لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
المحاضرة: التَّفَاهَةُ في مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
رويَ عَنِ ابنِ نَباتَةَ، قالَ: سَمِعتُ عَلِيَّا عَلَيهِ السَّلامُ يَقُولُ: ” إنَّ بَينَ يَدَيِ القائِمِ سِنِينَ خدَّاعَةً، يُكَذِّبُ فِيها الصَّادِقُ وَيُصَدَّقُ فِيها الكاذِبُ وَيُقَرَّبُ فِيها الماحِلُ[1] وَيَنطِقُ فِيها الرويبِضَةُ. قُلتُ: وَما الرويبِضَةُ؟ … قَالَ: الرَّجُلُ التّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمرِ العامَّةِ”[2].
المبحث الأول: وقفة على معنى الحديث
في عصرنا الحالي، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث تقدم منصات مثل: فيسبوك، تويتر، إنستغرام، ويوتيوب… فضاءات مفتوحة للتعبير عن الآراء، مشاركة الأخبار، والتواصل مع الآخرين. ومع ذلك، ومع تزايد استخدام هذه المنصات، ظهرت ظاهرة ملحوظة تشغل بال الكثيرين وهي: انتشار التفاهة.
التفاهة في هذا السياق تشير إلى المحتويات السطحية، غير المفيدة، والتي تفتقر إلى القيمة الحقيقية. بدلاً من الاستفادة من هذه المنصات لنشر المعرفة، التوعية، وتحفيز النقاشات البناءة، نجد أن الكثير من المستخدمين يركزون على نشر محتويات تافهة تهدف فقط إلى جذب الانتباه وزيادة المتابعين، مثل التحديات السخيفة، الشائعات، والمعلومات المغلوطة.
فصرنا أينما نولي وجوهنا نجد التافهين في كل مكان، وننصدم حينما نجد إن الناس معجبة بمحتواهم التافه في مواقع التواصل الاجتماعي وتثني عليهم، وقد حصدوا الترندات (Trends)[3]، وجعلوا لهم مكانة ومنزلة رفيعة في المجتمع ويشار إليهم بالبنان، رغم أنهم تافهون جهلة فسقة لا توجد فائدة وأهمية لما يطرحونه، وأغلبهم غير متخصصين، في حين إنّ (الشباب المتعلم في مجتمعاتنا يجد نفسه بعد سنوات من الجد والتحصيل والمكابدة جالسا في واجهة المقهى يحتسي مرارة حظه مع قهوته السوداء وجريدة بيضاء يقلب إعلاناتها بحثا عن بصيص من الأمل في إعلان عن وظيفة بأي ثمن، وبنفس الجريدة يجد صورة لفلان التافه الذي لم يدخل المدرسة يوما … يجده مختالا في مقعده البرلماني الوثير وقد فتحت له أبواب الدنيا وصار من أهل الحل والعقد في البلد ..
وحين يمل من الجريدة يفتح هاتفه الذكي، يعرج على اليوتيوب يرى وجه صديقه المهندس الذي تخرج معه في نفس العام، لقد صار مغنيا مشهورا بارعا في الضرب على الدف والرقص، شغل الإعلام وأشعل مواقع التواصل الاجتماعي بجرأته الفجة وتفاهة ما يتلفظ به في أغانيه، وجنى من ذلك شهرة وثروة هائلة …
ويرى الشابة المتجاهرة بالفسق بتبرجها وإظهار مفاتنها وحركاتها المثيرة للفتنة التي تنشرها على مواقع التواصل صار لها شأناً ومكانة في المجتمع وتلاحقها الأنظار!!
لقد غزى التافهون العالم بفضل المؤسسات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي التي تشتغل على بث التفاهة والترويج لها على أوسع نطاق، والطامة أنها تلقى إقبالا كبيرا ونسبا عالية من المشاهدات والمتابعات، تستتبعها نقاشات حامية الوطيس على مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات، وصار يمكن لأية جميلة بلهاء أو وسيم فارغ، أن يفرضوا أنفسهم على المشاهدين والمتابعين. ما يدل على أن التفاهة أصبحت ثقافة عامة تُـوَجِّه وعينا الجماعي نحو مزيد من الانحطاط والانحدار، ما ساهم في تخرج نخبة تافهة تتصدر الحياة العامة، وتساهم في هدم قواعد الذوق السليم والتربية القيمية)[4].
إن الإسلام لم يغفل عن هذه الظاهرة، فحينما نستقرئ روايات أهل البيت عليهم السلام نجد أنها قد تنبأت عن انتشار التافهين في آخر الزمان، وعبّرت عنهم بالرويبضة، ففي حديث الإمام علي عَلَيهِ السَّلامُ-محل البحث-يَقُولُ: “إنَّ بَينَ يَدَيِ القائِمِ سِنِينَ خدَاعَةً، يُكَذِّبُ فِيها الصَّادِقُ وَيُصَدَّقُ فِيها الكاذِبُ وَيُقَرَّبُ فِيها الماحِلُ وَيَنطِقُ فِيها الرويبِضَةُ. قُلتُ: وَما الرويبِضَةُ؟ … قَالَ: الرَّجُلُ التّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمرِ العامَّةِ” [5].
إنّ الإمام علي عليه السلام يتحدث عن فترة آخر الزمان-وهو حاصل في واقعنا المعاصر-يأتي فيها على الناس سنوات تُخدع فيها العقول ويُلبَّس فيها الحق بالباطل.
فقوله: (يُكَذِّبُ فِيها الصَّادِقُ وَيُصَدِّقُ فِيها الكاذِبُ) يُشير إلى انقلاب القيم والمفاهيم، حيث يُصدَّق الأشخاص الذين يكذبون ويُكذَّب الأشخاص الصادقون، وهذا المعنى ذكره الرسول صلى الله عليه وآله حينما قال: ” .. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا؟!” [6].
وقوله: (وَيُقَرَّبُ فِيها الماحِلُ)، أي يُقرب فيها الماكر لانخداعهم به، وفي رواية أخرى يقول: (يؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين) أي تَتَّسِم هذه الفترة بعدم الاستقامة، حيث يُؤتمن الخائن ويُعتبر شخصاً موثوقاً، بينما يُخوَّن الشخص الأمين ولا يُعتبر موثوقاً.
وقوله عليه السلام: (وَيَنطِقُ فِيها الرويبِضَةُ)، قال الجزري في النهاية في حديث أشراط الساعة: (الرويبضة تصغير الرابضة، وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، والتاء فيه للمبالغة.
ثم لمّا يُسأل الإمام: وَما الرويبِضَةُ؟ … قَالَ: “الرَّجُلُ التّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمرِ العامَّةِ” والتافه: الخسيس الحقير)[7].
بعبارة أخرى إنّ الرويبضة هو الشخص التافه، غير المؤهل أو غير الكفء، فهو كالأحمق يتحدث في الأمور العامة والمهمة مع أن الأصل أن لا يتكلم إلا العاقل العالم الحكيم.. هذا الجزء من الحديث يشير إلى تدهور المعايير التي يُختار على أساسها المتحدثون في الأمور العامة، حيث يصبح للأشخاص غير الأكفاء صوت ونفوذ.
قد يسأل أحدكم: بما أن التافهين اشخاص لا قيمة لهم، فلماذا الاهتمام بهم، والحرص على عدم انتشارهم؟
الجواب: يجب علينا أن لا نستصغر ظاهرة انتشار التفاهة والتافهين؛ لأن لها دور كبير في نشر الفوضى أو المعلومات الخاطئة وتضليل الرأي العام، ويترتب عليها فتنة في الأرض وفساد كبير.
فلا ننسى أنّ (كثير من صغائر الأمور التي لربما لا نلتفت إليها ولكنها تكون السبب في الكثير من المصائب، فالصغير التافه قد يأتي بعظائم الأمور وأخطرها مثل عود ثقاب يحرق غابة كاملة وفيروس صغير يهلك أمة.
إنّ هؤلاء التافهين هم السبب في اشعال عظائم الأمور وأخطرها لأنهم مصابون بمرض عقدة (الدونية والحقارة) فلا تكاد ترى في هذا العالم مصيبة إلا وكان وراءها أمثال هؤلاء، ولذلك وجب الحذر من صغائر الأمور لننجو من آثارها المدمرة)[8]ومنها تحطيم الدين الإسلامي، وسيتضح المطلب في المبحث الآتي:
المبحث الثاني: التفاهة في مواقع التواصل الاجتماعي
وسنطرح فيه مطلبين وهما:
المطلب الأول: من هو التافه؟
لا بد أن نقف أولاً على معنى التافه -بشكل أوسع-لنشخّص أنفسنا هل نحن من التافهين أم من المهمين الجادين من ذوي القيمة؟، كي نسعى لتغيير أنفسنا للأحسن، وثانياً لنشخّص الآخرين فنبتعد عن التافهين ونتقرّب من المهمين ومن لهم قيمة ومكانة ومنزلة حقيقية في المجتمع والعالم.
إنّ الشخص “التافه” هو من يتسم بالسلوك أو الفكر الذي يفتقر للأهمية أو القيمة-أي لاَ قِيمَةَ لأَعْمَالِهِ-، ويتكلّم فيما شاء من أمور العامة، ويرفع من يشاء من الناس، ويحطّ من يشاء منهم، ويحوّل الرأي العام بما يتناسب مع جهله وهواه وسواد قلبه، وهذا الرجل لا يكون من أهل الإيمان أو العلم[9]، فهو منشغل بأمور دنيوية غير مهمة ومهمل للقيم الدينية والروحية والأخلاقية، ويكون من السُّعداء بالمناصب والأموال بعيداً عن الله تعالى[10] ،ومما جاء من صفاته المذكورة في بعض الأحاديث أنه الشخص السفيه، الفاسق، الخسيس، الوضيع [11]، ويتميز بأمور نذكر منها الآتي:
# يفتقر للحكمة، ويهتم بالمظاهر والأمور السطحية دون النظر إلى العمق أو الجوهر كالاهتمام الزائد بالمظاهر الخارجية مثل الملابس والمجوهرات على حساب القيم والمعاني الأعمق.
# لا يأخذ الأمور بجدية كمن يتجاهل واجباته أو مسؤولياته في العبادة أو العمل أو الدراسة ويقضي وقتًا طويلاً في أمور غير مجدية، مثل: اللعب أو التسوق بلا داعٍ.
# محدود الرؤية ولا يسعى لتوسيع معرفته أو تطوير ذاته، كأن يقضي الوقت في نشاطات غير مفيدة مثل متابعة الأخبار التافهة والاهتمام المفرط بأخبار المشاهير الشخصية والتفاصيل التافهة في حياتهم، كالاهتمام بما يرتدون من ثياب، وأين يذهبون، أو متابعة الشائعات بدلاً من القراءة أو التعلم، أو يقضي وقته في إنشاء مسابقات أو طرح أسئلة لا تحمل أي تحدٍ فكري أو قيمة، مثل “ما لون ملابسي؟” أو “كم عدد الأرقام في رقمي الهاتفي؟”.
#يسعى لجذب الانتباه بطريقة سطحية، كمن ينشر مقاطع الفيديو التي تعرض مقالب مضحكة تافهة أو فاسقة أو مؤذية بشكل غير لائق والتي تهدف فقط إلى جذب المشاهدات والتفاعل بدون مراعاة لمشاعر الآخرين.
#يضيع وقته وطاقته في أمور غير مهمة بدلاً من استثمارها في نشاطات مفيدة كأن يستخدم البث المباشر لمشاركة لحظات عشوائية وغير مثيرة للاهتمام من الحياة اليومية، مثل الجلوس في المنزل دون فعل شيء مهم، فقط لجذب الانتباه، وللحصول على ساعات أطول من أجل الشهرة وجني الأموال، أو يقضي ساعات طويلة في مشاهدة برامج ترفيهية سطحية أو اللعب دون هدف.
#يتأثر بغيره بسهولة، فقد يغير آراءه ومواقفه بناءً على آراء الآخرين دون أن يكون له موقف ثابت أو رأي مستقل.
المطلب الثاني: الآثار المترتبة على انتشار التفاهة
إن انتشار التفاهة يترتب عليه آثار وخيمة، نذكر منها الآتي:
أولاً: كارثة تحوّل التافه إلى قدوة
إنّ خطورة متابعة التافهين تكمن في أن أغلب المؤثرين تحوّلوا لقدوات مجتمعية في أعظم قوة إعلامية … فاليوم ليست الإذاعات ولا القنوات الفضائية ولا الصحف ولا حتى المواقع الإلكترونية هي أعظم قوة إعلامية…. بل هي وسائل التواصل الاجتماعي …
خوارزميات هذه الوسائل ليست بريئة وإنما هي مؤدلجة ومبرمجة وتعمل في اتجاه واحد. يا ترى ما هو هذا الاتجاه؟
هذا الاتجاه كشفه صاحب كتاب (نظام التفاهة) الفيلسوف آلان دونو، حيث قال ما مضمونه: نجحت مواقع التواصل في ترميز التافهين أي تحويلهم إلى رموز فصار يمكن لأي جميلة بلهاء أو سيم فارغ أن يطرح محتوى تافه ويفرض نفسه على المشاهدين عبر منصات التواصل الاجتماعي كالفيس بوك واليوتيوب والتيك توك والإنستغرام وغيرها التي هي منصات هلامية وغير منتجة لا تخرج لنا بأي منتج قيمي صالح لتحدي الزمان.
آلان دونو يتحدث عن واقع كيف يأتي شخص تافه ويستعمل وسائل التواصل الاجتماعي فيتحول إلى نجم.. أو – -star كما يعبّرون…ـ أو يتحول إلى فاشينيستا[12] ثم يصبح في مقام يستطيع قيادة المجتمع … في حين لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَى حقيقتهم وأخلاقهم وسلوكهم المنحرف [لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا][13].
لا نتحدّث عن قيادة سياسية أو قيادة دينية فحسب .. بل نتحدّث أن الشخص التافه أصبح متبوعا في كل شيء، أي أنّ الجيل الجديد يحاكونه ويقلدونه في أفكاره وسلوكه …. بل هذه الشخصيات التافهة قد تخرج من وسائل التواصل الاجتماعي ليتم استضافتها في القنوات الفضائيات وفي المحافل العامة على اعتبارها عنصرا وجوده ضروريا ويعطي رأيا في كل شيء… فيصبح رأيه السياسي هو الصحيح ..رأيه الاقتصادي هو الصحيح.. رأيه التربوي والاجتماعي هو الصحيح …. بل أصبحت هذه الشخصيات يعوّل عليها حتى في الرأي الديني فتفتي في الدين بمزاجها، وتقدم قراءات دينية ويُجبر الناس على قبولها.
كأن تستضيف إحدى القنوات ممثلة متبرجة فاسقة أو راقصة ويسألها مقدم البرنامج عن رأيها في الحجاب، فتقول: أنا لست مقتنعة في الحجاب؛ لأن لا يوجد دليل شرعي …إلخ من الخزعبلات، وحينما تقرأ تعليقات المتابعين لهذا الفيديو المنشور على مواقع التواصل ستكتشف أنها السبب في إضلال أغلب متابعيها، فهم لا يكتفون بجعل الممثلة الفاسقة أو الراقصة المشهورة –رغم تفاهتها وانحراف أخلاقها-قدوة لهم في الفن فقط، بل هي قدوة لهم في كل المجالات الأخرى حتى الدينية، لذا تكتب النساء في التعليقات: (أحسنتِ)، (كلامكِ صحيح)، (كلامكِ مقنع)، (نعم إن الحجاب في القلب)…إلخ، وسبب هذا التأثر هو ما صرّح به الإمام الصادق عليه السلام: “مَن أصغى إلى ناطِقٍ فَقَد عَبَدَهُ:. وإن كانَ النّاطِقَ عن إبليسَ؛ فقد عَبَدَ إبليسَ”[14].
وغفلت المتابعات بأن تأييدهن لها يترتب عليه هدم الإسلام، فقد روي عن قال النبيّ صلى الله عليه وآله: “من أتى ذا بدعة فوقّره، فقد سعى في هدم الإسلام” [15]، بالإضافة إلى إن رضاهن بقولها يعني أنهن سيحشرن معها يوم القيامة، كما صرّح بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: “من أحب قوما حشر معهم، ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم “[16].
في حين أن المتابع العاقل لا يهمه رأيها لأنها غير متخصصة في المجال الديني، وإنكارها لحكم الحجاب يدّل على جهلها أو على الأغلب جحودها، أي هي تتعمد إنكار حكم الحجاب كي تبرر لنفسها المعصية وتبين للناس أنها مؤمنة غير عاصية، ولا تعلم بأنها بفعلها هذا فهي تنكر آيات الله التي شرّعت الحجاب في القرآن، ومعلوم أن منكر القرآن يعدّ كافراً-إذا لم يكن عن خطأ واشتباه-.[17]
بل لا يجوز أن نعتبرها قدوة حتى في المجال الفني لأن سلوكها شيطاني لكونها متبرجة، وهكذا الحال مع سلوكيات وآراء لتافهين آخرين.
إذن المشكلة تكمن في اشتهار هؤلاء التافهين بسبب تفاعل الناس معهم، مما دفع كل واحد منهم لتنصيب نفسه إماما وقدوة للآخرين، في حين أنه أولى بأن يعلّم نفسه ويؤدبها [18]، ففاقد الشيء لا يعطيه.
إنّ جعل التافه والأحمق قدوة لنا يترتب عليه فتنة في الأرض وفساد كبير؛ فقد روي عن الإمام زين العابدين عليه السلام- في وصيته لابنه الباقر عليه السلام -: ” إياك يا بني أن تصاحب الأحمق أو تخالطه، واهجره ولا تحادثه، فإن الأحمق هجنة غائبا كان أو حاضرا، إن تكلم فضحه حمقه، وإن سكت قصر به عيه، وإن عمل أفسد، وإن استرعى أضاع، لا علمه من نفسه يغنيه، ولا علم غيره ينفعه، ولا يطيع ناصحه، ولا يستريح مقارنه، تود أمه أنها ثكلته، وامرأته أنها فقدته، وجاره بعد داره، وجليسه الوحدة من مجالسته، إن كان أصغر من في المجلس أعنى من فوقه، وإن كان أكبرهم أفسد من دونه”[19].
– عن الإمام الصادق عليه السلام: “من لم يجتنب مصادقة الأحمق أوشك أن يتخلق بأخلاقه”[20].
إنّ التافهين كالفايروس الذي بشهرته سينمو وتنتشر العدوى فتصيب التفاهة عقول المتابعين وتغسل أدمغتهم وتمسخهم؛ لأن الإصغاء إليهم تجعله يتخلى عن القيم والمبادئ الحقة -المتمثلة باتباع نهج محمد وآل محمد عليهم السلام-ويزرع بدلها الأفكار الضالة والسلوكيات المنحرفة والأخلاق القبيحة.
لذلك نحن أمام حرب حقيقية ميدانها الفعلي هو وسائل التواصل الاجتماعي التي بحسب آلان دونو تسعى إلى ترميز التافهين…اي تحول التافهين إلى رموز وقدوة، يترتب عليها اضلال الناس وفسادها لأنهم أصبحوا هم من يقودون الساحة اليوم.
ثانياً: انتشار المعلومات المغلوطة
المحتوى التافه غالبًا ما يكون مصحوبًا بمعلومات غير دقيقة أو مضللة، حيث نصّب بعض التافهين أنفسهم خبراء في المجال التربوي أو الاجتماعي أو الاستشاري أو الديني أو الطبي وغيره، وصاروا يطرحون النصائح للناس رغم أنهم غير متخصصين في هذه المجالات، ولتوضيح المطلب نذكر لكم ثلاثة نماذج:
رجلٌ قدّم خيرا لشخص فقابله بالإساءة، فأخذ الرجل ينصح الناس أن لا يُحسنوا إلى الآخرين كي لا يُساء إليهم…وآخر تأذى من زوجته فأخذ ينصح الناس بترك الزواج وأن يعيشوا أعزاب طوال حياتهم. وثالث تأذى من تربية أبيه التي تحّد من حريته لذا صار يدعو الى إعطاء الأبناء الحرية المطلقة..
إن الإنسان العاقل لا يصدّق كل ما يملى عليه، فكل هذه الآراء غير صحيحة، لأن الرأي الأول يخالف الشرع والعقل، فنحن حينما نُحسن للآخرين نفعل ذلك قربة لله تعالى، لننال رضاه والأجر المترتب عليه، فإذا أساء الآخر إلينا فهذا لن يؤثر على النتيجة التي نرجوها من الله، نعم نحن نحزن ممن يقابل الإحسان بالإساءة، وهنا ينبغي توخي الحذر منه، ولكن لا يحق لي أن أعمّم الحكم على كل الناس فأقطع سبيل المعروف والإحسان بسبب ردة فعل من بعض الأشخاص؛ لأن هذا سيترتب عليه مقاطعة أغلب الناس، حتى أقرب الناس إلينا من الأهل، وهذا السلوك كارثة.
وأما الرجل الثاني فقد جعل نفسه خبيرا استشارياً، وصار ينصح الناس بعدم التورط في الزواج؛ لأنه تأذى من زوجته، فهو حتما رأي تافه غير صحيح؛ لأن يترتب على ترك الزواج مفسدة عظيمة، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”[21].
فقوله (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) أي إذا لم تتزوجوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير أكثر مما نحن فيه الآن…لأن الإنسان يملك غريزة جنسية يريد أن يشبعها فإذا لم يتزوج سيلجأ إلى ممارسة الزنا والعلاقات غير المشروعة كالتي راجت في زمن نبي الله لوط فأنزل الله عليهم العذاب الأليم، وسيقل الإنجاب وينقرض النوع البشري بالتدريج، وإذا حصل الحمل فلا يعلم من هو أبوه الحقيقي؟ …. إن المتكلم نسي أنّ الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، فإذا كان الزواج فيه صعوبات ومحن فأن محن وصعوبات العزوبية أصعب بكثير منها وبالأخص ما يتعلق بالسكن والاستقرار النفسي، ولذا روي عن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مِسْكِينٌ مِسْكِينٌ، رَجُلٌ لَيْسَتْ لَهُ امْرَأَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا مِنَ الْمَالِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا مِنَ الْمَالِ. وَقَالَ: مِسْكِينَةٌ مِسْكِينَةٌ مِسْكِينَةٌ امْرَأَةٌ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ»[22].
وقد يكون سبب المشكلة من الشخص الناصح-بترك الزواج-لأنه متعدي على حقوقها الزوجية أو المالية، فحين صدرت منها ردة فعل لم تعجبه انزعج وصار واعظا وناصحا لغيره بترك الزواج … والخطورة تكمن في إصغاء المتابعين إليه وتأثرهم به، وبتكرار متابعاتهم لمثل هذه الأفكار، سيصلون بالتدريج إلى قناعة بترك الزواج.
وأما الرأي الثالث الذي ينصح بمنح الأولاد الحرية المطلقة وكأنه خبيرا تربويا، فهو رأي تافه وباطل أيضاً لأن قراره كان ردة فعل لظلم أبيه له الذي كان يقرر نيابة عنه ولا يسمح له بأبداء الرأي حتى في مرحلة مراهقته وشبابه … ولكن الحل لا يكون بمنح الحرية المطلقة لأن سيترتب عليها كوارث كحرية تعاطي ولده للمخدرات وممارسة المحرمات باسم الحرية-كما نلاحظ انتشاره في هذا الزمان-.
إنّ هذا الرجل غفل بأنّ هناك فرقاً بين الحرية المنضبطة -وهي الحرية التي لا تتجاوز الحدود الشرعية-، والحرية المنفلتة -التي تتجاوز الحدود الشرعية والقانونية-، فوجب الالتزام بالأولى وترك الثانية، ولقد شرحنا ذلك في المحاضرة المعنونة (الحرية بين الانضباط والانفلات)[23].
وبعض التافهين صار يتنبأ بأخبار العالم وكأنه نبي مرسل أو إمام، في حين إن علم الغيب لا يعلمه إلا الله ومن أطلعهم على سره من المرضيين، قال تعالى: [عَـٰلِمُ ٱلۡغَیۡبِ فَلَا یُظۡهِرُ عَلَىٰ غَیۡبِهِۦۤ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولࣲ][24]، فقوله تعالى: [إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولࣲ] أي أنّ الله يظهر غيبه لمن رضي عنهم ممن أرسلهم للناس كالأنبياء والأئمة الأطهار عليهم السلام …. ومعلوم أن الله لا يرضى عن الكهنة والمنجمين؛ لأن التنجيم محرّم [25] في الشريعة، لذا حتما ما يخبرون به من أخبار ليست من السماء، بل هي أخبار يتلقونها من قبل الجواسيس أو يأخذونها من الشياطين، قال تعالى: ﴿هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّیَـٰطِینُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِیمࣲ * یُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَـٰذِبُونَ ﴾[26]، قال صاحب تفسير الأمثل: المراد من (الأفاك الأثيم) هو الكاهن المرتبط بالشياطين فتارة يقوم الشياطين باستراق السمع لأحاديث الملائكة، ثمّ بعد مزجه بأباطيل كثيرة ينقلونه الى الكهنة. وهم بدورهم يضيفون عليه عشرات الأكاذيب وينقلونها إلى الناس[27] ، وكما قيل: (كذب المنجمون ولو صدقوا).
ثالثاً: إشاعة السلوكيات المنحرفة: حيث ينشر بعض التافهين مقاطع مرئية تمثيلية فيها ترويج لسلوكيات منحرفة كالفاحشة والرذيلة؛ كمن ينشر مقطع تمثيلي عن خيانة الزوجة لزوجها، وكيف أن زوجها تغاضى عن ذلك، ويُختم المقطع بالضحك؛ لينال إعجاب المتابعين ومشاركتهم له فيكسب المال والشهرة.
إنّ مشاهدة هذه المقاطع المتكررة سوف تدفع المرأة للخيانة، وتدفع الزوج ليكون ديوثاً. وهذا فيه حث لإشاعة الفاحشة، وسيترتب عليه عقاب كبير، قال تعالى: [ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ][28].
رب تساؤل يرد: إن بعضنا حينما يقوم بتصوير نفسه والآخرين فهو من باب التمثيل لا الحقيقة بهدف المرح أو المزاح وإضحاك الآخرين، فلماذا يعاقب؟
ونرد عليه بالنقاط الآتية:
1.إنّ الغاية لا تبرر الوسيلة، فإذا كانت غايتك إدخال السرور على قلوب الناس، فهذا لا يبرر لك استخدام الوسيلة المحرّمة؛ لأن أمثال هذه المقاطع لها دور كبير في غسل عقول الناس ودفن القيم والمبادئ الحقّة، وتصغير حجم الفاحشة والزنا والعلاقات غير الشرعية.
حيث سوف تخزّن هذه المعلومات في العقل الباطن ويأتي دور الهوى والشهوات في استرجاع ذاكرة هذه المعلومات ومحاولة تطبيقها في الواقع، وكلما ازدادت هذه المتابعات كلما دفعتهم أكثر للتسافل، لذا ترون إن الخيانات الزوجية ازدادت نسبتها بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية التي تنشر هذا المحتوى الرذيل في الأفلام والمسلسلات والمقاطع المرئية.
والنتيجة المترتبة على ذلك أن الناشر لهذا المحتوى والمروّج له والمعجب به، كلهم شركاء في الفواحش التي ارتكبها الآخرون نتيجة متابعتهم لما نشره.
قد يعترض أحدكم قائلاً: وما ذنبي لأتحمل الفواحش التي ارتكبها الآخرون، وأنا لم ارتكبها، بل فقط نشرت الفيديو؟
ونردّ عليه بالآتي:
1.إن الله عدل لا يظلم مقدار ذرة، فمن كان سبباً في ظلم الآخرين فسوف يُعاقب على ذلك بمقدار ما دفع الآخر إلى الظلم، فقد روي عن أبي جعفر عليه السلام يقول: “يحشر العبد يوم القيامة وما ندا دما، فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك فيقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا رب إنك لتعلم أنك قبضتني وما سفكت دما، فيقول: بلى، سمعت من فلان رواية كذا وكذا فرويتها عليه فنقلت حتى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها، وهذا سهمك من دمه”[29].
2.إن من عمل إعجاب أو مشاركة للمحتوى يعدّ ترويجاً للحرام إمضاءً منه بأنّه راضٍ بهذا العمل، وبإجماع المسلمين أنّ من رضي بفعل قوم كان شريكاً معهم، فقد روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: “من أحب قوما حشر معهم، ومن أحب عمل القوم أشرك في عملهم”[30].
نعم إنّ عقاب الناشر للمحتوى أعظم من المعجب لأن الناشر دوره كمن نشر شراره في بستان فأحرقته، بل هو أعظم لأن آلية النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي -كالفيس بوك-كالمتتالية الهندسية، حيث سيصل المنشور لكل من يتمكن أن يرى صفحته، فإذا نشره من رآه سينتشر بدوره إلى الآخرين، وهكذا… أي أن المنشور الواحد سيتكاثر إلى الآف وملايين… فتخيلوا كم إنسان سيقع في الرذيلة بسبب ذلك المنشور؟! … ولا تنسوا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله: “.. ومن سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزره ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا”[31].
نعم، يمكن نشر محتوى يتضمن موضوع الخيانة الزوجية بشرط أن يترتب عليه مصلحة لا مفسدة، كأن يكون خاليًا من الإثارة، ويتضمن العقوبات المترتبة على الخيانة ليرتدع الآخرين منها.
رابعاً: الفضيحة: هناك بعض التافهين يتصدون لتخصصات غير تخصصاتهم، والناس تستمع إليهم وتصدقهم وتتأثر بهم، كمن تعلن عن نفسها بأنها مستشارة فتظهر على مواقع التواصل الاجتماعي على البث المباشر وتستقبل حالات متعددة، حيث تطرح المتابعة المُستشيرة مشكلتها علناً -بث مباشر- عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتفضح نفسها ومن لهم علاقة بالمشكلة أمام الناس، ومن ثم ترد عليها-من تدّعي أنها مستشارة-بأجوبة أغلبها فيها تحريض وتجريح، بينما يفترض أن تكون الاستشارة سرّية ما بينهما، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: “المستشار مؤتمن” [32]، وورد عن الإمام العسكري عليه السلام: “من وَعَظ أخاهُ سرًاً فقد زانَهُ، ومن وَعَظَهُ علانية فقد شانَهُ”[33]، وكما قيل: “النصيحة على الملأ فضيحة”.
ولطالما سمعنا بحالات انتهت بالطلاق لأن زوج المتابعة -المُستشيرة-اكتشف ذلك حينما سمع صوتها في فيديو قامت -من تدّعي الاستشارة-بنشره من أجل أن تروّج لنفسها ولا يهمها ما سيتعرض له الآخرون.
بل حتى لو كانت الاستشارة سرية فينبغي استشارة من تتوفر فيه بعض الصفات التي ذكروها لنا أهل البيت عليهم السلام، ومنها الإيمان والتقوى، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام: “شاور في حديثك الذين يخافون الله”[34]، والأفضل منه من يكون متقياً وذو علم وتجربة، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام: “خير من شاورت، ذووا النهى والعلم وأولو التجارب والحزم”[35].
خامساً: هتك الحرمة
حيث دفعت الشهرة بعض التافهين إلى هتك حرمات الله، ونذكر منها المصاديق الآتية:
#التعدّي على مقدسات المسلمين، كحرق القرآن الكريم، فحينما يرى التافه نفسه عاجزا عن جلب انتباه الناس، يلجأ إلى طريق: (خالف تُعرف)، فيعتدي على حرمة القرآن الكريم بحرقه ليثير حفيظة المسلمين فيصبح مشهورا، وكذلك الحال بمن أساء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عن طريق الإساءة إليه من خلال الرسومات… وهذا الأمر كان موجوداً في الأزمنة السابقة، فقد ذكر ابنُ الجوزيّ في المنتظم: “بينما الحُجّاجُ يطُوفون بالكعبةِ ويغرفُون الماءَ من بئرِ زمزمٍ، إذ قامَ أعرابيٌّ فحسَرَ عن ثوبه، ثمّ بالَ في البئرِ والنّاسُ ينظُرون! فما كانَ منهم إلا أن انهَالُوا عليه بالضّربِ حتى كادَ أن يموت، فخلّصه حُرّاسُ الحَرَمِ منهم وجاؤوا به إلى أمير مكّة فقال له: قبّحَكَ الله، لِمَ فعلتَ هذا؟! فقال: حتى يعرفني النّاسُ فيقولون هذا الذي بال في بئر زمزم”!
#هتك المرأة لحرمتها أو هتك الزوج لحرمة زوجته حينما يتم تصويرها وهي متبرجة متزينة، كاشفة لمحاسنها ومفاتنها علانية، وهما فخوران بذلك، ومعلوم أن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة، روي أن رسول الله صلى الله عليه واله نظر إلى الكعبة فقال: “مرحباً بالبيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك على الله، والله للمؤمن أعظم حرمة منك”[36].
وقد غفل هؤلاء التافهون عن العقوبات المترتبة على ذلك، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “وأيما رجل تتزين امرأته وتخرج من باب دارها فهو ديوث ولا يأثم من يسميه ديوثا، والمرأة إذا خرجت من باب دارها متزينة متعطرة والزوج بذلك راض يبنى لزوجها بكل قدم بيت في النار. احفظوا وصيتي في أمر نسائكم حتى تنجوا من شدة الحساب، ومن لم يحفظ وصيتي فما أسوء حاله بين يدي الله”[37].
المبحث الثالث: لنتعاون في الحدِّ من صناعة التفاهة
إنّ القضاء على التَّفاهة أو محاولة الحد منها، لا يكفي مجرد التَّجاهل وعدم المتابعة في وسائل التواصل فهذا شيء بدهي، بل الأمر يتطلب جهدًا مشتركًا بين الأفراد، الشركات، والمجتمعات والحكومات …. يتطلب التعاون بين الإعلاميين والتربويين وعلماء الاجتماع والدِّين، للغوص في هذه الظَّاهرة ووضع حلول علمية عملية تعالجها[38]، وإليكم بعض الأمور التي تساهم في الحدّ من صناعة التفاهة، وهي كالآتي:
1.توعية المجتمع: يُحَث المجتمع على التوعية والتبصر حتى لا ينخدع بالتافهين والجهلة الذين يتكلمون في الأمور العامة، والتوعية لها طرق منها:
#التعرّف على مخاطر المحتوى التافه وتأثيراته السلبية على الصحة النفسية والاجتماعية وعلى الدين الإسلامي، وبيان أحكامه الشرعية والآثار الدنيوية والأخروية المترتبة على تجاوز الحدود الشرعية.
#تعلّم كيفية التمييز بين المحتوى المفيد والمحتوى التافه، وباختصار كل محتوى يخالف ما أمرنا به الله ورسوله فهو محتوى باطل وتافه، بينما المطابق لهم فهو محتوى مفيد ونافع.
# إطلاق حملات إعلامية في المؤسسات التعليمية وعبر وسائل الإعلام المختلفة لتوعية الجمهور بأهمية اختيار المحتوى بعناية.
#الحذر من الفتن: من الضروري الحذر من الفتن التي تقلب الحقائق وتخلط بين الصدق والكذب، والأمانة والخيانة وغيرها، وبالتالي لن ننخدع بتفاهات الآخرين بسهولة.
#الثبات على القيم: ضرورة الثبات على القيم الإسلامية الصحيحة حتى في أوقات الفتن والاضطرابات.
2.عدم متابعة المحتويات التافهة: حينما نتابع مواقع التواصل الاجتماعي وجب أن نحذر من الإصغاء إلى كل من هبّ ودبّ ومنه الإصغاء إلى التافهين؛ لأن له تأثير على أفكارنا، والأفكار تؤثر على مشاعرنا، وبدورها تؤثر على سلوكنا الذي يحدد مصيرنا.
لذا وجب أن يكون لدينا حلم وصبر بعدم تحفيز المحتوى التافه بعدم عمل إعجاب أو مشاركة لمنشوره وعدم كتابة أي تعليق إيجابي … روي عن الإمام علي عليه السلام: “إذا حلمت ن السفيه غممته، فزده غما بحلمك عنه”[39].
إن التافه والسفيه لو لم يجد اهتماما من المتابعين لما استمر في نشر تفاهته ولتوقف عن ذلك. لذا ليكن شعارنا المثل الإنجليزي المشهور الذي يقول: (توقّف عن جعل الناس الأغبياء مشهورين) “stop making stupid people famous.”
3. انتقاد المحتوى التافه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، قال: أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: تحجزه عن ظلمه فذلك نصره”[40].
إنّ نصرتنا للتافه تتمثل بنصيحته، كأن تكتب في التعليقات: (نرجو منك التنزه عن نشر هذه المحتويات الهابطة)، أو تنصحه بتركها ببيان الآثار الوخيمة المترتبة عليها ولكن بأسلوب غير استفزازي.
لا تقل: (إن انتقادي لا أهمية له مقابل مئات التعليقات)، بل هو مهم فقد ورد عنهم (عليهم السلام): ” قليل الحقّ يدفع كثير الباطل، كما أنّ القليل من النار يحرق كثير الحطب” [41].
وإذا لا تتمكن فأضعف الإيمان أن تهمّش منشوره، وتحث الآخرين على ذلك.
4. الوقوف على الأسباب والردّ عليها: إنّ هناك العديد من الأسباب التي تدفع الفرد إلى طرح المحتوى التافه على مواقع التواصل الاجتماعي، فينبغي الوقوف عليها ومعالجتها، ونذكر منها الآتي:
#الشهرة السريعة: حيث يسعى التافهون لتحقيق شهرة سريعة دون جهد أو مهارات حقيقية. ولقد حذرتنا الشريعة من السعي وراء الشهرة حتى لو كان المحتوى محمودا سواء أكانت بجهد أو بدونه؛ لأنها تريد من المؤمن أن يكون عمله خالصا لوجه الخالق لا المخلوقين، فقد روي عن أَبِي عَبْدِ اللَّه الصادق (ع) أنَّه قَالَ: “كَفَى بِالْمَرْءِ خِزْيًا أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا يَشْهَرُه أَوْ يَرْكَبَ دَابَّةً تَشْهَرُه “[42]، وقال الرسول صلى الله عليه وآله: ” حسب امرئ من الشر إلا من عصمه الله أن يشير الناس إليه بالأصابع ” [43].
#الترفيه السهل: يرى بعضهم أن المحتوى الترفيهي حتى لو كان تافها فسينجذب إليه المتابعين بسهولة، في حين إن الشريعة قد نهتنا عن طرح المحتوى التافه، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الاُمُورِ[44] وَأَشْرَافَهَا وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا[45] ” [46].
إن الإنسان التافه هو الذي يهتم بالأمور التافهة والدنيئة، بينما الإنسان المحترم الراقي هو من يهتم بالأمور التي فيها فائدة وصلاح للمجتمع في الدنيا والآخرة.
قد يسأل أحدكم: وهل الشريعة تنهى عن نشر محتويات فيها مزاح لغرض إدخال السرور على قلوب الناس؟
الجواب: إنّ الإسلام يشترط في المزاح (1) أن يكون حقًا غير محتوٍ على أنواع الباطل في حين أن اغلب ما يُطرح في مواقع التواصل الاجتماعي فيه كذب وأذى وإهانة للمسلم، (2) أن يكون هادفا فلا يؤتَ به إلا لأمر راجح، وهذا مفقود في أغلبها كمن يختبأ فيفزع صاحبه، أو يرمي عليه القمامة، فيا ترى ما هي الفائدة من هذا العمل التافه؟!، (3) أن يكون قليلاً كالملح في الطعام فكثيره مذموم ..
(وسبب الذم في المزاح: أنه يسقط المهابة والوقار، وربما أدى إلى التباغض والوحشة والضغينة، وربما انجر إلى الهزل والاستهزاء، وأدخل صاحبه في جملة المستهزأ بهم، وربما صار باعثا لظهور العداوة -كما قيل ” إياكم والممازحة، فإنها تورث الضغينة وتجر إلى القطيعة “) [47].
#المكاسب المالية: بعض صنّاع المحتوى يهدف من نشر محتوياته الحصول على المال وإن كان ما ينشره تافهاً. ولقد ذكرنا سابقاً-في الآثار المترتبة على نشر التفاهات-أنّ العديد منها منهي عنه ومحرّم، وهذا يعد من الكسب الحرام، ويترتب عليه العقاب، فقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ” قال الله عزّ وجلّ: من لم يبال من أيّ باب اكتسب الدينار والدرهم، لم أبالِ يوم القيامة من أيّ أبواب النار أدخلته”[48].
#التقليد: بعض المستخدمين يقلّدون التافهين المشهورين في هذا المجال، ظنًا منهم أن هذا هو السبيل الوحيد للنجاح. ولقد ذمّ الله تعالى من يقلّد الآخرين تقليداً أعمى، قال تعالى: [إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهْتَدُونَ][49]، فالإنسان العاقل الناجح إذا أراد أن يُقلّد آخر فلا يقلّد إلا المحتوى الراقي والمفيد ويطوّر عليه.
#الهروب من الواقع: بعض صنّاع المحتوى يستخدمون هذه المنصات للهروب من مشاكلهم أو واقعهم اليومي. في حين يمكنهم التنفيس عن أنفسهم من ضغوطات الحياة بطرح المحتوى الهادف المفيد، وإذا كان أحدهم غير قادر على ذلك فلينشغل بأمور أخرى كممارسة الرياضة أو العمل أو ممارسة العبادة أو زيارة مراقد أهل البيت عليهم السلام وغيرها من الخيارات المباحة.
# قضاء الوقت: فهناك من يملك أوقات فراغ فيشغلها بطرح المحتوى التافه للناس، في حين إنّ الوقت هو رأسمال الإنسان الثّمين، فلا يصح أن يهدر على أمورٍ لا تنفع في الدّنيا ولا في الآخرة، قال الإمام علي عليه السلام: “إن أوقاتك أجزاء عمرك فلا تنفذ لك وقتاً إلا فيما يُنجيك”[50].
5. تدخل السياسات الحكومية والتنظيمية، عن طريق:
#وضع تشريعات تنظم نوعية المحتوى المسموح بنشره على منصات التواصل الاجتماعي، مع التركيز على مكافحة المحتوى الضار والتافه.
#إنشاء مراكز متخصصة لمراقبة وتحليل السلوك الرقمي للمستخدمين بهدف تحديد الأنماط الضارة ومعالجتها.
6.اختيار المؤهل: إنّ اختيار المؤهل بناء على الخبرة والكفاءة والشهادة أمر ضروري وجب التشدد فيه، وليس بناءً على الشهرة أو العلاقات الشخصية.
7. تعزيز المحتوى الهادف: إنّ عدم تشجيع وتقدير المثقفين الواعين يعدّ من الأسباب المهمة المؤدية في انطفاء رغبة بعضهم في الاستمرار في العمل، بل أن بعضهم يواجه الإهمال والتجاهل والسخرية والانتقاد والرفض من قبل مجتمعاتهم، وحينما لا يجد المثقف حافزا لإبداء رأيه أو نشر عمله أو مشاركة خبرته، سيصاب بالإحباط والإحساس بالضعف والعجز، مما يدفعه إلى التخلي عن دوره في التثقيف والتأثير. وهذا يؤدي إلى أن الساحة ستفرغ للتافهين فيعتلون المنابر ويقودون العالم كما نرى ذلك متحقق في عصرنا الحاضر.
لذا تكليفنا أن ندعم المحتوى الهادف لا التافه، وإن ضاع بسبب كثرة الغث إلا أن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض، وهذه سنة الله في الكون.
ويتحقق الدعم بتشجع المثقفين وبالأخص المؤمنين المتقين النافعين الفاعلين بالكتابات الإيجابية وبمشاركة منشوراتهم ونشرها ليبرزوا للمجتمعات فيستفاد منهم، بل ينبغي تحفيزهم بتسليط الضوء عليهم كاستضافتهم في القنوات الفضائية أو تقديم المكافئات والجوائز لهم.
8.تسليط الضوء على العلماء، ونخص منهم بالذكر علماء الشيعة المتقين، الذين لولاهم لهلكنا، فقد روي عن الإمام الهادي عليه السلام: ” لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا عليه السلام من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله”[51].
(إن الإعلام والدعاية للشخصيات العلمية الدينية وللمؤسسات والأنشطة التي يقوم بها المؤمنون أمر ضروري ومهم وذلك للمبررات الآتية:
أولاً: إن الشخصيات العلمية والفعاليات الدينية تجسد القيم الخيرة الصالحة فالإعلام لها وإبرازها يعني: نشر وتكريس القيم التي تمثلها فحينما تمتدح العالم وتشيد به فأنت في الواقع تشيد بقيمة العلم وتؤكدها.
ثانياً: الإعلام والإشهار للجهات الدينية يعني: إتاحة الفرصة لجماهير الأمة لكي تتعرف عليها وتلتف حولها وتستفيد منها. فالطبيب المقيم في مكان خافٍ بعيد عن الأنظار ودون لوحة أو إشارة تدل عليه لا يقصده المرضى لأنهم لا يعرفون عنه مع حاجتهم إليه.
ثالثاً: إن الإعلام سلاح فعال في معترك الحياة بين الأديان والمبادئ والتوجهات والأمم والمجتمعات، وكأصحاب دين ومبدأ لا يصح لنا أن نترك ساحتنا تحت تأثير الإعلام للشخصيات والأفكار والجهات الأخرى. بل لابد وأن نشهر سلاح الإعلام لرفع معنويات جمهورنا ولإرشادهم للبديل الإسلامي الأفضل، ولتأكيد الثقة في نفوسهم بدينهم وقادتهم وشخصياتهم ورجالاتهم. بل إن الإعلام السليم والمتطور يمكننا من التأثير على سائر المجتمعات والأمم، وإلفاتهم إلى قيم الإسلام ومبادئه وعظمته.
رابعاً: من الناحية الدينية فإن الإسلام يربينا على الدعاية والإعلام لأولياء اللَّه وإبرازهم واحترامهم، إن اللَّه تعالى يأمر نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتخليد ذكر الأنبياء والأولياء والتحدث عن صفاتهم العظيمة.. يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾[52]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا﴾[53]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا﴾[54]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾[55].
وربما يتساءل بعضهم: كيف نوفق بين هذه الحقيقة وهي ضرورة توظيف الإعلام في خدمة الدين عبر الإعلام لرجالات الدين والمؤسسات الدينية والأنشطة الإسلامية وبين التعاليم الدينية التي تحذرنا من طلب الشهرة والتلوث بالرياء؟ والجواب: إن ذلك يكمن في طبيعة الدوافع فإذا كان الإعلام من أجل السمعة والمصالح الشخصية وإذا كان الهدف من العمل الديني هو التظاهر به، فهنا يكون المحذور وهو ما تنهي عنه التعاليم الدينية.
أما إذا كان العمل خالصاً لوجه اللَّه واستفيد من الإعلام لخدمة التوجه الديني، وكان المقصود إعزاز الدين بإبراز رجالاته وتشجيع الخير بتقديم النماذج له فهو ما يحبذه الإسلام ويرغب فيه. وقد يقال: كيف نستطيع أن نحكم إذاً على صحة هذا العمل شرعاً أو عدمها ما دامت المسألة مرتبطة بالدوافع والنوايا ولا يعلمها إلا اللَّه؟ والجواب: إن العمل الإعلامي كسائر الأعمال التي يؤديها الإنسان المؤمن من صلاة وصيام وحج وإنفاق وجهاد وفي جميعها ترد احتمالات الإخلاص أو الرياء، ولسنا معنيين بالتفتيش على النوايا وإنما الأصل الحكم بالصحة حتى يتبين العكس وعلينا أن نرحب بأي عمل إعلامي لصالح جهة دينية، دون أن نبحث أو نناقش في نوايا القائمين بذلك العمل الإعلامي كما ننظر إلى صلاة أي مسلم أو حجه أو إنفاقه فهل نطلب منه شهادة إثبات على صحة نواياه؟)[56].
وختاماً يجب أن نعرف أنّ الإعلام -ومنه: وسائل التواصل الاجتماعي- له دور كبير في إضلال أو هداية الناس، وهذا الأمر يعرفه أعداء الإنسانية وأعداء الدين الإسلامي لذا استحوذوا على الإعلام واستخدموه من أجل جني الأموال واستعباد البشرية بتحطيم القيم والمبادئ عن طريق تحطيم الدين الإسلامي بنشر المعلومات المضللة، والإساءة إلى المعصومين عليهم السلام ونشر الأفكار الخاطئة عن العلماء والخطباء والتركيز على الأخطاء التي قد تصدر من المتدينين، مما يخلق انطباعًا سلبيًا عن الدين، وتجاهل الإنجازات الإيجابية.
فالإعلام يعدّ من أهم وأخطر الأسلحة، وهذا الأمر كان يعرفه الإمام الحسين عليه السلام، من أجل ذلك لما أراد أن يخرج إلى كربلاء كان حريصاً على صحبة النساء معه، وحينما سأله أخوه محمد بن الحنفية عن سبب ذلك، قال له: « إِنَّ اللهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَراهُنَّ سَبايا»[57]، لِما للسبي من دورِ كبير في ممارسة الدور الإعلامي في نصرة الإمام الحسين عليه السلام وكشف الأقنعة عن وجوه الطواغيت الجبابرة الكفرة…
نعم، لقد تحقق ما تنبأ عنه عليه السلام، فلقد اُلقيت خطب عديدة من قبل بنات الوحي والرسالة والإمام زين العابدين عليهم السلام، وكانت أول خطبة لعقيلة بني هاشم عليها السلام حينما أدخلوهم الكوفة سبايا … (وبعد وقوف مخدرات الرسول وبنات الزهراء البتول بين يدي الدعي ابن الدعي عبيد الله بن زياد، أمر بعلي بن الحسين عليه السلام وأهله فحُملوا إلى دار جنب المسجد الأعظم )[58] قد سجنوهم فيها، وكان علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام أسيراً بأيدي الأعداء ولكن تمكن من الخروج من السجن ليلاً مساء الثاني عشر من المحرم ووصل إلى كربلاء صبيحة الثالث عشر منه[59] بالولاية التكوينية، فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام بأن الله تعالى(مَكّن علي بن الحسين السجاد عليه السلام أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه)[60].
قال السيّد المقرّم (رحمه الله): «ولمّا أقبل السجّاد عليه السلام وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى متحيّرين لا يدرون ما يصنعون، ولم يهتدوا إلى معرفتهم، وقد فرّق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم، وربما يسألون من أهلهم وعشيرتهم! فأخبرهم عليه السلام عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة، وأوقفهم على أسمائهم، كما عرّفهم بالهاشميين من الأصحاب، فارتفع البكاء والعويل، وسالت الدموع منهم كل مسيل، ونشرت الأسديات الشعور ولطمن الخدود.
(تجليبة)
| كثر صايح النسوان اعله ابو اليمه | تنخه الزلم تمشي او تدفنه ابهمه | |
| صارت من بني أسد علجثث لمـَّه | تخاف امن العده والسكك ملزومه | |
| امن ابن زياد خافوا حطوا اربيه | لن ازلمه املثم گاصد ابنيه | |
| تنحَّوا خاف يظهر من بني ميه | او ذاك الجمع من ريبه كثر لومه | |
| گال الهم اشعدكم واجفين اصفوف | گالواله انتفرج علجثث وانشوف | |
| مبخوتين گال الهم او ميلوا الخوف | واحچوا اشعدكم اتموجون بالحومه | |
| گالوله يگاصد تنشد ابهالحين | نخبرك بالصدگ من كون مبخوتين | |
| جينه ندفن احسين او هله الطيبين | بدر بالتم او تزهر بالوغه انجومه |
ثمّ مشى الإمام زين العابدين عليه السلام إلى جسد أبيه واعتنقه وبكى بكاءً عالياً، وأتى إلى موضع القبر ورفع قليلاً من التراب فبان قبر محفور وضريح مشقوق، فبسط كفّيه تحت ظهره وقال: “بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله، صدق الله ورسوله، ما شاء الله لا حوّل ولا قوّة إلاّ بالله العظيم”، وأنزله وحده لم يشاركه بنو أسد فيه، وقال لهم: “إنّ معي من يعينني”، ولمّا أقرّه في لحده وضع خدّه على منحره الشريف قائلاً: “طوبى لأرض تضمّنت جسدك الطاهر، فإنّ الدنيا بعدك مظلمة، والآخرة بنورك مشرقة، أمّا الليل فمسهّد، والحزن سرمد، أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي فيها أنت مقيم، وعليك منّي السلام يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته”. وكتب على القبر: “هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي قتلوه عطشاناً غريبا”.
(نصارى)
| بعد ما نزّله او وسده ابگبره | أخذ ينتحب واجره العبره | |
| هوه فوگه يشمه او يحب نحره | صاح اوداعة الله الراس چاوين | |
| انه اللي صار بيه او ما جره ابناس | شفتك علثره بالخيل تنداس | |
| تالي الوكت نزلتك ابلا راس | جسد والراس صارت له ابمچانين | |
| العذر لله تراني ابولية اعداي | مشيت اويه العدو ما هو على اهواي | |
| لو بيدي لجيب الراس وياي | لچنّه راح للشام اويه سبعين |
ثم مشى إلى عمّه العباس عليه السلام، فرآه بتلك الحالة التي أدهشت الملائكة بين أطباق السماء، وأبكت الحور في غرف الجنان، ووقع عليه يلثمّ نحره المقدّس قائلاً: “على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، وعليك منّي السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته”. وشق له ضريحاً وأنزله وحده كما فعل بأبيه الشهيد، وقال لبني أسد: «إنّ معي من يعينني»! نعم ترك مساغاً لبني أسد بمشاركته في مواراة الشهداء، وعيّن لهم موضعين وأمرهم أن يحفروا حفرتين، ووضع في الأُولى بني هاشم، وفي الثانية الأصحاب وأمّا الحر الرياحي فأبعدته عشيرته إلى حيث مرقده الآن»[61]، (ثم مضى إلى جواده فتبعناه ودرنا عليه نسأله عن نفسه فعرفهم أولا بالقبور قبرا قبرا وأمرهم أن يعلموا الناس ويعرفوهم قبر الحسين وأصحابه ثم قال: وأما أنا فإمامكم علي بن الحسين عليه السلام فقلنا له: أنت علي؟ فقال: نعم فأقبلوا عليه يقبلونه ويقولون عظم الله لك الأجر بأبيك الحسين قالوا: فغاب عن أبصارنا.
(نصارى)
| تحسَّر حسرة المهظوم بحزان | انه ابن احسينها المذبوح عطشان | |
| دفنت اهلي او ماشي ابيسر عدوان | اباري امخدرات الهاشميين |
قال الراوي: ورجع إلى الكوفة وإذا بعمته زينب عليها السلام التي كانت قلقة
عليه تستقبله بقولها: يا ابن أخي أين كنت هذا اليوم إلى هذه الساعة؟ قال: عمه مضيت إلى دفن أبي الغريب [62]، فبكت وقالت يا ابن أخي إلى الآن لم يدفن أبوك الحسين؟)[63]. وكأن لسان العقيلة يخاطب الإمام السجاد عليه السلام قائلاً:
| دفنت حسين يالسجاد عمه؟ | اخويه حسين ظل مطروح جسمه | |
| ذبيح وعالارض مسفوح دمه | ومحّـد عمّـه يالسجـاد يمّـه | |
| عفته بلا دفن بالغـاضـريـه | ||
| يعمّه يگلها اي والله وغلاتچ | ابويه حسين واريته واجيتچ | |
| لتظنين ياعمّـه نسيـتـچ | دفنته وگتله ياعمّـه بوصيتچ | |
| زينب عمّتي راحت سبيّـه | يزينب عمّـه والعباس عمي | |
| دفنته ويالچفوف وزاد همي | تمنّيتچ يعمّـه هناك يمي | |
| تعينيني وأشد وياچ عزمي | وندفن عمي ياعمّـه سويه | |
[1] الماحل: المكار.
[2] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٥٢ -ص ٢٤٥. وقد ورد مضمون هذا الحديث في مصادر أهل السنة أيضا بهذا النص: سيأتِي على الناسِ سنواتٌ خدّاعاتٌ؛ يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخَوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ. قِيلَ: وما الرُّويْبِضةُ؟ قال: الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامةِ. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن أنس بن مالك وأبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 3650.
[3] “الترند” (Trend) يشير إلى الموضوعات أو الهاشتاغات (Hashtags) التي تحظى بشعبية كبيرة في فترة زمنية معينة. عندما يكون شيء ما “ترند”، فهذا يعني أن عددًا كبيرًا من الناس يتحدثون عنه، ينشرون محتويات ذات صلة به، أو يتفاعلون معه على منصات التواصل الاجتماعي.
[4] موقع الجزيرة/ aljazeera.net/ مدونات/ ما بعد التفاهة! -بقلم محمد قصيد-بتصرف.
[5] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٥٢ -ص ٢٤٥.
[6] وسائل الشيعة -الحر العاملي – ج ١٦ – ص ١٢٢.
[7] ذكره الجزري في النهاية في حديث أشراط الساعة، نقلاً عن بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٦ – ص٣١٠.
[8] كتابات في الميزان/kitabat.info/قضية رأي عام/ الرويبضة يستضيف أكبر مناورات في العالم-بقلم مصطفى الهادي-بتصرف.
[9] ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها -محمد الدبيسي -ص 17-18. بتصرّف.
[10] غربة الإسلام-حمود التويجري -ج1-ص89-بتصرّف.
[11] غربة الإسلام-حمود التويجري –ج2-ص36-بتصرّف.
[12] فاشينيستا (بالإنجليزية: Fashionista) كلمة إنجليزية تطلق على الشخص المتيّم بالموضة.
[13] الكهف/ 18.
[14] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص ٢٦٨٢.
[15] بحار الأنوار-المجلسي-ج٦٩-ص٢٦٥.
[16] مستدرك الوسائل -الميرزا النوري -ج ١٢ -ص ١٠٨.
[17] مركز الإمام الخوئي في نيويورك/ al-khoei.us /الفتاوى/القسم: أحكام المرأة الخاصة-السؤال: ما حكم الفتاة التي لا تتحجب؟ وما حكم صومها وصلاتها؟ مع انها تعتقد بانها سوف تدخل الجنة حتى لو لم تكن محجبة؟ وتعتقد ان الاسلام ليس بالحجاب، فلذا أرجو منكم بيان ما ينفعها مستوفيا بالآيات والروايات، وماهي نصيحتكم لها؟
الجواب: تأثم لعدم التحجب، وتصح صلاتها وصومها إذا راعت الشروط المعتبرة، وأما القبول وعدمه فأمرها بيد الله تعالى، وكذلك دخول الجنة وعدمه فأمرها بيد الله تعالى، وأما أن الاسلام ليس بالحجاب، فهو صحيح؛ ولكن الحجاب واجب في الإسلام، وقد صرح به القرآن الكريم؛ فمن ينكره ينكر القرآن، ومنكر القرآن كافر. وآيات الحجاب وردت في سورة النور الآية 31 و60 والأحزاب 59 وغير ذلك. ونصيحتنا لها أن المسلم من يلتزم بأحكام الاسلام، بالإتيان بجميع ذلك؛ ونصيحتنا لها ان المسلم من يلتزم بأحكام الإسلام، بالإتيان بجميع الواجبات واجتناب جميع المحرمات. ولا تخدع بدعاوى (أن العمدة طهارة القلب، والظاهر قد يخرج) فالظاهر دليل الباطن). ملاحظة: هذا الجواب من أرشيف استفتاءات سماحة السيد السيستاني حفظه الله.
[18] روي عن الإمام علي عليه السلام: “مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ” وسائل الشيعة-الحر العاملي -ج ١٦ -ص ١٥١.
[19] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ١ -ص ٦٩٥.
[20] أمالي الصدوق-ص ٢٢٢ / ١.
[21] وسائل الشيعة -الحر العاملي -ج ٢٠ -ص ٧٧.
[22] سنن سعيد بن منصور -رقم الحديث: 475.
[23] كتاب زاد المبلغات -مياسة شبع-ج2-ص95.
[24] الجن/25.
[25] يقول السيد السيستاني (دام ظله) في كتابه: منهاج الصالحين-الجزء الثاني، مسألة 28: التنجيم حرام، وهو: الإخبار عن الحوادث -مثل الرخص والغلاء والحرّ والبرد ونحوها -استناداً إلى الحركات الفلكيّة والطوارئ الطارئة على الكواكب من الاتّصال بينها أو الانفصال أو الاقتران أو نحو ذلك، باعتقاد تأثيرها في الحادث على وجه الاستقلال أو الاشتراك مع الله تعالى دون مطلق التأثير.
[26] الشعراء/٢٢١-٢٢٣.
[27] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ناصر مكارم الشيرازي، الجزء 11، ص 481.
[28] النور/ 19.
[29] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٧ -ص ٢٠٢.
[30] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٦٥ -ص ١٣١.
[31] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ١٣٧١.
[32] وسائل الشيعة -الحر العاملي -ج ٢٢ -ص ٩.
[33] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٤ -ص ٣٥٩٩.
[34] أمالي الصدوق-ص 25 / 8 .29.
[35] غرر الحكم: 4990.
[36] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٦٤ -ص٧١.
[37] مستدرك سفينة البحار -الشيخ علي النمازي الشاهرودي -ج ٤ -ص ٣٩٦.
[38] حكمة يمانية/hekmahyemanya.com/المدونة/لماذا تغزو التفاهة حياتنا؟ -بقلم عبد الرحمن العربي-بتصرف.
[39] غرر الحكم: 4088.
[40] فتح الباري -ابن حجر -ج5/ 71.
[41] غرر الحكم: 6735.
[42] الكافي -الكليني-ج6 -ص445.
[43] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ٢ -ص ٢٧٠.
[44] معالي الأمور: هي الأمور الجليلة، رفيعة القدر عالية الشأن، سميت بذلك لأنها في الأعمال من أجلها وأعلاها، أو لأنها تُعلي شأنَ أصحابها في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما جميعا.
[45] السفاسف أو السفساف: هي التوافه، والأمور الحقيرة والدنيئة التي تنبئ عن خسة نفس صاحبها وهمته، وهي الحقير والتافه من الأقوال والأعمال والمطالب والاهتمامات.
[46] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٤ -ص ٣٤٦٨.
[47] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ٢ -ص ٢٢٣.
[48] بحار الأنوار-المجلسي-ج١٠٠-ص١١.
[49] الزخرف/22.
[50] غرر الحكم، ص159.
[51] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص٢٠٨٧.
[52] مريم/ 41.
[53] مريم/51.
[54] مريم/ 54.
[55] مريم/ 56.
[56] موقع الشيخ حسن الصفار/ saffar.org / المقدمات/ الإعلام لأولياء اللَّه.
[57] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٤٤ -ص ٣٦٤.
[58] المناهج الحسينية -جواد شبر-ص126، نقلا عن مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج3-ص86.
[59] مأساة الحسين (عليه السلام) بين السائل والمجيب – بتصرف.
[60] مقتل الحسين-السيد المقرّم-ص397، نقلاً عن مصائب آل محمد ع-محمد الاشتهاردي-ص413.
[61] مقتل الحسين-السيد المقرم -ص320-بتصرف.
[62] المناهج الحسينية -جواد شبر-ص38.
[63] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج3-ص96-97.
