الشيعة- فهم إنّما يعبدون الله وحده ويعتقدون أنه الذي ينفع ويضرّ، وليس من أحدٍ غيره ينفع ويضرّ، غايتهم أنهم يتقربون إليه تعالى بوسائل القرب التي شرّعها)[27]ومنها الاستعانة والتوسّل بخير خلق الله وهم محمّد وآل محمّد عليهم السلام. فما المانع من ذلك؟
قد يقول المعترض: إنّ المانع من ذلك هو التوسّل والاستعانة بالميت، ولكن لا مانع من أن أستغيث بأبي وأمي وبالطبيب المعالج وبمن يُنقذني من الغرق إذا كان حيّا يسمع كلامي، وأما النبي -صلى الله عليه وآله- فهو ميت لا يسمع كلامي!!
نقول: (إنَّ القرآن الكريم قد ردّ ذلك في كثير من آياته ومنها الآية المعروفة حول الشهداء وأنهم [أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] 30، والشهيد هو الذي مات في سبيل الدفاع عن الدعوة المحمّدية؛ فكيف بمحمد وآله سادة الشهداء الذي ما منهم إلا مقتول أو مسموم؟
ويمكنكم التوسّع في الأدلة بمراجعة المحاضرة المعنونة “التوسل بمحمّد وآله”[28].
ومعلوم أنّ من لوازم الحياة في الآخرة السّمع والبصر، قال تعالى: [فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ] ق/22. والنبيّ -صلى الله عليه وآله- عندما ألقى قتلى المشركين في القليب يوم بدر، أخذ يكلمهم وقال: (مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ) [29]، فإذا كان المشرك يسمع كلام النبي -صلى الله عليه وآله-، فكيف لا يسمع نبيّ الرحمة -صلى الله عليه وآله- كلامنا؟
فنحن على يقين بأنهم أحياء، وأنهم رحمة في حياتهم وبعد مماتهم، رُوي عن الصادق عليه السلام: “مَن كانت له حاجة إلى الله عزّ وجلّ فليقف عند رأس الحسين عليه السلام وليَقل: يا أبا عبد الله أشهد أنك تشهد مقامي وتسمع كلامي، وأنك حيّ عند ربك تُرزق، فاسأل ربّك وربّي في قضاء حوائجي، فإنها تُقضى إن شاء الله تعالى” [30]) [31].
إذا فهمتم ذلك ستُدركون لماذا ينادي الشيعة أئمتهم في قيامهم وقعودهم وعند وقوعهم في شدّة بقول: «يا علّي» «يا محمد» «يا حسين» «يا مهدي أدركني» أو «يا فاطمة أغيثيني»؛ لأنهم يستغيثون بهم ويطلبون منهم الشفاعة لقضاء حوائجهم ودفع النوائب وتفريج الكروب.
وإنّ هذا السلوك لا يُعدّ شركاً، بل هو التوحيد الأفعالي بمعنى أنّ كل عمل يصدر من أي موجود هو بقوة الله وإرادته، وقد شرحنا ذلك في المحاضرة المعنونة بـــــ”التوحيد الأفعالي” في كتاب زاد المبلغات[32].
وإلا لو أنّ كل من نادى: «يا علي» أو «يا حسين» صار مشركاً، (لكان قول الرجل لصاحبه: «يا زيد ساعدني»، وقول الولد لأبيه: «يا أبي أعطني مالاً»، وقول المرأة لزوجها: «يا فلان أحضر لي دواءاً»، ونحو ذلك شركاً أيضاً، مع أن جميع المسلمين -بل جميع العقلاء- أطبقوا على أن هذا ليس شركاً، وأن قائل هذه الأمور ونحوها ليس بآثم. ودعاء شخص في النوائب والملمّات لا يكون شركاً، ولو كان كذلك لما جاز لأحد أن يستعين بأحد في شيء، ولما جاز لمَن وقع في حفرة مثلاً أن يطلب من الناس مساعدته في الخروج منها، ولا لمن أُصيب بمرض أن يذهب إلى الطبيب ويطلب منه مساعدته في الشّفاء من مرضه، وهذا لا يقوله عاقل، فضلاً عن فاضل)[33].
المبحث الثاني: تفسير [ٱلۡوَسِيلَةَ] في الآية الكريمة
السؤال المطروح هو: ما هو تفسير [ٱلۡوَسِيلَةَ] في قوله تعالى: [وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ] [34]؟
يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه الآية في كتابه الأمثل: إنّ الموضوع الذي تتناوله هذه الآية، هو الدعوة الموجّهة للإنسان المؤمن لاختيار طريقة تؤدي إلى التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى.
فكلمة «الوسيلة» في الأصل بمعنى نشدان التقرّب أو طلب الشيء الذي يؤدّي إلى التقرّب للغير عن ميل ورغبة، وعلى هذا الأساس فإن كلمة «الوسيلة» الواردة في هذه الآية لها معان كثيرة واسعة، فهي تشمل كل عمل أو شيء يؤدي إلى التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى. [35]
بما أنّ الله أمرنا أن نبتغي إليه الوسيلة، يا ترى ما هي هذه الوسائل والأعمال والأشياء التي يأمرنا الله تعالى أن نبتغيها ونطلبها لنتقرّب إليه، وما هي الأدلة الشرعية التي تُثبت ذلك؟
الجواب: إنّ كل وسيلة نستعين بها من أجل أن تقرّبنا إلى الله تعالى يصح أن نطلق على ذلك العمل بأنه (توسّل)، والوسائل عديدة، وهي كالآتي:
1. التوسل بمحمّد وآل محمّد عليهم السلام: إنّ المصداق الأكبر للوسيلة في قوله تعالى: [وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ] [36]هم محمّد وآل محمّد عليهم السلام، بدليل الروايات، ونذكر منها الآتي:
#قال أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: [وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ]: (أنا وسيلته)[37].
#قال رسول الله -صلى الله عليه وآله-: (الأئمة من ولد الحسين عليهم السلام، من أطاعهم فقد أطاع الله، ومن عصاهم فقد عصى الله، هم العروة الوثقى وهم الوسيلة الى الله تعالى)[38].
#ورد في دعاء الندبة: (وجعلتهم الذريعة اليك والوسيلة الى رضوانك)[39].
فالتوسّل بمحمد وآله عليهم السلام هو من أهم الوسائل المقرّبة لله تعالى، بدليل الروايات التي تصرّح بأنهم أحب الخلق إلى الله وأقربهم إليه، نذكر منها ما رواه سلمان عندما مرّ بقوم من اليهود، فسألوه أن يجلس إليهم، ويحدثهم بما سمع من محمّد -صلى الله عليه وآله-في يومه هذا، فجلس إليهم لحرصه على إسلامهم، فقال: سمعت محمّداً -صلى الله عليه وآله-يقول: “إن الله -عزّ وجلّ-يقول: يا عبادي!.. أو ليس مَن له إليكم حوائج كبار لا تجودون بها، إلا أن يتحمل عليكم بأحب الخلق إليكم تقصونها كرامة لشفيعهم؟.. ألا فاعلموا إن أكرم الخلق عليّ، وأفضلهم لديّ: محمّد، وأخوه علي، ومن بعده من الأئمة الذين هم الوسائل إلي.. ألا فليدعُني من هم بحاجة يريد نفعها، أو دهته داهية يريد كفّ ضررها، بمحمّد وآله الأفضلين الطيّبين الطاهرين، أقضها له أحسن مما يقضيها من تستشفعون إليه بأعز الخلق عليه” [40].
2. التوسّل بأسماء اللّه الحسنى وصفاته جلّ جلاله: قال تعالى:﴿ وَللّهِ الاْسْماءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾[41] ، روي عن الإمامين الباقرين عليهما السلام في دعاء السّمات: “اللّهم إنّي أسألك باسمك العظيم الأعظم، الأعزّ الأجلّ الأكرم، الذي إذا دُعيتَ به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة، انفتحت، وإذا دُعيتَ به على مضايق أبواب الأرض للفرج، انفرجت، وإذا دعيت به على العسير لليسر تيسّرت….الى نهاية الدعاء” [42].
3.التوسّل بالقرآن الكريم: رُوي في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام: «واجعل القرآن وسيلةً لنا أشرف منازل الكرامة… اللّهم صلِّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ واحطط بالقرآن عنّا ثقل الاَوزار…وهوّن بالقرآن عند الموت على أنفسنا كرب السياق وجَهد الأنين..» [43].
4.التوسّل بالأيام المباركة: كما ورد في دعاء الاِمام زين العابدين عليه السلام في شهر رمضان المبارك: «اللهم إنّي أسألك بحقِّ هذا الشهر» [44].
5. التوسّل بالملائكة المقرّبين: ففي مصباح المتهجد[45]: روي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: “اللّهم إني أتقرب اليك بجودك وكرمك، وأتشفّع اليك بمحمّد عبدك ورسولك، وأتوسل اليك بملائكتـك المقربين وأنبيائك المرسلين، أن تقيلني عثرتي، وتستر عليّ ذنوبي، وتغفرها لي، وتقبلني بقضاء حاجتي، ولا تعذبني بقبيح كان منّي”.
6. التوسل بالأعمال الصالحة: بمعنى تقديم عمل صالح إلى ســاحة الله ليستجيب دعاءه، رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: « إِنَّ أَفْضَلَ مَا يَتَوَسَّلُ بِهِ اَلْمُتَوَسِّلُونَ اَلْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ اَلْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ كَلِمَةُ اَلْإِخْلاَصِ فَإِنَّهَا اَلْفِطْرَةُ وَ تَمَامُ اَلصَّلاَةِ فَإِنَّهَا اَلْمِلَّةُ وَ إِيتَاءُ اَلزَّكَاةِ فَإِنَّهَا مِنْ فَرَائِضِ اَللَّهِ وَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهَا جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِهِ وَ حِجُّ اَلْبَيْتِ فَإِنَّهَا مَنْفَاةٌ..” [46].
ومن مصادر أهل السُنّة رُوي عن ابن عمران عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال : « بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر، فآووا إلى غار فانطبق عليهم ، فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا يُنجيكم إلاّ الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه .فقال واحد منهم: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمِلَ لي على فرق من أرُز ، فذهب وتركه، وإنّي عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقراً، وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسُقها، فقال لي إنّما لي عندك فَرَق من أرُز، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنّها من ذلك الفَرَ ، فساقها، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك، ففرّج عنّا، فانساحت عنهم الصخرة .فقال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم كان لي أبوان شـيخان كبيران، فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأتُ عليهما ليلةً، فجئتُ وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فَيسْتَكنّا لشربتهما، فلم أزل انتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا، فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السـماء .فقال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عم من أحبّ النـاس إليّ وأنّي راودتها عن نفسها فأبت إلاّ أن آتيها بمائة دينــار ، فطلبتها حتى قدرتُ، فأتيتها بها، فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسـها، فلمّا قعدت بيـن رجليها فقالت: اتّــق الله ولا تفضّ الخـاتم إلاّ بحقّـه، فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا ، ففرّج اللّه عنهم فخرجوا” [47] .
7. التوسّل بدعاء الأخ المؤمن: ففي الحديث الشريف: «إنّ دعوة المسلم مستجابة لأخيه بظهر الغيب»[48]، وروى محمد بن عجلان قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «كان علي بن الحسين إذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبداً له ولا أَمة، وكان إذا أذنب العبـد يكتب عنده، أذنب فلان، أذنبت فلانة يــوم كذا وكذا ولم يعاقبه، فيجتمع عليهم الأدب حتى إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان دعاهم وجمعهم حوله ثم أظهر الكتاب، ثم قال يا فلان: فعلت كذا وكذا ولم أُؤدّبك أتذكر ذلك؟ فيقول : بلى يا بن رسول الله، ويقرّرهم جميعاً، ثم يقوم وسطهم ويقول لهم: ارفعوا أصواتكم وقولوا: يا علي بن الحسين إنّ ربّك قد أحصى عليك كل ما عملت كما أحصيت علينا … فاعف واصفح كما ترجو من المليك العفو ، وكما تحب أن يعفو المليك عنك فاعف عنّا تجده عفوّاً ربّك رحيماً ـ إلى أن قال : ـ فيقول لهم : قولوا اللّهم اعف عن علي بن الحسين كما عفا عنّا ، فأعتِقه من النار كما أعتق رقابنا من الرقّ ، فيقولون ذلك ، فيقول : اللّهمّ آمين ربّ العالمين ، إذهبوا فقد عفوتُ عنكم وأعتقتُ رقابكم رجاءاً للعفو عنّي وعتق رقبتي” [49].
8. التوسٍل بالثناء على الله والصلاة على النبي وآله وبمحبتهم: وهو أن يستفتح الداعي دعاءه بحمد الله تعالى بما هو أهل له من الحمد، والثناء عليه، وأن يصلّي على النبي محمّدٍ وآله -صلّطى الله عليه وآله وسلم-، فإنّ ذلك أقرب في استجابة الدعاء ونيل المطلوب، قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] [50].
رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إيّاكم إذا أراد أحدكم أن يسأل من ربِّه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة حتّى يبدأ بالثناء على الله عزّ وجلّ والمدح له، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، ثمَّ يسأل الله حاجته»[51].
وفي حديث رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنّه قال: «لا يزال الدعاء محجوباً حتى يُصلّى عليَّ وعلى أهل بيتي»[52].
9.التوسّل بآثار الأنبياء والأولياء، من أجل التبرّك بآثارهم، الذي يُعدّ وسيلة أخرى من وسائل التقرّب إلى الله تعالى.
لقد ذكرنا بأنّ سنّة الله الحكيمة جرت على إجراء فيضه إلى الناس عن طريق الأسباب العادية، كما هو المشاهَد لكلّ واحد منّا، إلاّ انّه سبحانه ربما يُجري فيضه عن طريق أسباب وعلل غير عادية ومألوفة بل غيبية وخارقة للعادة لغايات مختلفة، فتارةً تكون الغاية هي الإعجاز وإثبات النبوّة وأُخرى تكون هي إجلال الشخص وتكريمه.
أمّا الأول، فكالمعاجز التي يأتي بها الأنبياء بإذن الله سبحانه في مقام الدعوة والتحدّي، والقرآن يعجّ بهذا النوع من المعجزات.
وأمّا الثاني: فنذكر منه بعض النماذج:
1. قال سبحانه: [كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرَيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِساب] [53].
2. قال سبحانه: [وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيكِ رُطَباً جَنِيّاً ][54].
وما ورد في هذه الآيات من ظهور فيضه سبحانه على خاصّة أوليائه إنّما هو من باب الكرامة لا الإعجاز، فلم تكن مريم عليها السلام مدّعية للنبوة حتى تتحدى بهذه الكرامة، بل كان تفضّلاً من الله سبحانه عليها في فترات متلاحقة»[55].
3. قوله تعالى: [اذْهَبُوا بِقَمِيصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبي يَأَتِ بَصيراً… *فَلَمّا أَنْ جاءَ البَشيرُ أَلْقيهُ عَلى وَجْههِ فَارتَدَّ بَصيراً] [56].
وممّا لا شكّ فيه انّ يوسف لم يكن مدّعياً للنبوة أمام إخوته حتى يتحدّى بهذه الكرامة، وإنّما كان تفضّلاً من الله عن هذا الطريق لإعادة بصر أبيه يعقوب.[57]
وعلى ضوء ذلك كان المسلمون يتبرّكون بآثار رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حيث يتبركون بشعره وبفضل وضوئه وثيابه وآنيته ومسِّ جسده الشريف، إلى غير ذلك من آثاره الشريفة التي رواها الأخيار عن الأخيار، والروايات في ذلك كثيرة منها ما ورد في صحيح السيرة: أنه كان مع خالد بن الوليد شعرات من شعر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يتبرك بها، وما شهد بها مشهداً إلا نصره الله، كما رواه البيهقي وأبو يعلي وآخرون. وهذا كان بعد وفاة الرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم[58].
المبحث الثالث: أسئلة وردود
قد تردّ بعض الأسئلة والشبهات المتعلقة بموضوع التوسّل والاستعانة بمحمّد وآله والتبرّك بآثارهم وقبورهم عليهم السلام، وبالأخص حينما نتابع مواقع التواصل الاجتماعي، لذا لا بدّ أن نطّلع عليها ونتعرّف على ردودها لنحصّن أنفسنا والآخرين، ولندافع عن ديننا وعقيدتنا، ونذكر منها الأسئلة الآتية:
السؤال رقم(1): قبل قليل ذكرنا أنّ الإمام علياً عليه السلام قال-ما مضمونه-بأن أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى الله سبحانه وتعالى هي الأعمال الصالحة، فكيف صار التوسل بمحمّد وآله أفضل من كل هذه الأعمال الصالحة؟
ونردّ على ذلك بالنقاط الآتية:
1.إنّ كلمة (أفضل) أفعل التفضيل في كثير من الموارد ترد ولا يقصد بها بالضرورة الأفضلية المطلقة، بل هو أفضل نسبيّ، أي بالقياس إلى غيره.
فقد يكون الإمام بصدد بيان الأفضلية فيما يتعلق بالتوسّل بالأعمال دون بقية الأقسام التي ذكرناها ومنها التوسّل بمحمّد وآله.
2.إنّ التوسل إلى اللّه بالأعمال الصالحة يشترط أن تكون -تلك الأعمال الصالحة- مقبولة عند الله تعالى، وكما نعلم أن القبول مشروط بالتقوى، قال تعالى: [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ] [59]، فمثلا لو كان عملنا من باب الرّياء، أو تصدقّت على الفقراء من أموال تعلّق فيها حق الخمس، فهذا العمل لن يكون مقبولاً ولا ينفع أن نتوسّل به إلى الله، بينما الله تعالى حثّنا على التوسّل بمحمّد وآله حتى لو كنّا ظالمين غير متّقين، بدليل قوله تعالى: [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا][60].
فإنّ من نتوسل بهم بلغوا القمّة في التقوى، والنتيجة فهم الأقرب والأحب إلى الله من غيرهم من الوسائل، ومن هنا يتبين أنّ الأفضلية بالتوسّل بمحمّد وآله عليهم السلام.
3.كيف لا تكون الأفضلية بالتوسّل بمحمّد وآله على التوسّل بالأعمال ونحن نعلم أنّ (الإيمان الذي يُشترط لقبول الأعمال -كالصلاة والصوم والحج والزكاة وغيرها- لا يتحقّق إلا بالاعتقاد بولاية الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام)[61]، فقد روي أنّ أبا ذر سمع رسول اللّه صلى اللّطه عليه وآله قال لعليّ عليه السلام: يا علي! والله لو أنّ رجلا صلّى وصام حتى يصير كالشنّ البالي إذاً ما نفع صلاته وصيامه إلّا بحبّكم والبراءة من أعدائكم، يا علي! من توسّل إلى الله عزّ وجلّ بحبّكم فحقّ على الله أن لا يردّه خائبا، ..” [62].
السؤال رقم(2): لماذا نتوسّل بمحمّد وآله، فنحن يمكننا التوسّل بالله مباشرة لقضاء حوائجنا، أليس الله تعالى يقول:﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾[63] ؟
ونردّ عليه بالنقاط الآتية:
1. إنّ قوله تعالى:﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾[64] معناه توسلوا اليّ بالدعاء فاني أستجيب لكم فإن الدعاء واحد من وسائل القرب للّه تعالى، ولكن ذلك لا يعني أنه الوسيلة الوحيدة، إذ أن الآية المباركة ليست في مقام الحصر ولذلك ورد في آية أخرى الأمر باتخاذ الوسيلة المُفضية للقرب إلى الله، قال تعالى: [وَٱبۡتَغُوۤا۟ إِلَیۡهِ ٱلۡوَسِیلَةَ] [65]وهي دليل بإطلاقها على عدم اختصاص الوسيلة بالدعاء.[66]
2.إنّ توسّلنا بمحمد وآله ما هو إلا طاعة للّه تعالى، فلقد ذكرت الشريعة نصوصاً عديدةً تحثّ على التوسّل بمحمد وآله عليهم السلام، ومنها الآية -محل البحث- حيث فسّرت الروايات بأن الوسيلة هم محمّد وآله عليهم السلام، (بل لو لم نتوسّل بهم فإنّا خالفنا الله في عبادته والتوسّل به، لأنّ الله يريد العبادة والتوسّل الذي هو يأمر بها، لا إنّ الإنسان بعقله وفكره يعبد ربّه، كما قال الشيطان عندما أمره الله أن يسجد لآدم عليه السلام أن يعفيه عن هذه السجدة ويسجد للّه سجدة لم يسجدها أحد من الملائكة، فأبى الله عليه ذلك وقال : اريد العبادة والسجدة التي أنا أريدها لا أنت الذي تريده، وقد ورد في أحاديثنا عن الأئمة الأطهار عليهم السلام: “بنا عُرف الله وبنا يُعبد الله” [67]، (فهم باب الله الذي منه يؤتى وهم السبب المتّصل بين السماء والأرض، وهم سفن النجاة من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق وهوى) [68].
3. نحن يمكننا التوسّل إلى الله مباشرةً بدون وسيلة بأن ندعوه، كما أمرنا قائلاً:﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾[69] ، ولكن المشكلة تكمن في الحواجز والحجب التي تمنع استجابة الدعاء ومنها ارتكاب الإنسان للذنوب والمعاصي، أي أنّ علاقة العاصي متوتّرة مع ربّ العالمين -إن صحّ التعبير- كأنّهُ يقول: يا رب!.. أنا ليس لي وجه أن أطلب منكَ طلباً، أنا إنسانٌ الذنوب أخرسته، وحبست دعاءه، كما نقرأ في دعاء كميل: (اللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَحْبِسُ الدُّعاء)، من أجل ذلك نحن لفرط ذنوبنا ومعاصينا وقلة وجاهتنا لديه، نتوسلُ بمن أمر رب العالمين بالتوسّل بهم، فنقدّمهم كواسطة ووسيلة لنيل رضا الله في قضاء حاجتنا..
إنّ اتّخاذ الوسطاء أمر طبيعي بين البشر، فإنَّ الإنسان قد لا يتكلم مع جهة عليا مباشرةً إما حياءاً وإما هيبةً منها، كالولد العاصي والعاق لوالديه الذي لا يتكلّم مع أبيه من باب الخجل وليس من باب عدم الاحترام؛ فعلاقته متوترة مع أبيه، الأب لا يستجيب طلبه؛ لأنه ابن عاق ومتمرد.. ولكن علاقتهُ طيّبة بأمّه؛ قد يذهب إلى الأم ويطلب منها أن تتوسّط له عند أبيه؛ لأن الوالد يحترم الأم، ومن ناحية الولد لا يجرؤ أن يكلّم أباه.. فيقدّم الواسطة؛ وهو تعبير متعارف جداً..
هل هنالك من لا يُجوّز هذا الأمر؟.. حتى موضوع الوساطة إذا لم يكن هنالك إخلال بالقانون، وليس هنالك من تضييع لحقّ أحد، لا أحد يفتي بحرمتها.. والهديّة المعطاة لا تعتبر رشوة، إذا كانت بعنوان “الهدية المتعارفة” لأجل تسريع المعاملة، طبعاً دون إخلال بالقوانين أبداً؛ ليكن هذا القيد معلوماً!.. وبالتالي، فإنّ تلك الحركة؛ حركة فطرية بشرية.[70]
سؤال رقم(3): لماذا في بعض الأحيان حينما نتوسّل بأهل البيت عليهم السلام، لا يقضون لنا حاجاتنا؟
الجواب: هذا السؤال يشابه من يقول: أنا أدعو الله مراراً وتكراراً ليقضي لي حاجتي، ولكن الله لا يستجيب لي دعائي!!
إن الجواب واحد؛ لأن أهل البيت عليهم السلام لا يملكون ضراً ولا نفعاً إلا بأذن الله وحَوله وقوّته، فنحن حينما نتوسل بهم سوف يشفعون لنا عند الله بقضائها، قال تعالى: [مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ] [71]
وبما أن الله يكنّ لأهل البيت عليهم السلام محبّةً ومنزلةً كبيرةً لديه، لذا يقضي حوائجنا إكراماً لهم، ولكن في بعض الأحيان لا يقضيها لأسباب، نذكر منها الآتي:
1. إنّ قضاء حوائج المتوسّلين بأهل البيت عليهم السلام، لا يكون إلّا من باب التلطّف والرحمة بالعبد، ولكن في بعض الأحيان استجابة الحاجة ليست في مصلحة العبد وصلاحه، ولذا إذا استجاب أهل البيت دعاء المتوسِل بهم فلا يُعد ذلك لطفاً أو رحمةً، لأن العطاء في غير صلاح الإنسان مخالفة للّطف والرحمة، قال أصدق القائلين: [وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ] [72]
2. قد يكون الله قد وافق على تلبية طلب أهل البيت عليهم السلام في قضاء حاجة فلان، ولكن أمر بتأخيرها لمصلحة، كما أخّر الله رزق اليتيمين إلى أن يبلغا سن الرشد، قال تعالى: [وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ] [73]، أو يأمر بتأخير حاجته ليدعو أكثر حتى يستحق عند الله المزيد من الفضل والإكرام والإنعام.
3. الجهل بمن نتوسّل به، رُوي أن رجلاً سأل الإمام الصادق عليه السلام عن علّة عدم استجابة دعائهم، فقال عليه السلام:” لأنكم تدعون من لا تعرفونه” [74].
فبعض من يزور الإمام ويطلب حاجته يكون في قلبه شك في قضاء حاجته؛ لضعف إيمانه بالإمام، كأن سمع من النواصب بأن الإمام بعد موته يُعدم فلا يضرّ ولا ينفع، ونسي أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، والله منحهم الولاية التكوينية، لذا الحلّ كما جاء في الحديث: “إذا دعوْت فظُنّ حاجتك بالباب” [75].
4. لكون أعمال المتوسِّل مخالفة للشريعة، فبعض الذنوب تمنع من نيل الشفاعة، قال تعالى: [وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ] [76].
ومعلوم أنّ رضا الله مرهونُ برضا أهل البيت عليهم السلام، فقد روي عن الإمام الحسين عليه السلام أنَّه قال: “رِضى الله رضانا أهل البيت” [77]، ومن تلك الذنوب المانعة من نيل شفاعة أهل البيت عليهم السلام الاستخفاف بالصلاة، فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: ” إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة “[78].
سؤال رقم(4): هناك من يدّعي أنّ التبرك بقبور أولياء الله الصالحين كتقبيلها وضمّها ومخاطبتها من أجل قضاء الحوائج يعدّ شركاً، وهذا الأمر محرّم في الشريعة، فكيف نرد على ذلك؟
الجواب: هذا الادعاء باطل، بل أنّ الشريعة حثّتنا على زيارة قبور المعصومين والتبرّك بآثارهم عليهم السلام لما يترتّب عليه من نيل الخير والثواب والبركة.
ولقد ذكرنا في المبحث الأول بأن الاستعانة بغير الله لا يُعدّ شِركاً. ولا يوجد قولٌ بالحرمة لأحد من أعلام المذاهب الأربعة ممّن لهم ولآرائهم قيمة في المجتمع.
نعم، هناك أُناس شذّت عن شرعة الحق وحكموا بالحرمة قولاً بلا دليل، وتحكّماً بلا برهان، ورأياً بلا بيّنة، وهم معروفون في الملأ بالشذوذ، لا يُعبأ بهم وبآرائهم.
ونحن سنذكر بعض الروايات التي تصرّح بأن بعض الصحابة تبرّكوا بقبر رسول الله -صلى الله عليه وآله-، وهي كالآتي:
1 ـ عن علي عليه السلام قال: لمّا رمس رسول الله -صلى الله عليه وآله- جاءت فاطمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ فوقفت على قبره (ص)، وأخذت قبضة من تراب القبر ووضعت على عينها، وبكت وأنشات تقول:
ماذا على من شمّ تربة أحمد ان لا يشمّ مدى الزمان غواليا
صبّت عليّ مصائب لو أنّها صبّت على الأيام عدن لياليـا[79].
2 ـ عن أبي الدرداء قال: “إنّ بلالاً -مؤذّن النبي صلى الله عليه وآله- رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وآله فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين (رضي اللّه عنهما)، فجعل يضمّهما ويقبّلهما” [80].
3 ـ عن علي عليه السلام قال: “قدم علينا إعرابي بعدما دفنّا رسول الله -صلى الله عليه وآله- بثلاثة أيّام، فرمى بنفسه على قبر النبي -صلى الله عليه وآله- وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه فوعينا عنك، وكان فيما أنزل عليك: (ولو أنّهم اذ ظلموا أنفسهم جاؤوك) الآية. وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر: قد غُفر لك” [81].
وأما بالنسبة الى طلب الحوائج منهم عليهم السلام، فإنما هي في الحقيقة أن الشيعة تطلب الحوائج من الله سبحانه وتعالى ليقضيها لهم بحق صاحب القبر ومنزلته من الله، أو طلب الحاجة من صاحب القبر ليطلبها هو من الله سبحانه وتعالى، فإن عقيدتنا أن النبي والأئمة كما كانوا يدعون لشيعتهم في حياتهم ويحيطون بهم علماً، فكذلك بعد وفاتهم.[82]
سؤال رقم(5): إنّ بعض الشيعة يتبرّكون بربط الخرق السوداء والخضراء التي لامست أضرحة أهل البيت عليهم السلام، فلماذا يقوم الشيعة بذلك وما هو دليلهم الشرعيّ على ذلك؟
الجواب: لقد ذكرنا إنّ الشيعة بل المسلمين جميعاً يعتقدون بحياة الأولياء بعد الموت، ودليلهم في ذلك أدلة كثيرة منها قوله تعالى: [وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] [83]، هذا حال الشهداء فكيف بأئمة آل البيت عليهم السلام فهم شهداء وأولياء، فاعتقاد حياتهم مما لا شكّ فيه ولا ريب، وإذا كان الأمر كذلك فإنهم يرَون ويسمعون من زارهم ومن سألهم وهم في قبورهم، هذه كرامة ومنزلة وهبها الله لهم تعظيماً لمقامهم وشرفهم.
ومن هنا فإن الشيعة يقفون على قبورهم ويسألون الله بحقّهم ويدعونه فيُستجاب لهم، فإن الله قد جعل لبعض الأماكن شرفاً ومنزلة فأحب أن يدعوه المؤمن في هذه الأماكن المقدسة كما أحب أن يدعوه عند مساجده وبقاعه المشرفة، وبذلك فإن زائري قبورهم يستحصلون من قبورهم وضرائحهم البركة ويتعاملون معهم أحياء لا أموات، لذا فإن أضرحتهم قد حلّت بها البركة وإن لهذه الأضرحة آثاراً كما لأجسادهم الشريفة، فيجعلون ما مسّ أضرحتهم مورداً للاستشفاء بإذن الله تعالى، وهذه الخرق السوداء والخضراء حينما تمسّ هذه الأضرحة يعتقد الناس ببركتها فتكون لهم حرزاً لطلب الشفاء مثلاً، وهذه حالة من حالات اعتقاد الناس بحياة الأئمة عليهم السلام بعد الموت فهم يتعاملون معهم أحياء لا أموات .
ولهذه الحالات نظائر قد حدثت في حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام كذلك، فالروايات تشير إلى أن خديجة بنت خويلد عليها السلام قد طلبت من النبي -صلى الله عليه وآله- أن يكفّنها ببُردته تبركاً بها ولتحميها من هَول المطّلع ومن القبر وحالاته، وفعلاً فقد استجاب لذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فكفّنها ببُردته.
وهذا زُهير بن أبي سلمى خلع عليه رسول الله بُردته فقبلها متبركاً بها بعد أن مدحه بقصيدته التي سمّيت بالبُردة.
ودعبل الخزاعي حين أنشد قصيدته عند الإمام الرضا عليه السلام قدّم الإمام عليه السلام له عطاءاً جزيلاً فرفضه وطلب منه جبّته وقال: لِتقيني من أهوال القبر يا بن رسول الله وفعلاً أعطاه جبّته فلمّا وصل بغداد كانت له جارية قد شكت عينها وأصابها العمى فمسح بفاضل جبّة الإمام على عينها فزال ما بها من ألم وعمى، كل هذه شواهد على إقرار الأئمة عليهم السلام بما اعتقده شيعتهم.
والذي نريد قوله أنّ اعتقاد الشيعة بشرف هذه الأضرحة واستحصال البركة بكل ما يمسّ هذه الأضرحة من خرقة خضراء أو غيرها ويتم الاعتقاد بأن الله تعالى لمنزلة هذا الإمام، قد جعل سبب الشفاء والبركة لما يعتقده الإنسان بهذا الخرقة. على أننا نودّ التنبيه إلى أن لفّ هذه الخِرق ليس من الضروري أن تكون من ضرورات مذهبنا بل هي حالة اعتقادية يعتقدها الشيعة لحسن ظنّهم بالله واعتقادهم بمنزلة الإمام عليه السلام، ويمارسونها ليعطيهم الله ذلك على حسب ما يعتقدونه وليس في ذلك ما يخالف الكتاب أو السّنة بل العقل كذلك.[84]
إذاً نفهم من هذه المحاضرة بأنّ ابتغاء الوسيلة إلى الله أمرٌ حثنا عليه الله تعالى لقوله: [وَٱبۡتَغُوۤا۟ إِلَیۡهِ ٱلۡوَسِیلَةَ] [85]، وهذا يرجع لأسباب عديدة، منها: من أجل قضاء حوائج الناس، ومنها من أجل تِبيان منزلة الشفيع بإظهار كرامة من أجرى على يديه هذا الخير، وأيضاً من أجل (توثيق علاقة الحب والولاء بين الناس وبين أهل البيت عليهم السلام)، فإن الله تعالى قد أمرنا بمودتهم قائلاً: [قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ] [86]، وإذا ما توثّقت أواصر الحب والولاء وشعر الناس بالانجذاب الروحي لأولياء الله الصالحين كان ذلك باعثاً للاقتداء بهم والعمل بهَديهم، وبذلك يكون التوسّل واحداً من طرق الهداية التي أرادها الله عزّ وجلّ لخلقه)[87].
إنّ هذه الحقيقة يعرفها الأعداء لذا حاولوا إخفاءها عن الناس بتأويل القرآن وتزوير الروايات كي يتسلّطوا على الناس ولا يعترضوا على الظلم والجور والأفعال الإجرامية الشنيعة التي ارتكبوها بحق البشريّة وبالأخص جرائم قتل أئمة أهل البيت عليهم السلام كقتل الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء، فيُروى بعد أن قتلوا الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، أخذوا عياله ونساءه مع الإمام زين العابدين عليه السلام سبايا من كربلاء إلى الكوفة، ومنها إلى الشام، ولما قربوا من دمشق، أتى بهم باب دمشق “فوقفوا ” على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي و ” جاء “شيخ فدنا من نساء الحسين عليه السلام وعياله وقال: الحمد للّه الذي أهلككم وقتلكم وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنين منكم، فقال له علي بن الحسين: يا شيخ هل قرأت القرآن؟، قال: نعم، قال: فهل عرفت هذه الآية ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[88]، قال: قد قرأت ذلك، فقال له علي: فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت في بني اسرائيل [وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ] [89]؟ ، فقال: قد قرأت ذلك، فقال علي: فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى]ٰ [90]؟، قال: نعم، فقال له علي: فنحن القربى يا شيخ، ولكن هل قرأت [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا] [91]؟، قال: قد قرأت ذلك، فقال علي: فنحن أهل البيت الذين اختصّنا الله بآية الطهارة يا شيخ، قال فبقي الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به وقال: بالله إنّكم هم؟، فقال علي بن الحسين عليهما السلام: تاللّه إنّا لنحن هم من غير شكّ وحقّ جدّنا رسول الله صلّى اللّه عليه وآله إنّا لنحن هم، فبكى الشيخ ورمى عمامته ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللّهم إنّي أبرأ اليك من عدوّ آل محمد من جنٍّ وإنسٍ، ثم قال: هل لي من توبة؟، فقال له: نعم إن تُبت تاب الله عليك وأنت معنا، فقال: أنا تائب، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقُتل( [92].
إنّ أعداء الله ورسوله لم يقفوا عند هذا الحدّ، بل أخذوا يتربّصون بالإمام السجاد عليه السلام رغم ما جرى عليه من مصائب تنهدّ لهَولها الجبال.
قال الحائري في نور الأبصار: كتب الحجّاج -وكان والياً على الحجاز- إلى عبد الملك بن مروان: إذا أردت أن تُثبت ملكك فاقتل علي بن الحسين، فكتب إليه عبد الملك: أمّا بعد فجنّبني دماء بني هاشم وأحقنها فإني رأيت آل أبي سفيان لما أولغوا فيها لم يلبثوا إلى أن أزال الله الملك.
فلمّا هلك عبد الملك وجلس ابنه الوليد على سرير الخلافة جعل يحتال في قتل إمامنا زين العابدين عليه السلام ولذلك بعث سمّاً قاتلاً إلى والي المدينة وأمره أن يقتله بالسمّ سرا، ففعل الوالي، فلمّا سُقي إمامنا زين العابدين السمّ مرض مرضاً شديداً وصار يغشى عليه ساعة بعد ساعة حتى كانت ليلة وفاته[93] غشى عليه في تلك الليلة ثلاث مرات فلمّا أفاق من غشيته الأخيرة تلا هذه الآية: (الحمد للّه الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنّة حيث نشاء فنعم أجر العالمين).
ثم دعا ولده الباقر عليه السلام وأوصى إليه بوصاياه، فأول ما أوصاه -كما قال الباقر عليه السلام- ضمّني أبي إلى صدره الشريف وقال: يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي الحسين حين حضرته الوفاة وقال: إن أباه أوصاه به، قال: يا بنيّ إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله، وقال: يا بنيّ إذا متّ فلا يلي غسلي غيرك، فإن الإمام لا يلي غسله إلا إمام مثله يكون بعده.
وقال السيد المقرم في كتابه (حياة الإمام زين العابدين عليه السلام): ثم أخرج سفطاً وصندوقاً وأمر أبا جعفر الباقر عليه السلام بحمله إليه ولمّا طلب منه بعض أخوته الميراث ممّا فيه قال عليه السلام: لم يكن فيه ممّا ترثونه، إن فيه سلاح رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فإذا أراد أن لا يصل إلى المسلمين من المشركين نشابة وضعه بينهم والتابوت الذي جاءت به الملائكة وإن مثل السلاح فينا كمثل السلاح في بني إسرائيل فمن وقف التابوت على باب دارهم أوتوا النبوة فكذلك السلاح في أهل البيت عليهم السلام فمن كان عنده أوتي الإمامة وإن الدرع الذي يلبسه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يكون على كل إمام بلا زيادة ولا نقصان، وإن صاحب هذا الأمر لو أراد أهل السماوات والأرض أن يحملوه عن موضعه الذي وضعه الله لم يستطيعوا، ثم دعا بماء ليتوضأ فجاء الإمام الباقر إليه بالماء فتوضأ وكان في تلك الليلة يقول لولده الباقر عليه السلام: هذه الليلة هي التي وعدتها فإذا قضيت نحبي فغسّلني وحنّطني وادفني، ثم مدّوا عليه الثوب وفاضت روحه، رحم الله من نادى: وا إماماه، وا مسموماه، وا سيداه [94].
(نصاري)
| اويلي اعلى العليل المات بالسم | عگب ذاك اليسر والهظم والهم | |
| عگب ذيچ الهظيمه ومحنة الطف | او يسره البي تگيَّد والتكتف | |
| ونّه ما بطل ساعه ولا خف | لمن كبده يويلي انمرد بالسم | |
| گام او غسله الباقر ابايده | او شاف الجامعه امأثره ابجيده | |
| او شاف الساگ بيه اشعمل گيده | گعد يبكي او على حاله ايتهظم |
(نصاري)
| شاله للبقيع او حفر گبره | يم عمه الحسن وامه الزهره | |
| ظل اعليه يجري الدمع عبره | لمن سمّه هشام او مات بالسم | |
| عليه صاحت الوادم فرد صيحه | او گام او غسله او حطه ابضريحه | |
| بس جثة السبط ظلت طريحه | او بالخيل الصدر منه تهشم |
(أبوذية)
| الك شيعه بچت يحسين ورثت | او نارك بالگلب يحسين ورثت | |
| يخويه داركم للحزن ورثت | او عليك النوح كل صبح او مسيه |
(تخميس)
| لقد برزت ولهى تنوح عميدها | وقد خدَّ قاني الدمع بالحزن خدَّها | |
| فواحدة تشكو إلى الجَدِّ وجدها | وأخرى بفيض النحر تصبغ وجهها |
وأخرى تفدِّيه وأخرى تقبّلُ([95])
[1] المائدة/35.
[2]التوحيد -محمد بن عبد الوهاب-ص42-باب (١٣).
[3]الأعراف/146.
[4]الشعراء/80.
[5]الشعراء/79.
[6]القصص/15.
[7]الكهف/66.
[8] الكافي-الكليني-ج1-ص183.
[9] جامع السعادات-النراقي-ج2-ص:330.
[10] نفس المصدر السابق.
[11] نفس لمصدر السابق.
[12] النحل/69.
[13] الدعوات -قطب الدين الراوندي-ص 76.
[14] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري-ج13 -ص84 -ح14839.
[15] الجامع الصغير-جلال الدين السيوطي-ج ١-ص ٦٤٢-ح ٤١٦٦.
[16] الكافي-الكليني-ج2 ص469.
[17] الإسراء/82.
[18] كامل الزيارات-ابن قولويه القمي-ص ٢٩٢.
[19] آل عمران/49.
[20] م.ن.
[21] شجرة طوبى-الحائري-ج1-ص33.
[22] يوسف/97
[23] يوسف/98.
[24] آل عمران/135
[25] النساء/64
[26] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net / الأسئلة والأجوبة العقائدية / التوسل والاستغاثة/ معنى قولنا (يا علي) عند القيام -بتصرف.
[27] حوزة الهدى للدراسات الإسلامية/ alhodacenter.com / مسائل وردود عقائدية/ فلسفة التوسل ودليل شرعيته-بقلم سماحة الشيخ محمّد صنقور.
نعم، ينبغي (التمييز بين نوعين من التوسّل والاستعانة بالأسباب الطبيعية، هما: النوع الأوّل: التوسّل والاستعانة بالأسباب الطبيعية بمعزل تامّ عن الله تعالى، فتكون الأسباب هي الضارّة وهي النافعة على نحو الاستقلال، وهذا ضربٌ من ضروب الشرك المحرّم والمنهيّ عنه.
النوع الثاني: التوسّل والاستعانة بالأسباب الطبيعية بلحاظ عدم استقلالها في النفع والضرر، وأنّ المسبّب في تأثيرها هو الله وحده، كما هو الحال في ضوء المصباح الكهربائي، فإنّا نستفيد من المصباح نفسه الضوء والإنارة ولكن الفاعل الحقيقي في الضوء والإنارة هو وجود التيّار الكهربائي. إن هذا النوع هو ما جرت عليه السنن العقلائية والشرعية، ولعلّ من الشواهد الواضحة في الاستعانة بالأسباب الطبيعية ما جاء في قصّة الصدِّيق يوسف عليه السلام حيث كان قد طلب من السجين الذي أُطلق سراحه أن يذكره عند الملك [وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ]، ومن الواضح أنّ يوسف عليه السلام هو من المُخلَصين ـ بفتح اللام ـ فضلاً عن كونه من المُخلِصين ـ بكسر اللام14 ـ فهو راسخ الاعتقاد في كون الفاعل المؤثّر في وجوده وبقائه، فضلاً عن إخراجه من السجن أو إبقائه، هو الله تعالى لا غير، ولكنّ هذا المعنى لا يتقاطع البتة مع الاستفادة من الأسباب الطبيعية المأذون بها.)المصدر: السيد كمال الحيدري/ alhaydari.com/ الأخبار/ الإخلاص والتوسل بالأسباب الطبيعية-بتصرف.
[28] زاد المبلغات -مياسة شبع-ج3-ص162.
[29] بحار الأنوار-المجلسي-ج١٩ -ص٣٤٦.
[30] مستدرك الوسائل -الميرزا النوري -ج ١٠ -ص ٣٤٥.
[31] موقع السراج/alseraj.net/ المحاضرات/درر المواعظ/مشروعية التوسل بغير الله عز وجل-الشيخ حبيب الكاظمي-بتصرف.
[32] زاد المبلغات-مياسة شبع-ج5-ص151.
[33] موقع علي آل محسن/ almohsin.org/ أجوبة المسائل/ التوحيد/ هل قول: يا علي … شرك؟
[34] المائدة/35.
[35] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -ناصر مكارم الشيرازي-ج3-ص 686.
[36] المائدة/35.
[37] مستدرك سفينة البحار -الشيخ علي النمازي الشاهرودي -ج ١٠-ص301.
[38] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٣٦ -ص ٢٤٤.
[39] مفاتيح الجنان-الشيخ عباس القمي-ص637.
[40] تفسير الإمام العسكري (ع) -المنسوب إلى الإمام العسكري (ع) -ص ٦٨.
[41] الأعراف/ 180.
[42] مصباح المتهجد -الطوسي -ص 374.
[43] الصحيفة السجّادية| الدعاء 42.
[44] الصحيفة السجّادية| الدعاء 44.
[45] مصباح المتهجد-الطوسي- ص 358.
[46] المحاسن-البرقي-ج۱ -ص۲۸۹.
[47] صحيح البخاري-ج 4/173، كتاب الانبياء، الباب 53 , ورواه في كتاب البيوع ، الباب 98 ، واللفظ لكتاب الأنبياء .
[48] مسند أحمد 5:195.
[49] البحار-المجلسي-ج46-ص102، نقلا عن كتاب الإقبال للسيد ابن طاووس المتوفى عام 664هـ.
[50] الأحزاب/56. قال السيد الطبأطبائي في تفسير هذه الآية {صلاته تعالى انعطافه عليه بالرحمة انعطافا مطلقا لم يقيد في الآية بشيء دون شيء وكذلك صلاة الملائكة عليه انعطاف عليه بالتزكية والاستغفار وهي من المؤمنين الدعاء بالرحمة. و في ذكر صلاته تعالى و صلاة ملائكته عليه قبل أمر المؤمنين بالصلاة عليه دلالة على أن في صلاة المؤمنين له اتباعا لله سبحانه و ملائكته و تأكيدا للنهي_النهي يتمثل بقوله تعالى«و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا
[51] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ – ص ٤٨٤.
[52] كفاية الاَثر -فرات بن ابراهيم الكوفي-ص29.
[53] آل عمران/37.
[54] مريم/25.
[55] التوحيد والشرك-الشيخ جعفر سبحاني-ص129.
[56] يوسف/93-96.
[57] بحوث قرآنية في التوحيد والشرك -الشيخ جعفر السبحاني -ص ١٢٩-130.
[58] ولمعرفة المزيد من الروايات فيرجى مراجعة كتاب التبرك بالصالحين والأخيار والمشاهد المقدسة، تأليف الاستاذ صباح البياتي.
[59] المائدة/27.
[60] النساء/64.
[61] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net / الأسئلة والأجوبة العقائدية / أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى الخاص/ الولاية لهم (عليهم السلام) شرط قبول الأعمال.
[62] منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عليه السلام) -لطف الله الصافي الگلپايگاني-ص177.
[63] غافر/60.
[64] م.ن.
[65] المائدة/35.
[66] حوزة الهدى للدراسات الإسلامية/ alhodacenter.com/ مسائل وردود/ فلسلفة التوسل ودليل شرعيته-للشيخ محمد صنقور.
[67] الكافي -الشيخ الكليني -ج ١ -ص ١٤٥.
[68] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net / الأسئلة والأجوبة العقائدية / التوسل والاستغاثة-التوسل بأهل البيت (عليهم السلام) مأمورون به-بتصرف.
[69] غافر/60.
[70] موقع السراج/alseraj.net/ المحاضرات/درر المواعظ/مشروعية التوسل بغير الله عز وجل-الشيخ حبيب الكاظمي-بتصرف-بتصرف.
[71] البقرة/255.
[72] البقرة/216.
[73] الكهف/82.
[74] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٠ -ص ٣٦٨.
[75] الكافي-الكليني-ج 1-ص 473.
[76] الأنبياء/28.
[77] بحار الانوار –العلامة المجلسي-ج44-ص367.
[78] من لا يحضره الفقيه -الشيخ الصدوق -ج ١ -ص ٢٠٦.
[79] اخرجه: ابن الجوزي في الوفا في فضائل المصطفى: ص819 ح1538. والعسقلاني في المواهب اللدنيّة : 4 / 563 .
[80] اخرجه: ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق: 7 / 137 رقم 493.
[81] المواهب اللدنيّة-العسقلاني-ج 4 -ص 583 .
[82] مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / التبرك/ تبرك الصحابة بقبر النبي (صلى الله عليه وآله) -بتصرف.
[83] آل عمران/169.
[84] مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / التبرك/ ربط الخرق الخضراء بالأضرحة
[85] المائدة/35.
[86] الشورى/23.
[87] حوزة الهدى للدراسات الإسلامية/ alhodacenter.com/ مسائل وردود/ فلسلفة التوسل ودليل شرعيته-للشيخ محمد صنقور.
[88] الشورى/23.
[89] الإسراء/26.
[90] الانفال/41.
[91] الأحزاب/33.
[92] لواعج الأشجان في مقتل الحسين عليه السلام -السيد محسن الأمين-ص218-220.
[93]الليلة الخامسة والعشرون من سنة 95ه.
[94] نور الأبصار للشيخ محمد مهدي الحائري. حياة الإمام زين العابدين عليه السلام للسيد عبد الرزاق المقرم. نقلا عن مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج4-ص183-185.
[95] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج4-ص187-189.
