لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
العِنادُ: أَسْبابُهُ وَعِلاجُهُ
تأليف: مياسة شبع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾[1]
من أخطر المشكلات التي تدخل البيوت بهدوء ثم تتحول إلى مصدر توتر واحتراق داخلي: العناد.
فهو من أكثر المشكلات حضورًا في الحياة اليومية، يواجهها الإنسان في بيته قبل غيره، وتتكرر في المواقف البسيطة حتى يعتادها الناس دون أن ينتبهوا لخطورتها، ومع هذا التكرار لا تبقى هذه المشكلة محصورة في موقف أو شخص، بل تبدأ بالانتشار داخل الأسرة. فتظهر بين الزوجين، وبين الإخوة، وبين الآباء والأبناء، حتى تتحول إلى سلوك متكرر في البيت الواحد.
فالأبناء لا يكتفون بمشاهدة العناد، بل يتعلمونه ويعيدون إنتاجه في تعاملاتهم اليومية. ولهذا نجد أن كثيرًا من المستشارين، حين يستمعون إلى شكوى الوالدين من عناد أبنائهم، يستهلّون حديثهم بسؤال كاشف يكشف عمق المشكلة:
هل في البيت من يتصف بالعناد؟ فيكون الجواب غالبًا: نعم. وهنا تتجلّى حقيقة تربوية عميقة، وهي أن العناد لا ينشأ من فراغ، بل ينتقل بالمحاكاة والتقليد؛ لأن الأبناء يتأثرون بأفعال المربي أكثر من أقواله، فيتشربون سلوكه كما تتشرب الإسفنجة الماء.
ومن هنا يبدأ العلاج الصحيح: لا من توجيه الأبناء فقط، بل من إصلاح النفس أولًا؛ لأن المربي إذا لم يُعالج عناده، فلن يستطيع أن يُربي غيره على تركه. وقد حذّر أهل البيت عليهم السلام من هذا التناقض بين القول والعمل، فرُوي عن الإمام زين العابدين عليه السلام: «ألا وإن أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنة إمام، ولا يقتدي بأعماله».[2]
ومن هنا تبرز أهمية تناول موضوع العناد في هذه المحاضرة؛ إذ لا يقتصر الأمر على معالجة سلوكٍ ظاهر، بل يمتد إلى بناء النفس على أساس الحق، لينتقل الإنسان من معاندٍ لرأيه إلى متّبعٍ لما يرضي الله، ومن مصدر توترٍ في بيته إلى سببٍ للسكينة والاستقرار.
المبحث الأول: مدخل في فهم العناد
المطلب الأول: تعريف العناد وأنواعه
إنّ العناد شعبة من شعب العجب[3]. وهو حالة نفسية وسلوكية يُصِرّ فيها الإنسان على رأي أو قول أو فعل أو موقف، ويرفض التراجع عنه، سواء عبّر عن ذلك بالجدال والكلام، أم أصرّ عليه بالفعل والصمت.
ويُستعمل هذا المصطلح في العرف للدلالة على مطلق الإصرار، سواء كان على حق أو باطل.
فإن كان الإصرار على الخطأ والباطل ورفض الحق، كان عنادًا مذمومًا يُذمّ عليه، وإن كان الإصرار على الحق ورفض الباطل، كان ثباتًا محمودًا يُمدح عليه الإنسان.
وفيما يأتي بيان هذين النوعين:
أولًا: عناد مذموم، أو ما يُعبَّر عنه بالعِناد على الباطل.
وهو المعنى الذي تقصده الشريعة عند ذمّ العناد والتحذير منه، إذ العناد في حقيقته هو الإصرار على الخطأ، والتمسك بالباطل، ورفض الحق بعد ظهوره. فصاحبه لا ينقاد للدليل، ولا يستجيب للنصح، بل يقدّم رأيه وهوى نفسه على العقل والشرع، ويتمادى في موقفه مهما بُذلت له محاولات الإقناع أو الحوار.
وهذا النوع من العناد يدفع الإنسان إلى الخصومة، ويغلق عليه باب الرجوع إلى الحق، بل قد يرفض الحلول والبدائل، وحتى التنازل الجزئي، لأنه يرى في التراجع هزيمة، لا رجوعًا إلى الصواب.
ومن أمثلة العناد المذموم:
@ شخص يُنصح بترك الغش في عمله لأنه حرام، وتُبيَّن له الأدلة، ومع ذلك يُصرّ عليه بحجة أنه أدرى بمصلحته أو أن الجميع يفعل ذلك. هذا عناد مذموم؛ لأنه إصرار على الباطل بعد معرفة الحق.
@ زوجة يُبيَّن لها أن أسلوبها في الكلام يجرح زوجها ويُفسد العلاقة، وتُدرك ذلك، لكنها تستمر في نفس التصرف رفضًا للتراجع أو الاعتذار. هذا عناد مذموم؛ لأنه تمسّك بالخطأ مع وضوح أثره وضرره.
وهناك بعض الأمثال التي تضرب على المعاند على الباطل، منها: “عنزة ولو طارت”، حيث تعود قصة المثل إلى شخصين شاهدا جسمًا أسودًا من بعيد، فظن أحدهما أنه غراب، بينما أصر الآخر على أنه عنزة. عندما اقتربا، طار الغراب، فقال الأول: “ألم أقل لك إنه غراب؟” فردّ الآخر بعناد: “عنزة ولو طارت”. هذا المثل يُجسّد مفهوم العناد، أي الإصرار على الخطأ دون مبرر.
والعناد إذا اشتدّ بالإصرار على الباطل سُمّي في كلمات أهل البيت عليهم السلام بـــ: “اللَجاجة”، وهي من أخطر الصفات، وقد حذّرت الشريعة المقدسة من العناد واللجاجة تحذيرًا شديدًا، ومن ذلك ما ورد:
@ قوله تعالى:﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ﴾[4]، أي أنّه يُدعى إلى الحق فيأبى، ويزداد تمسكًا بخطئه بدافع الكِبر والغرور.
@ وقوله تعالى: [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ].[5] فاللجوج الذي يرفض الحق مع علمه به يسمى جاحدًا.
@ وقوله تعالى: [وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ][6]، تُظهر هذه الآية أن العناد قد يبلغ بالإنسان حدّ تفضيل العذاب على الاعتراف بالحق، وهذا من أشدّ مراتب اللجاجة والانحراف.
@ ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «اللجاج بذر الشر»[7]، أي أن اللجاجة هي أصل تتفرّع منه الشرور؛ لأن المُصِرّ على الباطل يفتح على نفسه أبواب الانحراف والمعاصي.
@ رُوي عن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله أنه قال: «إيّاكَ وَاللَّجاجَةَ؛ فَإِنَّ أوَّلَها جَهلٌ وآخِرَها نَدامَةٌ». [8]
فالجهل -في هذا الحديث-لا يعني مجرد نقص المعرفة، بل هو الإصرار على الباطل ورفض الاستماع إلى العقل والمنطق، حيث يتصرف الإنسان بغير حكمة، متّبعًا الهوى والعناد، مما يؤدي به إلى الندم بعد فوات الأوان.
وستتضح معالم هذا النوع من العناد وتفصيلاته في مباحث هذه المحاضرة.
ثانيًا: عناد ممدوح، أو ما يُعبَّر عنه بالعِناد على الحق.
قد يُستعمل لفظ العناد أحيانًا في معنى ممدوح، لكن هذا الاستعمال ليس على حقيقته، بل هو من باب المجاز والتوسّع في التعبير؛ لأن العناد في أصله مذموم، إذ يدلّ على الإصرار على الخطأ ورفض الحق. غير أنّه لما كان الإنسان قد يملك قوة في الإصرار والثبات، وُجِّه هذا المعنى توجيهًا صحيحًا، فصار المطلوب منه أن يصرف هذه القوة إلى التمسك بالحق لا إلى التمسك بالباطل.
وهذا المعنى نظير ما ورد في التعصّب، فإنه في أصله مذموم، لأنه انحياز أعمى إلى نصرة الباطل، لكن قد يُستعمل استعمالًا مجازيًا في معنى محمود، إذا كان لنصرة الحق، كما في قول أمير المؤمنين عليه السلام: “إن كنتم لا محالة متعصّبين فتعصّبوا لنصرة الحق وإغاثة الملهوف”.[9]
ومن أمثلة العناد الممدوح:
@ شخص يلتزم بالصلاة رغم السخرية أو الضغط الاجتماعي، ويرفض تركها لأنه يعلم أنها فريضة واجبة عليه. هذا ليس عنادًا، بل ثبات على الحق.
@ امرأة مؤمنة تتمسك بحجابها رغم السخرية أو الضغط، وترفض التخلي عنه لأنه حكم شرعي تعتقد به. هذا ليس عنادًا، بل ثبات على الحق.
وقد يبلغ هذا التمسك بالحق أعلى مراتبه، فيتحول إلى موقفٍ مصيريّ يُقدِّم فيه الإنسان أعزّ ما يملك في سبيل الله، دفاعًا عن دينه ونصرةً للحق وأهله. والتاريخ الإسلامي حافل بمثل هذه النماذج العظيمة، حيث تجلّى هذا الثبات في أبهى صوره في مواقف الإمام علي عليه السلام في مقارعة القاسطين والمارقين والناكثين، وكذلك في نهضة الإمام الحسين عليه السلام، حين ثبت هو وأهل بيته وأصحابه على الحق، ولم يتراجعوا رغم ما واجهوه من ظلم واضطهاد وحصار وتجويع، حتى بذلوا أرواحهم الطاهرة في سبيل نصرة الدين. وهذا النمط من الإصرار ليس عنادًا مذمومًا، بل هو عزة إيمانية، وثبات ممدوح، حفظ الله به الدين، وأقام به الحجة على الخلق.
وقد يُعبَّر عن هذا المعنى أحيانًا بـ”عناد الإرادة والتصميم”، وهو في حقيقته طاقة إيجابية إذا وُجِّهت في المسار الصحيح. ويظهر ذلك بوضوح في سلوك الأطفال، حين يُصرّ أحدهم على إصلاح لعبته أو إعادة تركيبها بعد تفكيكها، فيواصل المحاولة رغم الصعوبات أو منع الكبار، مدفوعًا برغبة داخلية في الإنجاز والتغلب على التحدي. وهذا ليس عنادًا مذمومًا، بل روح مثابرة وتصميم ينبغي رعايتها وتنميتها، لأنها أساس النجاح والنضج في المستقبل.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى ـ وهو الثبات على الحق وعدم التراجع عنه ـ في آيات كثيرة، منها:
@ الثبات على الحق والاستقامة: قال تعالى:﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾.[10]
@ الصبر والمصابرة والثبات: قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ﴾.[11]
@ عدم الخضوع لضغط الناس: قال تعالى:﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾.[12]
@ الثبات وعدم الضعف أمام الباطل: قال تعالى:﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾.[13]
@ التمسك بالدين وعدم التفرق: قال تعالى:﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾.[14]
@ الثبات حتى التضحية: قال تعالى:﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾.[15]
المطلب الثاني: مظاهر العناد
من خلال التأمل في سلوك المعاند، يتبيّن أنّ العناد لا يظهر على صورة واحدة، بل يتنوّع في مظاهره، وإن كانت تجتمع في حقيقته على الإصرار على الباطل ورفض الرجوع إلى الحق. وعليه، فإن أشكال العناد تنقسم إلى قسمين، وهما كالتالي:
أولًا: العناد القولي
وهو العناد الذي يظهر في كلام الإنسان وحواره، حيث يُصرّ على رأيه، ويُجادل فيه، ويرفض التراجع عنه، حتى بعد أن يُبيَّن له الحق بالدليل. ويكون هدفه غالبًا الانتصار لنفسه لا الوصول إلى الحقيقة، فيتحول النقاش عنده إلى خصومة وجدال.
ومظاهر العناد عديدة، نذكر منها:
@ رفض الاعتراف بالخطأ رغم وضوح الدليل.
@ الجدال والمكابرة.
@ تكرار نفس الكلام رغم بطلانه.
@ تغيير الموضوع للتهرب من الحق.
@ تأويل الكلام أو تحريفه للهروب من الإقرار بالحق.
@ مقاطعة الآخرين وعدم السماح بإتمام الحجة.
@ رفع الصوت أو التشدد في الأسلوب لإظهار الغلبة لا طلب الحقيقة.
ثانيًا: العناد العملي
وهو العناد الذي يظهر في سلوك الإنسان وتصرفاته، حيث يُصرّ على فعلٍ أو تركٍ معين، رغم علمه بخطئه أو تنبيهه إليه، دون أن يحتاج إلى جدال أو كلام بل يظهر عناده في استمراره بالفعل ورفضه التغيير. ومظاهره عديدة، منها:
@ التمادي في الخطأ بعد التنبيه عليه مرارًا.
@ تجاهل النصيحة دون نقاش.
@ ترك العمل بالحق رغم الاقتناع به.
@ الاستمرار في السلوك الخاطئ.
@ رفض التغيير رغم الضرر.
@ مخالفة التوجيهات عن قصد لا عن جهل.
@ الإصرار على العادات الخاطئة لمجرد الاعتياد عليها.
وقد أشارت آياتٌ عديدة إلى بعض هذه المظاهر، ومن أبرزها الآية محلّ البحث في المطلب الآتي:
المطلب الثالث: تفسير الآية
تُبيّن الآية الكريمة:﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ﴾[16]، مظهرًا رئيسًا من مظاهر العناد، وهو الإصرار على الباطل بعد النصح بدافع الكِبر والعزة الكاذبة.
فهذه الآية تُصوّر هذا المظهر بوضوح؛ إذ إن هذا الإنسان إذا نُصح وقيل له: “اتقِ الله واترك الفساد”، لم يقبل النصيحة، بل حمله ما يتوهّمه من عزة في نفسه على الإصرار على الإثم، فبدل أن يرجع إلى الحق ازداد تمسّكًا بالباطل.
ومن أمثلة ذلك:
@ رجل يُنصح بترك الغيبة أو الكذب في المجالس، فيغضب ويقول: “هذا طبعي ولن أغيّره”، فيستمر في خطئه لا لأنه يجهل الحكم، بل لأنه يأنف من الاعتراف بخطئه أمام الآخرين.
@ زوج يُبيَّن له أنه يظلم زوجته في بعض تصرفاته، فيرفض الاعتراف ويزداد قسوة، ويبرّر فعله بأنه “الرجل صاحب القرار”، فيقدّم صورته وهيبته الموهومة على العدل والحق.
@ عدوٌّ للإسلام يعمل على تشويه الدين ومحاربة قيمه، فيُنصح وتُعرض عليه الحجج، فيرفضها لا لعدم وضوحها، بل لأنه يأنف من الاعتراف بها، فتأخذه العزة بالإثم، فيتمادى في نشر الشبهات والأكاذيب ومحاربة الحق، من أجل تحقيق أهدافه في السيطرة على الناس واستعبادهم، فيُقدّم باطله على الحق رغم وضوحه.
فهذه الأمثلة تُجسّد معنى الآية بوضوح، حيث يُقدَّم الكِبر وحفظ الصورة أمام الناس على طاعة الله والرجوع إلى الحق.
والمراد بالعزة في قوله تعالى:﴿ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ﴾[17]، ليست العزة الحقيقية، لأن العزة إنما تكون لله ولرسوله وللمؤمنين، وليست لأهل المعصية والكفر كما قال تعالى: [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ][18]، بل المقصود أنه توهّم لنفسه عزة كاذبة، فحملته هذه الحالة على الإصرار على الخطأ. أي أن يرى نفسه فوق أن يُنصح، أو يأنف من التراجع، أو يظن أن الرجوع ضعف. لذا فالعزة هنا هي الأنفة والكبر وليست الكرامة أو الشرف الحقيقي. وهذا الأمر يمنعه من قبول الحق، فيأنف من الرجوع إلى الصواب ويرى التراجع نقصًا، فيصرّ على الخطأ، وهذا من أوضح أسباب العناد.
ثم بيّن الله عاقبة هذا العناد بقوله:﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾[19]، أي إن نهاية هذا العناد والإصرار والتمادي هي النار، وهو المصير الذي مهّده لنفسه بسوء أفعاله وعناده.
ثم إن الله تعالى لم يقتصر على بيان عاقبة هذا الصنف في موضع واحد، بل صرّح بمصير المعاندين في آيات أخرى منها قوله تعالى:﴿ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾[20]، وقوله:﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾[21]، وقوله:﴿ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا ﴾[22]، وهذه الآيات تبيّن أن العناد الذي يقوم على رفض الحق الإلهي بعد وضوحه وقيام الحجة عليه يجرّ صاحبه إلى الخيبة في الدنيا، وإلى العذاب في الآخرة، لأنه ليس مجرد خطأ، بل موقف قائم على المكابرة والاستكبار.
المبحث الثاني: العناد عبر المراحل العمرية
في هذا المبحث نستعرض ظاهرة العناد في مختلف المراحل العمرية، مع الإشارة في كل مرحلة إلى أبرز مظاهره، وأهم أسبابه، وطرق التعامل معه بصورة مختصرة. على أن التفصيل في تحليل الآثار، وبيان الأسباب بدقة، وطرح أساليب العلاج بشكل موسّع، سنوضحه في الأبحاث التي تلي هذا المبحث.
وأما المراحل فهي كالآتي:
المطلب الأول: العناد في مرحلة الطفولة المبكرة
تُعدّ السنوات السبع الأولى من عمر الطفل مرحلة الطفولة المبكرة، وكثيرًا من الناس يسيئون فهمها. فالطفل في بدايات عمره لا يملك النضج اللفظي الكامل ليشرح دوافعه، فيُترجم انفعاله بالصراخ أو الرفض أو البكاء أو طرح نفسه أرضًا أو الامتناع عن التنفيذ. والمصادر النفسية تشير إلى أن هذا القدر من المعارضة قد يكون طبيعيًا في مرحلة السنتين إلى ثلاث سنوات، لأنها مرحلة تمايز الذات وبداية الاستقلال.
ومن أبرز أسباب العناد هنا الرغبة في الاستقلال، وعدم فهم التعليمات، وتعدد الأوامر، والإرهاق، والجوع، والغيرة من مولود جديد، والتدليل الزائد، والقسوة الزائدة. فالطفل الصغير لا يعاند دائمًا لأنه “شرس”، بل قد يعاند لأنه لا يملك لغة أهدأ يعبّر بها.
ومن مظاهر العناد في هذه المرحلة الإصرار على لعبة معينة، رفض الطعام أو اللباس أو الاستحمام، البكاء الشديد عند المنع، التشبث بالأشياء، الصراخ أمام الناس، التعمّد في الرفض إذا شعر أن الكبار مرتبكون.
والخطأ الشائع هنا أن يدخل الوالدان مع الطفل في معركة كسر إرادة بأن يصرّ، وهما يصرّان، فيتحول الموقف كله إلى سؤال: من الغالب؟ والجواب الصحيح أن المربي ليس في مسابقة مع الطفل، بل في مهمة تربية. ولهذا كان من أنفع الأساليب: تقليل كلمة “لا” ما أمكن، إعطاء أوامر قليلة وواضحة، تحويل الانتباه عند الصغير، وعدم منحه ما يريد بسبب نوبة العناد، مع عدم إذلاله أو ضربه. كما أن الثناء على التعاون، وإشعاره بأنه محبوب، وتقديم بدائل مناسبة، وسائل نافعة جدًا في هذا السن. وهذه المعاني منسجمة مع ما تقرره الإرشادات الحديثة من أن التعزيز الإيجابي، والثبات، وبناء العلاقة، أنفع من العقاب القاسي أو الجدل الطويل.
مثال: طفلة في الرابعة أصرّت على شراء لعبة في السوق، وبدأت بالصراخ. التصرف الخاطئ أن نصرخ عليها، أو نضربها، أو نشتري اللعبة لنسكتها. أما التصرف الصحيح فهو أن تكون القاعدة من الأصل واضحة: “اليوم لن نشتري ألعابًا”، ثم إذا بدأت النوبة نثبت على الموقف، مع هدوء في الصوت، وحمل الطفلة أو إخراجها من الموقف إن لزم، دون مفاوضة طويلة داخل ذروة الانفعال. وبعد أن تهدأ، تُشرح لها القاعدة ببساطة، ويُثنى عليها في المرة التالية إذا أحسنت التصرف ولمعرفة المزيد راجع كتاب لمسات تربوية الجزء الثالث[23].
المطلب الثاني: العناد في مرحلة الطفولة المتأخرة
في هذه المرحلة يزداد وعي الطفل بنفسه وبالآخرين، ويصبح أكثر قدرة على المقارنة، وأشد حساسية للعدل، وأقوى رغبة في أن يُعامل باحترام. ولذلك قد لا يظهر العناد هنا في صورة بكاء فقط، بل في صورة مماطلة، أو تسويف، أو جدال، أو ادعاء ظلم، أو مقاومة غير مباشرة.
ومن أسباب العناد في هذه المرحلة كثرة النقد، المقارنات بين الإخوة، الإحراج أمام الناس، الظلم في توزيع المسؤوليات، عدم شرح سبب الأوامر، وحرمان الطفل من الشعور بأهميته. كما أن إحساسه بأن أحد إخوته مفضل عليه قد يدفعه إلى سلوك احتجاجي مزمن.
وفي هذه السن ينبغي أن ننتقل من مجرد الأوامر إلى التفسير والمشاركة. فبدل أن يكون الخطاب كله: “افعل، لا تفعل، أسرع، اسكت، اجلس.. إلخ”، ينبغي أن يسمع الطفل: “ما رأيك؟ كيف ننظم وقتك؟ ما الحل المناسب؟ ماذا تقترح؟” لأنه كلما شعر أن له مكانة، خفّ احتياجه إلى إثبات نفسه بالمخالفة.
ومن الأساليب النافعة هنا تكليفه بمهمات واقعية، وتعليمه النتائج المنطقية للأفعال، لا العقوبات الاعتباطية، وإشراكه في وضع بعض القواعد المنزلية، والثناء على جهده لا على شخصه فقط، حتى لا يعيش ضغط الصورة المثالية. كما يفيد جدًا في هذه المرحلة سرد القصص الهادفة، وضرب الأمثلة، وربط الطاعة بالقيم لا بالخوف وحده.
مثال: طفل في التاسعة يرفض ترتيب أغراضه كل يوم. لا نبدأ بوصفه بالفوضوي والعنيد، ولا نقارنه بإخوته. بل نقول له: “هذه مسؤوليتك، ونحن سنساعدك أن تجعلها أسهل. ما الوقت الأنسب لترتيبها؟” ثم نضع قاعدة ثابتة ونربطها بنتيجة منطقية، كأن اللعب الجديد لا يُعطى قبل ترتيب القديم. فإذا التزم، مُدح التزامه. وإذا لم يلتزم، نرفع الألعاب فعلًا دون نقاش أو انفعال، ليشعر أن النتيجة مرتبطة بسلوكه مباشرة، لا بمزاج المربي.
المطلب الثالث: العناد والتمرد في مرحلة المراهقة
هذه المرحلة تحتاج إلى فهم خاص دقيق؛ لأن المراهق لا يعود طفلًا صغيرًا، ولا هو راشد كامل. وقد قرّرت المراجع النفسية أن الميل إلى المعارضة قد يظهر طبيعيًا في هذه السن بوصفه جزءًا من البحث عن الهوية والاستقلال، لكن الخطر يبدأ حين يتحول إلى نمط دائم من الخصومة والتحدي وتعطيل الحياة.
ومن أهم أسباب العناد في المراهقة: الرغبة في الاستقلال، الحساسية الزائدة للإهانة، التناقض بين ما يُقال له وما يراه من سلوك الكبار، التضييق غير المقنع، الشعور بانعدام الثقة، الصحبة السيئة، التأثر بالمحتوى الإعلامي العنيف أو المتمرد، والفراغ العاطفي داخل الأسرة. كما أن المراهق إذا لم يجد في البيت مساحة للحوار، ذهب يلتمس الاعتراف بوجوده خارج البيت، وأحيانًا في دوائر خطرة.
ومن علامات العناد الخطير هنا الجدال الدائم، احتقار التوجيه، الانفجار السريع، تأنيب الوالدين علنًا، تحميل الجميع المسؤولية، رفض الأنظمة المعقولة لمجرد أنها صادرة من الأسرة، التحالف مع الرفاق ضد البيت، والتمادي في الخطأ بعد وضوح عاقبته.
والعلاج في هذه المرحلة لا ينجح بالعنف؛ لأن العنف يُشعل الصراع ولا يطفئه، كما لا ينجح بالترك بلا ضوابط؛ لأن المراهق يحتاج إلى حدود واضحة تضبط سلوكه. وإنما ينجح بمزيج متوازن من الاحترام والحزم، قائم على بناء علاقة قريبة قائمة على المصادقة الواعية، فيشعر المراهق أن المربي قريب منه لا خصم له. فنحترم عقله ونشركه ونسمعه ونشرح له ونفتح معه باب الحوار ونفاوضه في المساحات القابلة للتفاوض، مع الثبات في الثوابت الشرعية والأخلاقية. فالمراهق يريد أن يشعر أن له وزنًا وقيمة، لا أن يكون مجرد منفّذ أعمى.
مثال: مراهق يرفض العودة إلى البيت في الوقت المتفق عليه.
الأسلوب الخاطئ: “أنت فاشل، لن تتربى أبدًا، كل الناس أولادهم أحسن منك”.
الأسلوب الصحيح: ” ولدي اتفقنا على وقت للعودة، وأنا أحبك لأنك ابني، ومكانتك عندي محفوظة، لكن هذا التصرف لا أقبله. وتأخّرك يحتاج أن نفهمه. أخبرني ماذا حصل؟ نريد أن نعالج السبب، ثم نضع معًا طريقة واضحة حتى لا يتكرر ذلك. حريتك محفوظة، لكنها مرتبطة بالالتزام بما نتفق عليه”.
هذا التفريق بين الشخص والسلوك مهم جدًا؛ لأنك إذا جرّمت الشخص كله، دفعتَه إلى مزيد من التمرد.
المطلب الرابع: العناد في مرحلة الشباب وما بعدها
الخطأ الشائع أن الناس يربطون العناد بالأطفال والمراهقين فقط، مع أن عناد الكبار أشد خطرًا؛ لأن الصغير يمكن توجيهه سريعًا، أما الكبير فقد يلبس عناده ثوب الكرامة أو الخبرة أو “الشخصية القوية”.
وفي الحياة الزوجية يكون العناد من أخطر أسباب استنزاف المودة. فالزواج لا يقوم على الانتصار للنفس، بل على السكن والرحمة والتفاهم. فإذا تحوّل الخلاف إلى مباراة: من يتراجع أولًا؟ بدأت العلاقة تنزف. وليس المقصود بالعناد الزوجي أن يملك أحد الطرفين رأيًا، بل المقصود أن يتمسك به بعد وضوح ضرره، أو أن يرفض الاستماع للطرف الآخر، أو أن يصر على إثبات ذاته بإفشال التفاهم.
وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وآله خطورة هذه الصفة، فعدّ من يتصف بها بأنه من شرار الناس، حيث قال: “شرار نسائكم … اللجوجة العاصية..”.[24]
ومن أسباب العناد الزوجي: الكبر، الجروح القديمة غير المعالجة، سوء الظن، الغيرة غير المنضبطة، الشعور بعدم التقدير، التربية السابقة، البيئة التي تمجد التشدد، وتكرار لغة التحدي داخل البيت. وقد يكون الزوج سببًا في عناد زوجته إذا عاملها باستخفاف، وقد تكون الزوجة سببًا في تصلب زوجها إذا قابلت كل نقاش بروح الاستفزاز. فالمشكلة هنا تفاعلية غالبًا، لا أحادية.
والحل يبدأ من قاعدة شرعية وأخلاقية عظيمة، هي أن الحياة الزوجية ليست ساحة كسر، بل ميثاق غليظ. وأن الرجوع إلى الحق ليس هزيمة، بل نضج. وأن من الحكمة ترك الجدل في الصغائر حتى لا يبتلع الكبار. وأن الأطفال يجب ألا يتحولوا إلى أدوات في صراع الأبوين؛ لأن ذلك يهدم أمنهم النفسي ويورثهم صورًا من العناد في مستقبلهم.
المبحث الثالث: مساوئ العناد
العناد إذا تُرك دون علاج لا يبقى سلوكًا بسيطًا، بل يتحول إلى مشكلة تترك آثارًا نفسية وتربوية واجتماعية وشرعية، تؤثر في عقل الإنسان، وعلاقاته، وسلوكه، بل وحتى في دينه. ومع الوقت تتسع هذه الآثار وتترسخ حتى تصبح جزءًا من شخصيته. ويمكن توضيح هذه الآثار بشكل واضح مع أمثلة واقعية كما يلي:
1.ضياع الحق والوقوع في الظلم
العناد يدفع الإنسان إلى رفض الاعتراف بالخطأ، وعدم الرجوع إلى الحق، فيؤدي ذلك إلى ضياع الحقوق، سواء حقه أو حق غيره، وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «اللجاج بذر الشر»[25]، أي أن الإصرار على الباطل أصل لكثير من الفساد.
مثال (للأولاد): مراهق يُبيَّن له أنه ظلم أخاه، ويُطلب منه الاعتذار، فيرفض بعناد ويُصرّ على موقفه، فيستمر الظلم وتضيع العلاقة بينهما.
مثال (للكبار): زوج يُنصح بوجوب النفقة على زوجته، فيرفض ويتهرّب بحجج واهية، فيضيع حقها الشرعي بسبب عناده.
2. إفساد العلاقات وإثارة النزاعات
العناد يخلق جوًا من التوتر، ويُضعف المودة، ويحوّل الحوار إلى نزاع مستمر، وقد يصل إلى خصومات شديدة، كما ورد عن الإمام علي عليه السلام: “اللجاج مثار الحروب “. [26]
مثال (للأولاد): مراهق يُعارض والديه في كل توجيه، لا بحثًا عن الصواب، بل لمجرد إثبات نفسه، فيتحول الحوار داخل البيت إلى جدال دائم، وتكثر المشادات، ويضعف الشعور بالألفة، حتى يصبح البيت ساحة توتر بدل أن يكون موطن سكينة.
مثال (للكبار): زوجان يصرّ كل منهما على رأيه في أمور يسيرة، كتنظيم الوقت أو أسلوب إدارة المنزل، فيرفض أحدهما التنازل أو التفهّم، فتتراكم الخلافات الصغيرة حتى تتحول إلى نزاعات مستمرة، ويضيع جو المودة، وتفقد الحياة استقرارها تدريجيًا.
3. إغلاق باب التعلم والتطور
المعاند يرفض مراجعة نفسه أو تصحيح خطئه، فيغلق على نفسه باب التعلّم، لأنه يتوهّم أن التراجع ضعف، مع أن الرجوع إلى الحق هو الكمال بعينه، فيبقى في مكانه ولا يتقدّم.
مثال (للأولاد): مراهق يعمل في مجال التصميم، ويُطلب منه الالتحاق بدورة لتعلّم أصول التصميم وتطوير مهاراته، فيرفض بعناد ظنًّا أنه لا يحتاج إلى ذلك، فيبقى فترة طويلة في مستوى ضعيف ولا يتقدّم كمحترف.
مثال (للكبار): شخص يُعرض عليه الاطلاع على كتب وأدلة موثوقة تُبيّن الحق في اعتناق مذهب التشيع، فيرفض حتى القراءة بسبب التعصّب والعناد، فيبقى على ما هو عليه دون أن يفتح لنفسه باب الهداية والمعرفة.
4. التعود على الظلم وضياع الحقوق
العناد قد يدفع الإنسان إلى إنكار الحق أو الدفاع عن الباطل، فيضيع حقه وحقوق الآخرين. رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام: “جماع الشر اللجاج وكثرة المماراة”.[27]
مثال (للأولاد): طفل كسر غرضًا في المنزل، ولما سُئل أنكر بعناد رغم وضوح الأمر، فترك الاعتراف لا لأنه لا يعرف الحق، بل لأنه لا يريد تحمّل نتيجته. ومع تكرار هذا السلوك، يعتاد الهروب من المسؤولية، فيضيع حق الآخرين ولا يتربّى على العدل.
مثال (للكبار): موظف أخطأ في عمله فتسبب بضرر لزميله، ولما نُوقش أصرّ بعناد على إنكار خطئه، حفاظًا على صورته أمام الآخرين. فاستمر الظلم، ولم يُنصف المظلوم، وتحول العناد إلى وسيلة لمصادرة الحقوق بدل إرجاعها إلى أهلها.
5. تضخّم المشكلات وتعقّدها
العناد يجعل المشكلة الصغيرة تكبر، لأن صاحبها يرفض الحلول والتنازل، فيتعقّد الأمر مع الوقت. رُوي عن الإمام علي عليه السلام: «اللجاج أكثر الأشياء مضرة في العاجل والآجل»[28]، أيأن اللجاجة تُسبّب ضررًا سريعًا بتعقيد المشكلات، وضررًا لاحقًا بتراكمها واستمرارها.
مثال (للأولاد): طفل يعاند في أداء واجباته، فتتراكم عليه الدروس ويضعف مستواه.
مثال (للكبار): خلاف بسيط بين الزوجين يتحول إلى مشكلة كبيرة بسبب الإصرار وعدم التراجع.
6. الخسائر المادية والمعنوية والندم
الإصرار على الخطأ قد يجرّ الإنسان إلى خسائر في المال أو الصحة أو السمعة وينتهي غالبًا بالندم، كما ورد عن الإمام الهادي عليه السلام: “اللَّجَاجَةُ مَسْلَبَةٌ لِلسَّلَامَةِ، وَمُؤَدِّيَةٌ إلى النَّدَامَةِ”. [29]
مثال (للأولاد) عن فقدان السلامة المعنوية: مراهق يرفض الاستماع لنصائح الأطباء بضرورة علاج مرضه، ويصر بعناد على أنه بصحة جيدة، حتى تتفاقم حالته ويصل إلى مرحلة يصعب علاجها، فيندم حيث لا ينفع الندم..
مثال (للكبار) عن فقدان السلامة المادية: رجل يُنصح بعدم الدخول في مشروع تجاري غير مدروس، لكن بعناده يصرّ على استثماره، رغم تحذيرات الخبراء، فيخسر ماله ويندم لاحقًا.
7. النفور الاجتماعي وفقدان القبول
كثرة العناد والجدال تجعل الإنسان مكروهًا بين الناس، لأن الناس تميل إلى الهادئ المتوازن، وقد رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام: ” خير الأخلاق أبعدها عن اللجاج “.[30]
مثال (للأولاد): طفل كثير العناد يبتعد عنه أصدقاؤه لأنه صعب التعامل.
مثال (للكبار): شخص يُجادل في كل أمر لأنه عنيد، فيتجنبه الناس ولا يرغبون في التعامل معه.
8. إضعاف الالتزام والإيمان العملي
العناد يقوم على رفض الحق، وهذا يضعف روح التسليم لله، لأن الإيمان الحقيقي هو قبول الحق والانقياد له. رُوي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: “من لج وتمادى فهو الراكس[31] الذي ران الله على قلبه، وصارت دائرة السوء[32] على رأسه”[33]. فالإمام عليّ عليه السلام يبيّن أن من يصرّ على العناد ويتمادى فيه، يُصاب بانغلاق القلب، فلا يعود يتقبل الحق ولا ينقاد له، وهذا من آثار ضعف الإيمان؛ لأن الإيمان الحقيقي يثمر التسليم، لا المكابرة والاستمرار في الباطل.
مثال (للأولاد): طفل يُطلب منه الالتزام بالصلاة أو النظام، فيرفض بعناد، فيعتاد عدم الالتزام.
مثال (للكبار): شخص يُذكَّر بحكم شرعي، فيرفضه بعناد لأنه لا يريد تغيير نفسه.
9. إفساد التفكير والبصيرة
المعاند لا يزن الأمور بميزان الحق، بل بميزان نفسه، فيضعف حكمه وقدرته على اتخاذ القرار الصحيح، كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «اللجوج لا رأي له».[34]
مثال (للأولاد): مراهق يُنصَح بالابتعاد عن صديق سيئ، ويُذكَّر بنصوص أهل البيت عليهم السلام في اختيار الصاحب، لكنه يرفض بعناد ويتمسك به، لا لأنه مقتنع، بل لأنه لا يريد التراجع، فيضعف حكمه ويُسيء الاختيار.
مثال (للكبار): رجل أودع أمواله كلها عند شخص وثق به، رغم تحذير من حوله، وتذكيره بأن أهل البيت عليهم السلام لا يأمرون بالثقة المطلقة بأحد، لكنه أصرّ بعناد على رأيه، فتعرض للنصب وضاعت أمواله، وكان عناده سببًا في فساد تقديره وخسارته.
المبحث الرابع: علاج العناد
المطلب الأول: علاج أسباب العناد
العناد في حقيقته ليس مجرد سلوك ظاهر يُرى، بل هو نتيجة لأسباب خفية قد تكون نفسية أو تربوية أو مرضية، تدفع الإنسان إلى الإصرار ورفض التراجع.
يرى المتخصصون أن علاج العناد لا يتم بأسلوب واحد، بل يبدأ بفهم أسبابه بدقة، والتأكد من وجودها عند الشخص، والأفضل سؤاله بهدوء عن سبب عناده، ثم العمل على معالجة هذه الأسباب معالجة مناسبة؛ لأن علاج السبب يُضعف السلوك أو يزيله من جذوره.
وفيما يأتي بيان لأهم أسباب العناد:
1.حبّ الذات غير المنضبط (التكبّر وحبّ النفس الزائد)
حبّ الإنسان لنفسه أمر طبيعي، بل هو مطلوب إذا كان معتدلًا، بحيث يرى لنفسه قيمة، ويقبل الحق، ويستعد لتصحيح خطئه. لكن إذا زاد هذا الحب عن حدّه، تحوّل إلى تكبّر، فيرفض الإنسان التراجع، ويقدّم رأيه على الحق، ويعاند لا لأنه على صواب، بل لأنه لا يريد أن يظهر بمظهر المخطئ أمام الناس أو حتى أمام نفسه.
مثال: شخص يُنصح بخطئه، فيغضب ويُصرّ على رأيه فقط لأنه لا يريد أن يبدو مخطئًا أمام الناس.
العلاج: إنّ أنجع طريقة لعلاج التكبر هي أن يتذكر مآثر التواضع ومحاسنه، ومساوئ التكبر وآثامه، وأن يلتفت الإنسان أكثر إلى نقائصه. يقول أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الصدد: “ما لابن آدم والعُجب! وأوّله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو بين ذلك يحمل العذَرة”[35]، فإنّ بدايته ماء فاسد، ونهايته جيفة متعفّنة قذرة وهو بينهما يحمل القاذورات والفضلات. فما الذي يُمكن أن يتفاخر به موجود كهذا؟
وينبغي تعليمه أن الرجوع إلى الحق قوة لا ضعف، وربطه بالقيم الشرعية كقول الإمام علي عليه السلام: “اصبر على مرارة الحق، وإياك أن تنخدع لحلاوة الباطل”[36]، وتعويده على التواضع والاعتذار دون توبيخ.
2.القسوة في التربية (التسلّط والعقاب الشديد)
عندما تقوم التربية على القسوة، سواء في الأسلوب كالأوامر الجافة وإلغاء شخصية الإنسان، أو في العقاب كالتهديد والضرب والإهانة، يتكوّن في داخله شعور بالرفض والغضب، فيتحوّل هذا الشعور إلى ردّة فعل تظهر على شكل عناد. فهو لا يعاند رفضًا للحق بقدر ما يعاند تعبيرًا عن اعتراضه على القسوة، أو انتقامًا نفسيًا ممّن ظلمه، فيجعل العناد وسيلته للدفاع عن نفسه أو للردّ على ما يشعر به من قهر.
مثال: مراهق يتلقى أوامر بشكل مباشر ومتكرر، دون شرح أو حوار أو مراعاة لشخصيته، فيبدأ بمخالفة الأوامر ليُثبت ذاته، أو طفل يُعاقَب بالضرب كلما أخطأ، فيزداد عنادًا ويكرر الخطأ لأنه يشعر بالظلم.
العلاج: يكون بالانتقال من القسوة إلى الحزم الهادئ، فيُبيَّن الخطأ بأسلوب واضح دون إهانة أو عنف، مع الحوار والإقناع، وإشعار الإنسان بقيمته واحترام رأيه، وإذا استحقّ العقاب، فيكون تربويًا مشروعًا لا انتقامًا، كحرمانٍ مؤقت من بعض الامتيازات، وبأسلوب هادئ مرتبط بالخطأ. ويُعزَّز السلوك الصحيح بالتشجيع، لأن التربية تقوم على التقويم لا الكسر.
3. التدليل الزائد (تعليم العناد دون قصد)
الولد الذي يحصل على ما يريد بالإصرار والتحدي يتعلم أن العناد وسيلة ناجحة لتحقيق حاجاته، فيستخدمها باستمرار.
مثال: طفل يطلب شيئًا فيُرفض طلبه، فيبدأ بالبكاء والإصرار، فيستجيب له والداه لإسكاته، فيتعلم أن العناد وسيلة ناجحة للحصول على ما يريد، فيكرره في كل مرة. وكذلك المراهق إذا أراد الخروج في وقت غير مناسب، فيُنصح بعدم الذهاب، فيُظهر الحزن أو الغضب أو الإلحاح حتى يلين الطرف الآخر، فيستجاب له، فيترسّخ لديه أن الضغط والعناد طريق لتحقيق رغباته.
العلاج: يكون بالحزم مع الهدوء، فلا يُستجاب لعناده مهما أظهر من بكاء أو إلحاح، لأن شراء جهاز إلكتروني لإسكاته يُعلّمه أن الضغط وسيلة ناجحة لتحقيق ما يريد. بل يُترك حتى يهدأ، ثم يُخاطب بلطف ويُبيَّن له السبب.
مثال: إذا أصرّ على شراء جهاز إلكتروني، يُقال له بهدوء: “لن نشتري هذا الجهاز الآن، لأنك لا تحتاجه في هذا الوقت، والإلحاح لا يغيّر القرار”، ثم يُحوَّل انتباهه إلى أمر آخر دون تراجع. ومع تكرار هذا الأسلوب، سيفهم أن العناد لا ينفع، وأن الطلب الهادئ هو الطريق الصحيح.
4. عدم إشباع الحاجات الأساسية والعاطفية
عندما لا تُلبّى حاجات الإنسان بشكل متوازن، سواء كانت حاجات أساسية كالحاجة إلى الراحة واللعب وتنظيم الوقت، أو حاجات عاطفية كالحب والاهتمام والتقدير، يتكوّن داخله شعور بالنقص والحرمان، فيلجأ إلى العناد ليُعبّر عن هذا النقص بطريقة غير مباشرة، لا لأنه يرفض الأمر في حدّ ذاته، بل لأنه يشعر أن شيئًا مهمًا في داخله لم يُراعَ.
مثال: طفل لم يُعطَ حقه من الراحة أو اللعب، أو لا يجد اهتمامًا وتقديرًا من والديه، فيبدأ بالرفض والعناد، لا لأنه يكره الطاعة، بل لأنه يريد أن يُشبع حاجته أو يلفت الانتباه إلى ما يفتقده. وكذلك قد تعاند الزوجة أو الزوج إذا شعر أحدهما بالإهمال أو عدم التقدير.
العلاج: يكون بإعطاء الإنسان حقه من الحاجات الأساسية والعاطفية معًا، بتنظيم وقته بما يحقق التوازن بين الراحة والواجب، وعدم تحميله ما لا يطيق. كما يحتاج إلى إشباع جانبه العاطفي بإظهار المحبة الصادقة، لا بالكلام فقط، بل بالفعل أيضًا؛ كالتعبير له بكلمات طيبة، واحتضانه، وتقبيله، والرفق به، والوفاء بالوعود معه، وإشعاره بقيمته ومكانته.
ومن المهم أيضًا منحه الاهتمام الحقيقي، والإنصات له، وفتح باب الحوار ليعبّر عمّا في نفسه دون خوف أو تجاهل، مع تكليفه بمهام مناسبة يشعر من خلالها بأهميته. فمتى أُشبعت هذه الحاجات، هدأت النفس، ولم تعد بحاجة إلى العناد لتعبّر عن نفسها.
5. التذبذب في التربية وعدم ثبات القواعد
عندما يضع أحد الوالدين قاعدة ثم يأتي الآخر فيخالفها، يضطرب فهم الطفل ولا يعرف أيّهما يتبع، فيفقد الإحساس بوجود نظام واضح، ويلجأ إلى العناد ليجرّب ويضغط حتى يحصل على ما يريد. فهو يتعلّم من الأسرة أن القوانين قابلة للكسر، وأن الإصرار قد يغيّر القرار.
مثال: يقرّر الأب أن استخدام الهاتف ساعتان فقط يوميًا، فتأتي الأم وتسمح له بالزيادة، أو العكس. وعندما يُطلب منه الالتزام، يعاند ويُصرّ على الاستمرار، لأنه تعلّم عدم وجود قانون ثابت، وأنه يستطيع تجاوزها بالضغط أو الانتقال إلى الطرف الآخر.
العلاج: وضع نظام واضح وثابت، والتزام جميع أفراد الأسرة به، لأن الثبات يولّد الطمأنينة ويقلل العناد.
6. الرغبة في إثبات الذات والاستقلال
في بعض المراحل العمرية، خاصة في الطفولة المتأخرة والمراهقة، يبدأ الإنسان بالشعور برغبته في الاستقلال، فيميل أحيانًا إلى العناد لا رفضًا للأمر نفسه، بل ليُثبت أن له رأيًا وشخصية مستقلة.
مثال: يُعرض على الطفل لباس معيّن، فيرفضه بعناد، لا لأنه لا يعجبه بالضرورة، بل لأنه يريد أن يختار بنفسه ويشعر أن له قرارًا.
العلاج: إعطاؤه مساحة آمنة للاختيار ضمن حدود، كأن يُقال له: “اختر بين هذين اللباسين”، مع إشراكه في بعض القرارات المناسبة لعمره، حتى يشعر بقيمته واستقلاله، دون أن يتحول ذلك إلى فوضى أو عناد.
7. انعدام الثقة بالنفس
الشخص الذي يفتقد الثقة بنفسه يخشى الوقوع في الخطأ أو الظهور بمظهر الضعف، فيلجأ إلى العناد كوسيلة لإخفاء هذا الشعور، فيتمسك برأيه أو يرفض المحاولة حتى لا ينكشف نقصه أمام الآخرين.
مثال: طالب يُطلب منه تصحيح خطئه أو أداء مهمة أمام زملائه، فيرفض ويعاند، لا لأنه غير مقتنع، بل خوفًا من أن يبدو ضعيفًا.
العلاج: تقوية ثقته بنفسه تدريجيًا من خلال التشجيع، وتجنّب توبيخه أو إحراجه عند كل خطأ، وتعليمه أن الخطأ جزء طبيعي من التعلم، وأن المحاولة أفضل من التراجع. وللتوسّع أكثر فيما يتعلق بالثقة بالنفس في مرحلة الطفولة يُراجع كتاب لمسات تربوية الجزء الثاني[37].
8. الشعور بالظلم أو ضياع الحقوق
عندما يشعر الإنسان أنه لا يُعامَل بعدل، أو أن حقه يُهمل أو يُنتقص، يتكوّن داخله رفضٌ واعتراض، فيظهر هذا الرفض على شكل عناد؛ لا حبًا بالمخالفة، بل دفاعًا عن نفسه وإثباتًا لكرامته.
مثال: زوجة تبذل جهدها في بيتها، لكنها لا تُقدَّر ولا يشكر زوجها تعبها، ثم يُطلب منها أمر إضافي، فترفض بعناد، لا لأنها لا تستطيع، بل لأنها تشعر أن حقوقها غير محفوظة.
العلاج: يكون بإنصاف المعاند وإعطائه حقه، وعدم ظلمه أو تجاهل تعبه، مع شكره وتقديره. وإن لم يُعرف موضع الظلم، فليُفتح باب الحوار معه ليُعبّر عمّا في نفسه ويُستمع إليه بهدوء. فإذا ادّعى أنه مظلوم أو مسلوب حقه، وأنكر الطرف الآخر، فليُرجع في ذلك إلى مرجع التقليد الجامع للشرائط، ويُسلَّم بحكمه.
9. الحماية الزائدة والتدخل المستمر
عندما يُبالغ المربي في مراقبة الطفل والتدخل في كل تفاصيله، يشعر الطفل بأنه مقيد ولا يُسمح له بالتصرف، فيظهر العناد كردّ فعل ليُثبت أنه يملك إرادة واختيارًا.
مثال: أمٌ لا تترك طفلها يختار لعبته أو طريقته في اللعب، وتوجّهه في كل خطوة، فيبدأ الطفل بمخالفتها والإصرار على العكس، لا حبًا بالمخالفة، بل لأنه يريد أن يشعر بالاستقلال.
العلاج: إعطاء الطفل قدرًا مناسبًا من الحرية في الأمور البسيطة التي تناسب عمره، مع توجيه هادئ دون سيطرة زائدة، ليشعر أنه قادر على الاختيار ضمن حدود واضحة، فيقلّ عنده الدافع للعناد.
10. الغيرة والمقارنة بين الأبناء
عندما يشعر الطفل بأنه أقلّ اهتمامًا من غيره، يتكوّن داخله شعور بالغيرة والرفض، فيظهر هذا الشعور على شكل عناد، وكأنه يقول: أنا موجود فلا تتجاهلوني.
مثال: طفل كان يحظى باهتمام والديه، ثم جاء أخ أصغر فتركّز الاهتمام عليه، فيبدأ الطفل الأكبر بالعناد والمخالفة، لا لأنه سيئ، بل لأنه يشعر أنه فقد مكانته.
العلاج: العدل بين الأبناء في الاهتمام والتعامل، وتجنّب المقارنة، مع طمأنة الطفل بمحبته ومكانته، وإشراكه بلطف في رعاية أخيه، ليشعر أنه مهم لا مُهمَل، فيزول دافع العناد.
11. التوتر الأسري والبيئة المضطربة
عندما يعيش الفرد في جو مليء بالمشاكل والصراخ والتوتر، قد يمتلئ داخله بالقلق والانزعاج، وقد لا يستطيع التعبير عنه بشكل صحيح، فيخرج ذلك على صورة عناد وانفعال، وكأنه يفرّغ ما بداخله من ضغط.
مثال: طفل يسمع الشجار بين والديه باستمرار، فيصبح سريع الغضب ويرفض الأوامر بعناد، لا لأنه يرفضها في حد ذاتها، بل لأنه متوتر بسبب الجو الذي يعيش فيه.
العلاج: تقليل النزاعات أمام الأبناء قدر الإمكان، وخلق جو هادئ يشعر فيه الطفل بالأمان، مع احتوائه والحديث معه بلطف، لأن الاستقرار النفسي يُخفف من التوتر، وبالتالي يقلّ العناد تدريجيًا.
12. الضغوط النفسية والتعب (العناد المؤقت)
في بعض الأحيان لا يكون العناد ناتجًا عن خلل في التربية، بل عن حالة عارضة كالتعب أو الجوع أو الضغط، فيفقد الإنسان قدرته على التحمّل، ويظهر العناد كردّ فعل مؤقت لا يعكس طبيعته.
مثال: طفل لم ينم جيدًا أو عاد من المدرسة مرهقًا، فيُطلب منه أداء واجب، فيرفض بعناد غير معتاد، لا لأنه يرفض أصلًا، بل لأنه متعب.
العلاج: مراعاة حالته النفسية والجسدية، وتأجيل الطلب أو تخفيفه، مع إعطائه وقتًا للراحة، ثم إعادة الطلب بهدوء، لأن زوال السبب غالبًا يُنهي العناد دون حاجة إلى مواجهة.
13. الحالة المرضية أو الاضطرابات السلوكية
قد يكون العناد في بعض الحالات ناتجًا عن سبب مرضي أو اضطراب سلوكي، كفرط الحركة وتشتّت الانتباه، أو بعض الاضطرابات الانفعالية، فيظهر العناد بصورة متكررة وشديدة تفوق الطبيعي، لا لأنه يرفض الحق، بل لأنه يواجه صعوبة في التحكم بسلوكه أو الاستجابة للتوجيه.
مثال: صبي يُطلب منه الجلوس أو إنجاز مهمة بسيطة، فيرفض بعناد ويكثر حركته ويقاطع باستمرار، رغم تكرار التوجيه، فيُظن أنه عنيد، بينما هو يعاني من تشتّت يجعله غير قادر على الالتزام بسهولة.
العلاج: لا يُعالَج هذا النوع بالقسوة أو العقاب، بل بالفهم والتشخيص الصحيح، مع تنظيم البيئة، وتقسيم المهام إلى خطوات قصيرة، واستخدام التعزيز الإيجابي، والصبر في التوجيه. وإذا استمرّت الحالة بصورة لافتة، يُستعان بمتخصص؛ لأن العلاج هنا تربوي وعلاجي معًا، لا سلوكي فقط.
المطلب الثاني: التوجيهات التربوية لعلاج العناد
علاج العناد لا يتحقق بأسلوب واحد، بل يحتاج إلى مجموعة من التوجيهات التي تعالج القلب والعقل والسلوك معًا؛ لأن العناد يرتبط بضعف الإيمان، وغلبة الهوى، وسوء التفكير. ومن أهم هذه النصائح ما يأتي:
1.القضاء على الأسباب:
ذكرنا في المطلب السابق أنّ هناك جذوراً وأسبابًا للعناد، منها: القسوة والتسلط، التدليل الزائد، والإهمال العاطفي، والضغوط النفسية والتعب، والتكبُّر والغرور إلى غير ذلك من الأسباب، فبالقضاء على هذه الأسباب يمكن معالجة العناد.
2ـ التفكير في العواقب قبل الإصرار:
من أهم وسائل علاج العناد أن يتوقف الإنسان قبل الإصرار، ويسأل نفسه: إلى أين سيقودني هذا الموقف؟ فالتأمل في نتائج العناد وما يترتب عليه من خسائر في الدين أو العلاقات أو المصلحة، يساعد على ترك التمسك بالرأي الخاطئ؛ لأن العاقل لا ينظر إلى لحظة الانفعال، بل ينظر إلى ما بعدها من نتائج.
فكم من عناد أدّى إلى خسارة صديق، أو توتر أسري، أو ضياع حق، أو ندم بعد فوات الأوان. ولو تأمل الإنسان قليلًا قبل الإصرار، لوفّر على نفسه كثيرًا من هذه الخسائر.
وقد تقدّم بيان هذه العواقب والآثار بالتفصيل في مبحث مساوئ العناد، مما يؤكد أن التفكير في النتائج قبل التمسك بالموقف من أهم مفاتيح العلاج.
3ـ تمييز الحق عن الباطل:
ذكرنا سابقًا أن العناد المذموم هو الإصرار على الباطل ورفض الحق، بينما العناد الممدوح هو الثبات على الحق ورفض الباطل. ولذلك فإن أول خطوة في علاج العناد هي أن نتحقق: هل هذا الإصرار على الحق أم على الباطل؟ لأن الإنسان قد يكون متمسكًا بالباطل وهو يظنه حقًا.
ومع الأسف، كثير من الناس يعاندون وهم يعتقدون أنهم على صواب، لأن كل طرف يرى نفسه محقًا، فيقع الخلط بين الرأي والحق، فيتمسك الإنسان برأيه لا لأنه حق، بل لأنه رأيه. ولهذا لا بدّ من ميزان يُرجع إليه، لا يتغيّر بالأهواء ولا بالأشخاص ليتأكد هل هو مع الحق أم مع الباطل؟ أي هل هو مع الذين قالوا: [سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ][38]، أم مع الذين قالوا: [سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا][39]؟
وقد أرشد أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا الميزان بقوله: «إنّ الحق لا يُعرف بالرجال، وإنّما الرجال يُعرفون بالحق، فاعرف الحق تعرف أهله» [40]. فليس كل من قال قولًا يُتَّبع، بل يُعرض كلامه على الحق أولًا.
ولتقريب ذلك: كما أن من أراد معرفة القياس الصحيح لورقة لا يعتمد على الظن، بل يرجع إلى ميزان دقيق وهي المسطرة، كذلك من أراد معرفة الحق لا يرجع إلى ميوله أو إلى الأشخاص، بل يعرض الأمر على ميزان الشريعة، وذلك بالرجوع إلى القرآن، وتعاليم أهل البيت عليهم السلام عن طريق سؤال مرجع التقليد الجامع للشرائط عند الاشتباه والتسليم لرأيه. فإذا تربّى الإنسان على هذا الميزان، زال عنه العناد، لأنه لم يعد يدافع عن رأيه، بل يبحث عن الحق ويتبعه حيث كان.
4ـ ذكر الله تعالى:
ذكر الله يُعيد قلب المعاند إلى ميزانه الصحيح، فيُذكّر الإنسان أنه عبدٌ لله لا لهواه، فيلين قلبه ويستعد للرجوع إلى الحق دون مكابرة. فالمعاند إذا غفل اتبع هواه، كما قال تعالى:﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾[41]، أما إذا أكثر من ذكر الله، استيقظ قلبه، فعرف الحق وخضع له.
كما أن حقيقة الإيمان تقوم على التسليم لا على المجادلة والعناد، قال تعالى:﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾[42]، فكلما ازداد الإنسان ذكرًا لله، ازداد تسليمًا، وسهل عليه ترك رأيه إذا خالف الحق.
وذكر الله يطفئ جذور العناد؛ لأنه يكسر الكِبر ويُضعف سلطان النفس، فيتحول الإنسان من مدافع عن ذاته إلى طالبٍ للحق، ويصبح الرجوع إلى الصواب عبادة يتقرّب بها إلى الله، لا هزيمة يتجنبها. كما يمنح الذكر القلب سكونًا واتزانًا، فيخفّ الانفعال، ويُعين على التفكّر قبل الإصرار، حتى يغدو الرجوع إلى الحق خُلُقًا راسخًا في النفس.
5. كن قدوة في ترك العناد المذموم:
من أهم أساليب علاج العناد أن يبدأ المربي بنفسه؛ لأن الطفل لا يتعلّم من الكلام بقدر ما يتعلّم من السلوك، فهو يتأثر بأفعال المربي قبل أقواله. فإذا كان المربي عنيدًا، يُصرّ على رأيه، ويرفض الاعتراف بخطئه، تعلّم الطفل هذا الأسلوب دون أن يُقال له شيء.
ولهذا لا يكفي أن ننهى الأبناء عن العناد، بل يجب أن نُريهم الفرق عمليًا بين العناد المذموم والثبات على الحق. فالمربي الحكيم يُحاور، ويستمع، ويعترف بخطئه إذا أخطأ، ويُظهر لهم أن الرجوع إلى الحق قوة لا ضعف، وأن الإصرار على الباطل ليس قوة بل عناد مذموم.
فإذا رأى الطفل هذا السلوك أمامه، تعلّمه بسهولة، أما إذا سمع كلامًا يخالف ما يراه، فلن يستجيب له. فصلاح سلوك المربي هو أقوى رسالة تربوية، وهو الطريق الحقيقي لتقويم سلوك الأبناء.
6. الضبط التربوي المتدرّج للعناد
من أهم الأساليب التربوية في معالجة عناد الأطفال: اعتماد التدرّج في التعامل معه، بحيث لا يُواجه بأسلوب واحد، بل يُعالج خطوةً بعد أخرى وفق حالته وسلوكه، فيُبدأ أحيانًا بتجاهل بعض السلوكيات التي يكون هدفها لفت الانتباه، كالصراخ أو الإلحاح، حتى لا يتعلّم الطفل أن العناد وسيلة لجذب الاستجابة.
فإن لم يُجدِ ذلك، يُنتقل إلى أسلوب الإنذار، ببيان أن هذا السلوك غير مقبول، وأن الاستمرار فيه سيؤدي إلى عواقب، مع الحزم دون انفعال.
فإن استمر العناد، يُلجأ إلى العقاب المناسب في وقته، على أن يكون مدروسًا ومتلائمًا مع طبيعة الطفل، لأن أثر العقاب يختلف من طفل لآخر. وقد تم توضيح هذه الأساليب التربوية بالتفصيل في كتاب “لمسات تربوية” الجزء الثاني والعشرون. [43]
كما ينبغي توحيد الموقف التربوي بين المنزل والمدرسة أو الروضة، حتى لا يتلقى الطفل توجيهات متناقضة تُضعف عملية العلاج وتزيد من سلوك العناد.
7. تصحيح مفهوم الكرامة والشخصية القوية:
من الأخطاء الشائعة أن يُربط العناد بالكرامة أو الخبرة أو “الشخصية القوية”، فيرفض التراجع حتى لو تبيّن له الخطأ. والحقيقة أن هذا الفهم يحتاج إلى تصحيح جذري؛ لأن النفس البشرية تميل إلى الدفاع عن صورتها أمام الآخرين، فإذا شعر الإنسان أن تراجعه سيُضعف مكانته، أصرّ على رأيه لا طلبًا للحق، بل حفاظًا على صورته. وهذا ما تشير إليه العلوم النفسية بما يُعرف بالدفاع عن الأنا.
والتصحيح وفق منظور أهل البيت عليهم السلام نختصره بالآتي:
@ من يعاند دفاعًا عن ذاته وحفاظًا على صورته التي يظنها شخصية قوية، فهو بحاجة إلى إعادة ضبط هذا المفهوم؛ فليست القوة في التمسك بالرأي وعدم التراجع، بل في القدرة على ضبط الهوى والشهوات على الحق والاعتراف بالخطأ، رُوي عن الإمام عليّ عليه السلام أنه قال: “اقوى الناس، أعظمهم سلطاناً على نفسه”[44]. فالإصرار على الخطأ ليس قوة، بل عجز عن مواجهة النفس والخوف من تصحيحها، أما القوة الحقيقية فهي في أن يقول الإنسان بصدق: “كنت مخطئًا وسأصلح”، وإن صعب عليه ذلك في لحظة انفعال، فليقل على الأقل: “أحتاج أن أراجع نفسي”، ثم يُبادر إلى التصحيح دون تأخير، فيرتفع بذلك قدره وتستقيم شخصيته.
@ وكذلك الكرامة ليست في العناد، بل في اتباع الحق؛ فالرجوع عن الخطأ لا يُنقص الإنسان، بل يرفعه. وقد بيّن الله ميزان الكرامة بقوله:﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾[45]، فالتقوى هي المَلَكة[46] المانعة من ارتكاب المعاصي، أي هي التي تدفع الإنسان إلى ترك الباطل والرجوع إلى الحق. أما الإصرار على الخطأ بعد معرفته فدليل على اتباع الهوى، وهو نزول بالكرامة عن حدّها الأدنى، ووقوع في الذلّ والمهانة، لا حفظٌ لها ولا رفعة. فمن أراد الكرامة الحقيقية فليتحلَّ بالتقوى، وليُقدّم الحق على نفسه.
@ وأما من يعاند على رفض الحق متعمدًا بحجة الخبرة، كمهندسٍ يعلم أصول عمله ثم يتعمد الغش، فإذا نُوقش احتجّ بخبرته، أو كمن يملك معلومات دينية ثم يظلم زوجته، فإذا عوتب ادّعى أنه الأعلم والأصوب، فهذه ليست خبرة، بل توظيف للمعرفة في غير موضعها.
فالخبرة الحقيقية تُثمر إنصافًا ورجوعًا إلى الحق، لا تماديًا في الخطأ. أما من يستتر بخبرته ليبرّر الباطل، فإنه يُطفئ نور البصيرة في قلبه ويضل، ولا يضلّ وحده، بل يُسيء إلى أهل التخصص، فيُثير الشك فيهم ويُتَّهمون بسبب فعله، فتتولد ردة فعل سلبية تجاههم. وبذلك لا يتحمّل خطأه فقط، بل يتحمّل آثاره أيضًا، كما قال تعالى:﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾[47].
8. تجنّب وسم الطفل بالعناد، ووجّه طاقته نحو الحق
لا يصحّ تربويًا أن نصف الطفل بصفة “العناد”؛ لأنّ هذا الوصف يترسّخ في ذهنه، فيسعى إلى تأكيده بسلوكه، فيزداد إصرارًا وعنادًا كلما تكرر هذا اللقب على مسامعه. والمربي الواعي لا يرسّخ الصفات السلبية، بل يعيد توجيهها بأسلوب إيجابي، فيقول: “إنّ ابني لا يعاند الحق، بل يرفض الباطل ويقف في وجهه، ونحن نعلّمه أن يكون ثابتًا على الصواب لا مصرًّا على الخطأ. فالعناد المذموم هو الإصرار على الباطل، وقد ذمّه الله تعالى بقوله:﴿ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾[48]،
أمّا الثبات على الحق فليس عنادًا، بل هو قوة في الشخصية واستقامة في السلوك”. وبهذا نُحوّل طاقة العناد من سلوك سلبي إلى قوة إيجابية تُعين الطفل على التمسك بالحق وترك الباطل.
9. ضبط التعرض للأجهزة الإلكترونية ووسائل الإعلام
للأجهزة الإلكترونية ووسائل الإعلام الحديثة أثر كبير في تنمية العناد لدى الأطفال والناشئة والشباب؛ لأن الإنسان لا يكتفي بالمشاهدة، بل يتأثر بما يرى تدريجيًا، فيبدأ بتقليد الشخصيات التي تعجبه، خاصة إذا كانت تُظهر التمرد والعناد بصورة القوة والبطولة، فيترسّخ لديه أن مخالفة الآخرين والإصرار على الرأي دليل قوة.
وهذا التأثير لا يقتصر على برامج الأطفال، بل يشمل القنوات الفضائية ومواقع التواصل والأفلام والمسلسلات التي قد تُقدّم العناد بشكل جذّاب، فيفقد المشاهد حساسيته تجاه الخطأ ويعتاده.
العلاج يكون بتنظيم أوقات الاستخدام، ومتابعة المحتوى بدقة، واختيار ما هو نافع ومناسب للعمر، مع الحوار المستمر وبيان أن العناد ليس قوة، بل القوة في الالتزام بالحق وحسن السلوك.
10. الاستشارة وقبول النصيحة
ذكرنا أن من مساوئ العناد أن رأي صاحبه لا يُعتمد عليه، فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: “اللجاج يفسد الرأي”[49]. لذا ينبغي للعنيد أن يستمع إلى آراء الآخرين، ويفتح باب تصحيح الخطأ، مما يمنع الإنسان من التمادي في العناد؛ لأن المعاند غالبًا يكتفي برأيه ولا يرى غيره، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من استبد برأيه هلك».[50]
لكن لا تكون الاستشارة عشوائية، بل ينبغي أن تكون عند أهل الدين والعقل والورع، فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: «ما يمنع أحدكم إذا ورد عليه ما لا قبل له به أن يستشير رجلًا عاقلًا له دين وورع».[51]
فمتى أحسن الإنسان اختيار من يستشيره، وفتح قلبه للنصيحة، زال عنه كثير من العناد، واقترب من الصواب.
11. التذكير بالنماذج الواقعية من سيرة النبي وآله:
من الأساليب المؤثرة في علاج العناد أن يحرص المربي على عرض نماذج واقعية من التاريخ، خاصة من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته، تُبيّن الفرق بين العناد المذموم والعناد الممدوح. وذلك من خلال ذكر المواقف والأحداث التي تجسّد هذين النوعين، تطبيقًا لقوله تعالى:﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾[52].
فمن ذلك عرض حروب النبي وغزواته، كغزوة حنين التي وقعت في مثل هذا اليوم بين جيش الإسلام بقيادة رسول الله وبين هوازن وثقيف في اليوم السادس من شهر شوال سنة ثمان من الهجرة[53]. وتُعد الغزوة مثالًا واضحًا يُجسّد هذين النوعين في الواقع.
فبعد فتح مكة، اجتمعت قبيلتا هوازن وثقيف، وهما قبيلتان عربيتان مشركتان، وأصرّتا على حرب النبي صلى الله عليه وآله رغم وضوح الحق، فجمعوا جيشًا كبيرًا يقارب ثلاثين ألفًا بقيادة مالك بن عوف، ونزلوا في وادي حنين[54]، وأعدّوا كمينًا للمسلمين.
فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله بجيش يبلغ اثني عشر ألفًا، ونظّم صفوفه وأعطى الرايات لأهلها، وكان لواء المهاجرين مع أمير المؤمنين علي عليه السلام.
وعند بدء المعركة، باغت المشركون المسلمين بهجوم مفاجئ، فاضطربت الصفوف وانهزم كثير من الناس، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله إلا قلة من أهل بيته وثابتين من أصحابه، فكان النبي يناديهم للرجوع، وثبت معه علي عليه السلام ومن معه، ولم يتراجعوا رغم شدة الموقف.
وهنا يظهر الفرق الواضح: فالمشركون كانوا يمثلون العناد المذموم، حيث أصرّوا على الباطل وحاربوا الحق رغم ظهوره، بينما كان النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته يمثلون العناد الممدوح، وهو الثبات على الحق وعدم التراجع عنه مهما اشتدّت الظروف.
ثم عاد المسلمون والتفّوا حول النبي صلى الله عليه وآله، وقاتلوا قتالًا شديدًا، حتى نصرهم الله، فانهزم المشركون وفرّوا من الميدان.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ما جرى في هذه الغزوة، فقال تعالى:
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا، وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ﴾.[55]
وهذه السكينة الإلهية التي أنزلها الله على رسوله والمؤمنين لم تكن حادثة عابرة في زمنٍ مضى، بل هي سُنّة ربانية تتجلّى في مواقف الثبات العظمى، وقد تجلّت بأسمى صورها على قلب الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء.
فمع ما أحاط به من الفواجع، من استشهاد أهل بيته وأصحابه، وتكالب الأعداء عليه من كل جانب، يرشقونه بالسهام، ويطعنونه بالرماح، ويرضخونه بالحجارة، ويضربونه بالسيوف، بقي ثابت الجنان، مطمئن القلب، تحفّه سكينة الله وتغشاه عنايته.
حتى إنّ من شهد تلك اللحظات العصيبة وقف مبهوتًا أمام هذا الثبات الرباني، فقال هلال بن نافع:
«فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ قَتِيلًا مَصْمَحًا بِدَمِهِ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَا أَنُورَ وَجْهًا، وَلَقَدْ شَغَلَنِي نُورُ وَجْهِهِ وَجَمَالُ هَيْئَتِهِ عَنِ الْفِكْرِ فِي قَتْلِهِ».[56]
ولله در الكعبي:
| فهوى في الثرى فكادت عليه | أرضها والسماء تهوي انقتلابا | |
| بأبي من كُسي من النقع ثوبا | وكساهُ الجلال ملقىً ثيابا |
(مجردات)
| حسنك يخويه ابد ما غاب | وانته جريح او دمك اخضاب | |
| لابچي عليك ابدمع سكّاب | وانادي علي دحاي الابواب |
ابنك طريح اموسد اتراب[57]
[1] البقرة/206.
[2] الكافي-الكليني-ج8 -ص234.
[3] الأخلاق البيتية-الأستاذ مظاهري-ص181-183.
[4] البقرة/206.
[5] النمل/14.
[6] الأنفال/32.
[7] غرر الحكم: ح 358.
[8] بحار الأنوار-المجلسي-ج٧٤-ص٦٧.
[9] غرر الحكم 3738.
[10] هود/ 112.
[11] آل عمران/200.
[12] المائدة/ 44.
[13] آل عمران/ 139.
[14] آل عمران/ 103.
[15] الأحزاب/ 23.
[16] البقرة/206.
[17] البقرة/206.
[18] المنافقون/8.
[19] البقرة/206.
[20] إبراهيم/15.
[21] ق/24.
[22] المدثر/16.
[23] لمسات تربوية-مياسة شبع-ج3-قيمة التحكم بالغضب في مرحلة الطفولة المبكرة.
[24] موسوعة أحاديث أهل البيت ع-الشيخ هادي النجفي-ج5-305ص.
[25] غرر الحكم-الآمدي التميمي-ح 358.
[26] غرر الحكم-الآمدي التميمي-ح 358.
[27] غرر الحكم-الآمدي التميمي-8115، 4795.
[28] غرر الحكم-الآمدي التميمي-ح 358.
[29] نزهة الناظر وتنبيه الخاطر –الحلواني-ص140.
[30] غرر الحكم-الآمدي التميمي-ح 358.
[31] الراكس: هو الذي انتكس وانقلب عن الحق إلى الباطل، أي تراجع عن الهداية بعد أن ظهرت له، فصار حاله أسوأ مما كان عليه.
[32] دائرة السوء: أي أن البلاء والشر يحيطان به ويلازمانه، فيدور في دائرة من النتائج السيئة والآثار المؤلمة بسبب عناده وتماديه في الخطأ.
[33] شرح نهج البلاغة -ابن ابي الحديد-ج1-ص142.
[34] غرر الحكم-الآمدي التميمي-ح 358.
[35] غرر الحكم-الآمدي التميمي-الحكمة 7087.
[36] غرر الحكم-الآمدي التميمي-2472.
[37] لمسات تربوية-مياسة شبع-ج2-عن الثقة بالنفس.
[38] البقرة/285.
[39] البقرة/93.
[40] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة-قطب الدين الراوندي-ج3 -ص 374.
[41] الجاثية/23.
[42] الأحزاب/36.
[43] لمسات تربوية-مياسة شبع-ج22-أساليب التربية بالعقاب.
[44] غرر الحكم ودرر الكلم-عبد الواحد الآمدي-ج 1 -ص 364.
[45] الحجرات/13.
[46] الملكة هي صفة راسخة وثابتة في النفس، تصبح معها الأفعال تصدر بسهولة ومن غير تكلّف.
[47] يس/12.
[48] غرر الحكم-الآمدي التميمي-1078.
[49] إبراهيم/15.
[50] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج8 -ص425.
[51] م.ن-ج8 -ص426.
[52] إبراهيم/5.
[53] شبكة المعارف الإسلامية/ almaaref.org/ محطات إسلامية/ مناسبات الأشهر الهجري/ شوال/ مناسبات شهر شوال.
[54] حُنين واد قرب الطائف، بينه وبين مكّة ثلاث ليال، أو بضعة عشر ميلاً.
[55] التوبة/25-26.
[56] موسوعة أهل البيت ع-السيد علي عاشور-ج10-ص13.
[57] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج2-ص129.
