لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
عنوان المُحَاضَرَةُ: التَّهَرُّبُ مِنَ النَّفَقَةِ: أَزْمَةُ قِيَمٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
رُوِيَ عَنِ الإمامِ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ عليه السلام أنّه قَالَ:
“أَرْضَاكُمْ عِندَ اللَّهِ أَسْبَغُكُمْ عَلَى عِيَالِهِ“.[1]
في السنوات الأخيرة، انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة تدعو الشباب إلى ترك الزواج بحجة أنه يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا على الرجل، حيث يتوجب عليه العمل والإنفاق على زوجته وأسرته، مما قد يقيده ويزيد من مسؤولياته. هذه الفكرة، التي تُروَّج أحيانًا بأسلوب ساخر، أثرت على نظرة الشباب تجاه الزواج، حيث بدأ بعضهم يرى فيه عبئًا أكثر من كونه استقرارًا وسعادة، متأثرين بالمفاهيم المادية والفردية الحديثة التي تمجّد الاستقلالية المالية على حساب العلاقات الأسرية.
لكن في مقابل هؤلاء الذين يعزفون عن الزواج بالكامل، ظهرت فئة أخرى اختارت الزواج، ولكنها تخلّت عن مسؤولياتها المالية. أصبح بعض الرجال يتهربون من الإنفاق، مستغلين كون زوجاتهم عاملات، فيرمي الرجل المسؤولية المالية على زوجته، ويتحول إلى مجرد ضيف في المنزل، يعيش على دخلها ويترك لها أعباء الأسرة بأكملها، أو يتحمل بعضها، بدءًا من نفقات الأطفال، مرورًا بالفواتير والاحتياجات الأساسية، وصولًا إلى التكاليف الطارئة، وكأن الإنفاق واجب يُلقى على الزوجة وحدها.
ومع تهاون بعض الأزواج في الإنفاق على زوجاتهم وأبنائهم، اضطرت كثير من النساء إلى البحث عن العمل لتحمل مسؤولية النفقة، مما ألقى عليهن أعباءً كبيرة إضافية وأثر على صحتهن النفسية وعلى تربيتهن للأبناء، وخلق فجوة بينهن وبين أزواجهن. ونتيجة لذلك، بدأت الزوجة تستصغر دور الزوج ولا تشعر برجولته، مما أدى في كثير من الحالات إلى الطلاق، سواء كان طلاقًا واقعيًا أو عاطفيًا. والسبب في ذلك أن بعض الرجال تناسوا أن النفقة واجب شرعي عليهم، لا يسقط بمجرد قدرة الزوجة على الكسب، فقد قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾[2]، مما يدل على أن القوامة ليست سلطة، بل مسؤولية تشمل الرعاية والإنفاق. وإن التهرب من أدائها على النحو الأكمل سيؤدي إلى حدوث خلل كبير في ميزان الأسرة، إذ ستضطر المرأة إلى العمل، مما يضعف دورها في أداء الحقوق الزوجية، وتضيع الألفة، ليتحول الزواج من سكينة وطمأنينة إلى ساحة صراع تستنزف فيها النفوس، وتضيع فيها البركة.
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: قَوَانِينُ الشَّرِيعَةِ فِي النَّفَقَةِ
على الزوج حقوقٌ واجبة ومستحبة تجاه زوجته، ومن الحقوق الواجبة: الإنفاق عليها، وسنستعرض فيما يلي أهم الأحكام المتعلقة بذلك، ومضمونها مأخوذ من كتاب منهاج الصالحين لسماحة السيد السيستاني (دام ظله):
# أجمع فقهاء المسلمين على وجوب نفقة الزوج على زوجته[3]، حتى بات هذا الإجماع يصل الى حد كون الحكم أمرا ضروريا من الضرورات التي لا حاجة لإثباتها، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: “اتقوا الله في النساء، فإنهن عواري عندكم، اتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف”[4].[5]
#لا يشترط في وجوب النفقة على الزوج أن تكون الزوجة فقيرة أو محتاجة، بل يجب عليه الإنفاق عليها حتى لو كانت غنية وتملك المال الكافي لنفسها.[6]
# إذا لم يكن عند الزوج ما ينفقه على زوجته -كأن يكون فقيراً-، لكنه قادر على العمل. شرعا وجب عليه البحث عن عمل يناسب شأنه لتأمين النفقة. بينما إذا كان الزوج عاجزاً عن العمل ولا يجد مالًا، فيمكنه أخذ الخمس أو الزكاة إذا كان مستحقًا.
وإذا كان يمكنه الاقتراض دون مشقة وكان متأكدًا من القدرة على السداد مستقبلاً فيجب عليه الاقتراض والإنفاق على زوجته. وإذا كان يظن أنه قد لا يستطيع السداد لاحقًا، سيكون وجوب الاقتراض محل إشكال شرعي، وعليه الاحتياط في الأمر. [7]
# إذا كان الزوج عاجزاً عن تأمين نفقة زوجته أو امتنع من الإنفاق عليها مع قدرته جاز لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعيّ. [8]
# (يجب على الأب شرعًا الإنفاق على أولاده، وإذا امتنع عن ذلك، يحق لهم اللجوء إلى الحاكم الشرعي لإلزامه بالنفقة. حيث ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: “من الذي أجبر على نفقته وتلزمني نفقته؟، قال: الوالدان والولد والزوجة”.[9]
وهذا الحديث الشريف يدل بشكل واضح على وجوب نفقة الأب على أبنائه).[10]
السؤال الذي ينبغي علينا طرحه هو: ما هو مقدار النفقة الواجبة؟
الجواب: (لم يحدد الشرع المقدس حقيقة شرعية لمقدار نفقة الزوجة، بل أوكل ذلك إلى العرف، فكل ما يراه العرف لازماً للنفقة فهو منها).[11]
يذكر الفقهاء –ومنهم سماحة السيد السيستاني (دام ظله) – بأن النفقة تشمل: الطعام، الإدام، الكسوة[12]، الفراش، الغطاء، المسكن، الخدم (إن كانت بحاجة لهم)، أدوات التدفئة والتبريد، وأثاث المنزل، وغير ذلك ممّا يليق بشأنها بالقياس إلى زوجها.[13]
ولكن ما المقصود بعبارة: ممّا يليق بشأنها بالقياس إلى زوجها؟
المعنى العام: النفقة الزوجية ليست مطلقة بحسب رغبة الزوجة أو حالتها السابقة قبل الزواج، بل يجب أن تكون متناسبة مع مكانتها الاجتماعية مقارنةً بزوجها. أي أن مستوى النفقة يتحدد بناءً على وضع الزوج المالي والاجتماعي، وليس على مستوى الزوجة قبل الزواج أو عائلتها الأصلية.
أمثلة توضيحية:
# زوج غني وزوجة متواضعة الأصل
إذا تزوج رجل ثري من امرأة نشأت في عائلة فقيرة، لا يجوز له أن يبخل عليها بحجة أنها معتادة على القليل، بل يجب أن يوفر لها حياة تليق بمكانته المالية.
# زوج فقير وزوجة من عائلة غنية
إذا كان الزوج فقيرًا أو متوسط الدخل، والزوجة من أسرة ثرية، فليس ملزمًا بتوفير مستوى معيشة يساوي حياة أهلها، بل يجب أن يوفر ما يناسب إمكانياته.
فلا يجب عليه شراء ملابس فاخرة أو سيارة خاصة لمجرد أن الزوجة معتادة على ذلك.
# زوج متوسط الحال وزوجة تطلب مستوى أعلى
إذا كان الزوج موظفًا بدخل متوسط، فيجب عليه توفير مسكن مناسب لمستواه المعيشي، وليس ملزمًا باستئجار شقة فاخرة أو شراء أثاث باهظ إذا لم يكن في قدرته.
ولكن لا يجوز له التقصير في النفقة بحجة الاقتصاد، بل يجب أن يراعي المستوى المعيشي العام لأمثاله.
وإليكم بعض الأسئلة المتعلقة بالنفقة وفق فتاوى سماحة السيد السيستاني (دام ظله):
سؤال (1): هل يجب على الزوج تلبية طلب الزوجة في شراء ملابس فاخرة بكثرة، خاصة إذا كانت ترتديها في المناسبات مرة أو مرتين ثم تطلب استبدالها بملابس جديدة؟
الجواب: إنّها لا تعدّ من النفقة الواجبة على الزوج، وهذا ما صرّح به سماحة السيد السيستاني (دام ظله) في مسألة 420 من كتاب منهاج الصالحين، وهو كالآتي: ما تعارف عند بعض النساء من تكثير الألبسة النفيسة خارج عن النفقة الواجبة، فضلاً عمّا تعارف عند جمع منهنّ من لبس بعض الألبسة مرّة أو مرّتين في بعض المناسبات ثُمَّ استبداله بآخر مختلف عنه نوعاً أو هيئة في المناسبات الأُخرى. [14]
سؤال (2): هل مصاريف علاج الزوجة من جملة النفقة الواجبة على الزواج؟
الجواب: نعم، أجرة الطبيب والأدوية المتعارفة التي يكثر الاحتياج إليها عادة، بل وكذا ما يصرف في سبيل علاج الأمراض الصعبة التي يتفق الابتلاء بها من النفقة الواجبة وإن احتاج إلى بذل مال كثير ما لم يكن حرجياً على الزوج.[15]
وأما الحقوق المستحبة للزوج تجاه زوجته فكثيرة، نذكر منها: استحباب التوسعة على الأهل إذا وسّع الله عليه في الرزق. وهذا هو القدر الزائد على الواجب الذي أوصى الزّوج بذلك فهو مستحب أكيداً.[16]
مثال ذلك: توفير طعام أفضل، شراء هدايا، وتحسين المسكن والأثاث، الاهتمام بتعليم الأبناء وزواجهم، إدخال السرور عبر الترفيه المباح كالسفر للسياحة، أو زيارة المراقد المشرفة، ومساعدتهم ماليًا عند الحاجة أو لأداء مناسك الحج والعمرة، وكل ذلك مستحبٌّ مؤكّد لتعزيز المودة الأسرية.
سؤال (3): إذا كانت الزوجة عليها ديون بسبب نفقات غير واجبة على الزوج، مثل: شراء الذهب، أو أداء العمرة، أو تسديد ديون أهلها، فهل يجب على الزوج دفع هذه الديون عنها؟
الجواب: لا يجب عليه ذلك، يقول سماحة السيد السيستاني (دام ظله) في كتابه منهاج الصالحين[17]: النفقة الواجب بذلها للزوجة هو ما تقوم به حياتها من طعام وشراب وكسوة ومسكن وأثاث ونحوها، دون ما تشتغل به ذمّتها ممّا تستدينه لغير نفقتها، وما تنفقه على من يجب نفقته عليها، وما يثبت عليها من فدية أو كفّارة أو أرش جناية ونحو ذلك.
ولكن يستحب له دفعها لأنها تدخل في باب النفقة المستحبة، التي أشار إليها الإمام زين العابدين عليه السلام في الرواية قيد البحث بقوله: “أرضاكم عند الله أسبغكم -أي أوسعكم- على عياله”.[18]
المَبْحَثُ الثَّانِي: آثَارُ النَّفَقَةِ بَيْنَ العَطَاءِ وَالِامْتِنَاعِ
وسنطرحه بالمطلبين الآتيين:
المَطْلَبُ الثَّانِي: الآثَارُ المُتَرَتِّبَةُ عَلَى المُنْفِقِ
إنّ الآثار المترتبة على المنفق والموسع على عياله عديدة، نذكر منها الآتي:
1. نيل رضا الله: عن علي بن الحسين عليه السلام قال: “أرضاكم عند الله أسبغكم «أوسعكم» على عياله”.[19]
2. الفوز بمحبة الله: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “عيال الرجل أسراؤه وأحبّ العباد إلى الله عز وجل أحسنهم صنعاً إلى اسرائه”.[20]
3. معادلة أجر المجاهد في سبيل الله: يروى أنّ النبي صلى الله عليه وآله مرّ في غزوة تبوك بشاب يسوق إبله، فقال بعض الصحابة ما مضمونه: لو كانت قوته في سبيل الله لكان خيرًا! فسأله النبي عن عمله، فأجاب أنه يكسب لرعاية أهله وسداد دينه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: “لئن كان صادقاً، إن له لأجراً مثل أجر الغازي، وأجر الحاج، وأجر المعتَمِر”.[21]
4. تكفير الذنوب: وعنه صلى الله عليه وآله: “من بات كالاً من طلب الحلال، بات مغفوراً له”.[22]
5. استحقاق الجنة: قال صلى اللّه عليه وآله: «من عال ثلاث بنات يعطى ثلاث روضات من رياض الجنة كل روضة أوسع من الدنيا وما فيها».[23]
6. طلب الحلال صدقة من الله على العبد: وعنه صلى الله عليه وآله: “مَن أنفق على نفسه نفقة يستعفّ بها فهي له صدقة، ومن أنفق على امرأته وولده وأهل بيته فهي له صدقة”[24]، إنّ الصدقة ليست فقط إعطاء المال للمحتاجين، بل تشمل أي عمل خير يعود بالنفع على الإنسان وأهله، ومنها السعي لكسب المال الحلال.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الآثَارُ المُتَرَتِّبَةُ عَلَى المُمتَنِعِ عَنِ النَّفَقَةِ
وهي عديدة، نذكر منها الآتي:
# إنّه مأثوماً: قال الصادق عليه السلام: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعوله».[25]
# اللعن: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “ملعون ملعون من ضيع من يعول”[26]. ومن آثار اللعن الأخروي دخول النار.
# يتمنى العيال موته: روي عن أبي الحسن عليه السلام قال: “ينبغي للرجل أن يوسع على عياله لئلا يتمنوا موته وتلا هذه الآية: [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا][27]، قال: الأسير عيال الرجل، ينبغى إذا زيد في النعمة أن يزيد أسراءه في السعة عليهم”.[28]
# زوال النعمة: روي عن مسعدة قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: “إنّ عيال الرجل اسراؤه فمن أنعم الله عليه بنعمة فليوسّع على اسرائه فإن لم يفعل أوشك أن تزول النعمة”.[29]
تنبيه: من المفارقات العجيبة أن بعض المسلمين يحرصون على أداء المستحبات بينما يقصّرون في الواجبات، فتراهم ينفقون على الفقراء واليتامى، لكنهم يهملون إخراج الحقوق الشرعية الواجبة، كالخمس وسداد الديون. وقد يبذلون المال في إحياء الشعائر الحسينية، في حين يقصّرون في النفقة الواجبة على الزوجة، الأبناء، أو الوالدين، رغم أن الواجب مقدَّم على المستحب، لأن الإنسان مسؤول عنه ومحاسَب على تركه. فمن يقصّر في أداء الفرائض يُعرض نفسه للعقاب، كما أن الله لا يقبل الأعمال الصالحة إلا من المتقين -أي الذين لا يرتكبون المعاصي-، لقوله تعالى: [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ][30]، ومعلوم أن التقصير في النفقة الواجبة أو الامتناع عن دفعها معصية كبيرة.
وإليكم السؤال الوارد إلى مكتب سماحة السيد السيستاني (دام ظله):
سؤال: رجل امتنع عن النفقة على زوجته وأولاده، لأنه يوجه اهتماماته المادية حاليا إلى مشروع خيري سيوقف لأبي عبد الله الحسين عليه السلام. لمن تكون الأولوية في النفقة للأولاد والزوجة، أم لذلك المشروع؟
الجواب: لا يجوز إذا كانت النفقة التي منعها هي النفقة الواجبة.[31]
لذا وجب علينا أن نصحح من سلوكنا المنحرف بأن نقدم الواجبات على المستحبات، روي عن علي بن الحسين عليه السلام أنّه قال: «لئن ادخل السوق، ومعي دراهم أبتاع لعيالي لحما، وقد قرموا[32] إليه، أحب إليّ من أن أعتق نسمة».[33]
(وروي أن رجلا قال لأبي جعفر عليه السلام: إنّ لي ضيعة بالجبل أشتغلها في كل سنة ثلاثة آلاف درهم، فأنفق على عيالي منها ألفي درهم، وأتصدق منها بألف درهم في كل سنة. فقال أبو جعفر عليه السلام: إن كانت الألفان تكفيهم في جميع ما يحتاجون إليه لسنتهم فقد نظرت لنفسك، ووفقت لرشدك وأجريت نفسك في حياتك بمنزلة ما يوصى به الحي عند موته”.[34]
فالظاهر إنّ الباقر عليه السلام أراد أن يرشده أن هذا العمل يثاب عليه فيما إذا كفاهم ما صرفت عليهم وإلاّ فعليك أن تصرف الباقى عليهم لأنّهم أولى من غيرهم)[35]، وروي عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله أنه يوما قال لأصحابه: «تصدقوا فقال رجل: إن عندي دينارا قال: أنفقه على نفسك، فقال: إن عندي آخر قال: أنفقه على زوجتك، قال: إن عندي آخر، قال: أنفقه على ولدك. قال: إن عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك، قال: إن عندي آخر، قال صلى اللّه عليه وآله -: أنت أبصر به»[36]، فقوله صلى الله عليه وآله: “أنت أبصر به” أي بعد أداء النفقة الواجبة والمستحبة على الأهل والعيال لك الحق في صرف ما تبقى على الفقراء أو الشعائر الدينية أو ما يشاء من مواطن الحلال.
قد يظن الرجل أن تفضيل الآخرين على زوجته وأهله في الإنفاق يمنحه ثوابًا أعظم، إلا أن هذا الاعتقاد غير صحيح، إذ أن أعظم الأجر في النفقة يكون في الإنفاق على الزوجة والأبناء والوالدين وبقية الأهل، وكما قيل: الأقربون أولى بالمعروف، روي عن صلى اللّه عليه وآله أنّه قال: «دينار أنفقته على أهلك ودينار أنفقته في سبيل اللّه، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، وأعظمها أجرا الدينار الذي أنفقته على أهلك».[37]
بعد أن تبيّن لنا أن النفقة من واجبات الزوج، فهذا لا يعني أن الحديث عنها موجّه إلى الرجال فقط، بل للمرأة أيضًا دور مهم في هذا الجانب. فمن مسؤولياتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك بتنبيه الرجال -سواء كانوا أزواجًا أو آباءً أو أبناءً أو غيرهم – إلى أهمية دفع النفقة الواجبة والمستحبة لمن يعولون، وحثّهم على تجنب التهرب من الإنفاق، لما لذلك من أثر كبير في استقرار الأسرة والمجتمع.
كما أن الزوجة، قد يكون لها دور غير مباشر في بعض مشكلاتها الزوجية المالية، مثل: مشكلة (استغلال الزوجة ماديًا) أو مشكلة (بخل الزوج). فرغم أن المسؤولية الأساسية تقع على الرجل، إلا أن بعض تصرفات الزوجة قد تسهم في تفاقم المشكلة، بسبب الإفراط في الإنفاق، أو التساهل في قبول التجاوزات المالية، أو عدم وضع حدود واضحة منذ البداية، أو الجهل بالحقوق الشرعية وعدم المطالبة بها وغيرها.
وترد إلينا العديد من الاستشارات حول هذه المشكلات، ولإيجاد الحلول المناسبة لها، لا بد من الوقوف على أسبابها، ومظاهرها، وآثارها، وهو ما سنتناوله في المبحثين الآتيين.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مُشْكِلَةُ اسْتِغْلَالِ الزَّوْجَةِ مَادِّيًّا
تتمثل المشكلة في استغلال بعض الأزواج للظروف الاقتصادية للزوجة العاملة أو الغنية، وذلك بأن يفرض الزوج الإنفاق عليها بشكل مباشر أو غير مباشر، كإجبارها على دفع نفقات الأسرة، أو الضغط عليها لتقديم جزء من راتبها، أو حتى السيطرة عليه بالكامل، مما يُشكّل انتهاكًا لاستقلاليتها المالية رغم أنّ الشريعة الإسلامية تقرّر على نحو قاطع بأنّ للمرأة، كما الرجل تمامًا، أهليّة التملك وحقّ التصرف في أموالها وممتلكاتها. ذلك أنّ الحديث الشريف: “الناس مسلّطون على أموالهم”[38]، يصدق على المرأة تمامًا، باعتبارها جزءًا من الناس، وكذلك الحال مع الحديث الآخر: “لا يحلّ مال أمرئ مسلم إلّا بطيب نفس منه”[39].[40]
وبذلك لا يحل للزوج أخذ أموال زوجته بدون رضاها، بل أيضاً يشكل أخذها حياءً، فكما قيل (المأخوذ حياء كالمأخوذ غصباً)[41].
وسنتناول هذه المشكلة من خلال المطالب الآتية:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: مَظَاهِرُ اسْتِغْلَالِ الزَّوْجَةِ مَادِّيًّا
تشمل صور الاستغلال المادي للزوجة ما يلي:
# إجبار الزوجة على الإنفاق على الأسرة، مثل: دفع تكاليف السكن، فواتير الخدمات، أو شراء الاحتياجات المنزلية.
# السيطرة على راتب الزوجة، سواء عن طريق الحصول على توكيل مالي، أو اصراره على معرفة الرقم السري لبطاقة الصرف الآلي الخاصة بزوجته، أو مطالبتها بتسليمه للزوج شهريًا.
# محاسبة الزوجة عند الصرف من أموالها بدون أذنه وكأنه المالك، والشك والمبالغة في تفسير مواقف الطرف الآخر.
# الضغط النفسي والابتزاز العاطفي، مثل: التهديد بمنعها من العمل في حال رفضها مشاركة راتبها، أو التهديد بالطلاق.
# الزجّ باسم الزوجة في الالتزامات المالية، مثل: القروض أو الاستثمارات التي يكون الزوج هو المستفيد الفعلي منها.
# تخلي الزوج عن مسؤولياته المالية، واعتبار دخل الزوجة مصدرًا رئيسيًا للإنفاق على المنزل.
المَطْلَبُ الثَّانِي: الأَسْبَابُ المُؤَدِّيَةُ لِظُهُورِ المُشْكِلَةِ
أولاً: أسباب تتعلق بالزوج:
1.ضعف الوازع الديني وعدم الوعي بحقوق الزوجة المالية.
2.الطمع والجشع لدى الزوج: حب المال طبيعة بشرية، قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾[42]، لكن الشريعة أوجبت تقديم محبة الله ورسوله وآله، والالتزام بالحقوق المالية. ويختلف الناس في طمعهم، فمنهم من يحفظ مروءته، ومنهم من يستغل زوجته ماديًا.
3.قلة الدخل أو البطالة، وذلك بأن يكون الزوج غير موظف أصلا، أو أنه لم يستطع الاستمرار في وظيفة محددة، أو أن دخله قليل جدل مما يدفع بعض الأزواج للاعتماد على دخل الزوجة.
4.حب السيطرة والتحكم في القرارات المالية للأسرة، لاعتقاده الخاطئ أن قيمومة الزوج على الزوجة تجيز له التسلط على زوجته وأموالها، أو تربى تربية خاطئة بأن الرجولة تتمثل في التسلط والسيطرة على الزوجة وأموالها.
5.التزامات مالية أخرى، مثل: إعالة أسرته أو والديه، أو زيادة تكاليف الحياة، وانغماس الناس في الكماليات والترف تجعلهم يبحثون عن مصادر دخل إضافية.
ثانياً: أسباب تتعلق بالزوجة:
1.الجهل بحقوقها الشرعية التي تكفل لها استقلالها المالي.
2.ضعف الشخصية والخضوع لرغبات الزوج دون نقاش.
3.التساهل في التعرف على شخصية الزوج قبل الزواج؛ فثمة عدد من الأزواج يحرص على المرأة الموظفة ليستفيد من دخلها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك من مقاصد بعض الناس في الزواج فقال: «تنكح المرأة على أربع خلال: على مالها، وعلى دينها، وعلى جمالها، وعلى حسبها ونسبها، فعليك بذات الدين».[43]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الآثَارُ السَّلْبِيَّةُ لِلْمُشْكِلَةِ
إنّ استمرار هذه المشكلة دون حل يقود إلى آثار سلبية، ومنها:
أولاً: على الزوج:
# فقدان احترام زوجته وأبنائه نتيجة تخليه عن مسؤوليات، وضعف مكانته الأسرية وفقدان دوره القيادي داخل البيت.
# الصراع والخصام بين الزوجين وتعكير صفو الحياة الزوجية مما يقودها في حالات كثيرة إلى الطلاق وبالأخص حين يكون دخل المرأة عاملاً مهما لدى الزوج، وأحد مصادر رغبته في الزواج منها.
# تقصير الزوج في عمله فبعض الأزواج يتساهل في عمله نتيجة وجود مصدر آخر أو يقصر في البحث عن فرص عمل إن لم يكن مرتبطاً بعمل.
ثانياً: على الزوجة:
# الشعور بالظلم والضغط النفسي، مما قد يؤثر على صحتها النفسية والجسدية.
# فقدان الشعور بالأمان في العلاقة الزوجية.
# اللجوء إلى الكذب أو التحايل لتجنب استغلالها.
ثالثاً: على الأسرة والأبناء:
# انعدام الاحترام بين الوالدين، مما ينعكس سلبًا على الأطفال.
# شعور الأبناء بعدم احترام والدهم، مما يضعف سلطته التربوية عليهم.
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: الحُلُولُ وَالتَّوْجِيهَاتُ لِمُعَالَجَةِ المُشْكِلَةِ
وهي عديدة، ونذكر منها النقاط الآتية:
أولًا: اختيار الزوج غير الاستغلالي قبل الزواج
يمكن تجنب كثير من المشكلات قبل الزواج عبر مراعاة بعض المعايير عند اختيار الزوج، ومنها:
1.التحقق من موقفه تجاه عمل المرأة: إذا كان الرجل يظهر اهتمامًا مفرطًا براتب خطيبته أو يصرّ على عملها، فقد يكون ذلك مؤشرًا على رغبته في استغلالها ماليًا، لذا ينبغي للمرأة أن تتحاور معه بوضوح حول هذه النقطة قبل اتخاذ قرار الزواج.
2.التأكد من جدية الرجل واستقلاله المادي: قبول الزواج من رجل عاطل أو غير جاد في العمل قد يؤدي إلى اعتماده على دخل زوجته، لذا من المهم أن تقيّم المرأة مدى مسؤولية الرجل قبل الزواج.
3.وضوح الاتفاقات بين الطرفين: ينبغي لكل من الزوجين توضيح مواقفهما من القضايا المالية وعمل المرأة قبل الزواج، والاتفاق بوضوح على الحقوق والواجبات، مع إمكانية إدراج الشروط المناسبة في عقد الزواج لتحمي نفسها.
ثانيًا: تفرّغ الزوجة لمهمتها الأساسية داخل المنزل
رغم أن عمل المرأة خارج المنزل قد يحقق استقرارًا ماليًا للأسرة، إلا أنه قد يترتب عليه بعض الآثار السلبية، ومنها:
1.ضعف التوازن الأسري والتربوي: انشغال المرأة بعملها قد يقلل من وقتها المخصص لرعاية الأبناء وإدارة شؤون المنزل، مما قد يؤثر على استقرار الأسرة.
2.زيادة الضغوط النفسية والجسدية: تحمل المرأة مسؤوليات العمل والمنزل معًا قد يؤدي إلى الإرهاق، مما قد ينعكس سلبًا على علاقتها الزوجية والحياة الأسرية.
3.تأثير العمل على العلاقة الزوجية: قد يؤدي انشغال الزوجة بالعمل إلى قلة التواصل مع الزوج، مما قد يؤثر على الروابط العاطفية داخل الأسرة.
4.التعرض لمواقف غير شرعية: في بعض بيئات العمل المختلطة، قد تجد المرأة نفسها في مواقف غير شرعية، مثل: الخلوة أو التبرج أو تجاوز الحدود الشرعية، مما قد يؤدي إلى مفاسد دينية واجتماعية.
بناءً على ذلك، للمرأة خياران:
ترك العمل والتفرغ لمهمتها الأساسية الأسرية، كما فعلت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، مما يضمن استقرار الأسرة ويجنبها استغلال الزوج لراتبها. وفي حال الشك في نوايا الزوج تجاه المال، يُنصح بأن تأخذ المرأة إجازة بدون راتب لفترة تجريبية، لاختبار مدى استقلالية الزوج في الإنفاق وعدم استغلاله لدخلها.
أو تختار الموازنة بين العمل خارج المنزل وبين الأسرة، ولكنها ستحتاج للحلول الأخرى.
ثالثاً: توعية الزوج بحقوق الزوجة المالية
ينبغي توعية الزوج بالحوار المقنع والتفاهم بأن الإسلام كفل للمرأة الاستقلال المالي، قال تعالى: [لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ][44]، فهي كالرجل لها حق التملك والتصرف في مالها دون إذن زوجها. والزوج مسؤول شرعًا عن الإنفاق على زوجته وأبنائه، ولا يجوز له إجبارها على المشاركة في المصاريف، ولقد وضحنا الأحكام في المبحث الأول، وإليكم جواب مكتب سماحة السيد السيستاني (دام ظله) لهذا السؤال:
هل يجوز للرجل أخذ راتب الزوجة مع العلم أن لديه راتب؟
الجواب: لا يجوز له ذلك إلا برضاها وموافقتها، ولا يجب على الزوجة أن تتكفل بنفقات بيت الزوجية.[45]
رابعا: توجيه الزوج إلى تحمل مسؤولياته
على الزوجة أن تحثّ زوجها بلطف وحكمة على تحمل مسؤولياته، مذكّرةً إياه بأن الله قد جعله مسؤولًا عن أهل بيته، ومن أوجه هذه المسؤولية توفير النفقة لهم. ويكون ذلك بأسلوب التعريض واللين، مستخدمةً عبارات مناسبة بعيدًا عن الاستفزاز أو العبارات القاسية المباشرة. ومن الوسائل الفعالة في ذلك تذكيره بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله: “ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، …، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم،..”.[46]
كما يمكنها أن تضع في متناول يده أو في مجال رؤيته مقاطع فيديو لخطباء ورجال دين، أو كتبًا تبيّن وجوب نفقة الزوج على زوجته وأولاده، وتوضح العواقب الوخيمة للإهمال في هذا الجانب، كما أشرنا في المبحث الأول.
أما إذا كان الزوج عاطلًا عن العمل، فعليها أن تحثه على السعي لكسب الرزق، مستشهدةً بما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: “إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها صلاة ولا صوم، قيل: يا رسول الله فما يكفرها؟ قال: الهموم في طلب المعيشة”[47]، وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كتب إلى رجل من أصحابه: “.. لا تكسل عن معيشتك، فتكونَ كلاً على غيرك”.[48]
خامساً: توجيهات للزوجة العاملة مع الزوج الاستغلالي
على الزوجة العاملة التعامل بحكمة مع الزوج الذي يحاول استغلال أموالها، ومن أهم التوجيهات في هذا الجانب:
1.الحفاظ على الاستقلال المالي: يجب على الزوجة عدم السماح للزوج بالتحكم الكامل في راتبها، لأن التنازل عن ذلك في البداية يدفعه للاقتناع بأنه من واجباتها الزوجية. لذا، من الضروري أن تعزز ثقتها بنفسها وتفرض احترام حقوقها المالية.
2.طلب الدعم عند الحاجة: يمكن إشراك أطراف محايدة، مثل: الأهل أو المستشارين الأسريين، عند مواجهة مشاكل مالية مع الزوج، لضمان إيجاد حلول عادلة ومنصفة.
3.التنازل عن جزء من الراتب: قد يصر الزوج على عدم السماح لزوجته بالعمل إلا إذا أعطته جزءًا من راتبها. شرعًا، يجوز ذلك في بعض الحالات، وإليكم سؤال مشابه لحالتنا مع جوابه وارد من مكتب سماحة السيد السيستاني (دام ظله):
السؤال: هل يجوز للزوج إذا وافق على عمل زوجته أن يشترط عليها أن تعطيه جزءًا من راتبها هو يحدده؟ وإذا لم تعطه يطلب منها أن تتوقف عن العمل؟
الجواب: (إذا لم تكن الزوجة موظفة قبل الزواج ولم تشترط عليه العمل، فيجوز للزوج أن لا يوافق على عملها خارج المنزل إلا وفق شروط يحددها، بما في ذلك مشاركته في راتبها. أما إذا وافق على عملها دون شرط مسبق، فلا يجوز له بعد عقد التوظيف أن يلزمها بمنحه جزءًا من راتبها، ولا أن يمنعها من الاستمرار في العمل). [49]
وبصرف النظر عن الحكم الشرعي، قد تجد الزوجة نفسها مضطرة للعمل والتنازل عن جزء من راتبها، كما إذا كان الزوج يمتنع عن دفع النفقة الكاملة ولم تفلح معه جميع الحلول، أو كان دخله غير كافٍ لتغطية احتياجات الأسرة فتعمل لسد النقص.
4.رفض تحمل المسؤوليات المالية الأساسية: ينبغي على الزوجة أن لا تتحمل أعباء مالية تقع على عاتق الزوج، مع تجنب الصدام المباشر، مثل: عدم الاقتراض باسمه لتجنب تهربه من السداد.
5.إدارة الأمور المالية بحكمة: يُفضّل أن لا تفشي الزوجة كل تفاصيل دخلها لزوجها الاستغلالي، وأن تحتفظ بجزء من راتبها للادخار.
6.احتساب العمل قربةً إلى الله: إذا اضطرت الزوجة للعمل والمساهمة في النفقة، فمن المهم أن تحتسب ذلك لوجه الله، مستذكرة قوله تعالى: [أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ][50]، وقول النبي صلى اللّه عليه وآله: «الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه».[51]
بهذا تتمكن الزوجة من إدارة شؤونها المالية دون أن تتعرض للاستغلال الكلي أو تُحمَّل ما لا يلزمها.[52]
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مُشْكِلَةُ بُخْلِ الزَّوْجِ وَعَدَمِ النَّفَقَةِ عَلَى أُسْرَتِهِ
البخل في السياق الأسري يُعرف بأنه تقتير الزوج في النفقة على زوجته وأبنائه وأسرته رغم امتلاكه المال الكافي، بحيث يظهر ذلك بشكل واضح يؤثر على مستوى المعيشة، ويتسبب في ضغوط نفسية واجتماعية داخل الأسرة.
وسنتناول هذه المشكلة من خلال المطالب الآتية:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: مَظَاهِرُ مُشْكِلَةِ البُخْلِ
عند استشارة المستشارين الأسريين حول العلامات الدالة على بخل الزوج، نجد أن هناك عدة مظاهر تُذكر في هذا السياق، منها:
1.التقتير في الضروريات مثل: الطعام، الشراب، الملابس، وحتى الإنفاق على صحة الزوجة والأبناء.
2.المحاسبة المفرطة على أي زيادة في الإنفاق، حتى لو كانت بسيطة.
3.تجنب إقامة المناسبات الاجتماعية كالولائم والاحتفالات العائلية.
4.حرمان الأبناء من المصروف المدرسي والاكتفاء بما يُقدَّم لهم في المنزل.
5.الامتناع عن السفر مع العائلة حتى خلال فترات الإجازة.
6.الحرمان من الترفيه والترويح عن النفس للأسرة.
7.عدم شراء الملابس الجديدة، خاصة في المناسبات كالأعياد.
8.عدم تخصيص مصروف للزوجة، مما قد يدفعها إلى طلب المساعدة من أقاربها.
9.تجنب استضافة الآخرين في المنزل حتى في المناسبات الاجتماعية المعتادة.
10.التضييق في شراء الحاجيات الضرورية وتأجيلها قدر الإمكان، مع الغضب والسباب عند دفع أي فاتورة مهما كانت بسيطة.
السؤال المهم الذي وجب علينا طرحه هو: هل هذه المظاهر تدل على البخل شرعًا؟
الجواب: ليس بالضرورة، فليست كل هذه السلوكيات علامة على البخل وفق المنظور الإسلامي، بل إن بعضها قد يكون ناتجًا عن ظروف مالية صعبة أو نهج اقتصادي يراه الزوج مناسبًا.
مع الأسف، هناك خلط في المفاهيم لدى بعض الزوجات، حيث تُفسَّر قلة الإنفاق على الكماليات، أو عدم الاستجابة لجميع الطلبات، أو عدم تمويل السفر والاحتفالات على أنه بخل، في حين أن هذه الأمور ليست واجبة شرعًا، بل تعتمد على قدرة الزوج ورؤيته الاقتصادية للأسرة. لذا، يجب التمييز بين البخل كعيب حقيقي في الشخصية، وبين التدبير المالي الذي يراعي الظروف والإمكانات المتاحة، وبين المسرف غير المدبر، حيث أنّ:
# الرجل البخيل شرعًا: هو الذي يقصر في النفقة الواجبة على زوجته وأبنائه رغم قدرته المالية، فيمنع عنهم الطعام، واللباس، والعلاج، والمسكن المناسب، مما يجعله آثمًا شرعًا.
# الرجل المسرف وغير المدبر: هو الذي ينفق بلا حساب حتى على أمور غير ضرورية، مما قد يعرض الأسرة لمشاكل مالية مستقبلية.
# الرجل الحريص اقتصاديًا: هو الذي لا يمنع النفقة الواجبة لكنه يدير أمواله بحكمة، فلا يسرف في الإنفاق على الكماليات والمظاهر الاجتماعية الزائدة.
والنموذج الثالث هو الذي دعت إليه الشريعة الإسلامية، حيث حثّت على الاعتدال في الإنفاق من خلال “الاقتصاد والتقدير”، وهو التدبير المتوازن للموارد المالية بحيث لا يكون الإنسان مبذرًا ولا بخيلًا، بل يوازن بين الإنفاق والتوفير وفقًا لاحتياجاته ومسؤولياته. وقد وردت نصوص عديدة في هذا المجال، منها:
# روي عن الإمام علي عليه السلام: “دع الاسراف مقتصداً، واذكر في اليوم غداً، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدّم الفضل ليوم حاجتك”.[53]
# عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: “من علامات المؤمن ثلاث: حسن التقدير في المعيشة، والصبر على النائبة، والتفقّه في الدين. وقال: ما خير في رجل لا يقتصد في معيشته، ما يصلح لا لدنياه ولا لآخرته”.[54]
# روي أن أبا عبد الله عليه السلام تلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا الإقتار الذي ذكره الله عزّ وجلّ في كتابه، ثمّ قبض قبضة أخرى فأرخى كفّه كلّها، ثمّ قال: هذا الإسراف، ثمّ أخذ قبضة أخرى فأرخى بعضها وأمسك بعضها وقال: هذا القوام[55]“.[56]
وينبغي أن نعرف أنّ البخل ليس كله محرمًا، بل ينقسم إلى نوعين:
1.البخل الشرعي المحرم: هو امتناع الرجل عن توفير النفقة الواجبة لأهله، كالمأكل والمسكن والعلاج، رغم قدرته المالية. وهذا يُعد ظلمًا للأهل، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: “إن أكبَرَ الإثم عندَ الله أن يضَيِّعَ الرجل مَن يَقوت”.[57]
2 البخل الأخلاقي المذموم: وهو الاكتفاء بالحد الأدنى من الإنفاق الواجب، دون التوسعة على العائلة رغم القدرة المالية. شرعًا، هذا النوع غير محرم لكنه مذموم، وقد قال الإمام زين العابدين عليه السلام: “أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله”. [58]
بناءً على ذلك، يتضح أن كثيرًا من الزوجات اللاتي يحكمن على أزواجهن بالبخل قد لا يكون حكمهن دقيقًا، إذ قد يكون الزوج حريصًا وليس بخيلًا بالمعنى الشرعي.
المَطْلَبُ الثَّانِي: الأَسْبَابُ المُؤَدِّيَةُ إِلَى بُخْلِ الزَّوْجِ
هناك عدة عوامل قد تؤدي إلى بخل الزوج، منها:
1.ضعف الإيمان وعدم الثقة بموعود الله بالرزق لمن ينفق بسخاء.
2.النشأة في بيئة بخيلة واكتساب هذا السلوك من الأسرة والمحيط.
3.الخوف المفرط من المستقبل والتوجس من نقص المال.
4.التعرض للحرمان في الطفولة مما يجعله متمسكًا بالمال بشكل مبالغ فيه.
5.السعي لتكوين ثروة والتفاخر بجمع المال دون مراعاة احتياجات أسرته.
6.الفارق الثقافي بين الزوجين، حيث قد يرى الزوج بعض الضروريات مجرد كماليات غير لازمة.
7.غياب الإحساس بالمسؤولية المالية بعض الرجال يعدون الإنفاق على المنزل ليس مسؤوليتهم الكاملة، لذا يرمون العبء على الزوجة، خاصة إذا كانت عاملة.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الآثَارُ السَّلْبِيَّةُ لِبُخْلِ الزَّوْجِ
استمرار الزوج في البخل وعدم إنفاقه على أسرته يؤدي إلى آثار خطيرة، منها:
1.كثرة الشجار والخلافات الزوجية، مما قد يضعف العلاقة الزوجية وقد يؤدي إلى انهيارها.
2.شعور أفراد الأسرة بالحرمان والغبن رغم معرفة الأبناء بقدرة والدهم المالية.
3.نمو مشاعر الكراهية لدى الأبناء تجاه والدهم، بسبب عدم تلبية احتياجاتهم الأساسية.
4.لجوء بعض الزوجات إلى طلب الطلاق بعد نفاد صبرهن من العيش في ظروف مالية قاسية.
5.بحث الأبناء أو الزوجة عن مصادر دخل غير مشروعة بسبب الحاجة الماسة للمال.
6.انحراف الزوجة أو الأبناء نتيجة الضيق المالي، مما قد يدفعهم للجوء إلى طرق غير سليمة لتأمين احتياجاتهم.
7.الإصابة باضطرابات نفسية لدى الزوجة والأبناء نتيجة الضغط المستمر والمعاناة المادية.
8.غياب القدوة الصالحة داخل الأسرة، مما قد يؤثر على تنشئة الأبناء ويجعلهم غير متزنين في نظرتهم للمال والإنفاق مستقبلاً.
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: حُلُولٌ لِلتَّعَامُلِ مَعَ الزَّوْجِ البَخِيلِ بِحِكْمَةٍ
ونذكر منها الآتي:
1.الوقاية قبل الزواج: عن طريق التأكد من سلوك الخطيب في الإنفاق من خلال مراقبة تصرفاته وسؤال معارفه.
2.التمييز بين البخل والاقتصاد: بعض الأزواج يديرون أموالهم بحكمة وليسوا بخلاء، لذا يجب فهم نواياهم قبل الحكم عليهم، وقد ذكرنا في المطلب الأول بأن هناك فرق بين البخيل والحريص.
3.تدريبه على تحمل المسؤولية المالية: جعله مسؤولًا عن بعض المصاريف تدريجيًا حتى يعتاد على الإنفاق دون تردد.
4.الحوار الهادئ بدلاً من المواجهة: ينبغي تجنب الاكثار من اتهامه بالبخل واستخدام أسلوب لطيف لشرح تأثير التقتير على الأسرة، وتذكيره بأن النفقة أمر إلهي يترتب على التقصير فيه نيل غضب الله وعقوبات في الدنيا والآخرة.
5.ربط الإنفاق بالفوائد الشخصية: كأن توضح الزوجة لزوجها كيف أن توفير احتياجات الأسرة الأساسية يعزز الاستقرار والراحة، مثل أن شراء طعام جيد ينعكس على صحة الأطفال وسعادتهم، مما يجنبهم مشكلات صحية مستقبلية.
6.فهم أسباب بخله والتعامل معها بذكاء: فإن كان بسبب مخاوف مالية، فيمكن طمأنته بأسلوب غير مباشر مثل: اقتراح خطط مالية واضحة.
7.تعويده على ثقافة العطاء: بتشجيعه على التبرع ولو بمبلغ بسيط ليشعر بأثر الكرم على حياته.
8. التشجيع بالحب والاهتمام: بطلب المال بأسلوب ودود بعيد عن التذمر أو الصوت المرتفع.
9.تعليمه الكرم بالقدوة: بتقديم الهدايا له ليعتاد على فكرة العطاء المتبادل.
10.إيجاد حلول عملية: كاقتراح ميزانية متوازنة بوضع خطة مالية واضحة تحدد مقدار الإنفاق الشهري على الاحتياجات الأساسية مثل الطعام، الفواتير، والمصاريف العائلية، بحيث يكون هناك توازن بين الدخل والمصروفات دون إسراف أو تقتير.
11.الصبر وعدم استعجال التغيير: البخل عادة تحتاج إلى وقت طويل للتغيير، لذا يجب التعامل معه بالصبر والتدرج.
12.تثقيف الأبناء حول الإنفاق المتوازن: تعليمهم منذ الصغر الاعتدال في الصرف حتى لا يكتسبوا صفة البخل.
قد تسأل زوجة قائلة: كيف يمكنني التعامل مع بخل زوجي بعدما جرّبت جميع التوجيهات والنصائح دون أن أجد منه أي استجابة أو تغيير؟
الجواب:
هناك خطوات أكثر عمقًا يمكنها اتباعها بحكمة ووعي لضمان استقرار حياتها الزوجية والمالية، وهي كالآتي:
1.اللجوء إلى وسطاء موثوقين: يمكن الاستعانة بأشخاص مؤثرين في حياة الزوج، مثل: أفراد من العائلة أو أصدقاء يحظون بثقته، لإقناعه بضرورة تحقيق التوازن المالي في الأسرة والإنفاق بما يتناسب مع احتياجاتها الأساسية.
2. البحث عن حلول مالية مستقلة: إذا لم يستجب الزوج، يمكن للزوجة التفكير في مصادر دخل إضافية، كالتجارة المنزلية أو العمل، لتغطية الاحتياجات الضرورية دون إثارة النزاعات. (نعم تستطيع الزوجة لو كانت غنية أن تنفق على زوجها من قبيل الصدقة والإحسان لا من قبيل الوجوب الشرعي عليها).[59]
3. التكيف مع الواقع والصبر: لا ينبغي التسرع في طلب الطلاق، بل محاولة التأقلم مع طبيعة الزوج، خاصة إذا لم يكن البخل يؤثر بشكل جذري على الأساسيات الحياتية للأسرة.
4.تعزيز القناعة وإدارة المال بحكمة: تذكير الزوجة بأن السعادة ليست في كثرة المال، بل في حسن تدبيره، وتجنب مقارنة حياتها بحياة الآخرين. والتركيز على التكيف مع الظروف الحالية دون الانشغال بالمظاهر المادية الزائلة.
5.ضبط الإنفاق وتجنب المطالب الزائدة: ينبغي التخطيط الجيد للمصروفات، وتجنب إثقال كاهل الزوج بطلبات غير ضرورية. والحد من النفقات الكمالية، مثل: السفر الترفيهي، إذا لم يكن الوضع المالي يسمح بذلك.
6.الموقف الشرعي في حال امتناع الزوج عن النفقة: شرعًا إن طالبته ولم يدفع إليها، جاز لها أن تأخذ منه لنفقتها الشخصية ولو من دون إجازته ورضاه، وأما بالنسبة لنفقة الأولاد فلا يجوز لها ذلك، وعليها أن تعيد ما أخذته لنفقة أولادها إلى أمواله وإن لم تخبره بذلك، أو تقول له ليسامحها[60].
روي أن هند بنت عتبة أم معاوية جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم، فقال: “خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”.[61]
7. حق الزوجة في طلب الطلاق عند الضرورة: إذا كان بخل الزوج شديدًا لدرجة إلحاق الضرر بها وبأبنائها، ولم تُجدِ كل الوسائل في تغييره، يمكنها اللجوء إلى الحاكم الشرعي، فإذا لم ينفع أمكنها اللجوء إلى الجهات القانونية لضمان حقوقها وحقوق أبنائها إذا كان امتناعه عن الإنفاق يُسبب ضررًا واضحًا للأسرة.[62]
نفهم مما تقدم أن البخل خصلة مذمومة، مبغوضة عند الزوجة والأولاد والناس، بل أيضا عند الله، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار”[63]، وصدق أمير المؤمنين عليه السلام حينما قال: “البخل عار”[64]، فهو يفسد العلاقات، ويقتل المودة، ويهدد استقرار الأسرة، إذ لا تقوم الحياة الزوجية على الشح والتقتير، بل على العطاء والتراحم والكرم.
(فالكرم فضيلة تقع بين رذيلتين وهما السرف والبخل)[65]، والتي عرّفها الإمام المجتبى عليه السلام قائلاً: “أما الكرم فالتبرع بالمعروف والاعطاء قبل السؤال والإطعام في المحل”.[66]
وينبغي علينا أن نتحلى بهذه الصفة لأنها من أسمى الفضائل التي دعا إليها الإسلام، وحثّ عليها أهل البيت عليهم السلام، وفي مقدمتهم كريم أهل البيت، الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، الذي ضرب أروع الأمثلة في الجود والسخاء، حتى نزل فيه وفي أبيه وأمه وأخيه عليهم السلام قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾[67]. وأيضاً قوله تعالى: [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ].[68]
إنّه قدوتنا في الإيثار والجود والكرم، فمن كريم طبعه عليه السلام أنّه لا ينتظر السائل حتّى يسأله، ويرى ذل المسألة في وجهه، بل يبادر إليه قبل المسألة فيعطيه. وروي عنه عليه السلام أنه قال:
| نَحنُ أُناسٌ نَوالُنا خضـل | يرتع فيه الرجـاء والأمــل | |
| تَجودُ قبل السؤال أنفسـنا | خوفاً على ماء وجه مَن يَسَألُ | |
| لو علم البحرُ فَضلَ نائلنا | لغاصَ مِن بعد فيضِـهِ خَجَلُ |
نعم، في مثل هذا اليوم أطل على العالم الإسلامي كريم أهل البيت عليه السلام بولادته المباركة. (لقد استقبل حفيد الرسول صلى الله عليه وآله وسبطه الأكبر سيد شباب أهل الجنّة دنيا الوجود في شهر هو أبرك الشهور وأفضلها حتّى سمّي شهر الله، وهو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وكان ذلك في السنة الثانية، أو الثالثة من الهجرة.[69]
وقد شوهدت في طلعة الوليد طلعة الرسول صلى الله عليه وآله وبدت فيه شمائل النبوة ومحاسن الإمامة.
ولما أذيع نبأ ولادة الصديقة بالمولود المبارك غمرت موجات من السرور والفرح قلب النبيّ صلى الله عليه وآله فسارع إلى بيت ابنته ـ أعزّ الباقين، والباقيات عليه من أبنائه ـ ليهنئها بمولودها الجديد ويبارك به لأخيه أمير المؤمنين، ويفيض على المولود شيئاً من مكرمات نفسه التي طبق شذاها العالم بأسره ولما وصل صلى الله عليه وآله إلى مثوى الامام نادى: «يا أسماء: هاتيني ابني ..»
فانبرت أسماء، ودفعته إليه في خرقة صفراء فرمى بها.
وقال: «ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء؟»
وقام صلى الله عليه وآله فسرّه، وألباه بريقه[70]وضمّه إلى صدره، ورفع يديه بالدعاء له: «اللهم: إني أعيذه بك، وذريّته من الشيطان الرجيم ..»[71]، ثم أذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى[72].
والتفت صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين، وقد أترعت نفسه العظيمة بالغبطة والمسرات فقال له: «هل سمّيت الوليد المبارك؟»
فأجابه الإمام: «ما كنت لأسبقك يا رسول الله».
وانطلق النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: «ما كنت لأسبق ربّي ..».
وما هي الّا لحظات وإذا بالوحي يناجى الرسول، ويحمل له «التسمية» من الحقّ تعالى يقول له جبرئيل: «سمّه حسنا».[73]).[74]
فَسَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكَ يَا سَيِّدِي وَيَا مَوْلَايَ، يَا أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، يَوْمَ وُلِدْتَ وَيَوْمَ مُتَّ وَيَوْمَ تُبْعَثُ حَيًّا.
قصيدة شعبية بمناسبة ولادة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام[75]:
| كتبت باسم الحسن طور الغزل | وطارت أطيور الفرح واتبسمتْ | |
| حمَلت اوياهه المشاعر والتهاني | هامت ابحبك بعد وأتهيمتْ | |
| من ربنا أسمك نزل ويه الولادة | وكل معاني الكرم والجود أنزلتْ | |
| معصوم انته يبن حيدر علي | وجبريل بارك والملائك أفرحتْ | |
| **** | ||
| وشحال فرحة الهادي النبي | فرحة في أول سبط أتكرمتْ | |
| والمرتضى يحمد الباري ابنعمته | ولولت الزهرة الحسنهه اوكبَرتْ | |
| المولود من ظهرك عليّ هذا الحسن | اختارته العصمة اوبيه اتنصبتْ | |
| انتظرنه يوم ميلادك يجي | كالعادة أحبابك وفت وأتهيأتْ | |
| الليلة نحييلك فرح ياسيدي | الهوسات باسمك يا إمام الهلهلتْ | |
| **** | ||
| رابع كمر من نعد باسم الحسن | وأقمارنه أربع عشر أتنورتْ | |
| اليوم أسخَر كل قوافي الفرح | وكل مفردة خشعت الإسمك وانحنتْ | |
| بعد ما اكتب قصيدة وأبتعد عن الشعر | بس لو أحس أبياتي عنك قصرتْ | |
| أنته فرحة للي يؤمن بالمبادئ | والكرم والجود بيك أتعنونتْ | |
| واللي كال اختلفت وياك المحبة | كل الظنون البيه والله اتوهمتْ | |
| **** | ||
| حُبنه معروف الأهل بيت النبي | وما نغير حتى لو دنيتنه كلهه اتغيرتْ | |
| ابمولدك فرحة يوازيها حزن | مسرورة صح لكن ابحيره اتحيرتْ | |
| لو ذكرنه مرقدك بأرض البقيع | والأئمة وياك باحزان أشتكتْ | |
| لكن تحدينا الحزن في مولدك | وكلوبنا قُبة الك واتذهبتْ | |
| **** | ||
هوسات لمولد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام[76]:
| كريم آل النبي يا مفخرة عدنان | وريث المصطفى خير الانِس والجان | |
| وَلينه المجتبى يا درّة الاكوان | مهجة حيدر … سبط الهادي وْرفعة راس | |
| **** | ||
| سبط خير البشر وابن الزچيه | وْيبن حيدر علي حامي الحميه | |
| يهل ميلادك بْهاي المسيه | هالليله بْاسمك نحييها | |
| **** | ||
| كريم آل النبي يا مفخرة عدنان | وريث المصطفى خير الانِس والجان | |
| وَلينه المجتبى يا درّة الاكوان | مهجة حيدر … سبط الهادي وْرفعة راس | |
| **** | ||
| الشباب الجنّه سيدهه وْعلمها | الحسن يا نور هالدنيه وْعطرها | |
| إمام الشيعة واليها وْرمزها | روح الهادي يبن الكوثر والكرار | |
| **** | ||
| نِهنّي الطاهره الزهره بْحَسنهه | شبه جدّه النبي عِزهه وْ فخرهه | |
| شبل حيدر علي وْأوّل ولدهه | ميلاده مْنوّر دنيانه | |
| **** | ||
[1] الكافي-الكليني-ج 3-ص 164.
[2] النساء/ 34.
[3] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٣ -ص ١٢٣-مسألة 413.
[4] كشف اللثام-الفاضل الهندي-ج7 -ص 558.
[5] مشاكل الأسرة بين الشرع والعرف-الشيخ حسان محمود عبد الله-ص160-171.
[6] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٣ -ص١٢٩-مسألة 433.
[7] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٣ -ص ١٢٨-مسألة 429.
[8] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٣ -ص ١٢٩-مسألة 430.
[9] الاستبصار –الشيخ الطوسي-ج 3 -ص 43.
[10] مشاكل الأسرة بين الشرع والعرف-الشيخ حسان محمود عبد الله-ص160-171-بتصرف.
[11] الموقع الرسمي لسماحة الشيخ عبد الله اليوسف حفظه الله/ alyousif.org/ مقالات ودراسات/ نفقة الزوجة.. قراءة في الأدلة والمفاهيم والآراء.
[12] والمقصود بها ملابس الزوجة التي تستتر وتتجمل بها.
[13][13] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٣ -ص ١٢٥-مسألة 420.
[14] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٣ -ص 126-مسألة 420.
[15] موقع السراج/ alseraj.net/ فتاوى سماحة السيد السيستاني/ أحكام الزواج الدائم/ أحكام النفقة.
[16] الزواج الموفق-الشيخ محمد جواد الطبسي-ص111-116.
[17] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٣ -ص١٢٨-مسألة 428.
[18] الكافي-الكليني-ج 3-ص 164.
[19] الكافي-الكليني-ج 3-ص 164.
[20] من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 183.
[21] دعائم الإسلام-القاضي النعمان-ج 2-ص14/7.
[22] أمالي الصدوق-ص 238.
[23] جامع أحاديث الشيعة -السيد البروجردي -ج ٢١ -ص ٣٠٣.
[24] كنز العمال-المتقي الهندي-ج 6-ص 427/16390.
[25] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٤ -ص ١٢.
[26] وسائل الشيعة -الحر العاملي -ج ٢٠ -ص ١٧١.
[27] الإنسان/8.
[28] الكافي-الكليني-ج 3-ص 165.
[29] من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج 2-ص 352.
[30] المائدة/27.
[31] موقع السراج/ alseraj.net/ فتاوى سماحة السيد السيستاني/ أحكام الزواج الدائم/ أحكام النفقة.
[32] كلمة “قرموا” تعني: اشتهوا بشدة وتاقت أنفسهم إليه.
[33] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٤ -ص ١٢.
[34] الكافي-الكليني-ج 1-ص 164.
[35] الزواج الموفّق-الشيخ محمد جواد الطبسي-ص 111 ــ 116.
[36] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ٢ -ص ١٠٩.
[37] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ٢ -ص١٠٨.
[38] القواعد الفقهية-مكارم الشيرازي -ج2 ص17 – 43.
[39] مسند الإمام أحمد بن حنبل-ج6-ص603-حديث20971.
[40] الشيخ حسن الصفار/ saffar.me/ خطب الجمعة النصيّة/ استضعاف المرأة وانتهاك سلطتها المالية.
[41] معنى هذا الكلام المأخوذ بدون الرضا الواقعي للمالك غصب وإن أظهر الرضا استحياءً لأن الشيء الذي يحلّل للشخص التصرّف في مال غيره إحراز طيب النفس لصاحب المال. المصدر: موقع المجيب/ almojib.com/مؤسسة المصطفى للإرشاد/ وفق فتاوى السيد السيستاني دام ظله-متفرقات الغصب.
[42] الفجر/20.
[43] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ١١٨١.
[44] النساء/32.
[45] موقع المجيب/ almojib.com / مؤسسة المصطفى للإرشاد-حسب رأي السيد السيستاني/ (استفتاءات) التصرف في اموال الزوجة أموال الزوجة راتب الموظف.
ملاحظة: الحكم نفسه حتى لو لم يكن للزوج راتب.
[46] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ١٢١٢.
[47] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ٩٩٩.
[48] وسائل الشيعة-الحر العاملي -ج ١٧ -ص ٥٩.
[49]راجع: مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org / الاستفتاءات/ المرأة -العمل خارج البيت.
[50] آل عمران/ 195.
[51] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ٢ -ص١٠٨.
[52] دليل الإرشاد الأسري-نخبة من العلماء-ج2-ص60-78-بتصرف.
[53] بحار الأنوار-المجلسي-ج33-ص490.
[54] تهذيب الأحكام -الشيخ الطوسي -ج 7 -ص 236.
[55] يُعرَّف القوام بأنه المنهج الوسطي في الإنفاق، الذي يتجنب الإفراط (الإسراف) والتبذير، كما يتجنب التفريط (الإقتار والبخل)، مما يجعله السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار المالي والاجتماعي.
[56] الكافي -الشيخ الكليني -ج 4 ص 55.
[57] كنز العمال-المتقي الهندي-ج 16/284/44489 نقلا عن الطبراني عن ابن عمرو.
[58] الكافي-الكليني-ج3، ص164.
[59] مشاكل الاسرة بين الشرع والعرف-الشيخ حسان محمود عبد الله-ص160-171.
[60] موقع السراج/ alseraj.net/ فتاوى سماحة السيد السيستاني/ أحكام الزواج الدائم/ أحكام النفقة.
[61] صحيح البخاري-حديث رقم 5364.
[62] دليل الإرشاد الأسري-نخبة من العلماء-ج1-ص-119-129-بتصرف.
[63] البحار-المجلسي-ج 73 -ص 308 / 37.
[64] نهج البلاغة: الحكمة 3.
[65] تزكية النفس-السيد الحائري-ص37.
[66] تاريخ دمشق-ابن عساكر-ج 13-ص258.
[67] الإنسان/ 8-9.
[68] الحشر/ 9.
[69] تأريخ الخلفاء-السيوطي-ص ٧٣. ودائرة المعارف-البستاني-ج7-ص38.
[70] سرأه: قطع سرته، ألباه بريقه، مأخوذ من اللباء، وهو أوّل اللبن عند الولادة، والمراد انّه «ص» أطعمه بريقه كما يطعم الصبي اللباء.
[71] دائرة المعارف-البستاني-ج ٧ -ص ٣٨.
[72] مسند الإمام أحمد بن حنبل-ج ٦ -ص ٣٩١.
[73] تاريخ الخميس-حسين بكري-ج ١ ص ٤٧٠.
[74] شبكة رافد/ research.rafed.net/ الإمام الحسن بن علي المجتبى عليهما السلام/ ولادة الامام الحسن عليه السلام-بقلم الشيخ باقر شريف القرشي.
[75] لخادم أهل البيت ع: زاهر المعموري الحلي.
[76] الشاعر سعيد الفتلاوي الطويرجاوي.
