الزَّوَاجُ المُبَكِّرُ بَيْنَ مُؤَيِّدٍ وَمُعَارِضٍ

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

عنوان المُحَاضَرَةُ: الزَّوَاجُ المُبَكِّرُ بَيْنَ مُؤَيِّدٍ وَمُعَارِضٍ

تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع

روي عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: “نَزَلَ جَبْرَئِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: إِنَّ الْأَبْكَارَ مِنَ النِّسَاءِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ، فَإِذَا أَيْنَعَ[1] الثَّمَرُ فَلَا دَوَاءَ لَهُ إِلَّا اجْتِنَاؤُهُ[2]، وَإِلَّا أَفْسَدَتْهُ الشَّمْسُ وَغَيَّرَتْهُ الرِّيحُ، وَإِنَّ الْأَبْكَارَ إِذَا أَدْرَكْنَ مَا تُدْرِكُ النِّسَاءُ، فَلَا دَوَاءَ لَهُنَّ إِلَّا الْبُعُولُ، وَإِلَّا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِنَّ الْفِتْنَةُ”.[3]

الزواج المبكر قضية تثير الكثير من الجدل في عصرنا الحالي، حيث تنقسم الآراء بشأنه بين مؤيد يرى فيه حلاً للعديد من المشكلات الاجتماعية والأخلاقية، ومعارض يعده السبب الرئيسي في فشل الحياة الزوجية.

وبعض المعارضين يتصفون بالازدواجية، حيث أن المرأة التي تزوجت في سن مبكرة وتُرزق بالأبناء في ريعان شبابها يُعاملها المعارضون أحيانًا وكأنها ضحية للظلم الاجتماعي، وتُتهم أسرتها بالتقصير لأنها سمحت لها بالزواج في هذه السن. في الوقت نفسه نجد أن نفس المجتمع الذي ينتقد هذه المرأة، يوجه اللوم إلى الفتاة التي بلغت سنًا متأخرة دون زواج، وبأنها مسؤولة عن تأخر نصيبها لأنها لم تتزوج بسن مبكر!

لكن في خضم هذا الجدل، يبقى الحكم الفاصل هو شريعة الإسلام، التي وضعت قواعد حكيمة تراعي مصلحة الفرد والمجتمع. وإننا اليوم في حاجة ماسة إلى وقفة جادة لتوضيح رأي الإسلام في الزواج المبكر، وبيان أثره الإيجابي في حماية الفرد والمجتمع، وإبراز الحكمة الإلهية التي تجعل منه نعمة عظيمة تضمن الاستقرار الأسري وتحفظ القيم الأخلاقية من الانهيار.

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الزَّوَاجُ المُبَكِّرُ فِي الإِسْلَامِ

 (الزَّوَاجُ المُبَكِّرُ) يتكون من كلمتين رئيستين:

الكلمة الأولى: الزَّوَاجُ

نعني به: ارتباط الرجل بالمرأة وفقًا لمراسيم شرعية ودينية. والزواج أمر معلوم للجميع، وقد أولته الشريعة الإسلامية اهتمامًا كبيرًا وحثت عليه بشدة.

الكلمة الثانية: المُبَكِّرُ

المبكر مشتق من “بَكَّر”، بمعنى عَجَّل أو بادر بالقيام بأمر ما في وقت مبكر.[4]

ومن ثمَّ، فإن الزواج المبكر يشير إلى زواج الشباب والفتيات في سن مبكرة، أي في أوائل أعمارهم، بمجرد أن تتحقق فيهم شروط الكفاءة والاستعداد.

السؤال الأول الذي ينبغي علينا طرحه هو:

ما هو رأي الشريعة الإسلامية في الزواج المبكر؟

الجواب:

إن الشريعة الإسلامية تؤيد الزواج المبكر باعتباره وسيلة للعفة وصون النفس من الوقوع في المحرمات، وحفظ القيم الأخلاقية. وقد شُرِّع الزواج ليكون أساسًا لبناء أسرة متماسكة ومجتمع صالح.

أما فيما يتعلق بسِنّ الزواج في الشريعة الإسلامية، (فلم تُحدد عمرًا معينًا بعدد السنوات لإتمام الزواج. وإنما يرتبط أمر الزواج المبكر بتحقق مجموعة من الأمور)[5]، التي لو توفرت سيكون الزواج مرغوباً ويترتب عليها نجاحه، وهي كالآتي:

أولاً: البلوغ والنضج الجسدي: يُشترط أن تكون الفتاة قد بلغت سن التكليف الشرعي، ولقد وردت روايات في بلوغ الفتاة، يمكن تصنيفها إلى عدة مجاميع، فمنها ما يركز على العلامة الجسدية لبلوغها، وهي العادة الشهرية، ومنها ما يعتبر السن علامة على البلوغ، وهنا تختلف هذه الروايات في سن المرأة، فبعضها يحدد البلوغ بالتاسعة، وقد أفتى بها مشهور الفقهاء، ومنهم سماحة السيد السيستاني (دام ظله) حيث قال: “علامة البلوغ في الأنثى اكمال تسع سنين هلالية”[6]، وهو يعادل ثمان سنين ميلادية وثمانية أشهر وعشرون يوماً تقريباً. ومنها ما يحدده بالثالثة عشرة[7].

وعلامة البلوغ في الذكر أحد الأمور الثلاثة:

1. نبات الشعر الخشن على العانة، ولا اعتبار بالزغب والشعر الضعيف.

2. خروج المني، سواء خرج يقظة أو نوما بجماع أو احتلام أو غيرهما.

3. اكمال خمس عشرة سنة هلالية على المشهور. [8]

وقال أيضاً: “لا يبعد كون نبات الشعر الخشن في الخد وفي الشارب علامة للبلوغ، وأما نباته في الصدر وتحت الإبط، وكذا غلظة الصوت ونحوهما فليست أمارة عليه”.[9]

ثانياً: عدم وجود مفسدة في الزواج: يقول سماحة السيد السيستاني (دام ظله): “يشترط في صحّة تزويج الأب والجدّ ونفوذه عدم المفسدة”[10].

على سبيل المثال، إذا قام الأب أو الجدّ بتزويج فتاة صغيرة من رجل فاسد الأخلاق والعقيدة، فإن هذا يُعتبر مفسدة.

ثالثاً: النضج الجسمي والنفسي: وهو أحد عوامل نجاح الحياة الزوجية، يقول سماحة السيد السيستاني (دام ظله): “يشترط في صحّة تزويج الأب والجدّ ونفوذه عدم المفسدة -بل الأحوط الأولى مراعاة المصلحة فيه –” [11]، ومن مصاديق مصلحتها قوله (دام ظله): “ليس لولي الفتاة تزوجيها إلا وفقا لمصلحتها، ولا مصلحة لها غالبا في الزواج إلا بعد بلوغها النضح الجسمي والاستعداد النفسي للممارسة الجنسية”.[12]

مثال ذلك: فتاة تبلغ من العمر 12 عامًا، ورغم بلوغها الجسدي، إلا أنها لم تصل إلى النضج الجسمي الكافي لتحمل العلاقة الجنسية دون أن تتعرض للأذى الصحي، وقد تكون غير مستعدة نفسيًا لتقبل طبيعة الممارسة الزوجية، لذا ينبغي تأجيل الزواج لحين نضجها.

رابعاً: اختيار الزوج الكفء: ينبغي اختيار الزوج القادر على تحمل مسؤوليات الزواج عقليًا وبدنيًا، بأن يكون ناضجًا وقادرًا على اتخاذ القرارات بحكمة وإدارة الأسرة، إضافة إلى تمتعه بالصحة الكافية للقيام بواجباته الزوجية. كما ينبغي أن يتحلى بالدين والأخلاق، وأن يكون قادرًا على توفير حياة كريمة، مما يحقق مصلحة الفتاة وسعادتها.

فإذا توافرت هذه الشروط، يكون الزواج مرغوبًا بغض النظر عن العمر؛ لأنه سيحقق مقاصد الزواج الشرعية، منها: تحقيق مبدأ العفة وحفظ الفتاة من الوقوع في المحرمات، لأن تحصينها أخلاقيًا يُعد خطوة أساسية لحماية المجتمع من الفساد). مثال ذلك: فتاة تبلغ من العمر 16 عامًا، نضجت جسديًا ونفسيًا، وتعيش في بيئة مليئة بالإغراءات، مثل: انتشار العلاقات غير الشرعية أو التعرض للإعلام الذي يشجع على الانحراف الأخلاقي. في هذه الحالة، يُعد تزويجها بشخص كفؤ ملتزم بدينه وأخلاقه وسيلة لحمايتها من الوقوع في الفتنة أو ارتكاب المحرمات.

ربما يتبادر إلى الأذهان تساؤل: هل يحق للبالغ العاقل -سواء كان ذكرًا أو أنثى -أن يستقل بقرار زواجه دون الحاجة إلى إذن الأب (ولي أمره)[13]؟

الجواب:

إذا كان الولد بالغاً عاقلاً رشيداً فإنه يستقل بقرار زواجه ولا ولاية لأبيه عليه ولا يشترط إذنه ورضاه. لكن الأمر يختلف بالنسبة للفتاة البالغة العاقلة الرشيد إذا كانت بكراً، حيث يرى أغلب الفقهاء استمرار ولاية الأب عليها فلا تتزوج إلا بإذنه[14]، وأما إذا كانت ثيّبا فلا ولاية عليها.

يقول سماحة السيد السيستاني (دام ظله) في كتابه منهاج الصالحين -ج3-مسألة 67:

” لا ولاية للأب ولا الجد للأب على البالغ الرشيد[15]، ولا على البالغة الرشيدة إذا كانت ثيّباً -المرأة الثيّب وهي التي دُخل بها سابقاً بزواج صحيح[16]-، وأما إذا كانت بكرا [17]فإن كانت مالكه لأمرها ومستقلة[18] في شؤون حياتها لم يكن لأبيها ولا جدها لأبيها أن يزوجها من دون رضاها على الأقوى، وهل لها أن تتزوج من دون إذن أحدهما؟ فيه إشكال فلا تترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيه. وأما إذا كانت غير مستقلة[19] في شؤون حياتها فليس لها أن تتزوج من دون إذن أبيها أو جدها لأبيها على الأظهر، وهل لأبيها أو جدها لأبيها أن يزوجها من دون رضاها؟ فيه إشكال فلا تترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيه”. [20]

إنّ هذه الولاية إنما تنطلق (من مراعاة مصلحة البنت، فلأنها بكر لا تجربة لها في الحياة الزوجية، ولكونها غير مخالطة للرجال فمعرفتها بصفاتهم وأخلاقياتهم محدودة، ولما قد يغلب عليها من الاندفاع العاطفي، لكل ذلك يخشى عليها من أن لا يكون قرارها في اختيار الزوج موضوعياً مناسباً، فتتورط في حياة زوجية لا تسعد بها، ولا يمكنها الخلاص منها بسهولة، باعتبار أن قرار الانفصال والطلاق بيد الزوج.

كما أنها لو حصل بينها وبين زوجها أي مشكل فستحتاج إلى وقوف أهلها معها، وإذا ما كان الزواج خلاف رأيهم، فستحرم من دعمهم ومساعدتهم عند اللزوم.

لهذه الحيثيات التي تصب في مصلحة البنت كان لوليها دور في قرار زواجها، وتشير إلى ذلك بعض الأحاديث، منها ما ورد في صحيحة الفضل بن عبد الملك عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا أراد أبوها أن يزوجها هو أنظر لها»[21]. أي هو أصوب نظراً لتحقيق مصلحتها، لخبرته الاجتماعية، وحرصه على مستقبل ابنته، ولموضوعيته في اتخاذ القرار دون الوقوع تحت سيطرة الأحاسيس والعواطف).[22]

المَبْحَثُ الثَّانِي: أَدِلَّةُ تَأيِيدِ الشَّرِيعَةِ لِلزَّوَاجِ المُبَكِّرِ

ربّ تساؤل يرد: ما هي الأدلة التي تثبت تأييد الشريعة الإسلامية للزواج المبكر؟

نختصر الإجابة بالأدلة الروائية، ونذكر منها الآتي:

1. روي عن الإمام الرضا عليه السلام: نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد، إن ربك يُقرئك السلام، ويقول: إن الأبكار من النساء بمنزلة الثَّمَر على الشجر، فإذا أينع[23] الثمر فلا دواء له إلا اجتناؤه[24]، وإلا أفسدته الشمس وغيّرته الريح، وإنّ الأبكار إذا أدركن ما تدرك النساء، فلا دواء لهنَّ إِلَّا البُعُول، وإلا لم يُؤمَن عليهن الفتنة؛ فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر فخطب الناس، ثم أعلمهم ما أمر الله تعالى به”.[25]

يُشبّه الحديث الشريف الفتاة البكر بالثمر على الشجر، الذي إذا نضج ووصل إلى مرحلة الإيناع يكون أفضل وقت لقطفه، وإلا فإنه قد يتعرض للتلف بسبب الشمس أو الريح. وهذا تشبيه بليغ يوضح أهمية تزويج الفتاة عند بلوغها سن النضج، بحيث تكون مستعدة لتحمل مسؤولية الحياة الزوجية. 

الحديث يشير إلى أن التأخير في تزويج الفتاة قد يؤدي إلى تعرضها لمشكلات نفسية واجتماعية، مثل الانحراف أو الإحباط، تمامًا كما يُفسد الثمر إذا تُرك دون قطف. التعجيل بالزواج، في الوقت المناسب، يُحقق لها الاستقرار النفسي والعاطفي، ويحميها من التأثيرات السلبية التي قد تنشأ من التأخير.  

تأملوا أيضاً في قوله صلى الله عليه وآله: “وإنّ الأبكار إذا أدركن ما تدرك النساء، فلا دواء لهنَّ إِلَّا البُعُول، وإلا لم يُؤمَن عليهن الفتنة”، أي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ينبّه إلى خطورة تأخير الزواج ويبيّن أهميته في حماية الفرد من الفتن، رغم أن عصره كان أقل ابتلاءً بالمغريات مقارنة بعصرنا الحالي. اليوم، ومع هيمنة التكنولوجيا وانتشار وسائل التواصل وما يصاحبها من سفور وعلاقات غير مشروعة، تصبح الحاجة إلى الزواج المبكر أشد إلحاحاً. فهو درع يحمي الشباب من الفساد ويمنحهم استقراراً نفسياً وأخلاقياً في مواجهة أمواج الفتن المتلاطمة.

2. روي عن الامام الصادق عليه السلام: “ومن سعادة المرء ان لا تطمث ابنته في بيته”.[26]

إنّ الإسلام يرغّب في المسارعة في تزويج البنت أول ما بلغت مبلغ النساء، وذلك بالطمث (العادة الشهرية).

3. عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “ما من شاب تزوّج في حداثة سنّه إلّا عجّ شيطانه: يا ويله، يا ويله! عصم منّي ثلثي دينه. فليتّق الله العبد في الثلث الباقي”.[27]

إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استخدم عبارة “حداثة سنه”، وهي إشارة إلى الشباب، مما يدل على أن الإسلام يشجع الزواج في مرحلة مبكرة من العمر، خاصة إذا كان الشاب مستعدًا لتحمل مسؤولياته.

4. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء”. [28]

الحديث يحث الشباب على الزواج لمن يمتلك القدرة المادية والجسدية (الباءة)؛ لأنه يحقق غض البصر وحفظ الفرج، مما يساعد على تجنب الفواحش. أما من لم يستطع الزواج فعليه بالصوم، لأنه يكبح الشهوات.

إنّ الرسول صلى الله عليه وآله يخاطب الشباب بقوله: “يا معشر الشباب”، والشاب في المنظور الإسلامي هو من بلغ سن البلوغ الشرعي، أي 15 سنة قمرية للذكور أو ظهور علامات البلوغ، مثل: الاحتلام، و9 سنوات قمرية للفتيات. ويُشجع الزواج بعد تحقق النضج العقلي والجسدي، وهو غالبًا في هذا العمر المبكر، مع مراعاة الاستعداد لتحمل المسؤولية الزوجية.

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: إِيجَابِيَّاتُ الزَّوَاجِ المُبَكِّرِ، وَسَلْبِيَّاتُ الزَّوَاجِ المُتَأَخِّرِ

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: إِيجَابِيَّاتُ الزَّوَاجِ المُبَكِّرِ

إيجابيّات الزواج المبكر عديدة، نذكر منها الآتي:

أ-على المستوى الصحي: ونذكر منها ما يتعلق بالأمور الآتية:

1-الإخصاب “إمكانيّة الحمل”: إنّ نسبة الخصوبة “أي الحمل خلال فترة الزواج” عند الفتيات في سنّ مبكر تفوق الفتيات في الأعمار الأخرى.

(وإنّ البحوث العلمية والدراسات العالمية، تثبت أنه لا يوجد زيادة في مضاعفات الحمل عند النساء اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 15-19 سنة، وإن المضاعفات التي تحصل عند الحوامل أقل من 15 سنة هي نسبياً قليلة، هذا ما أثبته العالم الأمريكي: “ساتين” من مستشفى “بارك لاند” في مدينة: “تكساس “Satin من .[29](“Parkland Hospital- Texas)

وقد قام مختص في أمراض النساء والولادة اسمه: “ديفيد هارتلي” في مستشفى “أبهـا” العـسكري، ببحث قارن فيه حالات حمل وولادة في سن 17-12 سنة، وهو ما يعدنه زواجاً مبكراً جداً، وحـالات حمل وولادة في سن 25-20 سنة، وهو ما يعد زواجاً عادياً، فوجد أن حالات الحمل المبكـر كانـت مشاكلها أقل من حالات الحمل العادي.[30]

2-الأورام الخبيثة: هي أقلّ عند النساء اللواتي يبدأنَ الحمل والإنجاب في السنين المبكرة. ومن المثبت طبيًّا أنّ الأمراض المزمنة تبدأ بالظهور أو تزيد استفحالاً كلّما تقدّم الإنسان عمراً، وهذه الأمراض المزمنة تزيد مخاطر الحمل والإنجاب وأحياناً تقف عائقاً للحمل والإنجاب.

3-الصحة النفسية: الزواج المبكر يسهم في تحقيق السكينة والاستقرار النفسي؛ حيث يجد الإنسان في شريكه الأمان العاطفي والمودة التي تخفف من مشاعر القلق والاكتئاب. كما أن وجود الأسرة يمنح الفرد بيئة آمنة توفر الدعم النفسي والاجتماعي، مما يحقق الطمأنينة التي أشار إليها قوله تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً].[31]

ب -على المستوى الاجتماعي: ونذكر منها الآتي:

1-تحمّل الزوجين للمسؤوليّة وعدم الاعتماد على الآخرين بدل العيش بلامبالاة وتضييع الوقت والعمر.

2-التقليل من الوقوع في الرذيلة والانحراف والشذوذ الجنسيّ[32] من جهة الفتاة، ومن جهة الشاب، فنسبة الزنى واللواط في الأرياف أقل من نسبة الزنى واللواط في المدن ولا ينكر هذا إلا مكابر لأن الأرياف تعرف الزواج المبكر، وإنما يلجأ الشباب إلى اللواط في الغالب لأن هناك موانع من الزواج المبكر مثل: غلاء المهور وغيرها.

وفترة العجز عن الزواج يعيش فيها الشاب مع الوساوس وينظر إلى إشباع الغرائز على أنها أهم مقاصده وأهدافه، ولاسيما مع الخروج مع رفقة السوء وتردي أوضاع الشباب، مما يضره في دينه وتبقى عنده رواسب هذه الفترة ولو تزوج بعدها، وبعضهم لم يستطع التغلب على مثل هذه الرواسب، والزواج المبكر يقطع عليه مثل هذه الفترة الخطيرة، ويصرف اهتماماته إلى أمور أهم في حقه، ولذلك تجد الشاب الصغير من أهل الأرياف يأتي المدينة يعمل ويتعب ويكدح ليرسل المال إلى زوجته وأولاده ووالديه في الريف، وتجد من هو أكبر سنا من شباب المدينة يقضي الساعات الطويلة أمام الإنترنت، وتجده له علاقات مع فتيات، في الوقت الذي هو عالة على والديه.

3-المحافظة على النسل. التكاثر في أفراد الأمة، فالأمة التي يتزوج شبابها مبكراً يكثر عدد أفرادها بما لا يكثر عدد أفراد غيرها من الأمم.

4-إنّ التقارب في السنّ بين الآباء والأبناء يمكّن الآباء من رعاية أبنائهم وهم أقوياء كما يستفيدون من خدمة أبنائهم لهم. يقول الدكتور كارل في كتابه “الإنسان ذلك المجهول”[33]، وهو ينتقد الحضارة المادية الغربية: (وكلما قصرت المسافة الزمنية التي تفصل بين جيلين كلما كان تأثير الكبار الأدبي على الصغار أكثر قوة، ومن ثم يجب أن تكون النساء أمهات في سن صغيرة، حتى لا تفصلهن عن أطفالهن ثغرة كبيرة لا يمكن سدها، حتى بالحب.[34]

ج-على المستوى الديني: الزواج المبكر يحمي الدين

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “أيما شاب تزوج في حداثة[35] سنه، عج[36] شيطانه: يا ويله! عَصَم[37]مني دينه”.[38]

الحديث يوضح أن الزواج يحفظ “ثلثي الدين”، مما يشير إلى دوره الكبير في حماية الإنسان من الانزلاق نحو المحرمات، لا سيما في مرحلة الشباب حيث تكون الشهوات أقوى.

الإسلام يدرك أن فترة الشباب هي الأكثر عرضة للفتن والانحرافات، والزواج المبكر يوفر وسيلة شرعية لتحقيق العفة والاستقرار النفسي والاجتماعي.

المطلب الثاني: أضرار تأخير الزواج

إنّ تقاليد المجتمع، بفرضها القيود الاقتصاديّة والاجتماعيّة، نجحت في وضع حواجز حديديّة أمام مسألة الزواج، حتى أصبح الزواج لا يتمُّ إلا في سنّ الثلاثين أو أكثر[39]. ويترتب على هذا التأخير العديد من الآثار السلبية التي تؤثر على الفرد والمجتمع، وأبرزها:

1.الوقوع في الفتن والمعاصي: تأخير الزواج يُعرض الشباب لمغريات العصر من وسائل الإعلام والتبرج، مما قد يؤدي إلى الوقوع في المحرمات مثل: العادة السرية أو العلاقات غير المشروعة. الإسلام حثّ على حفظ الفرج وتحصين النفس بالزواج المبكر.

2. إهدار الطاقات النفسية والجسدية: الشاب والشابة في سنوات الشباب يمتلكان حيوية وطاقات تحتاج إلى توجيه سليم، وتأخير الزواج يُهدر هذه الطاقات في أنشطة غير مفيدة مثل: العلاقات السطحية والمغامرات العاطفية.

3. العنوسة: تأخير الزواج خاصة عند النساء يؤدي إلى خسارة سنوات الشباب والنضارة، مع صعوبة الحصول على شريك حياة مناسب لاحقًا.

4. الانحرافات الجنسية والجرائم: التأخير في الزواج له ارتباط بزيادة نسب الجرائم والفوضى نتيجة لارتفاع معدلات الكبت النفسي والاجتماعي، وهو ما يدفع البعض إلى سلوكيات منحرفة للتعبير عن حاجاتهم المكبوتة كالاغتصاب والقتل، وهذا ما أشارت إليه بعض الدراسات الاجتماعية بأن تحقيق الاستقرار الأسري يساعد في تقليل السلوكيات الإجرامية والانحراف.

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: لِمَاذَا الحَرْبُ عَلَى الزَّوَاجِ المُبَكِّرِ؟

ابتداءً ينبغي أن نعرف: إن صاحب الباطل إذا أراد أن يدعو إلى باطله، فإنه لا يصرح به؛ لأنه لن يجد قبولا بذلك، وإنما يأتي له بكلام مقبول يقبله السامع، وهذا الذي فعله إبليس لعنه الله فهو لم يقل لهم: كلوا واعصوا الله، كلوا لتخرجوا من الجنة !!، وإنما قال: [وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ][40]، وهذا الأمر ينطبق على الفاسدين المفسدين وعلى رأسهم أعداء الإسلام والإنسانية الذين حينما جاؤوا ليستعبدوا الشعوب الغنية بالبترول وخيراتها، لا يقولون: هدفنا من هذه الحروب هو البترول، وإنما يقولون: العالم مهدد بأسلحة نووية يمكن أن تطلقها الدولة الفلانية في أي وقت !!
ومن هذا الباب موضوعنا الذي نحن فيه، موضوع: (الزواج المبكر) ذلك الموضوع الذي كثفت وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية الكلام عليه. والسؤال الذي ينبغي علينا طرحه ومعرفة جوابه هو:

لماذا فراعنة هذا الزمن حريصون على رفض الزواج المبكر، وفرض منعه على كل دول العالم؟

 الجواب: إنّ هجوم أعداء الإسلام على الزواج المبكر يحمل في طياته أهدافًا خطيرة تسعى للتشكيك في الإسلام وتشويه تعاليمه. ومن هذه الأهداف:

الهدف الأول: التشكيك في مصادر التشريع الإسلامي

يدّعي أعداء الإسلام أن منع الزواج المبكر يستند إلى أسس طبية واجتماعية حديثة، ويستخدمون هذا الادعاء للطعن في الأحاديث والروايات التي تحث عليه. يسعون من خلال ذلك إلى فرض تشريعات وقوانين منحرفة تتعارض مع تعاليم الإسلام، كبديل عن الأحكام الشرعية. هذا الطعن يمهد الطريق لرفض أحكام صريحة في الشريعة، مثل: فرض الحجاب، تحريم العلاقات غير الشرعية، وشرب الخمر، تحت شعارات خادعة مثل: “التحديث” و”الحرية الشخصية”، مما يكشف محاولاتهم لتقويض التشريع الإسلامي وتشويه هويته.

الهدف الثاني: التشكيك في النبي محمد وآل النبي عليهم السلام

يسعى هؤلاء إلى الطعن في شخصية النبي وآله عليهم السلام وبعض أصحابه، بسبب زواجهم من نسوة بسن مبكر، كزواج النبي صلى الله عليه وآله من عائشة[41] وزواج الإمام علي عليه السلام بفاطمة الزهراء عليها السلام وهي بنت عمرها (9-11) عاما[42]. الهدف من هذا الانتقاد والتشكيك هو إضعاف ارتباط المسلمين بنبيهم وتعاليمه.

الهدف الثالث: تقليل أعداد المسلمين والحد من تكاثرهم

الزواج المبكر أحد أعظم أسباب تكاثر المسلمين، وهو ما يُزعج أعداء الإسلام الذين يدركون أن زيادة عدد المسلمين تعزز قوتهم. الرحالة الألماني “بول أشميد” ذكر في كتابه الإسلام قوة الغد أن خصوبة النسل لدى المسلمين من أبرز عناصر قوتهم، وإذا اجتمعت هذه القوة مع وحدة العقيدة والثروة الطبيعية، فإنها تشكل تهديدًا لأوروبا وسيادتها. على الجانب الآخر، تعمل بعض الجهات الغربية والنصرانية على تشجيع الزواج المبكر والإكثار من النسل بين أتباعها، كما ظهر في اجتماع البابا شنودة عام 1973، حيث شدد على منع تحديد النسل بين المسيحيين وتشجيع الزواج المبكر بينهم، في مقابل حملات تحديد النسل بين المسلمين. [43]

الهدف الرابع: الدعوة إلى الانحراف الأخلاقي

الزواج المبكر يحفظ الشباب والفتيات من الانحراف الأخلاقي، في حين أن تأخيره مع وجود وسائل الإثارة مثل: الفضائيات ومواقع الإنترنت يؤدي إلى انتشار الفساد. الشاب والفتاة في سن المراهقة يواجهان صراعًا مع الشهوة، خاصة مع انتشار الاختلاط في الجامعات والأسواق. ومع منع الزواج حتى سن 17 أو أكثر، يتفاقم هذا الصراع لينتج عنه انحلال أخلاقي واسع.

الهدف الخامس: تشويه الزواج الشرعي والتنفير منه

يرى هؤلاء أن الزواج المبكر يعوق المرأة عن تحقيق أهدافهم المزعومة في “تحرير المرأة”. لذا، يدعون إلى تأخير الزواج بحجج مثل: “حقوق المرأة” و”نبذ العنف”، كما دعت إلى ذلك “وثيقة بكين”. الهدف الحقيقي من هذه الدعوات هو تدمير قيم الأسرة الإسلامية وتشويه مفهوم الزواج الشرعي.[44]

المَبْحَثُ الخَامِسُ: الرَّدُّ عَلَى الشُّبُهَاتِ المُعَارِضَةِ لِلزَّوَاجِ المُبَكِّرِ

ونذكر منها الشبهات الآتية:

الشبهة الأولى: إنّ الزواج المبكر يؤدي إلى فشل الحياة الزوجية!!

الجواب:

هذا الادعاء غير دقيق، إذ إن نجاح الحياة الزوجية لا يعتمد على العمر، بل على النضج العقلي، والتفاهم، وتحمل المسؤولية، وغيرها من الأمور التي ذكرناها في المبحث الأول والتي ينبغي مراعاتها في الزواج، بما في ذلك الزواج المبكر. فقد تكون فتاة في السابعة عشرة من عمرها أكثر وعيًا وحكمة من أخرى في الثلاثين. فالنضج يُقاس بالقدرة على اتخاذ قرارات صائبة، وتحمل المسؤولية، والتفكير بعقلانية، وليس بعدد السنوات.

هناك الكثير من الزيجات المبكرة الناجحة التي بنيت على أسس صحيحة، كما أن تأخير الزواج لا يضمن النجاح دائمًا. العبرة ليست في العمر، بل في التهيئة السليمة للطرفين والتوجيه الصحيح.

أما المشكلات والصعوبات، فهي لا تقتصر على الزواج المبكر فقط، بل قد تنشأ بسبب عوامل أخرى مثل: الضغوط الاقتصادية، غياب المسؤولية المشتركة، أو الغيرة، مما يؤكد أن عمر الزواج ليس العامل الحاسم في نجاح العلاقة.

الشبهة الثانية: تُثار بعض الاعتراضات على الزواج المبكر بزعم أن الفتيات اللواتي تزوجن في سن مبكرة يشعر بعضهن بالندم لاحقًا بسبب تحملهن المسؤولية في وقت مبكر، مما حال دون استمتاعهن بمرحلة الشباب في اللهو واللعب أو تكوين علاقات عاطفية مع الرجال. ويُقال إن ذلك قد يعود إلى تسرعهن في الارتباط بشخص تحت تأثير مشاعر الحب دون تفكير عميق لصغر سنهن.

ونجيب عليه بهاتين النقطتين:

1. إن التسرع في الحب ليس مرتبطًا بزمن الزواج، وإنما بطبيعة العاطفة والتفكير غير المتأني، مما يجعل القضية تتعلق بالنضج العقلي والتوجيه السليم أكثر من ارتباطها بعمر الزواج نفسه. فالنضج العقلي ليس محددًا بعمر معين.

2.الله سبحانه وتعالى خلقنا لحكمة عظيمة وغاية سامية، حيث قال: [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ][45]، فالإنسان لم يُخلق ليقضي حياته في اللهو واللعب، بل لتحقيق عبادة الله والسعي في إعمار الأرض لينال في النهاية رضى الله وجنات فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

واللهو واللعب صفتان تُنسبان للأطفال غالبًا ، لكن عندما تصل الفتاة أو الفتى إلى مرحلة البلوغ وتُصبح المرأة ناضجة، ينبغي أن تقلّل من اللهو وتُركز على أهداف حياتها الأسمى.  ومن أعظم أهداف المرأة تكوين أسرة صالحة وتربية أبناء يُرضون الله وينفعون الأمة. أما إقامة العلاقات مع الرجال الأجانب فهي تُفضي إلى الحرام والمهانة، وكثيرًا ما سمعنا عن فتيات خدعهن رجال غير صالحين وسلبوا شرفهن وتركوا خلفهم الندم والذل. 

من أجل ذلك إذا تقدّم للمرأة البالغة رجل صالح يعزها ويكرمها ويمنحها حقوقها، ولا يترتب على زواجها مفسدة، وكانت مهيئة للقيام بوظائف الأمومة وتحمل مسؤوليات الزواج من الناحية العقلية والبدنية، فمن الحكمة أن تقبل بالزواج لتنال الخير والعفة والعزة، بدلًا من أن تستبدل ذلك بالشر والذلة والمهانة. إنّ الزواج الصالح هو مفتاح السعادة والكرامة، وهو الطريق الذي يُرضي الله ويُحقق السكينة.

الشبهة الثالثة: الإسلام يظلم الفتاة حينما يُجيز لولي أمرها تزويجها وهي قاصر قبل سن الـ 18 لما يترتب عليه من أضرار ومفاسد!!!

ونرد عليه بالنقاط الآتية:

أولاً: القاصر بين التشريع الوضعي والتشريع الإسلامي

الاعتراض على زواج الفتاة دون سن 18 يستند إلى تعريف القاصر في القوانين الوضعية، والتي تختلف معاييرها بين الدول؛ حيث تحدد بعض الدول القاصر بمن هو دون 18 عامًا، وأخرى بأقل من ذلك ليصل من هو دون 14 عامًا.

لكن في الإسلام، لا يُشرّع البشر مقابل تشريع الله تعالى، إذ الشريعة الإسلامية هي الحاكمة، وقد حددت القاصر بأنها من لم تبلغ سن البلوغ الشرعي المتمثل بإتمام تسع سنوات قمرية[46]، أي تعدّ قاصراً إذا كانت أقل من ذلك. والشريعة أجازت للأب تزويج ابنته القاصر بعقد شرعي، مع عدم جواز الدخول بها قبل بلوغها النضج الجسدي والاستعداد النفسي للممارسة الجنسية[47]. ويتوقّف صحّة عقده على الإجازة من البنت بعد بلوغها[48].

ومن المفارقات أن القوانين الوضعية والسماوية تتفق على منع الدخول على الفتاة القاصر، لكنهما يختلفان في التطبيق؛ فالشريعة الإسلامية تمنع الدخول على الفتاة القاصر من أي رجل، سواء كان زوجها أو غيره، حرصًا على مصلحتها الجسدية والنفسية. بينما بعض المعترضين من دعاة حقوق الإنسان يمنعون الزوج وحده، ويغضون الطرف عن ممارسة الفتاة للجنس خارج إطار الزواج، مما يعكس تناقضًا واضحًا في مواقفهم.

بعبارة أخرى: إذا كان زواج الفتاة في سن السابعة عشرة أو أقل يعدّ “ظلمًا” بزعمهم، فلماذا لا يعدّ ممارسة الفتاة للجنس خارج إطار الزواج في نفس العمر قبحًا أو مفسدة؟ بل إنهم يروّجون لذلك بوصفه حقًا شخصيًا وطبيعيًا. وفي دول الغرب، تنتشر العلاقات غير الشرعية قبل سن 18 بشكل كبير، حتى إن نسبة الفتيات اللواتي يصلن إلى سن 18 مع الحفاظ على عذريتهن أصبحت قليلة للغاية، وقد يُنظر إليهن بازدراء أو يُتهمن بالتخلف أو وجود عقدة نفسية.

هذا التناقض يُظهر أن الاعتراض على زواج القاصرات في المجتمعات الإسلامية ليس قائمًا على مبدأ حماية الفتاة أو مصلحتها، بل على محاولة تشويه تعاليم الإسلام وإحلال قيم ثقافية تخالف أحكام الشريعة، التي تضع مصلحة الفتاة وكرامتها فوق كل اعتبار، من خلال إطار شرعي يحفظ حقوقها ويدفع عنها المفاسد.

ثانياً: إنّ الزواج في الشريعة الإسلامية ومنه زواج القاصر يُشترط فيه تحقيق مصلحة الفتاة وأن لا يترتب عليه مفسدة وإلا يبطل العقد، وفقًا للقاعدة الفقهية: “لا ضرر ولا ضرار”، وهذا ما أكدته فتاوى مراجع الدين، ومنهم سماحة السيد السيستاني (دام ظله) في فتوى رقمها254/ي بتاريخ: 26/9/2019م ما نصه: أنه ليس لولي الفتاة تزوجيها إلا وفقا لمصلحتها، ولا مصلحة لها غالبًا في الزواج إلا بعد بلوغها النضح الجسمي والاستعداد النفسي للممارسة الجنسية، وسنوضح ذلك في المبحث القادم.

ثانياً: (ينبغي أن نعلم أن الجواز والاباحة في التشريع الاسلامي لا يعني وجوب فعل ذلك الشيء أو لزوم تطبيقه أبداً، فإن المشرّع عندما يعطي حرية الاختيار للأشخاص في قضية معينة كمسألتنا هذه على سبيل المثال: فإنه يبين أنه لا يمنعها ولا يجبر الناس عليها، وهذا معناه أنه ترك تشخيص المصلحة والتقبل وبالتالي الاقدام أو عدم الاقدام على ذلك الفعل للشخص نفسه (المكلف أو المواطن) فتكون الاستفادة من هذا القانون بالجواز تابعة للظروف الشخصية والبيئة الاجتماعية والعرف[49]، وكذلك النفس وتقبلها لذلك الفعل لاختلاف الظروف والطبقات والمراتب كما أسلفنا.

فذلك التشريع بالجواز والإباحة هو في الحقيقة معالجة لبعض المشاكل التي تمر بالإنسان ولا تحل إلا بحلول استثنائية تقدر بقدرها!

فمثلاً لو أننا تخيلنا أن فتاة صغيرة ذات السبع أو الثمان سنوات قد وجدت في بيت بائس لا أباً لها يصرف عليها ولا أخ لها يحميها ولا قدرة لها على العيش الرغيد، فهل نقول: إنها لا يجوز لها الارتباط المقدس برجل غني ينتشلها من الضياع والتشرد ويصرف عليها الكثير من المال ويوفر لها اللقمة الهنيئة السائغة الطيبة بدل الاستجداء كما هو منتشر في العالم الثالث؟!! ولا تقل توجد ملاجئ أيتام جيدة. فهذه لا تتوفر في كل مكان! ولا تقل ما ذنبها. لأن ذلك واقع ومشكلة موجودة يجب حلها. وهذا الحل لا بأس به بالقياس الى ما هي عليه أو خروجها الى الشارع أو الدعارة مثلاً.

ومن ثمَّ يجب مع ذلك الحفاظ على الفتاة من الضرر. فحرم الدخول بها حفاظاً عليها! فهذا المقدار يضمن حل المشكلة مع الحفاظ على خصوصية كونها صغيرة.

وهذه واحدة من فوائد ذلك، ولها فوائد أخرى: منها العقد على البنت الصغيرة لإيجاد سبيل الى التقارب السببي بواسطة ذلك العقد لان أم الصغيرة سوف تحرم مؤبداً على ذلك الرجل فيستطيع الدخول والخروج بحرية أكثر، ويجب عليه حينها النفقة بمجرد العقد فتتم التوسعة على تلك الصبية وأهلها أما بالمهر وأما بالإنفاق فكلاهما واجب عليه، وكذلك سوف تنتفع من الارث إذا مات.

هذا بالإضافة الى فائدة جواز قضاء الشهوة دون الدخول ولو كان ذلك نادراً أو شاذاً ولكنه يوفر الحصانة من الوقوع في الحرام والفساد.

فلا يمكن الجزم بعد ذلك كله بأن هذا الحكم مجحف ومقزز وغير منطقي! مع الاخذ بنظر الاعتبار اختلاف سن البلوغ وتباينه من فتاة لأخرى، واختلاف قابلية الإنسان وتقبله ومزاجه ونفسيته بين شخص وآخر، وحالة تقديم بعض الآباء ذلك الحل على غيره مثل: الخلاص من البؤس والضياع عن طريق ذلك التزويج وتلك العلقة الاجتماعية المقدسة والمحترمة لدى الجميع. هذا كله بشرط كون ذلك التزويج لا يضر بمصلحة الفتاة!

ومن ثمَّ فهذا النوع من الزواج يعدُّ أفضل وأكثر عقلاً ومنطقاً وملائمة للفطرة من الزواج المثلي والشذوذ الجنسي.

وبالمقابل لا يمكن الاقتصار على بعض أنواع الزواج كما هو عند إخواننا من السنة في الوقت الحاضر، فلا يجوز الزواج عندهم إلا الدائم! فإغلاق الباب غير صحيح، مثلما أن فتحه على مصراعيه غير صحيح، ولكن التقنين والتنظيم واشتراط شروط معينة لحفظ النظام والنسل مع عدم التسبب بالكبت والحرمان وغلق الابواب هو الحل الأنجع على ما يقتضيه العقل والمنطق كما نرى والله العالم).[50]

ثالثاً: بإمكان الحاكم الشرعي أن يمنع بعض الأمور المحللة، مثال ذلك: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة[51]، أي أن هذا التحريم كان تحريم حكومي أي قرار حكومي من أجل مصلحة معينة في ظرف معين ومدة محددة.

 وأيضا هذه الصلاحية موجودة عند الائمة عليهم السلام من بعد الرسول صلى الله عليه وآله. فالإمام إذا وجد مفسدة تترتب على تطبيق أمر محلل في حالة معينة يمنعه. وكذلك الحال مع الحاكم الشرعي من علمائنا الأبرار كفتوى المرجع الديني السيد محمد حسن الشيرازي (قدس سره) الذي أمر بتحريم التنباك كالآتي: ” استعمال التنباك والتتن حرام بأي نحو كان، ومن استعمله كمن حارب الإمام عجل الله فرجه. وذلك ردًا على الاتفاقية التي منحت احتكار تجارة التنباك لشركة بريطانية، معتبرًا استخدامها تحديًا لسيادة المسلمين ومصالحهم.

بالمقابل يجوز للحاكم الشرعي تحريم الزواج من القاصر إذا ترتب عليه مفسدة.

لذا نعترض على الصورة التي ينقلها المعارضون للناس بان الإسلام يجيز الزواج من الصغيرة وهذا يعني انه يدعو الى الإباحية… بل هناك ضوابط في هذا التشريع. فالترخيص مقيد بعدم ترتب المفسدة والا يحرم…بل يمكن لولي البنت أن يمنع هذا الزواج حتى لو لم تترتب عليه أي مفسدة.


الشبهة الرابعة: أن الزواج المبكر يؤدي إلى حرمان المرأة من التعليم!!

ونرد عليه بالنقاط الآتية:

1. إن القول بأن الزواج المبكر يؤدي بالضرورة إلى الحرمان من التعليم ليس قاعدة عامة أو حتمية، بل يعتمد الأمر على الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المحيطة بالفرد. هناك العديد من الحالات التي تمكنت فيها الفتيات والشباب المتزوجون من مواصلة تعليمهم والتفوق فيه، خاصة في بيئات تدعم التعليم وتعتبره حقًا أساسيًا للجميع.

2. إن الإسلام دين يحث على طلب العلم للجميع، رجالًا ونساءً، في جميع مراحل الحياة، بغض النظر عن الحالة الاجتماعية. وقد أثبتت سير الصحابيات والنساء المسلمات عبر التاريخ أن الزواج لم يكن حاجزًا أمام السعي وراء العلم. بل إن الإسلام يعد العلم ركنًا أساسيًا في بناء الأسرة الصالحة، ووسيلة لتحقيق التنمية الفردية والمجتمعية.

3. تنبع هذه الشبهة من اعتقاد خاطئ بأن الهدف الأساسي للمرأة في الحياة هو التفوق الدراسي والحصول على الشهادات العليا والوظيفة ذات الراتب الشهري العالي، بينما يعتبرون الزواج والإنجاب وتربية الأولاد أمورًا ثانوية. في الإسلام، الوظيفة الأساسية للمرأة هي بناء الأسرة وتربية الأجيال، وهو دور محوري في تحقيق استقرار المجتمع ونهضته. ومع ذلك، الإسلام لا يمنع المرأة من طلب العلم أو العمل. فإذا أمكنها الموازنة بين مسؤولياتها الأسرية وأهدافها التعليمية والمهنية، فبها ونعمت، وإلا فالعاقل يقدم الأهم على المهم.

4. إنّ النتيجة المترتبة على رفض العديد من النساء الزواج من رجال كفوئين من أجل إكمال الدراسة والحصول على شهادات عليا، هي الندم لاحقًا؛ لأن العمر يمضي، ونضارة المرأة وإشراقتها تتلاشى مع الوقت، وقد يعزف عنها من رفضته سابقًا، وفي بعض الحالات، تضطر النسوة للقبول برجال بمواصفات أقل مما كن يطمحن إليه، أو تعرضن للاستغلال بسبب حاجتهن للزواج في سن متأخرة. وصدق الإمام علي عليه السلام حينما قال: “انتهزوا فرص الخير، فإنها تمر مر السحاب” [52]، وهنا يبرز أهمية الموازنة بين الأولويات، حيث إن الزواج من زوج كفء فرصة قد لا تتكرر، بينما يمكن الجمع بين إكمال التعليم وتحقيق الاستقرار الأسري في كثير من الأحيان.

5. المتزوجة تكون مشبعة عاطفيًا بفضل تحصينها بالزواج، مما يعزز استقرارها النفسي ويزيد من تركيزها في الدراسة والتعلم.

الشبهة الخامسة: يدّعي بعضهم أنّ للزواج المبكر مخاطر متعدّدة على الفتاة من النواحي الصحيّة والاجتماعيّة والنفسيّة، كالادعاء بأنّ الفتاة تتعرّض إلى فقر الدم وخاصّة خلال فترة الحمل. وقد تزداد نسبة الوفيّات بين الأمّهات الصغيرات لقلّة الدراية والوعي بالتربية والتغذية!!

أأنتم أعلم أم الله؟!

هو جواب مختصر مفاده أنّ الله تعالى هو الّذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه وما يفسده ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾[53]، فعلينا أن نقرّ بجهلنا وقصورنا أوّل، وبشيء من التوعية والانتباه والمسؤوليّة يمكن تجنّب كلّ ما تقدّم.

إنّ البحوث العلميّة والدراسات العالميّة تثبت أنّه لا يوجد زيادة في مضاعفات الحمل عند النساء اللاتي تتراوح أعمارهنّ ما بين 15-19 سنّة.

أمّا ادعاء سوء التغذية فهو بحاجة إلى زيادة وعي من البيت والأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام ودور الرعاية الصحيّة.

كما إنّ أولياء الأمور يستطيعون تقدير أمور الزواج المتعلّقة ببناتهم فإذا وجد في ابنته القدرة على ذلك زوّجها، وإذا لم يجد فيها القدرة على ذلك لم يزوّجها. فحرص الإسلام الحنيف على التعجيل بالزواج وتسهيل إجراءاته ضماناً للعفاف لا يتعارض مع التريّث والتمهّل في أخذ قرار الزواج.[54]

المَبْحَثُ السَّادِسُ: مُعَالَجَةُ تَحَدِّيَاتِ الزَّوَاجِ المُبَكِّرِ

كل مشروع يُقدم عليه الإنسان في الحياة لا يخلو من التحديات، والزواج، بما في ذلك الزواج المبكر، ليس استثناءً. ومن أبرز التحديات التي قد تواجه الزواج المبكر هما:

التحدّي الأول: ضعف التآلف والانسجام بين الزوجين

هذا الضعف بسبب نقص النضج أو قلة التجربة، وهو ما أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام عندما قال له رجل: إنّا نزوج صبياننا وهم صغار، فأجابه عليه السلام: “إذا تزوجوا وهم صغار لم يكادوا يتألَّفوا”.[55]

أي أن الزواج في سن مبكرة قد يؤدي إلى صعوبة في التكيف والتأقلم مع الحياة الزوجية.

وحينما نسلط الضوء على المشاكل الزوجية في الفترة الأخيرة نجد أن هذه المشكلة ليست مقتصرة على الزواج المبكر فحسب، بل قد تواجه حتى من يتزوجون في العشرينات أو الثلاثينات وما بعدها، حيث يمكن أن ينشأ ضعف التآلف نتيجة غياب التفاهم أو نقص الاستعداد النفسي والعقلي. لذلك، فإن التهيئة السليمة للطرفين قبل الزواج تُعدّ أساسية لضمان نجاح العلاقة الزوجية بغض النظر عن العمر.

ولمعالجة مسألة صعوبة التآلف والتكيف، يمكن تقديم حلول واقعية ومهمة لضمان أن يكون الزواج تجربة ناجحة ومستقرة. إليك بعض الحلول:

1. التهيئة النفسية والاجتماعية:

– التثقيف قبل الزواج: تقديم برامج تدريبية ودورات توعية للشباب والفتيات المقبلين على الزواج لتعليمهم أساسيات الحياة الزوجية، وكيفية بناء علاقة قائمة على التفاهم والاحترام.

– التوجيه الأسري: دور الأهل أساسي في تقديم النصح والإرشاد للشباب، بما يعزز نضجهم النفسي والاجتماعي قبل الدخول في الحياة الزوجية.

– تنمية مهارات التواصل: تعليم الشباب كيفية التعامل مع التحديات والخلافات الزوجية بطريقة عقلانية بعيدًا عن التسرع.

2. مراعاة النضج الجسدي والعقلي:

– الانتظار حتى النضج الكافي: الحرص على أن يكون الزواج بعد بلوغ الفتى والفتاة النضج الجسدي والعقلي الذي يمكّنهم من تحمل المسؤولية.

– التقييم الصحي: التأكد من أن الشاب والفتاة يتمتعان بصحة جيدة وقدرة جسدية على تحمل متطلبات الزواج، بما في ذلك الإنجاب وتربية الأطفال.

3. الدعم المستمر بعد الزواج:

– الإرشاد الزوجي: توفير مرشدين أو مستشارين زوجيين لمساعدة الأزواج الشباب في التعامل مع صعوبات التأقلم خلال السنوات الأولى من الزواج.

– دعم المجتمع: بناء شبكات دعم اجتماعية تساعد الأزواج الشباب على تخطي الصعوبات، سواء من خلال برامج مجتمعية أو مبادرات عائلية.

4. اختيار التوقيت المناسب:

– التأني في قرار الزواج: عدم التسرع في تزويج الشباب قبل التأكد من جاهزيتهم لتحمل المسؤوليات النفسية والاجتماعية.

– إجراء تقييم شامل: ينبغي أن ينظر الأهل والشباب إلى الزواج كخطوة جدية تحتاج إلى تخطيط مسبق وتحليل للتحديات المتوقعة.

5. تعزيز القيم الدينية والأخلاقية:

– التربية على الالتزام والمسؤولية: توجيه الشباب منذ الصغر ليكونوا مسؤولين وقادرين على الالتزام بواجبات الزواج.

– التذكير بالمقاصد الشرعية للزواج: غرس مفهوم أن الزواج ليس مجرد ارتباط عاطفي، بل مسؤولية لبناء أسرة مستقرة تعزز القيم الأخلاقية والدينية.

التحدّي الثاني: كيفية التعامل مع حالات رفض الأهل لزواج الفتاة بحجة صغر سنها

التحدّي الثاني الذي يواجه الزواج المبكر هو رفض الأهل زواج ابنتهم من شاب بحجة صغر سنها، سواء كان الشاب كفؤًا أم غير مؤهل. التعامل مع هذه الحالات يحتاج إلى حكمة وتوازن، مع مراعاة النقاط الآتية:

أولًا: إذا كان الشاب كفؤًا:

يقول سماحة السيد السيستاني (دام ظله) في منهاج الصالحين: ينبغي أن لا يرد الخاطب إذا كان ممن يرضى خلقه ودينه، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير “[56].[57]

لذا إذا رفضه الأهل فمن الأفضل أن يعيدوا النظر في موقفهم، مع مراعاة النقاط الآتية:

1. الحفاظ على عفة الفتاة وسمعتها:

رفض الأهل قد يدفع الفتاة للتواصل مع الشاب سرًا أو التفكير في الهروب، مما يعرضها لأذى نفسي واجتماعي. القبول بزواجها من شاب صالح تحت إشراف الأهل يحفظ كرامتها ويجنبها الوقوع في المحظورات.

2. الشاب الكفؤ فرصة لا تُفوَّت:

إذا كان الشاب مؤمنًا وصالحًا، فهو فرصة قد لا تتكرر. تأخير الزواج بحجة صغر السن قد يؤدي لضياع فرصة مناسبة تضمن للفتاة حياة مستقرة مع شريك مسؤول ومراعٍ لحقوقها.

3. التروي في الإنجاب:

ينبغي للفتاة المتزوجة مبكرًا التروي في مسألة الإنجاب حتى تتأكد من استقرار حياتها الزوجية، وصلاح زوجها وقدرته على تحمل مسؤوليتها ومسؤولية الأطفال مستقبلًا.

ثانيًا: إذا كان الشاب غير مؤهل (فاسق أو مخادع):

في حال كان الشاب المتقدم غير مؤهل للزواج بسبب ضعف دينه أو أخلاقه، أو سلوكياته غير السوية، يجب أن يوضح الأهل للفتاة الأسباب الحقيقية للرفض بطريقة عقلانية ومحترمة، مع الأخذ بالنقاط الآتية:

1. التوضيح بحكمة وشفافية:

على الأهل أن يشرحوا للفتاة أسباب رفضهم بطريقة مقنعة ومنطقية، مع تقديم أمثلة على سلوكيات الشاب التي تؤكد أنه غير مناسب لتحمل المسؤولية أو الحفاظ على حقوقها. 

مثال: إذا كان الشاب معروفًا بسوء السلوك أو الفساد الأخلاقي، يمكن توضيح ذلك بالأدلة الواقعية.

2. حمايتها من الأذى:

يجب على الأهل التأكيد أن قرارهم نابع من حرصهم على مصلحتها وحمايتها من شخص قد يستغلها أو يسبب لها معاناة في المستقبل. 

مثال: توضيح أن الارتباط بشخص مخادع قد يؤدي إلى حياة مليئة بالمشكلات وعدم الأمان.

3. بيان خطورة اتخاذ قرارات متهورة:

على الفتاة أن تدرك أن الزواج بشخص غير مؤهل قد يؤدي إلى الإضرار بسمعتها وحياتها النفسية والاجتماعية. فينبغي إقناعها بأن الحب وحده لا يكفي لبناء زواج ناجح.

4. تقديم بدائل إيجابية:

يمكن للأهل طمأنة الفتاة بأن هناك فرصًا أفضل في المستقبل مع أشخاص صالحين ومؤهلين، مع التأكيد على أن الوقت كفيل بجلب الخير لها إذا صبرت.

النص سليم ولكنه يحتاج إلى تعديل بسيط لضمان الدقة والوضوح.

 الصياغة المقترحة:

طلب وساطة إذا لزم الأمر: 

في حال أصرت الفتاة على رغبتها، يمكن اللجوء إلى شخص موثوق من الأسرة أو مستشار أسري للتدخل بحكمة لإقناع الأهل بموقفها. وإذا أصر الأهل على رفض الرجل الصالح رغم كفاءته وأهليته للزواج، يمكن للفتاة طلب وساطة من شخص مؤثر وموثوق لتوضيح وجهة نظرها وإقناع الأهل بتغيير قرارهم بما يخدم مصلحتها.

المَبْحَثُ السَّابِعُ: الزَّوَاجُ المُبَكِّرُ فِي حَيَاةِ أَهْلِ البَيْتِ وَأَبْنَائِهِمْ

الزواج المبكر كان جزءًا من حياة أهل البيت عليهم السلام وأبنائهم، حيث عُرف عنهم الحرص على تزويج بناتهم عندما يبلغن مبلغ النساء ويصبحن مؤهلات للزواج. وكانت القدوة في ذلك السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، سيدة نساء العالمين، التي كان عمرها يوم زواجها على الأرجح عشر سنين [58]، لتصبح نموذجًا يُحتذى به في التعاليم الإسلامية. وقد اقتدت بها بنات الوحي والرسالة، مثل: صاحبة الذكرى السيّدة نفيسة بنت الحسن بن زيد ابن الإمام الحسن ابن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، (تزوجت وهي في الخامسة عشرة من عمرها بإسحاق المؤتمن ابن الإمام جعفر الصادق عليه السلام)[59]

وُلدت السيدة نفيسة بمكة المكرمة عام 145 هـ، وعاشت في المدينة، وكانت عابدة زاهدة معروفة بصيام النهار وقيام الليل، حتى لُقبت بـ: “نفيسة العلم” في صغرها. أدمنت الحج مشيًا، وأدت ثلاثين حجة أغلبها على الأقدام. عُرفت بعبادتها، وقالت عنها ابنة أخيها: “خدمتها أربعين سنة ولم أرها نامت بليل أو فطرت بنهار”. 

نتيجة للضغوط على العلويين، هاجرت السيدة نفيسة من المدينة المنورة إلى مصر، حيث وصلت القاهرة عام 193 ه. قصدها الناس للعلم والدعاء، وظلت تُعلم وتدعو الناس حتى وفاتها. 

يروى أن سبب وفاتها هو المرض، وحينما احتضرت عليها السلام وهي صائمة ألزموها الفطر، فقالت: “واعجباه لي منذ ثلاثين سنة أسأل الله أن القاه وأنا صائمة وأفطر الآن هذا لا يكون”، ثم قرأت سورة الأنعام فلما وصلت الى قوله تعالى: [لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ][60]، ماتت في رمضان سنة 208 هـ.

قيل: كانت قد حفرت قبرها بيدها وصارت تنزل فيه وتصلي، قرأت فيه ستة آلاف ختمة فلما ماتت اجتمع الناس من القرى والبلدان وأوقدوا الشموع تلك الليلة وسمع البكاء من كل دار بمصر وعظم الأسف والحزن عليها وصُلّي عليها في مشهد حافل لم ير مثله بحيث امتلأت الفلوات والقبعات، ثم دفنت في قبرها الذي حفرته في بيتها بدرب السباع بالمراغة.

وأراد زوجها نقلها بعد موتها الى المدينة ودفنها في البقيع فسأله أهل مصر تركها عندهم للتبرك وبذلوا له مالاً كثيراً فلم يرضَ فرأى النبي صلى الله عليه وآله فقال له: «يا إسحق لا تعارض أهل مصر في نفيسة فإن الرحمة تنزل عليهم ببركتها».[61]

فَسَلَامٌ عَلَيْكِ يَا سَيِّدَتِي وَمَوْلَاتِي يَا نَفِيسَةُ يَوْمَ وُلِدْتِ وَيَوْمَ مِتِّ وَيَوْمَ تُبْعَثِينَ حَيًّا

ماتت من البجى محد منعها ولا حد تجرا وكسّر ضلعها
ولا أحد على خدها صفعها
يا ويلي على الزهراء وامرها ابذل وهضم كظت عمرها
وفلان سكّطها وعصرها وللعشرين ما وصل عمرها
ولليوم ما نعرف قبرها

 (نصاري)

گومك يبويه ما رعوني
 
 واخلاف عينك مرموني
 
وامن البچه اعليك امنعوني
 
 او وره الباب لمن هيِّسوني
 
للحايط اوليهه اعصروني
 
 كسروا اضلوعي او سگطوني
 

او بره المدينة طلَّعوني

 (أبوذية)

لبست الحزن طول العمر يلباب
 
 ذهيل او مابگت لي افكار يلباب
 
انشدك وين محسن سگط يلباب
 
 يوم العصروا الزهره الزچيه
 

***

أفاطمُ يُسقَطُ منها الجنينُ
 
 و تُدفَعُ  عن حقّها راغمهْ
 
و تُحرَقُ بابَ فِناها الطَغامُ
 
 و تأتي على خدرها هاجمهْ
 
فتبت يدٌ كسرتْ ضِلعَها
 
 و مُدَّتْ علي وجهها لاطمه
 

[1] أينع: أدرك ونضج (اللسان).

[2] اجتناؤه، أي: تناوله وأخذه (اللسان).

[3] بحار الأنوار-المجلسي-ج 16-ص 223/22.

[4] راجع معجم “المعاني الجامع”، حيث تشير كلمة “مبكر” إلى فاعل من “بَكَّرَ”، وتعني الاستيقاظ أو القيام بشيء في وقت مبكر، أو المبادرة والتعجيل.

[5] قد جآءتكم موعظة-مركز نون للتأليف والترجمة-ص 65-بتصرف.

[6][6] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٢ -ص ٢٩٧-مسألة 1069.

[7] موقع الشيخ حسين الخشن/al-khechin.com/ مقالات/ اجتماعية/ زواج القاصرات/ بقلم الشيخ حسين الخشن-بتصرف.

[8] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٢ -ص ٢٩٧-مسألة 1069.

[9] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٢ -ص ٢٩٧-مسألة 1070.

[10] راجع: منهاج الصالحين-السيد السيستاني-ج3-مسألة 59.

[11] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٣ -ص ٢٥-مسألة 59.

[12] من فتاوى سماحة السيد السيستاني (دام ظله) رقم:254/ي بتاريخ: 26/9/2019م.

[13] ولي الأمر :هو الأب أو الجد للأب.

[14] موقع مكتب الشيخ الصفار/ saffar.org/دروس/فقه الأسرة/ أولياء عقد الزواج.

[15] المراد بالرشد هنا ما يقابل السفه في الأمور المالية، أي هو الذي ليس له حالة باعثة على حفظ ماله والاعتناء بحاله يصرفه في غير موقعه ويتلفه بغير محله، وليس معاملاته مبنية على المكايسة والتحفظ عن المغابنة، لا يبالي بالانخداع فيها، يعرفه أهل العرف والعقلاء بوجدانهم إذا وجدوه خارجا عن طورهم ومسلكهم بالنسبة إلى أمواله تحصيلا وصرفا. المصدر: منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٢ -ص ٢٩٩.

 والسفه في أمور الزواج من اختيار الزوج وكيفية الامهار ولسائر الخصوصيات. المصدر: موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/ الاستفتاءات/ البلوغ في الذكر والأنثى.

[16] المصدر: موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/ الاستفتاءات/ الثيّب

[17] المقصود بالبكر ـ من لم يدخل بها زوجها، فمن تزوجت ومات عنها زوجها أو طلقها قبل ان يدخل بها فهي بكر، وكذا من ذهبت بكارتها بغير الوطء من وثبة أو نحوها، واما ان ذهبت بالزنا أو بالوطء شبهةً فهي بمنزلة البكر على الاظهر. المصدر: موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/ الاستفتاءات/ النكاح.

[18] (المستقلة) في شؤون حياتها هي الفتاة التي تدير شؤون حياتها بنفسها، مثل: اتخاذ القرارات اليومية المهمة، ولديها حرية التصرف في أمورها الشخصية والاجتماعية، دون الاعتماد على والدها أو جدها.

مثال: فتاة تعيش بمفردها أو تدير شؤونها المهنية أو التعليمية بنفسها، وتملك حرية اتخاذ القرار.

[19] المقصود بـ (غير المستقلة) في شؤون حياتها هي: التي لا تستقل عن أبويها في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتصرف في نفسها ومالها. مثال: فتاة تعيش مع عائلتها وتعتمد عليهم مالياً وفي القرارات المتعلقة بحياتها ودراستها.

[20] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٣ -ص ٢٨.

[21] الكافي-الكافي-ج5 -ص394.

[22] موقع مكتب الشيخ الصفار/ saffar.org/ دروس/ من فقه الأسرة/ ولاية الأب ومصلحة البنت.

[23] أينع أدرك ونضج (اللسان).

[24] اجتناؤه، أي: تناوله وأخذه (اللسان).

[25] بحار الأنوار-المجلسي-ج 16-ص 223/22.

[26] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 7 -ص39 الباب 32 الحديث 1.

[27] بحار الأنوار-العلّامة المجلسي-ج103-ص 221.

[28] شرح رسالة الحقوق -الإمام زين العابدين (ع) -ص٥٢٩.

[29] الزواج المبكر في ميزان الشريعة-الشيخ الحذيفي-ص20، نقلا عن المكتبة الشاملة الحديثة-أرشيف ملتقى أهل الحديث.

[30] التبكير في الزواج والآثار المترتبة عليه-الدكتور مصطفى القضاة، نقلا عن مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية-المجل د26-العدد الأول-2010-ص 459.

[31] الروم/21.

[32] قد جآءتكم موعظة-مركز نون للتأليف والترجمة-ص 66.

[33] صفحة 215.

[34] الزواج المبكر في ميزان الشريعة-الشيخ الحذيفي-ص20، نقلا عن المكتبة الشاملة الحديثة-أرشيف ملتقى أهل الحديث.

[35] حداثة السن: كناية عن الشباب وأول العمر (تاج العروس).

[36] عج، أي: رفع صوته وصاح (اللسان)

[37] عصم، أي: منع ومسك (اللسان).

[38] كنز العمال: 16: 276/ 44441.

[39] قد جآءتكم موعظة-مركز نون للتأليف والترجمة-ص 66.

[40] الأعراف/21.

[41] تزوج النبي صلى الله عليه وآله من عائشة، وعمرها ما بين ثلاثة عشر إلى سبعة عشر سنة، بينما تدّعي مصادر أهل السنّة أنه تزوجها بعمر تسع سنين. ننصح بمراجعة مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / عائشة بنت أبي بكر/ سنها عند الزواج.

[42] تختلف الروايات في مقدار عمرها عليها ‌السلام عند الزواج بحسب الاختلاف الحاصل في تاريخ ولادتها وزواجها، فإن قلنا: إنّ ولادتها بعد المبعث بخمس سنين، يكون عمرها عند الزواج تسع سنين أو عشر أو إحدى عشرة سنة، وفق اختلاف الرواية في تزويجها بعد الهجرة بسنة أو سنتين أو ثلاث، والمشهور الأول. وقيل أيضاً: كان عمرها عند الزواج اثنتي عشرة سنة، أو ثلاث عشرة، أو أربع عشرة، ولم يروِ أصحابنا في مبلغ عمرها يوم تزويجها أكثر من ذلك. المصدر: المجالس السنية-السيد محسن الأمين-ج 5 -ص 45.

[43] الـزواج المبكر في ميزان الشريعة-الشيخ الحذيفي-ص12-13-بتصرف.

[44] م.ن.

[45] المؤمنون/ 115.

[46] المبسوط في فقه الإمامية-الطوسي-ج 2-ص 283؛ جواهر الكلام-النجفي-ج 9-ص 258.

[47] من فتاوى سماحة السيد السيستاني (دام ظله) رقم:254/ي بتاريخ: 26/9/2019م.

[48] راجع: منهاج الصالحين-السيد السيستاني-ج3-مسألة 59.

[49] ويمكن توضيح هذا المفهوم بمثال: إذا سأل شخص عالِمًا عن حكم شرب بول الإبل، فقد يُجيبه بأن ذلك جائز من الناحية الشرعية في حال الضرورة أو التداوي، ولكن هذا الجواز لا يعني أن الشريعة تُشجّع عليه أو تحث على فعله، بل هو حكم متعلق بمواقف استثنائية أو حالات خاصة.

[50] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / النكاح/ الزواج من الصغيرة.

[51] وسائل الشيعة -الحر العاملي -ج ٢١ -ص ١٢.

[52] غرر الحكم: ٢٥٠١.

[53] الملك/14.

[54] قد جآءتكم موعظة-مركز نون للتأليف والترجمة-ص67.

[55] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج20-ص104.

[56] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٥ -ص ٣٤٧.

[57] منهاج الصالحين -السيد السيستاني -ج ٣ -ص ٩-مسألة 6.

[58] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/الأسئلة والأجوبة العقائدية / فاطمة الزهراء عليها السلام/ عمرها يوم زواجها ويوم وفاتها (عليها السلام).

[59] طبقات الكرام-الآقا بزرك الطهراني -ص 253-254.

[60] الأنعام/127.

[61] موقع السيد صادق الحسيني الشيرازي/ /alshirazi.net/ المقالات/ مقال رقم65: الأول من شهر رمضان المبارك وفاة السيدة الجليلة نفيسة بنت الحسن عليهما السلام.