الإسلام دينُ عزٍّ وسلامٍ، لا ذلَّةَ ولا عدوانَ

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

الإِسْلَامُ دِينُ عِزٍّ وَسَلَامٍ، لَا ذِلَّةَ وَلَا عُدْوَانَ

تأليف: مياسة شبع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾.[1]

إن من أعظم ما ابتُلي به الإسلام في هذا العصر تشويه صورته، واتهامه بأنه دين عنفٍ وإرهاب، في حين أن حقيقته – كما بيّنها القرآن الكريم وفسّرها أهل البيت عليهم السلام – أنه دين يجمع بين السلام والعزّة، وبين الرحمة والقوة، فلا يقبل الظلم ولا يرضى بالذل، ولا يعتدي على أحد، ولكنه لا يستسلم للطغيان.

وفي هذه المحاضرة نعرض هذا التوازن العظيم، بأسلوب واضح ومقنع، مدعوم بالأدلة الشرعية والعقلية، مع أمثلة واقعية ونماذج من سيرة أهل البيت عليهم السلام.

المبحث الأول: الإسلام دين سلام لا عدوان

يُثبت هذا المبحث أن السلام في الإسلام أصلٌ راسخ، يتجلّى في مفهومه وكيفية صناعته في حياة الإنسان والمجتمع. وإليكم بيان ذلك في المطالب الآتية:

المطلب الأول: الإسلام دين سلام

إن الإسلام في حقيقته هو الاستسلام لله تعالى والانقياد لأمره، وهذا الاستسلام الحق يورث الإنسان السلامة في نفسه، والسلام في مجتمعه، والطمأنينة في علاقته بربه وبالناس، فيشعر بالأمان والراحة بعيدًا عن القلق والخوف.

وفيما يأتي جملة من الشواهد التي تبيّن أن الإسلام دين السلام، منها:

@ أنّ السلام اسم من أسماء الله تعالى، قال تعالى: [هُوَ اللَّهُ .. السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ][2] مما يكشف أن من مقاصد هذا الدين ترسيخ الطمأنينة في قلب الإنسان، وبناء الأمان في المجتمع، كما قال تعالى:﴿ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[3].

@ أراد الله تعالى للمؤمن أن يعيش في دائرة السلام الكاملة، فقال:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [4]، أي اجعلوا السلام منهج حياة في كل جوانبكم، مع أنفسكم، ومع غيركم، ومع ربكم. فالمؤمن الحقيقي هو الذي يكون مصدر أمان، لا مصدر خوف، وقد بيّن الإمام الباقر عليه السلام هذا المعنى بقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»[5]، فجعل من أبرز علامات صدق الإسلام في سلوك الإنسان أن يسلم الناس من أذاه.

ويتجلى هذا المعنى في سلوك المسلم اليومي، فهو يبدأ لقاءه بالسلام بقوله: (السلام عليكم)، ويختم أبرز عبادته كالصلاة بالسلام على النبي وعلى عباد الله الصالحين وعلى الناس جميعًا بقوله:(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته).

بل إن الإسلام يُرسّخ هذا المعنى حتى في أشدّ المواقف، فيأمر المؤمن أن يبقى حاملًا لروح السلام عند مواجهة الجهل والإساءة، قال تعالى:﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [6]، أي لا يقابلون السوء بمثله، بل يردّون بكلمة طيبة خالية من الأذى، أو يعرضون عن الجاهل بحلمٍ ووقار، حفاظًا على كرامتهم، وتجسيدًا لسلامٍ عملي يطفئ النزاع ولا يزيده اشتعالًا.

@ إنّ الإسلام لا يقف عند حدود تحقيق السلام في هذه الحياة الزائلة، بل يتجاوز ذلك ليقود الإنسان نحو السلام الحقيقي الدائم في الحياة الخالدة، حيث جنات النعيم التي سمّاها الله تعالى: “دار السلام” قال تعالى: [لَهُمْ دَارُ السّلاَمِ عِندَ رَبّهِمْ][7]، لأنها خالية من الخوف والقلق والأذى، وكل ما فيها قائم على الطمأنينة والمحبة. حتى تحية المؤمنين بعضهم لبعض في الجنة هي سلام: [لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً][8]. وأيضًا تحية الملائكة للبشر في الآخرة سلام: [وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم][9].

المطلب الثاني: كيف يصنع الإسلام السلام

السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المطلب:

كيف يصنع الإسلام السلام في النفس والأسرة والمجتمع؟

الجواب:

يتحقق السلام الحقيقي في حياة الإنسان والأسرة والمجتمع من خلال الالتزام الشامل بتعاليم الإسلام في جميع أبعاده؛ من العقيدة، والأحكام، والأخلاق، والآداب، لأن هذه المنظومة الإلهية المتكاملة تهذب العقل والروح والسلوك، فتنتج إنسانًا متوازنًا ومجتمعًا مستقرًا قائمًا على الطمأنينة والعدل. فالإسلام لا يطلب السلام كشعار، بل يزرعه في جذور الإنسان من داخله، ثم يُظهره في سلوكه الخارجي.

وفيما يأتي نماذج متعددة توضّح كيف يُنتج الإسلام السلام في مختلف شؤون الحياة:

@ في العقيدة: إنسان فقد مالًا أو ولدًا أو أصيب بمرض، لكنه يؤمن بأنّ كل ما يجري في هذا الكون بعلم الله وحكمته، وأنّه سبحانه لا يقدّر لعبده إلا ما فيه مصلحة أو اختبار أو رفعة، فيسكن قلبه ولا ينهار أمام المصيبة، ويعيش سلامًا داخليًا لأنه يعلم أنّ أمره بيد ربّ رحيم.

@ في العبادة: إنسان يحافظ على الصلاة، فيشعر بالراحة والطمأنينة بعد كل صلاة، فتزول عنه ضغوط الحياة ويعيش سكينة متجددة.

@ في الأحكام (الحقوق): تاجر يلتزم بالصدق ولا يغش، فيكسب ثقة الناس، فتسود الطمأنينة في التعاملات التجارية ولا تنشأ النزاعات.

@ في الأسرة: زوج يختار اللين والحوار بدل الصراخ والعنف، فتعيش الأسرة في جو من المودة بدل التوتر والخوف.

@ في الأخلاق: شخص أُسيء إليه، لكنه عفا وصفح، فانتهى النزاع ولم يتطور إلى خصومة أو قطيعة.

@ في الكلام: إنسان يحرص على الكلمة الطيبة، فيدخل السرور على من حوله، ويمنع نشوء المشاكل بسبب سوء التعبير.

@ في المجتمع: عندما ينتشر خُلُق الإصلاح بين الناس، يُسارع الأفراد إلى حل النزاعات بدل تأجيجها، فيسود الاستقرار والسلام.

@ في التعامل مع المخالف: شخص يتعامل مع من يختلف معه بالدين أو الرأي بعدل واحترام، فلا تتحول الاختلافات إلى صراعات وعداوات.

@ في ضبط النفس: إنسان يغضب لكنه يملك نفسه ولا يعتدي، فينطفئ الخلاف قبل أن يتحول إلى مشكلة كبيرة.

@ في التعامل مع المال: شخص يؤدي الحقوق المالية كالزكاة والخمس، فيُسهم في تقليل الفقر، مما يخفف أسباب الحقد والنزاع في المجتمع.

ومن خلال هذه النماذج يتضح أن الإسلام دين السلام في حقيقته، وأن كل ما فيه يقود إلى الطمأنينة والاستقرار. فليس السلام أمرًا جزئيًا فيه، بل هو ثمرة طبيعية لكل تعاليمه. وكما يُقال: الإناء ينضح بما فيه، فإن من عبد الله الذي هو السلام، انعكس ذلك على سلوكه، فصار سلامًا في نفسه، وبيته، ومجتمعه.

المبحث الثاني: الجهاد في الإسلام: فلسفته وأقسامه وضوابطه

إنّ هذا المبحث يثبت أنّ الجهاد في الإسلام ليس عدوانًا ولا فوضى، بل تشريعٌ عادلٌ منضبط. فهو يبيّن من خلال فلسفته أنّه لم يُشرَّع حبًّا في القتال، ومن خلال أقسامه أنّه ليس ممارسة عشوائية، ومن خلال ضوابطه أنّه مقيّد بقيود صارمة تمنع الانحراف إلى الاعتداء. وإليكم بيان ذلك في المطالب الآتية:

المطلب الأول: فلسفة الجهاد في القرآن

إنّ القتال وإعلان الحرب من الأمور التي تنفر منها النفوس بطبيعتها، لما فيها من مشقّة وخطر، فيميل الإنسان إلى تجنّبها واعتبارها شرًّا محضًا. غير أنّ هذا الشعور الفطري لا يكشف دائمًا عن حقيقة الأشياء، إذ قد يكون ما تكرهه النفس يحمل في باطنه خيرًا وحكمةً لا تدركها ابتداءً. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ].[10]

وعند التأمل في القرآن الكريم، يتبيّن أنّ الجهاد شُرِّع بحكمةٍ إلهية، لا عبثًا ولا حبًّا في الحرب، بل لحِكَمٍ يقرّها الشرع والعقل، نذكر منها:

1. دفع الظلم عن الإنسان.

إنّ من أوضح أسباب تشريع الجهاد دفع الظلم والعدوان عن الإنسان، وحمايته من سلب حقوقه، والاعتداء عليه في نفسه وماله وكرامته. قال تعالى:﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ[11]

تُبيّن الآية أنّ تشريع الجهاد جاء بعد وقوع الظلم على الإنسان، لا ابتداءً بالعدوان، فهو إذنٌ بالدفاع لا دعوةٌ للهجوم. فالآية لا تقول: قاتلوا لأنكم أقوياء، بل تقول: قاتلوا لأنكم ظُلمتم. أي أنّ الجهاد ليس للسيطرة ولا لنشر العنف بل لرفع الظلم والدفاع عن النفس.

2. حماية المجتمع من الفساد والإفساد.

قال تعالى:﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾.[12] أي إنّ الله تعالى جعل في نظام الحياة سُنّةً قائمة على التدافع، أي وجود قوة تقف بوجه قوة أخرى، بحيث لا يطغى الظالم دون رادع.

ولو لم يوجد هذا التدافع -الذي من أبرز مصاديقه الجهاد-، لسيطر أهل الباطل، وعمّ الفساد في الأرض، وانتشرت الجريمة، وضاعت الحقوق وانهارت حياة الناس.

3. حماية الدين وحرية العبادة.

قال تعالى:﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا[13]تُبيّن الآية الكريمة أنّ سنّة التدافع الإلهي بين الناس تُسهم في منع استيلاء الظالمين، وتكفّ عدوانهم عن هدم دور العبادة، سواء كانت لليهود أو النصارى أو المسلمين، وتحول دون تعطيل ذكر الله فيها. ومن هنا يظهر أنّ حفظ دور العبادة من الهدم مقصدٌ عظيم، ولذلك شُرِّع الجهاد بوصفه ضرورةً لحماية الدين وصيانة حرية العبادة، لا باعتباره وسيلةً للعدوان أو الهيمنة.

4. حماية الضعفاء والمستضعفين.

قال تعالى:﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ [14] تبيّن الآية أنّ من أسباب الجهاد الدفاع عن المستضعفين كالنساء والأطفال وكبار السن والمرضى والمعوقين الذين لا يملكون قوة ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم وقد وقعوا تحت ظلم الكفار أو الطغاة، كالتعرض للأذى والتعذيب والجوع والعطش.

فالله تعالى لم يجعل الجهاد للدفاع عن النفس فقط، بل لأجل نصرة من لا يستطيع الدفاع عن نفسه. أي وسّعه ليشمل إنقاذ المظلوم والمستضعف.

5. إقامة العدل وردع المعتدي.

ذكرنا في النقطة الأولى أنّ الجهاد شُرع لنصرة المظلوم بدفع الظلم عنه، إلا أنّ فلسفته لا تقف عند هذا الحد، بل تتجاوز إلى ردع المعتدي وتأديبه، حتى يُستأصل العدوان وتُقام موازين العدل في المجتمع.

قال تعالى:﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ[15]فالعقل يحكم بضرورة منع الظالم دون تجاوز، ولذلك فالجهاد ليس انتقامًا، بل ردٌّ منضبط للعدوان يحقّق التوازن ويحفظ الحقوق. وكأن الآية تقول لنا: دافع عن نفسك لكن لا تظلم ولا تتجاوز الحد.

6. امتحان صدق الإيمان والثبات.

قال تعالى:﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [16]. تُبيّن الآية أنّ الجهاد ميدانٌ يُظهر حقيقة الإيمان ويميّز الصادق من المدّعي. فالإيمان لا يُعرف بالدعوى، بل يُكشف عند الشدائد والمواقف الصعبة.

وبذلك يكون الجهاد ميزانًا يميّز من يثبت على العزّة ممّن يقبل بالذلّ والهوان.

المطلب الثاني: أقسام الجهاد في الإسلام

بعد بيان فلسفة الجهاد، يتضح أنّه لم يُشرَّع لمجرد القتال، بل ضمن إطارٍ منظمٍ قائم على الحكمة والعدل، مما يستدعي الوقوف على أقسامه لفهم حقيقته، ومن أبرزها التقسيم الثلاثي[17] الآتي:

أولًا: الجهاد الدفاعي (مع غير المسلمين)

يُشرع هذا النوع من الجهاد عند اعتداء غير المسلمين على المسلمين، لأن الإسلام لا يجيز ترك الظلم دون دفع، بل يأمر بحماية النفس والعِرض والمال، وردّ العدوان، وصيانة كرامة الإنسان.

ولا يُشترط في الدفاع الفردي المباشر إذن خاص عند وقوع الاعتداء الفوري، بل يُباشر فورًا، أما إذا كان الاعتداء واسعًا، كالهجوم على بلد، أو تهديد أمن المجتمع، أو اعتداء يشمل جماعةً من الناس، فلا بد أن يكون الدفاع منظمًا وتحت إشراف القيادة الشرعية حيث أمكن، حتى لا يتحول إلى فوضى أو إلى تعدٍّ يتجاوز حدود العدل.

ومن أبرز مصاديق هذا النوع ما وقع في زمن النبي صلى الله عليه وآله من مواجهة المشركين والكفار المعتدين الذين حاربوا الدعوة وأخرجوا المؤمنين من ديارهم.

ثانيًا: جهاد البغاة (مع المسلمين المعتدين)

وهو نوع من الجهاد الدفاعي، لكن يكون العدو فيه من المسلمين الذين خرجوا عن الحق، وتمرّدوا على القيادة الشرعية، واعتدوا وظلموا. ويكون الهدف منه إيقاف عدوانهم، وردّهم إلى الحق، وحماية المجتمع من الفتنة والفساد.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع بقوله تعالى:﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [18]، فبيّن أن القتال هنا ليس عدوانًا، بل وسيلة لإيقاف البغي وإرجاع الأمور إلى العدل.

وقد تجلّى هذا النوع من الجهاد بوضوح في سيرة أوصياء النبي صلى الله عليه وآله، وعلى رأسهم أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، حيث واجه البغاة في معارك الجمل وصفّين والنهروان، وهم الذين عُرفوا في كلمات أهل البيت عليهم السلام بالناكثين والقاسطين والمارقين.

وكذلك تمثّل نهضة الإمام الحسين عليه السلام أوضح موقف شرعي في رفض الخضوع للسلطة الجائرة، والدفاع عن الدين والحق، وإن كانت لها خصوصيتها التاريخية والشرعية.

ولو أردتم التوسّع في تفاصيل هذا النوع من الجهاد، فيمكنكم الرجوع إلى المحاضرة المعنونة بـ “جهاد الفئة الباغية” في الجزء الرابع عشر من هذا الكتاب.

ثالثًا: جهاد الدعوة إلى الإسلام (الجهاد الابتدائي)

وهو جهاد مرتبط بإزالة الموانع التي تحول دون وصول دعوة الحق إلى الناس، لا لمجرد القتال أو التوسع.

فقد أنزل الله تعالى شرائع لهداية الإنسان، وأوجب تبليغها، فإذا وُجدت قوى أو أنظمة تمنع الناس من سماع الحق، أو تفرض عليهم الإكراه لترك دينهم، كان من وظائف القيادة الإلهية إزالة هذه الحواجز، بعد استنفاد الوسائل السلمية، وبالحدود التي تضمن رفع المنع دون تعدٍّ أو ظلم.

وهذا النوع من الجهاد ليس أمرًا متروكًا للأفراد، بل هو قرار خطير يرتبط بقيادة معصومة، ولذلك اشترط فقهاء الإمامية وجود الإمام المعصوم أو نائبه الخاص، فلا يصح أن يُتخذ ذريعة لتبرير العنف المنفلت أو الفوضى.

إن الحروب التي قادها النبي وآله عليهم السلام تندرج ضمن الأقسام المشروعة للجهاد المذكورة أعلاه، ولم تكن حروب عدوان. وقد رأى بعض العلماء أن أكثرها يدخل في الجهاد الدفاعي بالمعنى الأوسع، أي ما كان لردّ اعتداء المشركين أو دفع ظلم البغاة، بل ذهب آخرون إلى أن جميعها كذلك[19]، لأنها كانت تهدف إلى رفع الظلم وحماية المسلمين.

المطلب الثالث: ضوابط الجهاد في الإسلام

لم يترك الإسلام الجهاد دون ضوابط، بل قيّده بقيود دقيقة تحفظه من الانحراف، وتمنع تحوّله إلى عدوان أو فوضى، ليبقى وسيلة لتحقيق العدل لا أداة للظلم. ومن أهم هذه الضوابط:

1. عدم البدء بالعدوان:

الأصل في الجهاد أنه لا يُشرع للعدوان، بل يكون لدفع الظلم وردّ الاعتداء، قال تعالى:﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾، فهذه الآية تضع قاعدة واضحة: القتال يكون في مواجهة المعتدي، لا ابتداءً بالظلم. ولذلك لم يكن النبي وآله الأطهار عليهم السلام يبدأون بالقتال، بل كانوا يدعون أولًا بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن اعتُدي عليهم دافعوا.

2. الاقتصار على قدر الضرورة

الجهاد في الإسلام ليس انتقامًا، بل هو ردٌّ للعدوان بقدر ما يوقفه، دون تجاوزٍ أو إفراط، قال تعالى:﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ[20]، فالمعيار هو التناسب الذي يحفظ الجهاد ضمن إطار العدل.

مثال ذلك: إذا زال خطر العدو وانكفّ عن القتال، لم يجز ملاحقته أو الاستمرار في إيذائه، لأنّ سبب القتال قد انتهى.

3. الرجوع إلى القيادة الشرعية

لم يجعل الإسلام الجهاد أمرًا فرديًا مفتوحًا، بل ربطه بالقيادة الشرعية، خصوصًا في القضايا العامة، حتى لا يتحوّل إلى فوضى أو إلى اعتداء غير منضبط.

فالجهاد الابتدائي لا يُشرع إلا بإذن المعصوم عند الإمامية، وأما الجهاد الدفاعي العام، فلا بد أن يكون منظمًا وتحت إشراف القيادة الشرعية حيث أمكن، لضبط القرار وتحديد المصلحة، ومنع الانحراف أو الاستغلال.

4. الالتزام بالأخلاق الإسلامية في القتال

حتى في حال الحرب، لم يُسقط الإسلام الأخلاق، بل أكّد عليها، فحرّم الغدر والخيانة، ونهى عن التمثيل بالجثث، وعن كل ما ينافي القيم الإنسانية.

رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لعسكره قبل لقاء العدوّ بصفين: ” لاَ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اَللَّهِ عَلَى حُجَّةٍ وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَتِ اَلْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اَللَّهِ فَلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِراً وَلاَ تُصِيبُوا مُعْوِراً وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وَلاَ تَهِيجُوا اَلنِّسَاءَ بِأَذًى وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ… “.[21]

5. تقديم السلم إذا تحقّق العدل

الإسلام لا يتشبّث بالحرب، بل يقدّم السلم متى كان حقيقيًا ويحقق العدل ويحفظ الحقوق، قال تعالى:﴿ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا[22]، أي إذا مالوا إلى السلم الصادق فاقبله. لكن مع الحذر من الخيانة، قال تعالى:﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ [23]، فيبقى التعامل قائمًا على الوضوح والعدل دون غدر.

ومن هنا، فإن الأصل في منهج محمد وآله هو تقديم الصلح والسلام على الحرب؛ فيبدؤون بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ويقدّمون الحوار على القتال، ويقبلون بالهدنة متى توفّرت، ولا يتجهون إلى الحرب إلا عند الضرورة، وهذا ما ذهب إليه بعض الفقهاء.[24]

6. تحريم استهداف الأبرياء وغير المقاتلين

من أهم ضوابط الجهاد في الإسلام تحريم الاعتداء على من لا يشارك في القتال، كالنساء، والأطفال، وكبار السن، ومن لا قدرة لهم على الحرب.

رُوي إنّ أمير المؤمنين عليّ عليه السلام بعد أن علم بالغارات التي شنّها جيش معاوية على بعض مناطق العراق، ومنها الأنبار، حيث تعرّضت النساء للانتهاك والسلب، غضب الإمام علي عليه السلام وخطب بهذه الكلمات المؤثرة: “… ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة[25] فينتزع حجلها[26] وقلبها[27] وقلائدها ورعاثها[28]، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلًا منهم كلمٌ ولا أريق لهم دم. فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوما بل كان به عندي جديراً”.

حيث يصف الإمام عليه السلام جريمةً عظيمة، حينما اعتدى بعض الناس على المرأة المسلمة والمرأة المعاهدة، فسلبوا حُليّهن من خلخال وسوار وقلائد وأقراط، وهنّ لا يملكن إلا البكاء والاسترحام، دون أن يجدن من يدافع عنهن، بينما خرج المعتدون سالمين دون أن يُصاب أحد منهم.

فاشتدّ غضب الإمام، وقال: لو أن مسلمًا مات حزنًا وغيرةً بعد هذا، فلا يُلام، بل هو جدير بذلك.

أي أن هذا الحدث يجب أن يوقظ الضمير، لأن السكوت على مثل هذا الظلم سقوطٌ في الكرامة، ولا يليق بالمسلم أن يرضى به.

أقول: كيف بك يا سيدي لو أبصرت بناتك يُنتهكن، يُسقن قهرًا من بلدٍ إلى بلد، تُرفع عليهنّ الأيدي، وتُطلق في وجوههنّ الشتائم، ولا ناصر لهنّ ولا مغيث؟ أيّ قلبٍ يحتمل هذا، وأيّ ضميرٍ يسكت عليه؟

وفي ختام المبحث نقول: فأيُّ قانونٍ في هذا العالم بلغ من الرحمة والعدل ما بلغته تشريعات الإسلام في الجهاد؟ حيث قيّد القتال بقيودٍ دقيقة تصونه من الظلم، وتكشف بوضوح أنّه تشريعٌ إلهيٌّ منزَّهٌ عن العدوان والإرهاب، قائمٌ على الحكمة والإنصاف لا على الفوضى والاعتداء.

المبحث الثالث: الرد على شبهة أن الإسلام دين إرهاب

يدّعي أعداء الإسلام أن الإسلام ليس دين سلام، بل هو دين إرهاب وعنف وعدوان في واقعه وتشريعاته، ويستند مروّجو هذه الشبهة إلى جملة من الأمور، سنطرحها في المطالب الآتية، ثم نختم ببيان موقف الشريعة الإسلامية الحقيقي من الإرهاب وحرمتِه.

المطلب الأول: دعوى الاستدلال بسلوك بعض المسلمين على عنف الإسلام

الأمر الأول الذي يطرحه المخالفون:

أن ما يصدر من بعض الجماعات المنتسبة إلى الإسلام من أعمال إرهابية، كالقتل والتفجير وسفك الدماء والاعتداء، يدلّ -بزعمهم-على أن هذه الأفعال تمثّل حقيقة الإسلام، خاصة مع تكرار ظهور هذه النماذج في وسائل الإعلام، مما يعزّز لديهم هذا التصوّر.

الجواب:

إنّ حقيقة الإسلام لا تُعرف من خلال سلوك كل من ينتسب إليه، بل تُؤخذ من مصدره الصحيح، وهو القرآن الكريم، وما صدر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام من أقوال وأفعال وتقريرات، لأنهم الامتداد الحقيقي لهذا الدين والناطقون به.

 أمّا ما يصدر من بعض المنحرفين، من فاسقين أو منافقين أو من يبيعون دينهم لأجل المال أو السلطة، فلا يمثّل الإسلام، بل يمثّل انحرافًا عنه.

ولو فتحنا هذا الباب، للزم أن نحكم على كل دين أو مبدأ من خلال أسوأ من ينتسب إليه، وهذا ما لا يقول به عاقل، ولتقريب الفكرة نضرب الأمثلة الآتية:

@ لو أنّ معلّمًا فاسدًا أفسد طلابه، فهل نحكم على العلم والتعليم بالفساد؟ أم نحاسب هذا المعلّم وحده؟
فالعبرة بالمصدر الصحيح لا بالمنحرف.

@ لو أنّ شخصًا استخدم دواءً نافعًا بطريقة خاطئة فأضرّ بنفسه، فهل يُقال إنّ الدواء ضارّ بطبيعته؟ أم إنّ سوء الاستخدام هو السبب؟
كذلك النصوص الدينية، قد يُسيء أحدهم فهمها أو توظيفها.

@ لو أنّ شخصًا لبس زيّ الشرطة وارتكب جرائم، فهل نقول إنّ جهاز الشرطة مجرم؟ أم نقول إنّه منتحل أو فاسد لا يمثّل المؤسسة؟
وهكذا حال من يتستر باسم الدين.

ومن هنا، يتّضح بطلان هذا التعميم، وأنّ ما يُنسب إلى الأفراد من عنفٍ وإرهاب لا يصحّ أن يُحمَّل للدين نفسه، بل لا بدّ من النظر إلى حقيقة هذا الاتهام وخلفيّاته.

وينبغي الالتفات إلى أنّ تهمة “الإرهاب” التي أُلصقت بالإسلام لم تكن وليدة الصدفة، بل استُخدمت ضمن مشروع إعلامي وسياسي منظّم سعت من خلاله جهات معادية للإسلام، وفي مقدمتها أمريكا والكيان الصهيوني ومن يدور في فلكهما من بعض القوى الغربية، إلى ترسيخ صورة مزيّفة عن الإسلام في أذهان الناس، حتى يظهر وكأنه دين عنف وعدوان. وقد اشتدّ هذا التوظيف بعد أحداث 11 أيلول 2001م، حيث وُجّه الاتهام في الخطاب الإعلامي والسياسي مباشرة إلى الإسلام والمسلمين، واستُثمرت تلك الأحداث لتشويه صورة هذا الدين، وإبعاد الناس عنه، وتبرير التدخل في بلاد المسلمين، وصرف الأنظار عن الجرائم الحقيقية التي تُرتكب بحقهم.

ولأجل تثبيت هذه الشبهة، لم يكتفِ الأعداء بالكلام والدعاية الإعلامية، بل عملوا على صناعة نماذج منحرفة ونسبتها إلى الإسلام، ودعموا في الخفاء بعض الجماعات التكفيرية والإرهابية، ومهّدوا لها سبل الحركة والتمويل والتسليح، ثم ركّز الإعلام عليها بشكلٍ مكثّف، حتى يظنّ الناس أن هذه التصرفات تمثّل الإسلام. فظهرت جماعات منحرفة تمارس القتل والتفجير وانتهاك الحرمات، كالخوارج والنواصب وبعض الجماعات التكفيرية المعاصرة، وهي في حقيقتها بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام، بل هي في كثير من مواردها أدوات تخدم أعداء الإسلام، وإن رفعت اسمه زورًا. فالإسلام بريء من هذه الأعمال، لأنها تقوم على الظلم والعدوان، وهو دينٌ يحرّم ذلك أشدّ التحريم، كما سيأتي بيانه في المطلب الرابع.

المطلب الثاني: دعوى الاستدلال بآيات القتال على عنف الإسلام

ومما يثيره المخالفون في هذا الباب، ويتعلّق بهذه الشبهة، قولهم:

أن بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن القتال تدلّ – بحسب فهمهم – على أن الإسلام يدعو إلى قتال غير المسلمين، وهو دعوة عامة للعنف، مثل قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ][29]، و[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ][30]، و[يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ][31]، و[قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ..][32]، [وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً][33].

الردّ سنطرحه بالنقاط الآتية:

1. تقييد القتال في القرآن بالمعتدين دون سواهم

الآيات التي ذُكرت نزلت في زمن كان فيه المسلمون يتعرضون للاعتداء كشن الحروب، والإخراج من ديارهم، والقتل والتعذيب. فجاءت هذه الآيات لتنظيم الدفاع عن النفس والمجتمع، لا لبدء العدوان على غير المسلمين ابتداءً، بدليل أن القرآن نفسه استثنى غير المعتدين، فقال:﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾.[34]

هذه الآية دليل واضح على أن غير المسلم إذا لم يحارب ويعتدي، يجوز الإحسان إليه. فكيف يأمر بقتلهم هنا، ثم يأمر بالإحسان إليهم هناك؟
الجواب: لأن القتال خاص بالمعتدين فقط، كما قال تعالى: [وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً][35] أي قاتلوهم حال كونهم يقاتلونكم، فيكون القتال هنا ردًّا لعدوانهم، لا ابتداءً بالاعتداء عليهم. وهذا يهدم شبهة أن الإسلام يأمر بقتل كل غير مسلم.

2. آيات الجهاد مقيّدة بدفع العدوان لا بإطلاق القتال

إن آيات الجهاد المذكورة أعلاه قد يظهر منها – في ظاهرها – الحثّ على قتال المشركين والكافرين، إلا أنّ هذا القتال ليس مطلقًا، لأن القرآن يفسّر بعضه بعضًا، ولا تُفهم آياته بمعزل عن بقيتها. فقد قيّد الله تعالى القتال بحدود واضحة، كقوله:﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ[36]. مما يدلّ على أن القتال مقيّد بدفع العدوان، لا مفتوحًا للظلم والتعدّي. بل إن الإسلام نهى عن الاعتداء حتى مع وجود الخصومة، قال تعالى:﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ… أَنْ تَعْتَدُوا ﴾، أي لا يدفعكم بغضكم لقوم إلى الظلم والعدوان، وهذا يضبط حتى مشاعر الغضب.

وعليه فإن حروب المسلمين في زمن النبي وآله عليهم السلام لم تكن عدوانية، بل قامت على العدل ورفع الظلم.

3. عدم انحصار الجهاد في القتال وإبطال دعوى دلالته على العنف

إنّ قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ[37] لا يدلّ على الدعوة إلى العنف بقتل كل كافر ومنافق، لأن لفظ [جَاهِدِ] لا يعني بالضرورة (قَاتِل)، بل هو أوسع من ذلك؛ فقد يراد منه جهاد الكلمة كقول الحق في وجه الظالم، فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « إنّ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر »[38]، أو جهاد الدعوة، أي نشر الإسلام وبيان تعاليمه، كما في قوله تعالى:﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا[39]، أي جاهدهم بالقرآن عبر تلاوته وبيان حقائقه.[40]

وأما قوله:﴿ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾، فليس المقصود به الظلم أو الاعتداء، بل الحزم والثبات في مواجهة الباطل، من دون تهاون أو ضعف.

وبذلك يتضح أن الآية لا تدعو إلى العنف، بل إلى مجاهدة الباطل بوسائل متعددة، وفي إطار منضبط قائم على الحق والعدل.

4. تحريض القتال خاصّ بزمن الحرب لا دعوة دائمة للعنف

إنّ قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ[41]لا يُفهم على أنه أمر دائم بالعنف، بل هو توجيه خاص بزمن الحرب، هدفه رفع معنويات المقاتلين وتشجيعهم على الثبات أمام العدو.

فكما تفعل جميع الجيوش، حيث يُحفَّز الجنود قبل المعركة، جاء هذا الخطاب ليقوّي عزيمتهم ويمنع عنهم الخوف، لا ليأمر الناس بالقتال في كل زمان. وبذلك يتضح أن الآية مرتبطة بظروف الحرب فقط، وليست دعوة عامة إلى العنف.[42]

المطلب الثالث: دعوى التعارض بين السلام وتشريع القتال في الإسلام

من أبرز ما يثيره المخالفون في هذا الباب، ويتعلّق بهذه الشبهة، قولهم:

إذا كان الإسلام يدعو إلى السلام، فلماذا يشرّع القتال؟ أليس السلام يعني ترك الحرب مطلقًا؟ فكيف يجتمع في دينٍ واحد الدعوة إلى السلام، مع الإذن بالقتال؟

ولذلك يفضّل بعضهم المسيحية؛ لأنها تدعو إلى المحبة والتسامح، ويستشهدون بقول السيد المسيح: “من لطمك على خدّك الأيمن فحوّل له الأيسر”[43]، بينما يقولون إن الإسلام يدعو إلى القتال.[44]

الجواب:

1. أصل الإشكال… الخلط بين “السلام” و”الاستسلام”

فقد يتوهم بعض الناس أن الدين الإلهي ينبغي أن يكون دعوة إلى المسالمة المطلقة في كل حال، فيستغرب مشروعية القتال في الإسلام.

وهذا التوهم ناشئ من عدم التفريق بين السلام العادل، وبين الاستسلام للظالم. ويظنّ بعض الناس أنّ السلام يعني ترك القتال مطلقًا في جميع الأحوال، وهذا فهمٌ غير صحيح، لا يقرّه العقل ولا الشرع.

الصحيح هو أنّ “السلام” هو حالة عدل وأمن وطمأنينة تنشأ عن حفظ الحقوق واحترام الإنسان، أما “الاستسلام” فهو خضوع للباطل وتنازل عن الحق تحت ضغط القوة أو الخوف.

فالإسلام يدعو إلى الأول، ويرفض الثاني أي يدعو إلى السلام العادل، ويرفض الاستسلام المُذل.

وللتوضيح أكثر نسأل: هل السلام يعني ترك الحرب مطلقًا؟

الجواب: لا، لأن هذا يؤدي إلى نتائج خطيرة جدًا، منها: تمكين الظالم من السيطرة، وضياع كرامة الإنسان، وانتشار الفوضى والفساد، واستعباد الشعوب.

مثال عقلي واضح:

@ إذا اقتحم لصٌّ بيتك يريد الاعتداء على أهلك وانتهاك حرماتهم، أترى أنّ الوقوف موقف المتفرّج بدعوى السلام يحفظك؟ أم أنّه لا يجلب إلا الذلّ ويتركك فريسةً للظلم؟

@ إذا احتلّ عدو بلدًا، وقتل الناس وأخرجهم من بيوتهم، هل يكون السكوت سلامًا أم ذلًّا؟

إنّ العقل يحكم بأن ترك الظالم يبطش بالناس ليس سلامًا، بل تمكينٌ للظلم. كما يحكم بأن ردّ العدوان بالقدر الذي يوقفه عدلٌ، لا إرهاب. ومن هنا كان الجهاد الدفاعي موافقًا للعقل لأنه يدفع الظلم والعدوان، ويحمي النفس والحقوق، ويحمي المستضعفين، ويحفظ الدين-كما ذكرنا ذلك في فلسفة الجهاد-.

إذ قد يكون استعمال القوة المنضبطة لدفع العدوان هو الطريق الحقيقي إلى حفظ السلام والعزة والكرامة.

ولهذا جاء الإسلام ليقول: لا تعتدِ على أحد، لكن إذا اعتُدي عليك، يجب أن تدافع عن نفسك. مثل الشرطي الذي يحمل سلاحًا… هو لا يريد الأذى، لكنه يحمله ليحمي الناس. فالحرب في الإسلام ليست للعدوان، بل للدفاع، وحماية النفس، ورفع الظلم.

قد يُقال: كيف يجتمع السلام والقتال في الإسلام؟

والجواب: أنّ الإسلام جمع بينهما وفق قاعدةٍ محكمة:

أنّ الأصل فيه السلم، ولا يُلجأ إلى القتال إلا عند الضرورة لدفع العدوان، مع الالتزام بعدم التعدّي، وهذا ما أشار إليه تعالى بقوله:﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا [45]، فهو لا يُبيح بدء الظلم، ولا يرضى بالاستسلام له.

الخلاصة: الإسلام لا يريد إنسانًا ظالمًا ولا إنسانًا ضعيفًا مستسلمًا، بل يريد إنسانًا رحيمًا… لا يعتدي، قويًا… لا يُذل، عادلًا… يدفع الظلم.

2.شمولية الإسلام في تنظيم الحياة

وأمّا من يفضّل المسيحية بدعوى أنّها تقوم على المحبة والتسامح، فإنّ منشأ هذا التصوّر هو حصر الدين في الجانب العاطفي والأخلاقي، مع أنّ حياة الإنسان لا تستقيم بهذه القيم وحدها، بل تحتاج إلى نظامٍ عادلٍ ينظّم السلوك، ويحفظ الحقوق، ويمنع تغلّب القويّ على الضعيف.

ومن هنا جاء الإسلام بمنهجٍ متكامل يجمع بين الرحمة والعدل؛ فكما دعا إلى الإحسان والتسامح، وضع تشريعاتٍ رادعة تمنع الظلم وتحمي المجتمع من الفوضى، ومن أبرزها تشريع القصاص قال تعالى:﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [46]، أي إنّ العقوبة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لحفظ الحياة وردع الجريمة قبل وقوعها. وقد أكّد أهل البيت عليهم السلام أنّ هذه الأحكام شُرّعت لصيانة الناس وإقامة العدل، لا للانتقام والتشفّي.

وعلى هذا الأساس، فإنّ تشريع القتال في الإسلام يأتي في السياق نفسه؛ فهو ليس خروجًا عن مبدأ السلام، بل امتدادٌ له في بعده الواقعي، إذ به تُحمى الحقوق، ويُدفع العدوان، وتُصان الكرامة. فالإسلام لا يكتفي بالدعوة إلى الخير، بل يضع من الوسائل ما يكفل حمايته، ليبقى المجتمع قائمًا على الرحمة، محفوظًا بالعدل.

(مع الإشارة إلى أنّ فكرة نبذ القتال في المسيحية لم تُلتزم تاريخيًا؛ إذ قادت الكنيسة حروبًا دينية، كالحروب الصليبية، كما لم يكن إقصاء مفهوم القوة مقبولًا لدى بعض أتباعها).[47]

المطلب الرابع: الإسلام يحرّم الإرهاب والعدوان

لقد ذكرنا سابقًا أنّ الإسلام في الأصل هو دين السلم والسلام يدعو إليه في جميع شؤون الحياة، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً[48].

ولذا لا يمكن أن يكون داعيًا إلى العمل الإرهابي والعدواني، لأنّ ذلك يناقض جوهره ومقاصده.

فالعمل الإرهابي هو: كل فعلٍ يقوم على ترويع الآمنين، أو الاعتداء على الأنفس والأموال بغير حق، ونشر الفساد والخوف في المجتمع، ومضمونه موجود في فقه الشيعة تحت عنوان الحرابة[49] والإفساد في الأرض، التي شدّد الإسلام على تحريمها وقرّر لها أشدّ العقوبات حفاظًا على أمن المجتمع واستقراره، ومن صوره: القتل، والتفجير، والخطف، والترويع، والاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض.

وفيما يأتي بعض الأدلة الشرعية الدالّة على حرمته:

@ تحريم قتل النفس
قال تعالى:﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾.[50] وهذا نص صريح في تحريم قتل أي نفس بريئة، والإسلام حرّم ممارسة الإرهاب والعنف حتى مع النفس، قال سبحانه وتعالى: [وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ][51]، وفي حديث عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام: “من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها”.[52]

بل لا يجوز للإنسان أن يبتر عضوا من أعضائه كقطع يده أو أذنه أو جدع أنفه أو فقء عينه أو ما شابه ذلك، أو أن يذهب قوة من قواه كقوة عينه فلا يبصر أو أذنه فلا يسمع.

@ تحريم الجرح والضرب بغير حق: رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله: «ألا ومن لطم خد امرئ مسلم أو وجهه بدد الله عظامه يوم القيامة وحشر مغلولا حتى يدخل جهنم إلا أن يتوب».[53]

 @ إشهار السلاح عليه: عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: “من أشار إلى أخيه المسلم بسلاحه لعنته الملائكة حتى ينحيه عنه”.[54]

@ تحريم الترويع: رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه بها، أخافه الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله “.[55]

وعن عليّ عليه السلام أنه قال: “لا يحل لمسلم أن يروع مسلما”. [56]

وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «من روع مؤمنا بسلطان ليصيبه منه مكروه فلم يصبه فهو في النار، ومن روع مؤمنا بسلطان ليصيبه منه مكروه فأصابه فهو مع فرعون وآل فرعون في النار»[57]، أي حتى مجرد التخويف والإرهاب النفسي محرّم، فكيف بالقتل والتفجير.

@ تحريم الغدر وإتلاف المال: قال الإمام الصادق عليه السلام: “من خان جاره بشبر من الأرض طوّقه الله من سبع أرضين يوم القيامة إلى الأرض السابعة حتى يدخل النار”.[58]

والإسلام يحرّم أيضًا كل ما يهدد أمن المجتمع واستقراره، وإن لم يكن إرهابًا بالمعنى الخاص، مثل: السرقة والزنا وتعاطي المسكرات وإشاعة الفتنة.

المبحث الرابع: العزّة ورفض الذلّ في الإسلام

عند التأمّل في غايات الجهاد التي تم طرحها في مطلب فلسفة الجهاد سيتبيّن أنّها ترجع إلى أصلٍ واحد، وهو حفظ عزة الإنسان وصيانته من الذلّ؛ فدفع الظلم، ونصرة المستضعفين، وحماية الدين، إنما هي وجوهٌ لصيانة العزة والكرامة.

وفي المقابل، فإنّ الاستسلام وترك المواجهة لا يورثان إلا الذلّ والعار.

غير أنّ جملةً من الأسئلة الجوهرية تطرح نفسها بإلحاح: ما حقيقة الذلّ؟ وما أنواعه؟ وما حقيقة العزّة؟ وما موقف الإسلام منهما؟ وما مسؤولية الأمة في استعادة عزّتها وكرامتها؟

وفيما يأتي بيان ذلك ضمن مطلبين:

المطلب الأول: حقيقة الذلّة والعزّة وموقف الإسلام منهما

الذلّة هي حالة الانكسار والخضوع والمهانة. ويقابل الذلّة العزة، وتعني لغةً: القوة والشدّة والغَلَبة، وتتضمن معنى الامتناع والكرامة.

والذلّة على نوعين رئيسين:

النوع الأول: الذلّ الظاهر (القهر الخارجي)

وهو ما يُفرض على الإنسان من قوّة خارجية: تهديد، سجن، تعذيب، استعباد. فتُدار حياة الناس بالخوف، ويُساقون كأدوات، ويُسلبون حقهم في القرار والكرامة. فيتحوّل الإنسان من إنسان حرّ كريم إلى عبدٍ ذليل بيد حاكم ظالم، يتحكّم فيه كما يتحكّم السيد بالعبد. وهذا المعنى موجود في القرآن في سياق الطغاة والمستضعفين كما هو الحال مع فرعون مصر الذي قال تعالى عنه: [إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ][59]، وكما يتجلى ذلك في طغاة هذا العصر الذين يسيرون على نهج الفراعنة في الاستبداد والهيمنة وإذلال الشعوب وعلى رأسهم أمريكا وإسرائيل، ومن يساندهم من قادة الدول وأعوانهم.

فالظالمون والطواغيت يسعون إلى استعباد الناس، ليجعلوهم عبيدًا لإرادتهم منزوعي العزة والكرامة. ومن مظاهر الاستعباد:

@ ينفّذون الأوامر دون اعتراض حتى لو كانت الأوامر ظلمًا أو معصية ليبقوا هم أصحاب الصوت والقرار.

@ أن يعيشوا في الخوف ويخافون منه أكثر من خوفهم من الله.

@ لا يملكون قرارهم، لا يختارون، لا يعترضون، لا يغيّرون.

@ تُسلب أموالهم وبلادهم، يعملون ويتعبون، لكن خيراتهم تذهب للحاكم وأعوانه.

@ يُستخدمون كأدوات في إيذاء الآخرين وخدمة مشاريع الفساد.

النوع الثاني: الذلّ الباطن (الانكسار الداخلي)
هو أن يستسلم الإنسان للباطل من داخله، فيرضى به طوعًا بسبب خوف، أو طمع، أو شهوة، أو ضعف في الشخصية. وهذا اللون من الذلّ أخطر من الذلّ الظاهر؛ لأن سقوط الإنسان يبدأ من القلب لا من الخارج.

فالعدو لا يقدر على إحكام السيطرة على الشعوب إلا بعد أن يفسد القلوب أولًا، فيُشغل الناس بحبّ الدنيا، والمال، والشهرة، واللذّات، حتى تضعف إرادتهم وتخمد رقابتهم الداخلية. فإذا انهزمت النفوس من الداخل، أصبح توجيهها من الخارج أمرًا سهلًا، وسار الناس خلف من يقودهم دون مقاومة حقيقية.

وفي هذا السياق يبرز سؤال مهم:

ما هو موقف الإسلام من العزّة والذلّة؟ هل يُباح للإنسان أن يقبل الذلّ والمهانة، أم أنّ ذلك مرفوض شرعًا وعقلًا؟

الجواب:

لا يجوز قبول الذلّ والمهانة بل يجب رفضهما والسعي للعيش بعزّة وكرامة، لأنّ الإسلام جعل العزّة للمؤمن، وحرّم الخضوع للظلم ونهانا عن قبول الذلّ والمهانة. وقد جاءت عدّة نصوص تثبت ذلك، نذكر منها ما يلي:

1. قال تعالى: [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ].[60]

2. رُوي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “إِنَّ اللَّهَ فَوَّضَ إلى الْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا وَلَمْ يُفَوِّضُ إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِيلاً؛ أَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ][61]؛[62] وتابع (سلام الله عليه) كلامه قائلاً:… فَالمُؤْمِنُ يَكُونُ عَزِيزاً وَلَا يَكُونُ ذَلِيلاً، قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَعَزُّ مِنَ الْجَبَلِ؛ لأَنَّ الْجَبَلَ يُسْتَقَلُ مِنْهُ بِالمُعَاوِلِ وَالْمُؤْمِنَ لَا يُسْتَقَلُ مِنْ دِينِهِ بِشَيْءٍ”.[63]

3. عندما حاصر جيش عبيد الله بن زياد الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، وطُلب منه الاستسلام للباطل، ألقى الإمام يوم عاشوراء خطبة أمام معسكر ابن زياد وقال فيها: “إنّ الدَعيّ ابن الدعيّ قد ركزني بين اثنتين، بين السلّة والذلّة… وهیهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسولُه، والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت. نؤثر مصارع الكرام على طاعة اللئام.[64]

4. وقال أيضًا الإمام الحسين عليه السلام في خطبته صبيحة يوم عاشوراء: “لاَ وَاللَهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي‌ إعْطَاءَ الذَّلِيلِ”.[65]

أي: أقسم بالله أني لن أستسلم لكم استسلام الضعيف المنكسر، ولن أمدّ يدي مبايعًا أو خاضعًا تحت الضغط والتهديد؛ لأن هذا خضوع للباطل لا يليق بمن يحمل الحق.

ومن هنا نفهم أنّ واجب كلّ مسلم أن يحفظ عزّته وكرامته، فلا يقبل بالذلّ ولا يخضع للظلم، بل يعيش عزيزًا ثابتًا على الحق، رافضًا لكل ما يُهين دينه أو كرامته.

المطلب الثاني: مسؤولية الأمة في استعادة العزّة: معركة أُحد أنموذجًا

وفي ختام هذا البحث، يبرز تساؤل مهم: ما الأدوار التي ينبغي لأفراد الأمة أن يضطلعوا بها لاستعادة عزّتهم وكرامتهم؟ وما الوسائل التي تجعلهم شركاء فاعلين في تحقيق النصر والتغيير؟

الجواب نلخصه في النقاط الآتية:

1. الارتباط بالمرجعية الدينية وطاعة القيادة الشرعية:

2.تطبيق القوانين الإسلامية بشكل مطلق.

3.الوعي بالقضية والتمسك بالهوية.

4. دعم المقاومين والمجاهدين ماديًا ومعنويًا.

5.مقاطعة الأنظمة الظالمة والمحتلين اقتصاديًا وسياسيًا.

6.التحرك الإعلامي والتوعوي.

7.المشاركة في بناء مجتمع قوي مستقل بالاكتفاء الذاتي.

8.مقاومة الاستبداد الداخلي والدفاع عن العدالة.

9.الجهاد في ميادين العلم والعمل.

10.غرس روح الجهاد في الأجيال القادمة.

وقد تناولنا هذه الأدوار بأسلوب مبسط وواضح في الجزء الثامن من كتاب زاد المبلغات[66]، فمن أراد التوسّع فليرجع إليه، اختصارًا للمقام هنا.

ومن هنا يتبيّن أنّ النصر في الجهاد لا يتحقّق بمجرد الحماسة، بل يقوم على الالتزام بهذه الأدوار، وفي مقدّمتها طاعة القيادة الشرعية؛ إذ إنّ مخالفتها قد تُحوّل النصر إلى خسارة، مهما كانت الظروف مهيّأة لأنّ تشخيص الموقف الصحيح في مثل هذه الظروف ليس أمرًا فرديًا يُبنى على الحماسة أو الانفعال، بل هو من شأن القيادة الشرعية المتمثّلة بالمعصوم، أو نائبه الخاص، أو مرجع التقليد في زمن الغيبة؛ إذ هو الأعلم بواقع الأمة وبما يحقق مصلحتها، فقد يكون السِّلم هو الأنسب في ظرفٍ معيّن، وقد يكون الجهاد أو غيره من الخيارات هو الطريق الصحيح في ظرفٍ آخر.

ولنا في أهل البيت عليهم السلام أسوة حسنة، فلم يكن موقفهم قائمًا على اختيار الجهاد في سبيل الله دائمًا، ولا على تركه مطلقًا، بل كانوا ينظرون إلى النتيجة: هل يحفظ هذا الموقف الدين والكرامة أم يضيّعهما؟

فالإمام عليّ عليه السلام لم يبدأ القتال، بل كان يؤكّد على عدم البدء بالحرب حتى يُفرض عليه ذلك، حرصًا على العدل وتجنّب الظلم.

والإمام الحسن عليه السلام اختار الصلح عندما رأى أنّ استمرار القتال سيؤدي إلى ضياع الدين وتمزّق الأمة، فكان الصلح في ذلك الظرف هو الخيار الصحيح.

أما الإمام الحسين عليه السلام، فقد رفض الصلح حين أصبح استسلامًا للباطل وإذلالًا للحق، فوقف موقف العزّ وقال: “هيهات منا الذلة”.

فالميزان الحقيقي عندهم لم يكن: قتالًا أو سِلْمًا، بل: أيّهما يحفظ الحقّ والكرامة؟ فإذا كان السِّلم يحفظهما قُدِّم، وإذا كان القتال هو الطريق لذلك، كان هو الواجب.

وأمّا حين يبتعد المسلم عن هدي أئمة الهدى ويخالف منهجهم، فإنّه يعرّض نفسه للذلّ والهوان، ويخسر دينه وكرامته معًا.

ولكي تتّضح هذه الحقيقة بصورة عملية، لنتأمّل ما جرى في معركة أُحد:

وقعت معركة أحد في السنة الثالثة للهجرة، في الخامس عشر من شهر شوال، وقيل في السابع عشر منه، وكانت امتدادًا لمعركة بدر، إذ جاءت محاولةً من قريش للثأر مما أصابها من الهزيمة المنكرة في يوم بدر. ولذا أعدّوا العدة، وجهّزوا أنفسهم بما يلزم، وخرجوا في ثلاثة آلاف مقاتل، ومعهم النساء، وخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله بأصحابه، وكانت الوقعة المعروفة في نتائجها، حيث كان النصر للمسلمين في بداية الأمر، ثم انقلب الأمر، وأصبحت الغلبة للمشركين؛ بسبب عصيان مجموعة الرماة لأوامر رسول الله صلى الله عليه وآله بعدم ترك مواقعهم، طمعًا في الغنائم، فكان أن باغتهم خالد بن الوليد من خلفهم، ووجّه إليهم ضربة قاصمة، فتحوّل النصر إلى ما يشبه الهزيمة. [67]

ومن أبرز النتائج المؤلمة لمعركة أُحد استشهاد حمزة عليه السلام، عمّ النبي محمد صلى الله عليه وآله. حيث يروى كانت هند بنت عتبة ـ زوجة أبي سفيان ـ قد أعطت وحشيًّا عهداً لئن قتلت محمّدًا أو عليًّا أو حمزة، لأعطينّك كذا وكذا.

فقال وحشي: أمّا محمّد فلم أقدر عليه، وأما علي فرأيته حذراً كثير الالتفات فلا مطمع فيه، فكمنت لحمزة فرأيته يهدّ الناس بسيفه، ما يلقي أحداً يمرُّ به إلّا قتله، فهززت حربتي فرميتُه، فوقعت في أربيته ـ أصل الفخذ ـ، حتّى خرجت من بين رجليه فوقع، فأمهلته حتّى مات، وأخذت حربتي وانهزمت من المعسكر[68].

ورُوي أنّ هند وقعت على القتلى، ولمّا وصلت إلى حمزة بقرت كبده فلاكته، فلم تستطع أن تسيغه فلفِظَته، ثمّ قطعت أنفه وأُذنيه، وجعلت ذلك كالسوار في يديها وقلائد في عنقها.

وبعد انتهاء المعركة، أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله عمّه حمزة وقد مُثّل به، فقال صلى الله عليه وآله: «واللهِ، ما وقفتُ موقفاً قطّ أغيظَ عليّ من هذا المكان»[69]، ثمّ وضعه إلى القبلة وصلّى عليه وبكى.

وكان صلى الله عليه وآله يقول: «يا عمّ رسول الله، وأسد الله، وأسد رسول الله، يا حمزة، يا فاعل الخيرات، يا حمزة، يا كاشف الكربات، يا حمزة، يا ذابّ يا مانع عن وجه رسول الله»[70].

قال ابن الأثير: «ومرّ صلى الله عليه وآله بدار من دور الأنصار فسمع البكاء والنوائح، فذرفت عيناه بالبكاء، وقال: لكن حمزة لا بواكي له، فرجع سعد بن معاذ إلى دار بني عبد الأشهل فأمر نساءهم أن يذهبن فيبكين على حمزة»[71].[72]

وقد رُوي عن عبد الله بن مسعود، قال: ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله باكياً قط أشدَّ من بكائه على حمزة بن عبد المطلب لما قتل.

أقول: فكيف يكون حاله لو رأى سبطه الحسين عليه السلام جسدًا ممزّقًا قد أحاطت به الأسنّة؟ لا شكّ أنّ مصيبته به أعظم وأشدّ من يوم استشهاد حمزة رضي الله عنه، وكما قال الشاعر[73]:

لو أنَّ رسولَ اللهِ يَبْعَثُ نَظْرَةً لَرُدَّت إلى إنْسَانِ عَيْن مؤَرَّقِ
وَهَانَ عليه يومُ حمزةَ عَمِّهِ بيومِ حسين وهو أعظم ما لقي
ونال شجىً من زينب لَمْ يَنَلْهُ من صفية إذ جائت بدمع مرقوقِ
فكم بَيْنَ مَنْ للخِدْرِ عادت مصونة ومن سيَّروها في السبايا لجلّقِ

ساعد الله قلب عقيلة بني هاشم، وهي ترى الحسين عليه السلام وأهل بيته وأنصاره صرعى على الثرى بلا غسل ولا تكفين، فكأنّ قلبها ينادي جدّها رسول الله صلى الله عليه وآله بلوعةٍ وألم قائلة:

يجدي الرمح بافاده تثنه يجدي او بالوجه للسيف رنه
يجدي او شيبه ابدمه تحنه يجدي او بالرمل خده تعفر
يجدي مات محد وگف دونه او لانغار غمض له اعيونه
وحيد ايعالج او منخطف لونه و لا واحد ابحلگه ماي گطر
يجدي مات محد مدد ايديه ولا واحد يجدي عدل رجليه
يعالج بالشمس محد گرب ليه يحط له اظلال يجدي من الحر
تناديهم يهالنا او لا لفوها ولا جدها يجاوبها ولا أبوها
حنت وانگطع ظنها امن اخوها او شافت عالخيم صول العسكر[74]

[1] البقرة/ 190.

[2] الحشر/23.

[3] الرعد/28.

[4] البقرة/208.

[5] الكافي-الكليني-ج2-ص234.

[6] الفرقان/ 63.

[7] الأنعام/ 127.

[8] الواقعة/ 25-26.

[9] الرعد/ 23-24.

[10] البقرة/216.

[11] الحج/39-40.

[12][12] البقرة/ 251.

[13] الحج/ 39-40.

[14] النساء/75.

[15] البقرة/190.

[16] آل عمران/ 142.

[17] فقه الجهاد في الإسلام-حسين الخشن-ص128-بتصرف.

[18] الحجرات/9.

[19] قال السيد محمد الشيرازي: ان حروب رسول الله ص كانت كلها دفاعية ليس فيها شيء من العدوان. المصدر: فقه الجهاد في الإسلام-حسين الخشن-ص128-نقلاً عن الفقه-السلم والسلام-ص272.

[20] البقرة/194.

[21] شرح نهج البلاغة-ابن ابي الحديد-ج 15-ص 104.

[22] الأنفال/61.

[23] الأنفال/58.

[24] فقه الجهاد في الإسلام-حسين الخشن-ص128-بتصرف.

[25] المعاهدة: هي المرأة غير المسلمة التي لها عهد وأمان مع المسلمين، فتكون محمية في نفسها ومالها، ولا يجوز الاعتداء عليها.

[26] حجلها: الخلخال.

[27]  قلبها: السوار.

[28] الرعاث: الأقراط

[29] التوبة/73.

[30] التوبة/123.

[31] الأنفال/65.

[32] التوبة/29.

[33] التوبة/36.

[34] الممتحنة/8.

[35] التوبة/36.

[36] البقرة/ 190.

[37] التوبة/73.

[38] ، محمد، ميزان الحكمة-محمد الريشهري-ج1-ص656.

[39] الفرقان/52.

[40] فقه الجهاد في الإسلام-حسين الخشن-ص17-19-بتصرف.

[41] الأنفال/65.

[42] تفسير الأمثل-ناصر مكارم الشيرازي-ج5-ص113-بتصرف.

[43] إنجيل متى-الإصحاح الخامس-ص38.

[44] فقه الجهاد في الإسلام-حسين الخشن-ص40-بتصرف.

[45] البقرة/ 190.

[46] البقرة/179.

[47] فقه الجهاد في الإسلام-حسين الخشن-ص41-بتصرف.

[48] البقرة/208.

[49] الحرابة: هي البروز لأخذ مال أو لقتل أو إرعاب مكابرة اعتمادا على الشوكة مع البعد من الغوث. المصدر: معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية-محمود عبد الرحمن عبد المنعم-ج1-ص559.

بعبارة أخرى: الحرابة هي الخروج بالسلاح لترويع الناس أو الاعتداء عليهم اعتمادًا على القوة، مع عدم قدرتهم على دفعه أو الاستغاثة.

[50] المائدة/ 32.

[51] النساء/ 29-30.

[52] الكافي-الكليني-ج7 -ص45 -ح1.

[53] من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج4 -ص15 باب ذكر جمل من مناهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم -ح4968.

[54] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري-ج9-ص 148.

[55] م.ن-ج9-ص147-ح 10511.

[56] عيون أخبار الرضا (عليه السلام) -الشيخ الصدوق-ج2-ص70-71.

[57] الكافي-الكليني-ج2-ص368-باب من أخاف مؤمنا ح2.

[58] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري-ج8-ص422-ح9872.

[59] القصص/4.

[60] المنافقون/8.

[61] المنافقون/ 8.

[62] تهذيب الأحكام-الشيخ الطوسي-ج 6-ص 179.

[63] م.ن.

[64] اثبات الوصیة-المسعودي-ص 166.

[65] الإرشاد-المفيد-ص‌ 253 -255.

[66] زاد المبلغات-مياسة شبع-ج8-مناسبة 17 رمضان-عنوان المحاضرة: الجهاد درب العزة والكرامة.

[67] فقه الجهاد في الإسلام-حسين الخشن-ص103.

[68] أعيان الشيعة-السيد محسن الأمين-ج 1-ص257.

[69] بحار الأنوار-العلّامة المجلسيّ-ج20-ص63.

[70] السيرة الحلبية-علي بن برهان الدين الحلبي-ج 2 -ص534.

[71] الكامل في التاريخ-ابن الأثير-ج 2 -ص163.

[72] موقع الشیعة/ ar.al-shia.org/ النبي وأهل بيته/ النبي محمد (ص)/ حروبه وغزواته/ معركة أُحد واستشهاد حمزة.

[73] أدب الطف-جواد شبر-ج7-ص229.

[74] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج1-ص139.