لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
عنوان المُحَاضَرَةُ: الحِجَابُ وَالحُرِّيَّةُ الشَّخْصِيَّةُ
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
رُوِيَ عن الإمامِ عليٍّ (عليهِ السلام): “إنَّ الحَياءَ والعِفَّةَ مِن خَلائِقِ الإيمانِ، وإنَّهُما لَسَجِيَّةُ الأحرارِ”.[1]
المَبْحَثُ الأوَّلُ: شَرْحُ الحَدِيثِ
إنّ الحديث -محل البحث-المروي عن الإمام يُعبر عن أهمية الحياء والعفة كقيم أساسية في شخصية المؤمن، لنيل الحرية.
فقوله عليه السلام: “إنَّ الحَياءَ والعِفَّةَ مِن خَلائِقِ الإيمانِ” فيه تأكيد بأن الحياء والعفة هما من الصفات الأساسية للمؤمن الحقيقي. فهما ليسا مجرد صفات اجتماعية، بل هما جزء لا يتجزأ من الإيمان نفسه، فكلما ازداد إيمان الشخص، ازداد حياؤه وعفته. كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “لا إيمان لمن لا حياء له”[2]، وأيضا لا إيمان لمن لا عفة له لأن روي عن الإمام علي عليه السلام: “سبب العفة الحياء”.[3]
إنّ (الحياء) عرّفها بعضٌ بـ: “انقباض النفس عن القبيح وتركه”[4]. وهو صفة داخلية تمنع الشخص من فعل ما يضر بكرامته أو يخالف تعاليم دينه، وهو من أسمى الصفات في الإسلام التي تربط الإنسان بمخافة الله واهتمامه بالآخرة.
وأما (العفة) فقد عرّفها النراقي: “انقياد القوّة الشهويّة للعاقلة فيما تأمرها به وتنهاها عنه حتّى تكتسب الحريّة وتتخلّص عن أسر عبوديّة الهوى”[5]، فهي صفة تتطلب قوة إرادة وصبرًا في مواجهة ما قد يجر الإنسان إلى الرذيلة.
إن متعلقات العفة عديدة من أبرزها: التزام النساء بالحجاب الشرعي الكامل، بل الشريعة وجهت خطابها حتى للنساء القواعد، حيث قال تعالى:﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.[6]
ومن متعلقات العفّة المهمة هو العفّة عن الشهوة، يقول تعالى:﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾[7] .
وهذه العفّة يجب أن تزداد كلّما ازدادت المرأة جمالاً، وعن عليّ عليه السلام: “زكاة الجمال العفاف”.[8]
ولأهمية صفتي الحياء والعفة نجد أنّ الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف حين يدعو لمجمل أصناف الأمّة، كلٌّ بما يُناسبه ويقوّمه ويحتاج إليه، كان يخص النساء بالحياء والعفّة” بقوله: “.. وتفضّل على .. الشباب بالإنابة والتوبة، وعلى النساء بالحياء والعفّة…”.[9]
إنّ حياء المرأة وتعفُّفها هما بمثابة المكابح في وجه الشهوة العارمة الّتي قد تجتاح المجتمع فتقضي على كلّ قيمه الإنسانية وتذره مجتمعاً منحلّاً مهشّماً ضعيفاً مهترئاً تطمع فيه الأعداء ويستهين به المتربّصون بالقيم.
إنّ الشهوة عند الرجل بمثابة الدافع القويّ الّذي يجعله يُقدم ويتجرّأ ويقتحم ويتوثّب، ولكنّ المرأة بتعفُّفها وحيائها هي الّتي تكبح جماحه، وتردعه، فتصوَّر لو أنّ المكابح فسدت والوقود يتوهّج بسبب المهيّجات والمثيرات الّتي باتت لا تُحصى عدداً ولا تُدرك كيفاً، والسير بمنحدر سحيق.[10]
وأما المقطع الثاني للحديث، فهو قوله عليه السلام: “وإنَّهُما -أي الحياء والعفة-لَسَجِيَّةُ الأحرارِ”.[11]
في المنظور الإسلامي أنّ الطريق الوحيد إلى الحرية الحقيقية هو العبودية لله تعالى وحده، لأن الإنسان الذي يعبد الله بصدق يحقق تحررًا داخليًا من أهوائه وقيوده النفسية والاجتماعية.
وبما أن الحياء والعفة من أهم معاني العبودية لله تعالى لذا خصهما الإمام علي عليه السلام في الحديث بأنهما سجية الأحرار.
فــ: “الأحرار” هم الذين تحرروا من قيود الشهوات، واختاروا العيش بكرامة واعتزاز. فيكون المراد من قوله: “وإنَّهُما لَسَجِيَّةُ الأحرارِ” أي أنّ الالتزام بالحياء والعفة يجعلهُم يرفعون أنفسهم عن الممارسات الدنيئة.
نفهم من ذلك أن المرأة التي تلتزم بهذه القيم هي امرأة حرّة تعبر عن هويتها وقيمها بشكل مستقل، بينما المرأة السافرة امرأة أسيرة غير حرّة لأنها تعكس استسلامًا للضغوط الخارجية وعبوديتها لغير الله، مما يُظهر عدم قدرتها على اتخاذ قرارات تعزز من مكانتها الحقيقية. هذا التفسير يُعزز من قيمة الحياء والعفة كعناصر أساسية في تحقيق الحرية الحقيقية للمرأة.
المَبْحَثُ الثَّانِي: الحُرِّيَّةُ وَالعُبُودِيَّةُ
من التساؤلات التي ترد من بعض النساء: أريد أن أكون حرَّةً، وأن أعيش وأتمتَّعَ بلا قيودٍ ولا حدود، فلماذا تقيّد الشريعة حريتي بوضع الحدود، فتحرّم السفور والتبرج وتحرّم عقد علاقات غير شرعية، وسماع الأغاني وتناول المسكرات وأكل غير المذكى …الخ
ونردّ عليه بالنقاط الآتية:
أولاّ: الحرية مقيّدة وليست مطلقة: إنّ الإسلام من أهم مبادئه الحرية، وهو أول من دعا إليها قبل أكثر من 1400 سنة، قال الله تعالى: [فذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ][12]، وروي عن الإمام علي عليه السلام: “أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار..”.[13]
ولكن (إقرار الإسلام للحرّيّة لا يعني أنّه أطلقها من القيود والضوابط، بل وضع لها حدود وضوابط وشروط، قال تعالى:﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾[14].
هذه الحدود معمول بها في كل القوانين الوضعية، ولولا تلك الحدود لانتشرت الجرائم والمنكرات باسم الحرية، أي لأصبح السارق يسرق، والقاتل يقتل باسم الحرية، ويُتعاطى المخدرات باسم الحرية، وتُظلم العباد وتُغتصب وتُسب وتُهان باسم الحرية؛ فبذلك تكون أقرب إلى الفوضى الّتي يثيرها الهوى والشهوة.
باختصار: إنّ الحرية المطلقة مرفوضة في كل القوانين الإلهية والوضعية.
وبما أنّ الإسلام ينظر إلى الإنسان على أنّه مدنيّ بطبعه، يعيش بين كثير من بني جنسه، فلم يقرّ لأحد بحرّيّة دون آخر، ولكنّه أعطى كلّ واحد منهم حرّيّته، سواء كان فرداً أو جماعة؛ ضمن قيود ضروريّة، تضمن حرّيّة الجميع، وتتمثّل الضوابط التي وضعها الإسلام في الآتي:
أ-ألّا تؤدّي حرّيّة الفرد أو الجماعة إلى تهديد سلامة النظام العامّ وتقويض أركانه.
مثال ذلك: يحق لكل فرد أن يعبر عن رأيه بحرية، ولكن إذا كان هذا التعبير يتضمن التحريض على العنف أو نشر الفتن والفساد بين الناس، فإن الإسلام يضع قيودًا على هذه الحرية لحماية سلامة المجتمع.
ب-ألّا تفوّت حقوقاً أعظم منها، وذلك بالنظر إلى قيمتها في ذاتها ورتبتها ونتائجها.
مثال ذلك: يحق للفرد أن يعيش بحرية، ولكن إذا كانت حرية أحد الأفراد تتضمن الاعتداء على حياة الآخرين (مثل: القتل أو الإيذاء)، فإن حق الحياة يتفوق على حق الشخص في التعبير عن نفسه أو ممارسة حريته.
ج -ألّا تؤدّي حرّيّته إلى الإضرار بحرّيّة الآخرين.
مثال ذلك: حرية المرأة في اختيار ملابسها يجب أن تكون مقيدة بحيث لا تؤثر على حرية الآخرين. عندما تكون المرأة غير محجّبة وتبرز مفاتنها ومحاسنها أمام الرجال الأجانب بشكل يثير غرائز الآخرين، تصبح هذه الحرية مصدرًا للإضرار بالآخرين، ولقد ذكرنا الأضرار والمخاطر المترتبة على التبرج والسفور في المحاضرات المتعلقة بــ: (فلسفة الحجاب).[15]
إنّ الله تعالى وضع ضوابط لحرية المرأة في الظهور أمام الآخرين بما يضمن عدم الإضرار بالرجل والمجتمع. من تلك الضوابط: ستر البدن وإخفاء الزينة عن الرجال الأجانب عدا قرص الوجه والكفين، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ][16]، وقال أيضاً جل جلاله: [وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ..][17].
وبهذه القيود والضوابط، وازن الإسلام بين حرّيّة الفرد وحرّيّة الجماعة، وأعطى كلّاً منهما حقّه).[18]
هذا النوع من الحرية المحدود والمقيّد بهذه الضوابط يسمى بـــ: “الحرية المنضبطة”، أي أن الحرية المنضبطة هي الحرية التي تُضبط بضوابط محددة من خلال القوانين والأحكام الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم وسنة النبي محمد وآله الطاهرين عليهم السلام. هذه الحرية تهدف إلى تحقيق كرامة الإنسان وسعادته، إذ أنّ من يتجاوز هذه الحدود الشرعية لا يكون حراً، بل يصبح أسيرًا لشهواته وأهوائه، أي يكون عبدًا لغير الله.
في المقابل، يرفض الإسلام مفهوم “الحرية المنفلتة” التي تخالف القوانين الإسلامية، لأنها تؤدي إلى الفساد والهلاك، وتسلب الإنسان كرامته، فتجعله تابعًا لأهواء الآخرين وأسيرًا لمغريات الدنيا.
ثانياً: إنّ الالتزام بالقوانين الإلهية هي لمصلحة البشر.
على العاقل، قبل أن يعترض على حدود الله -كما يعترض بعضهم على الحجاب – أن يسأل نفسه: هل لله مصلحة شخصية في وضع حدود وقيود للأحكام، كما يفعل بعض البشر؟
الجواب: من المعلوم أن بعض البشر يفرضون قوانين استبدادية على الآخرين، تسلبهم حريتهم وتستعبدهم. من بين هذه القوانين: قوانين تُقيّد حرية التعبير، قوانين قمعية ضد الأقليات، قوانين تحد من حقوق المرأة مثل الحجاب، وقوانين تمنع حرية التنقل، وغيرها.
إن مثل هذه القوانين التي تفرضها السلطات الظالمة، والتي تسلب حرية الناس، تُبنى على أسباب عدة، نذكر منها:
#خوف السلطة من المنافسة أو المعارضة: بعض الأنظمة تشعر بالتهديد من المعارضين أو الأحزاب السياسية المنافسة، ولذلك تفرض قوانين تُقيّد الحريات العامة بهدف قمعهم أو إسكات الأصوات الناقدة.
وهذا السبب يستحيل أن يُنسب إلى الله تعالى، لأنه هو القوي العزيز، مَالِكُ الْمُلْكِ يؤْتِي الْمُلْكَ مَن يشَاءُ وَينزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن يشَاءُ وَيعِزُّ مَن يَشَاءُ وَيذِلُّ مَن يَشَاءُ.
# نهب الثروات: الحكام المستبدون يسيطرون على الثروات الطبيعية والموارد الاقتصادية في بلادهم (مثل: النفط، المعادن، الزراعة) ويحولونها إلى جيوبهم الخاصة مع فرض قوانين قمعية تمنع الشعب من المطالبة بحقوقه.
وهذا السبب مستحيل أن يُنسب إلى الله؛ لأن الله هو الغني المطلق الذي عنده خزائن السماوات والأرض، لن يؤثر عليه كفر الناس، كما قال تعالى: [إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ].[19]
#الجهل وعدم الوعي من قبل الظلمة: في بعض الأحيان، يفرض الحكام قوانين تحدٍ من الحريات بسبب القصور في الفهم أو التقدير غير الدقيق للواقع. لكن الجهل مستحيل أن يُنسب إلى الله، لأنه العليم بكل شيء، كما قال تعالى: [وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ][20] وقال أيضاً: [أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ] التين/8.
سؤال: لماذا يريدنا الله تعالى أن نعبده ونطيعه بالالتزام بقوانين فيها بعض القيود؟
الجواب: إن عبوديتنا لله تعالى هي لمصلحة البشرية لأنه يحبنا. قوانين الله تجلب لنا الخير وتدفع عنا الضرر.
وأي مصلحة أعظم من نيل خيرات الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: [وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا][21]فالماء الغدق هو الخير الكثير.
وفي الآخرة، يُعدنا الله بجنات فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وأي مصلحة أعظم من دفع الضرر والأذى والشرور في الدنيا والآخرة، وآخرها أن ينجينا من نيران جهنم؟
إن الحدود والقيود -التي تتمثل في أداء الواجبات وترك المحرمات -لا تتعارض مع حريتنا أبدًا، بل هي ضرورية لحماية الفرد والمجتمع. هذا التحديد يَحكم به العقل قبل الشرع. على سبيل المثال:
# قوانين المرور: الالتزام بقوانين المرور (مثل: عدم تجاوز السرعة المحددة، الالتزام بإشارات المرور، أو استخدام حزام الأمان) يُعدُّ ضروريًا للحفاظ على سلامة الجميع. هذه القوانين قد تقيّد حرية الشخص في قيادة السيارة بسرعة أو بشكل غير مسؤول، لكنها تعزز من الأمان وتقلل من الحوادث. من أجل ذلك، لا يمكن اعتبارها سجناً أو عبودية، بل هي تعبير عن المسؤولية والاحترام لسلامة الآخرين.
# قوانين الطبيب: اتباع تعليمات الطبيب عند المرض لا يُنظر إليه على أنه قيد لحرية المريض، بل هو وسيلة للحفاظ على الحياة. وكما نهتم بصحة الجسد، يجب أن نولي نفس الاهتمام بصحة الروح. لأن الذنوب والمعاصي تُمرض الروح، بينما الطاعة لله والأخلاق الحميدة تُحييها وتشفيها. كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: “يا عباد الله أنتم كالمرضى، والله رب العالمين كالطبيب فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب يدبره به لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه، ألا فسلموا لله أمره تكونوا من الفائزين”.[22]
ثالثاً: الحرية الحقيقية في عبودية الله:
قد يظن بعضهم أن عدم عبوديته لله وترك طاعته سيجعله أكثر حرية، لكنه لا يدرك أن الحرية الحقيقية لا تُنال إلا بعبودية الله تعالى وحده. من يرفض عبودية الله وطاعته، سيصبح عبداً لشهواته أو لهوى غيره، وفي النهاية سيكون أسيرًا للظلم والضياع.
قد يقول المعترض: “أنا لست فاقدًا لحريتي، ولا أعيش في عبودية. لا يوجد سجن أو أغلال في يدي وقدمي، ولا أعيش في عصر الإقطاع، حيث كان الحكام يستعبدون العمال والفلاحين بإجبارهم على العمل مقابل سد رمقهم مما جعلهم يفقدون حريتهم ويعيشون في عبودية شبه كاملة”.
نقول: إن أعداء الله، عندما فهموا كيف يمكنهم جعل الناس عبيدًا لهم، لم يقتصروا على الطرق التقليدية التي تضع الناس في قيود جسدية حقيقية كالعبودية الجسدية (السلاسل والعمل القسري تحت سلطة شخص آخر)، بل ابتكروا طرقًا جديدة جعلوا الناس فيها عبيدًا لأشياء أخرى، ولكن بطريقة غير مباشرة ومن أبرز أنواع العبودية التي أحدثوها:
1. عبودية المال: يصبح الإنسان عبداً للمال عندما يجعل المال هدف حياته، فيسعى وراءه بأي وسيلة، ويضحي بأخلاقه ودينه من أجل جمع المال أو الحصول على الثروة. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «لا يسترقنّك الطمع وقد جعلك الله حراً …».[23]
هذا يعني أن الطمع في المال يمكن أن يسلب الإنسان حريته ويجعله عبداً لثروات غيره.
2. عبودية الشهوات: الشهوات هي الغرائز الطبيعية التي فطر الله الناس عليها، مثل شهوة الطعام، الشراب، الجنس، الجمال، والرفاهية. هذه الشهوات ليست مذمومة في حد ذاتها، بل تصبح كذلك عندما تُعطى الأولوية على حساب الدين والأخلاق. وهنا يكمن الخطر، روي عن الإمام علي عليه السلام: “الشهوات سموم قاتلات”[24]، كأن يأكل ويشرب الحرام، ويعقد علاقات غير شرعية، أو يتعاطى المخدرات والمسكرات أو يصبح أسيرًا للألعاب الإلكترونية، ومنها: أن تستلم المرأة لشهوة التزين والتجمل على حساب الأخلاق والدين، فتميل إلى ارتداء الملابس الضيقة أو تضع مساحيق التجميل من أجل لفت أنظار الرجال الأجانب لمفاتنها.
3. عبودية الهوى: الهوى هو رغبة النفس في إشباع شهواتها، التي قد تدفعها لتجاوز حدود الدين، مما يؤدي إلى تصرفات غير عقلانية أو محرمة، مشابهة لتصرفات الحيوانات التي تتبع غرائزها دون وعي. قال تعالى: [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ].[25]
إنّ نتيجة اتباع الهوى يذكرها لنا الإمام علي عليه السلام بقوله: “من اتبع هواه أعماه، وأصمه، وأذله، وأضله”[26]، أي لا يبالي بأوامر الله، كمن يسمع الأغاني ويسوّف في أداء العبادات، مثل: تأجيل الصلاة عن وقتها بسبب الكسل أو الانشغال بالأمور الدنيوية.
وهناك عبودية الشهرة، وعبودية الأشخاص، وعبودية التقليد الأعمى، وعبودية الأنظمة الظالمة التي سنشير إليها في الأبحاث القادمة.
ويمكن اختصار كل أنواع العبوديات التي ذكرناها بعبودية الدنيا التي أشار إليها الإمام الحسين بن علي عليه السلام حينما قال: “النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُون”.[27]
هذه العبودية تقود الفرد إلى الغفلة عن الآخرة، وتجعل قلبه مشغولًا بما يفنى، دون إدراك لما ينفعه في الدنيا والآخرة.
قد يقول المعترض: أنا لا أريد أن أكون عبداً لله ولا لغيره!!
نقول له: أنت تكذب على نفسك، لأنك أمام خيارين: إما عبودية الله، وإما عبودية غيره. إذا أردت أن ترفض عبودية الله، فيمكنك فعل ذلك شرط أن تكون قويًا ومستغنيًا في نفسك، لا تحتاج إلى العون أو الرزق من أحد، حتى من الله تعالى!
رُوِيَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ عليه السَّلام جَاءَهُ رَجُلٌ وَقَالَ أَنَا رَجُلٌ عَاصٍ وَلَا أَصْبِرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَعِظْنِي بِمَوْعِظَةٍ؟!
فَقَالَ عليه السَّلام: “افْعَلْ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ!
فَأَوَّلُ ذَلِكَ: لَا تَأْكُلْ رِزْقَ اللَّهِ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ!
وَالثَّانِي: اخْرُجْ مِنْ وَلَايَةِ اللَّهِ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ!
وَالثَّالِثُ: اطْلُبْ مَوْضِعاً لَا يَرَاكَ اللَّهُ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ!
وَالرَّابِعُ: إِذَا جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَكَ فَادْفَعْهُ عَنْ نَفْسِكَ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ!
وَالْخَامِسُ: إِذَا أَدْخَلَكَ مَالِكٌ فِي النَّارِ فَلَا تَدْخُلْ فِي النَّارِ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ!”.[28]
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الحِجَابُ وَالحُرِّيَّةُ
تعدُّ الشبهة التي تروج بأن الحجاب يتعارض مع الحرية والاختيار من أبرز الشبهات التي يثيرها المعارضون للحجاب. وقد تم طرح هذه الفكرة في مؤلفات مثل كتاب “مساجين العباءة” للكاتبة الإيرانية “شهرهمستشار”، حيث تسعى لإظهار الحجاب في مواجهة مباشرة مع مفهومي الحرية والاختيار. وتتبنى بعض الحركات النسوية هذا المفهوم، حيث تعترض على الحجاب وتعتبره قيدًا للمرأة، مستندة إلى فكرة المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في كافة المجالات.[29]
لكن هل فعلاً يتعارض الحجاب مع الحرية؟
الجواب: أقول بكل يقين إن الحجاب هو في الحقيقة الحرية نفسها، وسأوضح ذلك في النقاط الآتية:
أولاً: الجواب النقّضي: حق المرأة في اختيار ملابسها:
إذا كانت الحرية تعني حق المرأة في اختيار ما ترتديه، فكيف يُسمح في بعض البلدان (مثل: فرنسا) منع الحجاب تحت ذريعة حرية الاختيار؟ إذا كانت الحرية تشمل حق التعبير عن الرأي والمعتقد، فيجب أن تشمل أيضاً حق اختيار الملابس سواء كانت بالارتداء أو الامتناع عن الحجاب.
ارتداء الحجاب ليس مجرد خيار شخصي، بل هو جزء من المعتقد الديني للعديد من النساء المسلمات. منعه هو اعتداء على حرية المعتقد التي يجب أن تضمنها القوانين الدولية لحقوق الإنسان. هذا الحظر لا يقتصر على إقصاء الحجاب فقط، بل هو شكل من أشكال التمييز ضد النساء المسلمات، ويقلل من حقهن في ممارسة شعائرهن الدينية بحرية.
هذا يكشف عن تناقض واضح في مفهوم الحرية المروج له وازدواجية المعايير في التطبيق.
الحرية الحقيقية هي أن يُسمح للمرأة باختيار حجابها أو عدمه بناءً على قناعاتها الشخصية، وأي تدخل في هذا الحق يُعدُّ انتهاكًا لكرامتها وحريتها.
الجواب الحلّي: ويتناول النقاط الآتية:
1.الحجاب يحرر المرأة من عبودية الهوى والشّهوات: إنّ الاستسلام للشهوات والهوى يجعل الإنسان أسيراً لرغباته، ويضعه في قبضة الشيطان. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام قال: “الشهوات مصائد الشيطان”.[30]
وروي عن الامام علي عليه السلام: “وكم من عقل أسير تحت هوى أمير”[31]، إنّ الشخص الذي يطيع شهواته ويخضع لرغباته ليس حراً، بل هو أسير وعبد لتلك الغرائز، ولن يتحرر إلا إذا ابتعد عن الهوى والشهوات، كما قال الإمام علي عليه السلام: “من ترك الشهوات كان حرّاً”[32]، إذ إن (الصبر عن الشهوة عفة)[33]، والعفة سجية الأحرار.
الشهوات التي تدفع المرأة للتبرج والسفور كثيرة ومتنوعة، منها: شهوة إظهار الجمال، وشهوة الحب والاهتمام العاطفي، وشهوة التفوق على المنافسات، وشهوة التكيف مع المجتمع أو المجموعة، وشهوة الشهرة، وشهوة المتعة الجسدية والجنسانية، وغيرها.
الشريعة الإسلامية لم تحرم هذه الشهوات، بل وضعت لها ضوابط لضمان الاعتدال وتجنب الإفراط أو الانحراف. مثال ذلك: الشريعة حثت المرأة على إظهار مفاتنها ومحاسنها بأعلى درجاتها لزوجها، فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يستحب للمرأة: “… أن تطيّب بأطيب طيبها، وتلبس أحسن ثيابها، وتزيّن بأحسن زينتها، وتعرض نفسها عليه غدوة وعشيّة…” [34]، ولم تحرّم كشف محاسنها غير المثيرة أمام المحارم والنساء، ولكنها حرّمت ذلك أمام الرجال الأجانب[35] ؛ لأن (أساس الحجاب في الإسلام هو أنّ المتعة الجنسيّة يلزم حصرها في محيط المنزل وبالزوجة الشرعيّة، وأنْ يُترك المحيط الاجتماعيّ محيط عمل وإنتاج. ومن هنا لا يُسمح للمرأة حين خروجها من الدار أنْ تُهيّئ موجبات الإثارة الجنسيّة للرجال، كما لا يُسمح للرجل أنْ يتصيّد بنظراته النساء).[36]
إنّ عدم التحكم بالشهوات، سيؤدي إلى انهيار المنظومة الأخلاقية، حيث تفيد الإحصائيات أن كل 19 دقيقة تتعرض امرأة إلى عملية اغتصاب.[37]وأن سدس الفتيات البريطانيات اللائي يُعقد عليهن للزواج هنّ من الحوامل! نتيجة لعلاقات آثمة تسبق الزواج. وفي أميركا يولد سنوياً حوالي 400 ألف طفل غير شرعي. وقد بلغ من شيوع الفحشاء في فرنسا قبل الحرب العالمية الأولى أن النساء اللواتي كن يحترفن البغاء كن يبلغن نصف مليون![38]
أيضًا، التبرج والسفور لا يقتصران على تشويه الصورة الاجتماعية، بل يؤديان إلى انحلال الأسر وتفكك الروابط العائلية، ويتسبب عنفًا ضد النساء، فضلاً عن الأمراض النفسية والجسدية، وغيرها من الآثار الوخيمة المترتبة على التبرج والسفور.
(تقول ايوت بالداجينا، وهي من النساء اللواتي اعتنقن الإسلام حديثاً:
قبل اعتناقي الإسلام كانت غايتي القصوى أن أصبح مثل اللعبة باربي[39]، وكانت أدوات التجميل والمجلّات الأجنبيّة هي مرجعي الروحيّ الوحيد، وكان همّي الوحيد هو أن أظهر في المجتمع بذلك المظهر. وعندما اعتنقت الإسلام، واخترت الالتزام بالحجاب واللّباس الإسلاميَّين، تغيّرت حياتي رأساً على عقب، ولم أخترَ الحجاب تقليداً أو لسبب شخصيّ قطّ. لقد كنت أبحث عن حقيقة الإسلام، وعندما اكتشفتها اخترت الحجاب عن قناعة، وأنا أعتبر الحجاب راية الإسلام، وهو دليل على إسلاميّ.
وتضيف: الحجاب خياري، وهو لم يقيّدني قطّ، بل على العكس من ذلك، منحني حريةً إضافيّة. وبعد اختياري الحجاب تحرّرت من النظرات الجنسيّة المزعجة كلّها، وأحسست بالأمان والهدوء من جديد، وأقنعت من حولي بألّا يحكموا على ذلك اللّباس الطاهر بتسرّع، بل عليهم أن ينظروا إلى شخصيّتي فحسب. أعتقد أنّ الحجاب يعطي المرأة هويّتها الحقيقيّة، والحجاب وحده هو الذي منحني الحرّيّة[40]).[41]
2.الحجاب يحرر المرأة من عبودية الآخرين:
النوع الثاني الذي يجب علينا أن نتحرر منه هو عبودية البشر الذين يخالفون تعاليم الإسلام، وقد بيّن الإمام علي عليه السلام هذا المعنى بقوله: “لا تكن عبدًا لغيرك وقد جعلك الله حرًا”.[42]
إنّ الإمام علي عليه السلام يبين أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان حرًا، بمعنى أن له عقلًا وإرادة وقدرة على اتخاذ القرارات بشكل مستقل، وعليه أن لا يكون تابعًا أو أسيرًا لأفكار أو أفعال الآخرين، سواء كانت تلك الأفكار مادية أو اجتماعية أو معنوية. فالخضوع للأهواء البشرية أو التقليد الأعمى للآخرين يتناقض مع الكرامة التي وهبها الله للإنسان.
وهذا الأمر ينطبق على موضوعنا، فالحجاب الشرعي الكامل يُحرر المرأة من عبودية الآخرين لأنه يمنحها القدرة على اختيار طريقة حياتها بناءً على قناعاتها بالقيم والمبادئ الحقّة المأخوذة من الله وأهل بيت النبوة عليهم السلام، وليس تبعًا لضغوط المجتمع أو توقعات الآخرين.
ومن المؤسف أنّ بعض نساء اليوم إماء لصُنّاع الموضة ومصممي الأزياء العالمية، مما يجعلهن مثل الدمى في أيديهم. كيف يحدث ذلك؟
سؤال: مَنْ الذي يحدد ما ترتديه المرأة؟ من يقرر أن ترتدي ملابس قصيرة أو طويلة، ضيقة أو شفافة، ومن يحدد الألوان والتصاميم؟ أسماء مثل جورجيو أرماني giorgio armani، وفالنتينو غارافاني valentino garavani، وتوم فورد tom ford، وكريستيان لاكروا christian lacroix، ومارك جايكوبس marc Jacobs، وغيرهم هم من يضعون هذه المعايير، مما يعني أنهم يتحكمون في قرارات النساء من بعيد.
إذن، من الذي يملك السيطرة على النساء؟ هل المرأة التي تلتزم بمتابعة الموضة والتصاميم التي يقررها هؤلاء الرجال حرة فعلاً أم أنها مقيدة باتباعهم؟ في هذا السياق، يمكننا أن نفهم من هي المرأة الحقيقية الحرة.
الإسلام يريد من المرأة أن تملك زمام أمورها وتتحكم بنفسها، بشرط أن تختار ما لا يضرها ولا يضر الآخرين. فهي حرة، أي أنّ جهاز التحكم بيدها لا بيد غيرها.
فالمؤمنة الصالحة تراها تختار الحق الذي أراده الله تعالى المتمثل بارتداء الثياب المحتشمة الشرعية عند وجود الرجال الأجانب، وحينما تكون مع محارمها تتساهل في حدود معينة كأن تخرج شعرها وزينتها أمامهم، وحينما تكون مع زوجها في مكان مغلق تفعل ما تشاء، حيث يمكنها أن تظهر مفاتنها ومحاسنها أمامه.
نعم حرية الاختيار بيد الإنسان، قال تعالى: [وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ][43]، تُظهر الآية أن الإنسان مخير في اختياراته، سواء كانت دينية أو حياتية. الله لا يجبر أحدًا على الإيمان ولا يُفرض عليه الدين بالقوة. هي دعوة للحرية في اتخاذ المواقف والاختيارات الشخصية، لكن هناك تبعات تتحملها تلك الاختيارات في الدنيا والآخرة. فتكملة الآية توضّح بعض نتائج من اختار الكفر بآيات الله، مثل: رفض آيات الحجاب وعدم الالتزام بها، حيث تقول: [فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا][44].
نفهم من ذلك أن الله سبحانه وتعالى منح المرأة حرية الاختيار بين أمرين: إما طاعته بالالتزام بالحجاب الشرعي بكامل شروطه، وإما طاعة المخلوقين في معصية الخالق، بأن تظهر مفاتنها ومحاسنها لهم، وكأنها جارية أسيرة فاقدة للكرامة والعزة.
إنّ المرأة الصالحة الواعية تعلم أنه إذا اختارت طاعة الله بإرادتها الحرة، فإنها ستكون حرة بحريتها الواعية والمتوازنة، وستنال رضا الله، وهو الهدف الأسمى في حياتها. أما إذا اختارت طاعة المخلوقين المنحرفين، فإنها تسلم جهاز التحكم بيدهم، وتفقد حريتها، لتصبح أسيرة وأمة لهم، لأنها تعلم من علوم محمد وآله عليهم السلام أن طاعة المخلوق في معصية الخالق تعني العبودية له، فقد روي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ][45] قال: “أما والله ما صاموا لهم ولا صلوا، ولكنهم أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فاتبعوهم”.[46]
وقال: في خبر آخر عنه: ولكنهم أطاعوهم في معصية الله.[47]
3. الحجاب يحرر المرأة من القلق والخوف: إن المرأة التي تلتزم بالحجاب الشرعي الكامل وتتمسك بالسلوك القويم هي امرأة ذاكرة لله في أقوالها وأفعالها، بينما المرأة المتبرجة والسافرة هي امرأة ناسية لله، وأحكامه التي تأمرها بالحجاب. ومن هنا يترتب على ذلك أنها تحرم من الطمأنينة والسكينة التي يهبها الله لمن يذكره ويطيعه. قال تعالى: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا][48]، أي ستعيش حياة مليئة بالضيق النفسي والقلق، حتى وإن توافرت لها سبل الراحة المادية، لأن الراحة الحقيقية تأتي من ذكر الله والقرب منه.
وحتى لو كانت تذكر الله بلسانها وهي متبرجة، فهي لا تُعدُّ ذاكرة لله بالمعنى الصحيح، بل هي بمنزلة المنافقة التي تتلفظ بما لا تتبعه في سلوكها. والله تعالى قد وبّخ من يفعل ذلك، فقال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ][49]، والمقت في هذه الآية يشير إلى أشد أنواع الكراهية والبغض من الله، ويُقال إن “كبر مقتًا” تعني أن هذا الفعل (القول بلا عمل) مكروه عند الله بدرجة عظيمة، لأنه يظهر نفاقًا في القول والعمل.
أما المرأة التي تتبع الحق وتكون صادقة في ذكر الله، فإنها تجد الأمان والطمأنينة النفسية، وتعيش في استقرار داخلي بدلاً من القلق والخوف، كما قال تعالى: [أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] [50].
4. الحجاب يحرر المرأة من الجمال المزيف
الحجاب لا يُقيد المرأة بل يُحررها من الجمال المزيف الذي يركز فقط على المظهر الخارجي، فهو يعينها على التمسك بجمالها الطبيعي بعيدًا عن التجميل الاصطناعي. فالمحجبة بالحجاب الشرعي تلتزم بشروطه فلا تستخدم مساحيق التجميل، ولا الرموش والأظافر الاصطناعية، ولا تُفرط في الزينة والتبرج. بذلك، فإن الحجاب يحميها من خداع الآخرين ويحررها من الضغوط الاجتماعية التي تدفعها إلى إظهار جمالها المبالغ فيه. ومن خلال الحجاب، تظهر المرأة على حقيقتها، ولا تُفاجئ شريك حياتها في المستقبل بتغييرات مصطنعة أو خداع، مما يعني أنها تحمي نفسها من المكر والنفاق.
وبغض النظر عن التزيّن الخارجي، فإن كشف المرأة لزينتها الطبيعية، كإظهار شعرها أو أجزاء من بدنها، لا يعبر عن جمالها الحقيقي. الجمال الحقيقي هو الجمال الباطني الذي يتجسد في الحياء والعفة والأخلاق الحسنة والاستقامة في السلوك. كما قال الإمام علي عليه السلام: “جمال المؤمن ورعه”[51]، وقال أيضًا: “جمال العبد الطاعة”[52]. هذا النوع من الجمال هو الجمال الدائم الذي لا يتأثر بالزمن أو الظروف.
أما الجمال الظاهري فهو جمال ثانوي وزائل، لا قيمة له إذا كان صاحبه فاقدًا للأخلاق والاستقامة. فما قيمة امرأة جميلة، غنية، ومزينة، ولكن سلوكها منحرف وأخلاقها رذيلة؟! كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “وليس للمرأة خطر، لا لصالحتهنَّ ولا لطالحتهنَّ؛ فأما صالحتهنَّ فليس خطرها -قيمتها-الذهب والفضة، هي خير من الذهب والفضة، وأما طالحتهنَّ فليس خطرها التراب، التراب خير منها”.[53]
5.الحجاب يحرر المرأة من العار: إنّ الانقياد للشهوات والهوى يؤدي إلى العار. فقد سمعنا كثيرًا عن حالات تعرضت فيها نساء للفضيحة والمهانة والعار نتيجة تنازلهن عن عفتهن وسترهن أمام الرجال الأجانب، مما أدى إلى كشف أمرهن. وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام: “كم من شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً”[54]، فهذه اللحظات من التهاون في الالتزام بالقيم الأخلاقية قد تكون لحظات قصيرة لكنها تؤدي إلى تبعات طويلة الأمد من الندم والحزن.
في المقابل، الحجاب يُحرر المرأة من العار، كما روي عن الإمام علي عليه السلام: “جمال الحر تجنب العار”[55]، فالمعنى هنا أن “الحر” الحقيقي، الذي يتحرر من عبودية غير الله ويتسم بالعفة والحياء، يمتلك جمالًا داخليًا ينبع من الالتزام بالقيم الأخلاقية والدينية التي تحفظ كرامته وشرفه. فالتزام المرأة بالحجاب يقيها من العار الذي قد ينجم عن الانفتاح أو عدم الحشمة، حيث أن كشف المرأة لجسدها أو إظهار مفاتنها يرسخ في المجتمع فكرة عدم احترامها لذاتِها وكرامتها، مما يجعلها محط أنظار الناس بشكل غير لائق، ويعرضها لمواقف محرجة مثل التحرش أو الأحاديث غير اللائقة.
وقد أشار الإمام الحسين عليه السلام إلى فداحة الوقوع في العار بقوله: “الموت أولى من ركوب العار”[56]. وهذا يعني أنه في حال كان الخيار بين الموت وارتكاب فعل مشين يُسبب العار، فإن اختيار الموت هو الأسمى والأكثر عقلانية.
6.الحجاب: درع حماية لا قيد جناية.
إن العقل السليم يدرك أن ليس كل غطاء أو حاجز يوضع على شيء ما يُعد تقييدًا للحرية. فهناك الكثير من الأمثلة اليومية التي تُظهر كيف أن الحواجز قد تكون وسيلة للحماية، لا للتقييد:
#المنزل والجدران: عندما يبني الإنسان بيته ويطوقه بالجدران والأبواب والنوافذ المحكمة، هل يفعل ذلك لأنه يحد من حريته؟ بالطبع لا. هو يبني هذا المكان ليحمي نفسه وعائلته من مخاطر الطقس، والتهديدات الخارجية، وليضمن راحة وسلامة الأفراد. إذاً، هذه الجدران ليست قيدًا للحرية، بل هي وسيلة للوقاية والحماية.
#الملابس والأحذية: يرتدي الإنسان الملابس والأحذية لحماية جسمه من البرودة أو الحرارة، وحفاظًا على صحته من الأمراض والإصابات. فهل يعد ارتداء الملابس تقييدًا للحرية؟ بالطبع لا. هو مجرد وسيلة لحماية الجسم، وتوفير الراحة والأمان.
#غلاف الهاتف المحمول: عندما نضع غلافًا للهاتف المحمول أو نستخدم كلمة مرور أو برامج حماية مثل: “أنتي فايروس”، هل هذا يعني أننا نقيّد الهاتف ونحرم أنفسنا من الاستفادة الكاملة منه؟ بالطبع لا. الحواجز هنا ليست للتقييد، بل لحماية الهاتف من السرقة والأذى، مع ضمان الاستفادة منه بأمان وسلاسة.
وكذلك الحال بالنسبة للمرأة، فهي تتكون من روح وجسد. عندما تخرج من منزلها، يجب عليها أن ترتدي الحجاب الشرعي الكامل، وهو ليس قيدًا لحرّيتها بل درع حماية لها. الحجاب يحمي جسدها من التعرض للأذى، كما أشار الله تعالى في قوله:
[يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ].[57]
وفي نفس الوقت، يحمي الحجاب روحها وقلبها وقلوب الرجال الذين ينظرون إليها من التلوث، كما قال تعالى: [وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ].[58]
إذن الحجاب هنا ليس تقييدًا للحرية، بل هو وقاية وحماية للمرأة من الاستغلال الجسدي والمعنوي، وحفاظًا على نقاء قلبها وحماية لكرامتها.
7.الحجاب يحرر المرأة من الشعور بالنقص:
لكن الحقيقة أن الحجاب الشرعي الكامل يمثل تحررًا حقيقيًا للمرأة من هذا الشعور بالنقص. فالحجاب ليس مجرد غطاء جسدي، بل هو رسالة قوية من المرأة للآخرين بأنها واثقة في نفسها وقيمتها الذاتية، ولا تسعى للتنافس مع الأخريات أو جذب انتباه الآخرين. المرأة التي ترتدي الحجاب تُظهر للعالم أن قيمتها الحقيقية تأتي من داخلها، من ارتباطها بالله وثقتها به، وليس من مظهرها الخارجي أو رضا الآخرين عنها. كما علمنا الإسلام أن ثقة الإنسان بنفسه يجب أن تكون نابعة من الثقة بالله، وليس من تقلبات آراء الناس، كما قال الإمام علي عليه السلام: “رضا الناس غاية لا تدرك، فتحر الخير بجهدك، ولا تبال بسخط من يرضيه الباطل”.[59]
هذا القول يعكس كيف أن رضا الله هو الهدف الأسمى الذي يمنح الإنسان، وخاصة المرأة، ثقة راسخة بالنفس، بعيدًا عن الحاجة إلى الزينة أو السعي وراء إعجاب الناس.
فعندما تركز المرأة على رضا الله، فإنها تتجاوز تمامًا الحاجة للتبرج أو محاولة إثارة إعجاب الآخرين، بل تكون قد توصلت إلى إدراك عميق بأن قيمتها الحقيقية تستمد من اتصالها بالله، وليس من شكلها الخارجي أو من تصورات المجتمع.
8-الحجاب يحرر المرأة من التّقليد الأعمى:
إنّ الرغبة في تقليد الآخرين أصبحت ظاهرة منتشرة في المجتمعات المعاصرة، خصوصًا بين الشباب والفتيات الذين يتأثرون بالأزياء والمظاهر التي يعرضها الإعلام. هذه الرغبة في التقليد يمكن أن تصبح شهوة اجتماعية تسعى لإرضاء الجماعة أو إثبات الانتماء لتيار أو موضة معينة.
إذا كانت المرأة في بيئة أو ثقافة تعزز التبرج والسفور، قد تشعر بالضغط للامتثال لهذه العادات كي لا تُعد “مختلفة” أو مُستَبعدة من المجتمع. ووسائل الإعلام والمجتمع بشكل عام يعززان هذه الصورة النمطية التي تروج للجمال الظاهري وتختزل قيمة الإنسان في مظهره الخارجي، بدلاً من أخلاقه أو تقواه. هذا الضغط النفسي قد يدفع النساء الضعاف في إيمانهن أو في شخصيتهن للانصياع لهذه المعايير المجتمعية الضارة، مما يجعلهن يسعين إلى التقليد الأعمى، بما في ذلك تقليد الموضات التي تعتمد على كشف الشعر، وارتداء الملابس الضيقة، ووضع مساحيق التجميل المفرطة، أو حتى اللجوء إلى عمليات التجميل.
هذا التقليد ليس مجرد اختيار شخصي، بل تقليد غير واعٍ لقيم وأذواق فاسدة، يقدم المصلحة الشخصية والشهوات الجمالية على القيم الدينية والأخلاقية، مما يؤدي إلى فقدان الحرية الحقيقية. المرأة التي تتبع هذا التقليد قد تكون قد فقدت إرادتها وصارت أسيرة للأفكار والأهواء السائدة في المجتمع، فأصبحت تتبع الآخرين وتقلدهم في سلوكهم، بينما في الحقيقة هي بذلك قد خسرت حريتها الحقيقية.
كما قال الإمام علي عليه السلام: “أَلاَ فَالْحَذَرْ الْحَذَرْ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ”.[60]
لكن المرأة التي تتمسك بحجابها الشرعي وتراعي تعليمات دينها، تُظهر تحررها من هذا التقليد الأعمى. فهي ترفض الانسياق وراء الموضات التي لا تعبر عن هويتها الحقيقية، بل تعكس قناعاتها وإيمانها العميق بأن التزامها بالشريعة هو الأسمى والأكثر قيمة.
يحكى أن راعياً جمع أغنامه داخل حظيرتها وأغلق الأبواب جيداً ليحميها من الضياع وهجوم الذئاب. وعندما جاءت الذئاب الجائعة ووجدت الأبواب محكمة الإغلاق، أدركت أنها لن تصل للأغنام. فقامت بوضع خطة لتحرير الأغنام من الحظيرة.
قررت الذئاب أن الطريقة الأمثل هي إقامة مظاهرة أمام بيت الراعي تهتف بحرية الأغنام، مدعية أن كرامتها مرتبطة بتحررها من قيود الحظيرة. تجمعت الذئاب حول الحظيرة وأخذت تهتف، مما أثار فضول الأغنام. صدقت الأغنام كلام الذئاب وبدأت تعتقد أن الراعي يقيد حريتها وظنّت أن بقاءها في الحظيرة ظلم لها. تأثرت بالأصوات وانضمت للمظاهرة، وبدأت تنطح الأبواب وجدران الحظيرة حتى انكسرت، وخرجت الأغنام إلى الصحراء.
هربت الأغنام بعيداً عن الحظيرة، بينما كانت الذئاب تراقبها بانتظار الفرصة. حاول الراعي إنقاذها بالنداء والصراخ ورمي عصاه ليعيدها، لكن دون جدوى. وعندما وجدت الذئاب الأغنام في الصحراء بلا حماية، انقضت عليها بلا رحمة، وكانت تلك الليلة مأساوية على الأغنام بينما كانت ليلة احتفال للذئاب.
وفي صباح اليوم التالي، عندما جاء الراعي ليبحث عن أغنامه، لم يجد سوى بقايا ممزقة وعظام ملطخة بالدماء. وهنا سأل الراعي: “ما سبب هلاك الأغنام؟”
الجواب: “انخداعها بشعار الحرية الزائفة، وتقليدها للآخرين”.
9. إن الحجاب ليس سجناً ولا يعيق حركة المرأة، لذا لا يتعارض مع الحرية
هناك من يعترض قائلاً: “المرأة تريد أن تنطلق، لكن الحجاب يعيق حركتها!” فنقول له: أين تكمن الإعاقة؟ هل الحجاب يغلق عيوننا أو أنفاسنا أو آذاننا أو أفواهنا؟ أم أنه يقيد أيدينا وأقدامنا؟
المرأة المحجبة، مثل غيرها، يمكنها أن تنظر وتتنفس وتتكلم وتسمع وتتحرك بحرية. الفرق الوحيد هو أنها تحجب مفاتنها وأنوثتها عن أعين الرجال الأجانب. والأهم من ذلك أن المحجبة لا ترتدي حجابها طوال اليوم، بل فقط في الأماكن التي تتطلب ذلك، أي أمام الرجال الذين ليسوا من محارمها.
وأيضاً نقول له: إنّ الحرية تشمل العديد من الجوانب، مثل: حرية المعتقد والدين، وحرية النشاط السياسي، وغيرها. هنا يُطرح السؤال: أي نوع من الحرية يسلبه الحجاب من المرأة؟
إن الحجاب لا يمنع المرأة من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية، فما الذي يعترض عليه بعضهم؟
نعم، (إذا قال أحدٌ: يجب حبس المرأة في دارها وغلق الأبواب عليها، والحيلولة دون خروجها من الدار بأيِّ وجه.. فمثل هذه المقولة تتعارض مع الحريّة الفطريّة والكرامة الإنسانيّة والحقوق الإلهيّة الّتي تتمتّع بها المرأة. وهي مقولة الحجاب الجاهليّ وليس لها في نظام الإسلام وجود.
إذا سألتَ الفقهاء: هل يحرم خروج المرأة من دارها؟ يُجيبون: لا.
وإذا سألتهم: هل يجوز للمرأة أنْ تبيع وتشتري وتتعامل تجاريّاً مع الرجال؟ يُجيبون: نعم.
وإذا سألتهم: هل يجوز اشتراك المرأة في الفعاليّات الاجتماعيّة العامّة؟
فالجواب: نعم، كما يجوز للمرأة حضور المساجد وممارسة النشاطات الدينيّة. وليس هناك من يقول إنّ مجرّد مشاركة المرأة في الأماكن الّتي يوجد فيها رجال أمرٌ حرام.
وإذا سألتَهم: هل يجوز للمرأة أنْ تتعلّم، وأنْ تُمارِس الفنّ، ومن ثمَّ ترتفع بمستوى استعداداتها الّتي منحها الله؟
الجواب: نعم.
والجواب بـ: “نعم” في كلِّ ما تقدّم مشروطٌ بأمرين فقط:
1 -أنْ تتوفّر المرأة على الحجاب، وأنْ يكون خروجها من منزلها خروجاً عفيفاً، لا تُثير الرجال.
2 -إنّ مصلحة الأُسرة تقتضي أنْ يكون خروج المرأة من دارها مصحوباً برضا الزوج وتقديره. والزوج بدوره ملزم بأنْ لا يتجاوز حدود مصالح الأُسرة).[61]
نفهم من ذلك أنّ (الحجاب ليس سجناً ولا حبساً للمرأة، ولا يرمي إلى عزلها عن الحياة وعن القيام بواجبها الاجتماعي والسياسي والتربوي… إنّما يُرادُ تأكيدُ إنسانيتها من خلال الحجاب، ليتعامل معها في المجتمع باعتبارها إنساناً، بحيث تخرج إلى خارج البيت كإنسان، وتحترم كإنسان، وتنال الوظيفة بجدراتها لا بمفاتن الأنثى لديها، ولتحظى بمكانتها من خلال عقلها وكفاءتها ودورها الفاعل لا بما تملكه من عناصر الإغراء في جسدها ولا بمفاتنها التي تبرز بها إلى الشارع أو السوق، أو تطلُّ بها من خلال شاشات التلفزة).[62]
10. الحجاب: وسيلة لتحرير المرأة من الاستغلال المادي.
الحجاب ليس عبئًا أو تقييدًا للحرية، بل هو وسيلة كريمة تساعد المرأة على التحرر من الاستغلال المادي والجمالي الذي قد يفرضه عليها المجتمع. عندما تختار المرأة ارتداء الحجاب الشرعي الكامل، فإنها تحمي نفسها من الضغوطات المادية التي قد تقع فيها النساء المتبرجات والسافرات، اللواتي ينفقن أموالهن في محاولة مستمرة لمواكبة صيحات الموضة، وشراء الثياب المكلفة والمستحضرات التجميلية، وأدوات الزينة مثل: الرموش الاصطناعية، الأظافر المزخرفة، نفخ الشفاه، والإكسسوارات، وهو ما قد يكلفهن مئات الدولارات سنويًا.
بعبارة أخرى، العديد من النساء بسبب الهوس بالجمال يجدن أنفسهن عرضة للاستغلال المادي من شركات التجميل والعناية الشخصية، بالإضافة إلى الأطباء المتخصصين في الجراحة التجميلية. (تشير الإحصائيات إلى أن متوسط الإنفاق على مستحضرات التجميل في بعض البلدان يصل إلى نحو 334 دولارًا للفرد، مما يعكس مدى تأثير ثقافة الاستهلاك المرتفعة. ويتراوح معدل نمو سوق التجميل عالميًا بين 3-4% سنويًا، لكن هذا السوق يشهد نموًا أسرع في منطقة الخليج، حيث يصل إلى 12% سنويًا، مما جذب كبرى الشركات العالمية للاستثمار فيه، بهدف تحويله إلى أكبر سوق للتجميل في العالم).[63]
بينما نجد أن الحجاب يحرر المرأة من العبء المادي والجمالي الذي يفرضه المجتمع. فبدلاً من أن تضيع وقتها ومالها في محاولات مستمرة لتغيير مظهرها الخارجي، يمكنها أن تركز على تطوير مهاراتها وكفاءاتها الشخصية. الحجاب يعيد للمرأة قيمتها الحقيقية، حيث يُمكن أن تُقيّم استنادًا إلى قدراتها المهنية، وحسن أخلاقها، وعلاقاتها الطيبة مع الآخرين، وليس بناءً على مظهرها الخارجي. بذلك، يحررها الحجاب من ضغوطات المجتمع التي تركز على الشكل والمظهر، ويجنبها الاستغلال المادي الذي قد تتعرض له في بيئات العمل أو المجتمع التي تعلي من قيمة الجمال الظاهري على حساب الكفاءة والقدرات الشخصية.
11. الحجاب قيد ظاهري ولكنه حرية فكرية وروحية:
إنّ الحجاب قد يُنظر من الخارج كقيد ظاهري، حيث يتطلب من المرأة الالتزام بشروط معينة مثل: عدم التزين أمام الرجال الأجانب، وأن يكون ثوبها ساترا للبدن وعريضا وغير شفاف وغير مزين. لكن الحقيقة أن هذا “القيد” ليس إلا وسيلة لتحرير المرأة فكريًا وروحيًا؛ لأنه تعبير عن حرية داخلية، وهي تحررها من عبودية المال، والشهوات، والهوى، ومن استعباد شهرة فارغة أو تقليد أعمى.
وأيضاً بالتحجب، تختار المرأة أن تكون حرّة في أفكارها، متحررة من ضغوط المجتمع الذي يفرض عليها معايير جمالٍ سطحية، أو من السلطات التي تحاول فرض قوانين تقيد إرادتها.
أي أنّ المرأة المحجبّة عن قناعة ستكون قوية وستتحرر حتى من تسلط القوى الظالمة التي تريد أن تفرض عليها آراءها وقوانينها المخالفة لتعاليم الشريعة، كما يفرض بعض المربين كالآباء والأمهات على بناتهم السفور والتبرج، أو تفرض بعض الحكومات على النساء قوانين تمنع ارتداء الحجاب.
ويؤسفنا حينما نسمع أن بعض الجامعات في الدول الإسلامية تمنع الطالبات من ارتداء الحجاب أو العباءة الإسلامية. إنّ هذه القوى التي تدعي أنها تدافع عن “الحرية” هي في الواقع تسلب النساء حريتهن في اختيار الطريقة التي يعبرن بها عن هويتهن وكرامتهن.
وتكليفنا الشرعي يحتم علينا الصبر وعدم الاستسلام لضغوطاتهم، أي وجب أن لا تتنازل المرأة عن عفتها وحجابها، فكما قال الرسول صلى الله عليه وآله: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”[64] حتى لو استلزم الأمر الانتقال لبلد آخر، قال تعالى: [يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ][65]؛ لأن التنازل عن الحجاب هو تنازل عن الحرية لقول الإمام علي عليه السلام: “وإنَّهُما -الحَياءَ والعِفَّةَ -لَسَجِيَّةُ الأحرارِ”.[66]
والشريعة تأمرنا بأن نبقى أحرار في السراء والضراء، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “إنَّ الحَرَّ حَرٌّ على جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، إِن نَابَتْهُ نَائِبَةٌ صَبَرَ لَهَا، وَإِن تَداكَّتْ عَلَيْهِ الصَّوَائِبُ لَمْ تَكْسِرْهُ، وَإِنْ أُسِرَّ وَقُهِرَ وَاستُبْدِلَ بِالْيُسْرِ عُسْرًا، كَمَا كَانَ يُوُسُفُ الصِّدِّيقُ الْأَمِينُ صَلَّوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ يَضُرَّ حُرِّيَّتَهُ أَنْ استُعْبِدَ وَقُهِرَ وَأُسِرَّ”.[67]
إن الإمام الصادق عليه السلام يستشهد بنبي الله يوسف عليه السلام بأنه حر، ولم تتضرر حريته رغم ما تعرض له من استعباد وقهر وأسر.
وحينما نسلط الضوء على واقعة الطف وما جرى على بنات الوحي والرسالة والإمام زين العابدين عليهم السلام سنجد أن مصيبتهم لا تقارن مع مصيبة نبي الله يوسف عليه السلام بسبب ما تعرضوا له من محن تتعلق بالسجن[68]، والسبي، وهتك حرمات الرسالة، والتعذيب النفسي، وحرمانهم من الطعام والماء، واستعراض رؤوس الشهداء أمامهم، ومعاملتهم معاملة العبيد والإماء رغم أنهم من أحفاد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو خير خلق أنبياء الله ورسله.
من أجل ذلك صح أن يعدّ صاحب الذكرى الإمام زين العابدين عليه السلام من سادة الأحرار؛ لأنه تحرر من كل أنواع العبودية عدا عبوديته لله التي بلغت أعلى الدرجات حتى لقب بزين العابدين، وفي الزيارة نسلم عليه: “السلام عليك يا ذخير المتعبدين” إلى أن نقول: أشهد أنك قد عبدت الله حق عبادته، واتقيته حق تقاته وأطعته حق طاعته، حتى أتاك اليقين.
هذا اليقين الذي بلغه الإمام عليه السلام جعل له (مهابة خاصّة في قلوب الناس، روي: أنّ هشام بن عبد الملك جاء إلى مكّة لأداء الحجّ قبل استخلافه، فأراد استلام الحجر الأسود فلم يقدر، فنصب له منبر فجلس عليه وطاف به أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل الإمام زين العابدين عليه السلام وعليه إزار ورداء، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة، بين عينيه ثفنة السجود فجعل يطوف، فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحّى الناس حتّى يستلمه هيبة له. فقال شامي: مَن هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أعرفه؛ لئلّا يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق وكان حاضراً: لكنّي أنا أعرفه، فقال الشامي: مَن هو يا أبا فراس؟ فأنشأ قصيدته المشهورة، نقتطف بعض أبياتها:
| هَذا الذي تَعرفُ البَطحاءُ وَطأتَهُ | والبَيتُ يَعرفُهُ والحِلُّ والحَرمُ | |
| هَذا ابنُ خَيرِ عِبادِ اللهِ كُلِّهِمُ | هَذا التَّقيُّ النَّقيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ | |
| هَذَا عَليٌّ رَسولُ اللهِ وَالِدُهُ | أَمْسَتْ بِنورِ هُداهُ تَهتَدِي الظُّلَمُ | |
| إذَا رأَتْهُ قُريشٌ قَالَ قَائلُها | إلى مَكارِمِ هَذا يَنتهي الكَرَمُ | |
| يُنمى إلى ذُروةِ العزِّ التي قَصُرَتْ | عَن نَيلِها عربُ الإِسلامِ والعَجَمُ | |
| يَكادُ يُمسِكُهُ عِرفانَ راحتِهِ | رُكنُ الحَطيمِ إذَا مَا جَاءَ يَستَلِمُ | |
| يُغضِي حَياءً ويُغضَى مِن مَهابتِهِ | فَمَا يُكلَّم إلَّا حِينَ يَبتَسِمُ | |
| يَنشقُّ نُورُ الدُّجَى عَن نُورِ غُرَّتِهِ | كالشَّمسِ يَنجابُ عَن إِشراقِها الظُّلمُ | |
| بِكفِّهِ خَيْزُرانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ | مِن كفِّ أروعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ | |
| مَا قالَ لا قطُّ إلَّا في تَشهُّدِهِ | لولا التَّشهُّد كانَتْ لاؤُهُ نَعَمُ | |
| هَذا ابنُ فَاطمةَ إنْ كُنتَ جَاهلَهُ | بِجَدِّهِ أنبياءُ اللهِ قَدْ خُتِمُوا [69] |
أبيات أبوذيّه في مدح الإمام زين العابدين عليه السلام[70]:
| يـعشاق الحسين الرب وعدكم | بـجنان الخلد أحسبكم وعدكم | |
| هـالليله الفرح عدكم وعدكم | الـرسول وعترته حضروا سويه | |
| ***** | ||
| عـطرنه ايفوح والعاشق شملنه | ولـطف رب السمة الليله شملنه | |
| إجـيـنـه والحفل يجمع شملنه | انـولد زين العباد وانتشر ضيه | |
| ***** | ||
| صحيت بحبك العذري وله اثواب | ومحبك لبس تاج العز وله ثواب | |
| أجـر للحضر بالحفله وله اثواب | يـعـبره اعله الصراط بلا أذيه | |
| ***** | ||
| الـفـرح ويـه المسره يا علينه | بـولادة مـن سـندنه يا علينه | |
| صـرت أعـبد الوادم يا علينه | أورثت من علي جدك هالسجيه | |
| ***** | ||
| يـمـن عودك لهيب الحرب شبله | ومـن صولاته راس الكفر شبله | |
| أبـوك الأسد ومن الأسد شبله | أورثـت مـنه الفراسه الحيدريه | |
| ***** | ||
[1] غرر الحكم: ١٣٢٢، ٤٦٧.
[2] الكافي-الكليني-ج 2 -ص 106 / 5.
[3] غرر الحكم: 5527.
[4] العفة والحياء-مركز نون للتأليف والترجمة-ص11.
[5] جامع السعادات-النراقي-ج1-ص 70.
[6] النور/60.
[7] النور/33.
[8] مستدرك الوسائل-الميرزا العاملي-ج7-ص46.
[9] صحيفة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف-جمع الشيخ جواد القيومي-ص 18.
[10] مواعظ قرآنية-مركز نون للتأليف والترجمة-ص14.
[11][11] غرر الحكم: ١٣٢٢، ٤٦٧.
[12] الغاشية/21-22.
[13] نهج السعادة-الشيخ المحمودي-ج ١ -ص ١٩٨.
[14] البقرة/187.
[15] زاد المبلغات-مياسة شبع-ج11-ج12-ج13-ج14.
[16] الأحزاب/59
[17] النور/31.
[18] الإنسان والمجتمع، دار المعارف الإسلامية الثقافية-ص144-بتصرف.
[19] إبراهيم/8.
[20] المائدة/97.
[21] الجن/16.
[22] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٨١ -ص ٦١.
[23] غرر الحكم: 10317.
[24] غرر الحكم: 876.
[25] الجاثية/23.
[26] غرر الحكم: 9168.
[27] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج44 -ص 382.
[28] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج75 -ص126.
[29] الستر والحجاب -مركز المعارف للمناهج والمتون التعليمية -ص133-بتصرف.
[30] غرر الحكم: 2121.
[31] نهج البلاغة: الحكمة 211.
[32] تحف العقول-ابن شعبة الحراني -ص89.
[33] غرر الحكم: 1927.
[34] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٥ -ص ٥٠٨.
[35] قال تعالى: [وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ] النور/31.
[36] الحجاب-مركز نون للتأليف والترجمة-ص54.
[37] صحيفة كيهان، العدد 7533.
[38] المرأة حقوق وحرية وحجاب-مركز الإمام الخميني الثقافي –ص26.
[39] باربي: اسم مخفّف من باربرا، وهو اسم البنت الصغرى لرئيس شركة أمريكيّة تصنع الدمى المعروفة باسم باربي، وهي نوع من الثقافة الأمريكيّة تهدف إلى التأثير الثقافيّ والتربويّ في الناس. انظر: باربى، پژوهش درعروسكهاى أمريكايى باربى، بالفارسية، ص43 ـ 44.
[40] بانوى مسلمان، برتو سخن، بالفارسية، خرداد 1389، ش 531، ص11.
[41] كتاب الستر والحجاب -مركز المعارف للمناهج والمتون التعليمية –ص139-140.
[42] نهج البلاغة: الكتاب ٣١.
[43] الكهف/29.
[44] الكهف/29.
[45] التوبة/31.
[46] تفسير العياشي ٢: ٨٣. نقلا عن بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٢٤ –ص246.
[47] م.ن.
[48] طه/124.
[49] الصف/2-3.
[50] الرعد/28.
[51] غرر الحكم: 4747.
[52] غرر الحكم: 4748.
[53] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٥ -ص ٣٣٢.
[54] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 11 -ص 164 / 4.
[55] غرر الحكم: 4745.
[56] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج 44 -ص192.
[57] الأحزاب/59.
[58] الأحزاب/53.
[59] شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد -ج 20 -ص 305.
[60] نهج البلاغة -الخطبة رقم 192.
[61] الحجاب-مركز المعارف للتأليف والتحقيق-ص51-52، الكتاب مختصر لبحث وضعه الشهيد المطهري تحت عنوان مسألة الحجاب.
[62] موقع الشيخ حسين الخشن/ al-khechin.com / مقالات/ فكر ديني/ ظاهرة انحسار الحجاب-بقلم الشيخ حسين الخشن.
[63] نون بوست/noonpost.com/ سياسة/ رغم تردي الحالة الاقتصادية…كم تنفق نساء العرب لتجميل أجسادهن؟ -بتصرف.
[64] وسائل الشيعة-الحر العاملي -ج ١٦ -ص ١٥٤.
[65] العنكبوت/56.
[66] غرر الحكم: ١٣٢٢، ٤٦٧.
[67] الكافي-الكليني-ج ٢ -ص89 / 6.
[68] من ناحية السجن، يقول الإمام السجاد عليه السلام: (وضعونا في مكان لا سقف فيه وكنّا نتعرض للحر الشديد في النهار والبرد في الليل وانتابنا الخوف والجوع والقلق) المصدر: تذكرة الشهداء-الملا حبيب الله الكاشاني-ص412. نقلا عن كتاب مصائب آل محمد ع-الشيخ محمد محمدي الأشتهاردي-ص462-464.
[69] روضة الواعظين-النيسابوري-ص 200. نقلاً عن موقع الشیعة/ ar.al-shia.org/ النبي وأهل بيته/ الإمام السجاد (ع)/ حياته وسيرته-نبذة مختصرة عن حياة الإمام علي زين العابدين (ع).
[70] للشاعر جابر الكاظمي
