اللَّعْنُ فِي مِيزَانِ الحَقِّ

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

المُحَاضَرَةُ: اللَّعْنُ فِي مِيزَانِ الحَقِّ

تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

[إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا].[1]

لقد كثر الجدل حول مسألة اللعن، بين من يراه محرّمًا وأنه سبب في بث الفرقة بين المسلمين، وبين من يقر بمشروعيته لكنه يفرط في استخدامه بلا ضوابط، فيطلق اللعن والسب على رموز الآخرين عبر القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، غافلًا عن تبعات ذلك وما قد يجره من فتن واضطرابات. وقد أدى هذا التناول غير المنضبط إلى اتهام بعض الجهلة للشيعة بأنهم سبّابون لعّانون.

وفي ظل هذا التباين، تبرز الحاجة إلى دراسة علمية متزنة تستند إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية، وأحاديث أهل البيت عليهم السلام، لتوضيح حقيقة اللعن، وحكمه، وأدلته الشرعية، وفلسفته، وحدوده الأخلاقية.

سنتخذ الآية 57 من سورة الأحزاب مدخلًا لهذا الموضوع، حيث يوضح شطرها الأول أحد أسباب اللعن، وهو إيذاء الله ورسوله، ثم ننتقل في الشطر الثاني إلى الحديث عن اللعن بمزيد من التفصيل والتوسع.

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: أَذِيَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

تُبيّن الآية الكريمة التي بين أيدينا أن كل من يؤذي الله ورسوله صلى الله عليه وآله قد استحق لعنة الله في الدنيا والآخرة، إضافةً إلى العذاب المهين يوم القيامة. وفي هذا المبحث، نسلط الضوء على الشطر الأول من الآية، الذي يتناول مسألة أذيّة الله ورسوله.

وانطلاقًا من ذلك، نطرح عدة تساؤلات تتعلق بهذه الأذيّة، وأولها:

السؤال الأول: ما الذي يؤذي الرسول صلى الله عليه وآله؟

يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه الأمثل: “إيذاء نبي الإسلام صلّى اللّه عليه وآله له معنى واسع، ويشمل كلّ عمل يؤذيه، سواء كان الكفر والإلحاد والافتراءات والتّهم ومخالفة أوامر اللّه[2]، كالغيبة والنميمة والاستخفاف بالصلاة، وعقد علاقات غير شرعية، وعقوق الوالدين، وقطع صلة الرحم، وأكل حقوق الناس، والخيانة، وسماع الأغاني، والتبرج والسفور.

قد يتساءل أحدكم: كيف يتأذى رسول الله صلى الله عليه وآله من معاصينا وهو غير حاضر بيننا؟، فإن ارتكب أحدنا معصية سرًا في غرفته، فلن يعلم بها أحد، فكيف يصل أثرها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قد انتقل إلى دار الآخرة؟

الجواب باختصار: إن المرضيين عند الله كالأنبياء والأوصياء لهم خصوصية؛ لأن الله يستثنيهم من عدم إظهار الغيب عليهم، قال تعالى: [عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ][3]، أي يستثني كل من أرسله الله وارتضاه، سواء كان نبيًا، رسولًا، أو إمامًا، وعلى رأسهم محمد وآل محمد عليهم السلام، ومنهم أمير المؤمنين عليه السلام، وقد عقّب الشيخ القمي على قوله تعالى: [إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ] قائلاً: (يعني عليا المرتضى من الرسول صلى الله عليه وآله وهو منه).[4]

أي أنّ الرسول وآل الرسول عليهم السلام مطلعون على كل أعمالنا الصغيرة والكبيرة التي نقوم بها في السر والعلن بقدرة الله، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[5]، وقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال: هم الأئمة”[6]، بمعنى أن أعمالنا تعرض عليهم في حياتهم وبعد مماتهم لأنهم أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ؛ لذا يحزن الرسول وآله عليهم السلام حينما يطلعون على المعاصي التي يرتكبها البشر.

روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “سمعته يقول: مالكم تسوؤن رسول الله صلى الله عليه وآله؟! فقال رجل: كيف نسوؤه؟ فقال: أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسوؤا رسول الله وسروه”.[7]

السؤال الثاني: الله تعالى هل لديه مشاعر مثل البشر حتى يتأذى؟، ولماذا اقترنت أذية الله بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟

الجواب: هناك نصوص عديدة، من يطلع عليها يعتقد أن الله لديه انفعالات كالموجودة عند البشر مثل: الأذى والغضب والضجر والفرح والتأسف، نذكر منها:

الفرح: كالحديث الذي يقول: “إن الله عزّ وجل يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب كما يفرح أحدكم بضالته إذا وجدها”.[8]

التأسف: قال تعالى: [فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمنَا مِنهُم].[9]

الغضب: قال تعالى: [قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم].[10]

المقت (الكراهية والسخط): قال تعالى: [كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ].[11]

الرضا: قال تعالى: [رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ].[12]

إنّ الاعتقاد بأن الله يتعرض للانفعالات هو اعتقاد باطل فالله منزّه عن الانفعالات لأنه أزلي غير متغير: التغير والانفعال صفة المخلوق، والله هو الكامل المطلق الذي لا يطرأ عليه تغير.

للتوضيح نقول: الانفعال هو تغيّر في الحالة النفسية أو العاطفية نتيجة تأثر الإنسان بعوامل خارجية، مثل: الفرح عند سماع خبر سار، أو الغضب عند التعرض للإهانة، أو الحزن عند فقدان شيء مهم.

إذا قلنا إن الله يتأذى ويغضب أو يضجر ويتأسف ويفرح بنفس طريقة البشر، فهذا يعني أنه يتغير؛ لأن التغيير يعني الانتقال من حالة إلى حالة، كأن يكون شخص هادئًا ثم يغضب، أو سعيدًا ثم يحزن.

 لكن الله منزّه عن التغير، لأنه أزلي وأبدي، لا يحتاج إلى شيء، ولا يتأثر بأي شيء، روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال عن الله تعالى: “لا يتغير بحال، ولا يتبدل بالأحوال”.[13]

إنّ كل شيء يتغير يكون معرضًا للزوال، فالمخلوق يتغير، لأنه يمر بضعف وقوة، وغضب ورضا، وحياة وموت. وإذا قلنا إن الله يتغير فهذا يعني أننا لن نميّز بينه وبين مخلوقاته، وحاشاه ذلك. إن التغيير يعني النقص أو الحاجة. ولكن الله سبحانه ليس ناقصًا ولا محتاجًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾[14]لذلك لا يتغير ولا يفنى.

لنضرب مثال تقريبي -والأمثلة تضرب ولا تقاس-: تخيّل جبلًا شامخًا ثابتًا لا يتغير عبر مئات السنين، فهو لا يمرض، ولا يضعف، ولا يشيخ، ولا يحتاج إلى شيء ليبقى موجودًا. في المقابل، خذ كائنًا حيًا مثل الإنسان أو الحيوان، فهو يتغير من طفولة إلى شباب ثم شيخوخة ثم يفنى.

السبب في فناء الكائن الحي هو التغيير المستمر، حيث يضعف مع الزمن، بينما الجبل ثابت نسبيًا لفترة طويلة.

محل الشاهد: الله سبحانه وتعالى منزّه عن التغيير تمامًا، فلا يضعف ولا يحتاج إلى شيء، بل هو غني عن العالمين، ولذلك لا يفنى ولا يتأثر مثل المخلوقات.

إذن كيف نفسّر أذيّة الله وغضبه وفرحه؟

نجيب عليه بنقطتين:

1. عندما نقول إن الله “غاضب”، لا يعني أنه يشعر بالغضب كما نشعر نحن، بل يعني أن الله يعاقب الظالمين ويمقت أفعالهم. روي عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، قال: سألت الصادق جعفر بن محمد عليه السلام، فقلت له: “يا بن رسول الله، أخبرني عن الله، هل له رضا وسخط؟ فقال: نعم، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، ولكن غضب الله عقابه، ورضاه ثوابه”[15]، أي أن الغضب عند الله يعني العقوبة، وليس الشعور بالغضب.

مثال: إذا رأيت نارًا تحرق الورق، فالنار لا “تغضب” من الورق، بل طبيعتها أن تحرقه. كذلك، عندما نقول إن الله “يغضب”، يعني أن عدله يقتضي العقوبة، وليس أنه يشعر بالغضب مثل البشر.

وهكذا الحال مع تعرض الله للأذى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا﴾.[16]

فالله سبحانه لا يتأثر بالأذى كما يتأثر البشر، فهو لا يصيبه ضرر أو ألم، لأن الأذى الحقيقي لا يقع إلا على من يضعف أو يحتاج أو يتأثر، والله منزّه عن ذلك.

إذن عندما يقال إن العاصين “يؤذون الله”، فالمقصود أنهم يرتكبون أفعالًا مستبشعة وبغيضة عند الله، مما يجعلهم يستحقون عقوبته وسخطه.

مثال: تخيّل أن شخصًا يكره الشمس، فيقوم بشتمها أو حتى يحاول رمي الحجارة نحوها!، ولكن مهما فعل، فالشمس لا تتأذى ولا تتأثر بكلامه أو أفعاله، لكنها قد تحرم هذا الشخص من نورها ودفئها إذا أغلق نوافذه وظلّ في الظلام.

كذلك الله: لا يتأثر بأفعال المسيئين، لكنه يعاقبهم ويبعدهم عن رحمته ونوره بسبب أفعالهم القبيحة.

2. إن الذي يصدر عنه الغضب والأسف والفرح وغير ذلك من الانفعالات النفسية هم أولياء الله تعالى، فإنهم حينما يغضبون ويفرحون ويسخطون ويتأذون ويرضون لا يفعلون ذلك لأنفسهم بل يفعلونه لله عز وجل، فجعل الله تعالى غضبهم وفرحهم وسخطهم ورضاهم بمنزلة غضبه وفرحه وسخطه ورضاه، روي في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: [فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمنَا مِنهُم][17]، فقال: “إن الله عز وجل لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون وهم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه، لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه، فلذلك صاروا كذلك وليس أن ذلك يصل إلى خلقه، لكن هذا معنى ما قال من ذلك وقد قال: من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها”، وقال: [مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ اللَّهَ][18]، وقال: [إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوقَ أَيدِيهِم][19]، فكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك، ولو كان يصل إلى الله الأسف والضجر، وهو الذي خلقهما وأنشأهما لجاز لقائل هذا أن يقول: إن الخالق يبيد يوما ما، لأنه إذا دخله الغضب والضجر دخله التغيير، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة، ثم لم يعرف المكوِّن من المكوَّن ولا القادر من المقدور عليه، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف فيه، فافهم إن شاء الله تعالى”[20]. [21]

المَبْحَثُ الثَّانِي: اللَّعْنُ فِي المَنْظُورِ الإِسْلَامِيِّ

ننتقل إلى الجزء الثاني من الآية الكريمة قيد البحث والتي تتكلم عن الآثار المترتبة على من يؤذي الله ورسوله وهما: (اللعن في الدنيا والآخرة)، و(العذاب المهين).

ونريد أن نركز في هذه المحاضرة على موضوع (اللعن).

السؤال الأول الذي ينبغي علينا طرحه هو: ما معنى اللعن؟

إنّ المعنى اللغوي[22] للعن هو الطرد والإبعاد، وتارة يضاف إلى الله فيأخذ معنى دينياً هو طرد الملعون من ساحة الرحمة الإلهية، فقوله تعالى: [لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ][23]، معناه: أبعدهم وطردهم من رحمته.

وتارة يرد في سياق الدعاء على الآخر، مثل: “اللهم العن فلاناً” فيُراد به الطلب من الله أن يطرده من رحمته وعنايته، ويُبعده عن ساحة قُدْسِه ومحبَّتِه.[24]

بعبارة أخرى: أن اللعن على قسمين[25]:

1ـ اللعن من الله.

2ـ اللعن من الناس.

وسنتكلم في هذا المبحث عن هذين القسمين في المطلبين الآتيين:

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: اللَّعْنُ مِنَ اللَّهِ

اللعن من الله: هو الطرد عن رحمته واستحقاق عذابه. كقوله تعالى في حق من يؤذيه ويؤذي الرسول صلى الله عليه وآله: [لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ].[26]

إن الآية الكريمة توضح أن اللعن على قسمين: لعن في الدنيا، ولعن في الآخرة. ويترتب على كل منهما آثار وخيمة، وهي كالآتي:

أولًا: آثار اللعن في الدنيا

إن لعن الله للعاصين في الدنيا يترك آثارًا عديدة، منها:

1.الضيق في المعيشة: كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾[27]، أي أنه سيعيش في ضيق وهم وقلق، حتى لو كان ظاهر حاله من أهل الثراء.

2.الاضطراب النفسي والقلق: عندما تُحجب رحمة الله عن القلب، يمتلئ بالهموم والشكوك، ويفقد الطمأنينة والراحة النفسية، مما يفسر ارتفاع معدلات الأمراض النفسية والانتحار في بلاد الكفر أكثر من بلاد المسلمين.

3. فساد القلب وقسوته: كما يجف الطين ويصبح صلبًا عند انقطاع الماء عنه، كذلك القلب الذي تُحجب عنه رحمة الله بسبب الذنوب والمعاصي، يتحول إلى قلب قاسٍ لا يتأثر بالموعظة ولا يهتدي إلى الصواب.

4.الخذلان في الحياة: من ابتعد عن الله، تخلى الله عنه، فيبقى تائهًا، لا يُوفق للخير، ولا يُبارك له في عمله وحياته.

5.كثرة المصائب والبلايا: قد يُبتلى الإنسان بالمحن والشدائد بسبب بعده عن الله، فيعيش في دوامة من الابتلاءات المتتالية.

ثانياً: آثار اللعن في الأخرة

نذكر منها:

1.العذاب الدائم: من أبعده الله عن رحمته ولم يتب، فهو معرض لعذاب الله في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾.[28]

2.الحجاب عن الله: قال تعالى عن أهل النار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾[29]، أي أنهم لا يرون الله، وهذا أعظم عقاب للمؤمنين الذين كانوا يرجون رؤية الله.

3.الحرمان من الجنة: الجنة دار الرحمة، ولا يدخلها إلا من شمله الله برحمته، فمن ابتعد عنها حُرم منها.

4.الندم الشديد: حيث يدرك الإنسان يوم القيامة أنه ضيّع فرصته في الفوز برحمة الله، ولكنه لن يستطيع العودة للدنيا للإصلاح.

المَطْلَبُ الثَّانِي: اللَّعْنُ مِنَ النَّاسِ

ذكرنا أن اللعن، في معناه العام، هو الدعاء على شخص أو مجموعة بأن يبعدهم الله تعالى عن رحمته. وهنا يبرز السؤال: هل اللعن جائز أم محرم؟

عند تتبع النصوص الشرعية، نجد أن بعضها يجيز اللعن، بينما بعضها الآخر ينهى عنه، مما يستوجب التفريق بين لعن المستحق ولعن غير المستحق، على النحو التالي:

لعن المستحق: جائز في الأصل، لكن إن أدى إلى فتنة أو مفسدة، أصبح غير جائز.

لعن غير المستحق: محرم.

وللتوضيح، سنلقي الضوء على كل من هذين القسمين.

القِسْمُ الأَوَّلُ: لَعْنُ المُسْتَحِقِّ

إنّ لعن المستحق جائز، ولكنه غير واجب. فاللعن ثابت في الشريعة الإسلامية، والدليل على جوازه من القرآن الكريم آيات كثيرة، منها[30]:

1. الآية قيد البحث: [إنَّ الَّذينَ يؤْذونَ اللَّهَ وَرَسولَه لَعَنَهم اللَّه في الدّنْيَا وَالْآخرَة وَأَعَدَّ لَهمْ عَذَابًا مّهينًا].[31]

2. [..أَلاَ لَعْنَة اللّه عَلَى الظَّالمينَ].[32]

3. [إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكَاِفرِينَ…].[33]

4. [فَبِمَا نَقضِهِم مِّيثَاقَهُم لَعنَّاهُم… ].[34]

5.[وَمَن يَقتُل مُؤمِنًا مُّتَعَمِّدًا فجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ… ].[35]

6. [أُولَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلعَنِ اللّهُ فلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا]. [36]

7. [أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ].[37]

ومن السنة الشريفة روايات كثيرة، منها:

1. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: “لعنة الله على الراشي والمرتشي”.[38]

2. قوله صلى الله عليه وآله: “من أحدث في المدينة حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله”[39].[40]

3.قوله صلى الله عليه وآله: “إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله”.[41]

4. وعنه صلى الله عليه وآله: “لعن الله مَنْ عَمِلَ عَمَل قوم لوط”.[42]

5. ولعن صلى الله عليه وآله معاوية وأباه وأخاه بقوله صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله: «اللهم العن القائد والسائق والراكب»، فالراكب هو أبو سفيان، ومعاوية وأخوه أحدهما قائد والآخر سائق.[43]

اعتراض:
يقول بعض المخالفين: إن اللعن من الله جائز، لكنه لا يجوز أن يصدر من الناس. فكيف يكون الرد على هذا الادعاء؟

الجواب:

هذا الادعاء غير صحيح، ويمكن دحضه من خلال الأدلة الآتية:

أولاً: الدليل النقلي:

 يتضح جواز اللعن من قبل الناس من خلال الدليلين القرآني والروائي، كالآتي:

1. الدليل القرآني:

# قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ[44]، هذه الآية تثبت أن اللعن ليس محصورًا بالله، بل تلعنهم الملائكة والناس أيضًا.

# وقال تعالى: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ[45]، وهذا يثبت أن أنبياء الله لعنوا أقوامًا عصاة، مما يدل على جواز اللعن من قبل البشر.

# قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَكتُمُونَ مَا أَنزَلنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ][46]، ذيل الآية يشير إلى وجود لاعنين آخرين غير الله، مما يدل على أن اللعن غير محصور بالله، بل قد يصدر من غيره بحق المستحقين له.

2.الدليل الروائي:

وردت العديد من الروايات التي تؤكد جواز لعن المستحقين له، إذ إن أفعال المعصومين عليهم السلام حجة، وهم القدوة والأسوة الحسنة، كما قال تعالى: [لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ][47]، نذكر منها:

# قوله صلى الله عليه وآله: “جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه”.[48]

# وقوله صلى الله عليه وآله: «ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمتسلط بالجبروت ليذل من أعزه الله، ويعز من أذله الله، والمستأثر بفيء المسلمين المستحل له».[49]

# عن الريان بن شبيب، عن الرضا عليه‌ السلام قال: «يا ابن شبيب إن سرك أن تسكن الغرف المبنيّة في الجنّة مع النبي وآله، فالعن قتلة الحسين عليه‌ السلام».[50]

ثانياً: الدليل العقلي:

 (لقد قام الدليل على العقلي على جواز اللعن. فالعقل يحكم بصحة وجواز دعاء المظلوم على الظالم ـ بإبعاده عن رحمة الله ـ والغاصب والخائن والقاتل والكاذب وغيرهم. خصوصاً لمن يظلم آل البيت عليهم السلام ويغصب حقهم ويقتل شيعتهم ويخون في أمانة رسول الله صلى الله عليه وآله).[51]

ولكن مَنْ هو المستحق الذي أجازت الشريعة لعنه؟

الجواب: هناك أصناف أجازت الشريعة لعنهم، وهم:

1 -الكافر، والآيات كثيرة في ذلك، ومنها: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ][52]، أما الأحاديث فقد تجاوزت حد التواتر، منها ما جاء في كتاب أحكام القرآن للقاضي أبي بكر المعافري، فقد ذكر عند تفسير الآية 161 من سورة البقرة ان النبي صلى الله عليه واله قال: اللهم إن عمرو بن العاص هجاني، وقد علم أنى لست بشاعر، فالعنه”.

2 -الظالم، مسلما كان، أو غير مسلم، لقوله تعالى: [لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ].[53]

(إنّ اللعن يتناسب مع درجة الظلم، فالظالم بدرجة كبرى أمثال فرعون يشمله لعن كبير، والذي يظلم زوجته تشمله نسبة من اللعن …

 ألا يجعل هذا الاعتقاد المؤمن في حالة خوف وهلع، من أن يُطرد من رحمة الله تعالى؟!!، فعندئذ من الذي سيفتح له الأبواب، كما في مناجاة التائبين: “فإن طردتني من بابك، فبمن ألوذ؟..وإن رددتني عن جنابك فبمن أعوذ؟”).[54]

3 –الكاذب: من كذب على اللَّه ورسوله، قال تعالى: [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ][55] ومن الكذب على اللَّه سبحانه الحكم بغير ما أنزل.

4 -من يسعى في الأرض فسادا، كالذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.[56]

5 -من يفتن بين الناس، ويثير النعرات والحزازات.[57]

والمصداق الأكبر لمستحقي اللعن هم أعداء الله، وأعداء النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأعداء أهل بيته عليهم السلام، وأعداء الدين، حيث يُستحب لعنهم شرعًا، لكنه ليس فرضًا واجبًا.

استثناء مهم في مسألة اللعن العلني
مع ذلك، هناك استثناء في غاية الأهمية، وهو ما أجاب عنه سماحة السيد السيستاني (دام ظله) في معرض الرد على السؤال الآتي: هناك من يتجاهر بسبّ ولعن رموز المخالفين علنًا، سواء أمامهم مباشرة أو عبر وسائل الإعلام، مما قد يؤدي إلى إثارة الفتن والصراعات بين أبناء الأمة الإسلامية، فهل يجوز ذلك؟

الجواب: ورد في بيان صادر عن مكتب سماحة السيد السيستاني (دام ظله الوارف) في سبّ رموز الآخرين وشخصياتهم:

 (هذا التصرّف مدان ومستنكر جدًا، وعلى خلاف ما أمر به أئمتنا الأطهار عليهم السلام شيعتهم) من التآلف مع عامة المسلمين واحترام رموز الآخر وبدون التعدّي عليهم بما يثير البغضاء والتناحر وسفك الدماء. [58]

ونلفت نظركم أن هذا البيان الصادر عن المرجع الأعلى لا يعني بحالٍ من الأحوال جواز تولي أعداء أهل البيت عليهم السلام، بل إن ذلك محرم، إذ يجب على المؤمن أن يوالي أئمة أهل البيت عليهم السلام ويبرأ من أعدائهم، فالتولي والتبري من فروع الدين، تمامًا كالصوم والصلاة.

نفهم مما تقدم أن الشريعة نهتنا عن الإعلان بلعن رموز الآخرين وتعيينهم -كذكر أسمائهم-إذا ترتب عليه فتنة أو مفسدة.

وإنّما جاز لعن فئةٍ بما فعلوا، فيقول مثلاً: (أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). فمَنْ كان ظالماً شملَتْه هذه اللعنة وعَرَفَت طريقها إليه، دون أن تستفزّ أحداً، أو تستدعي ردّة فعلٍ غير مرضيّة.

إنّ أهل البيت عليهم السلام نهَوْا شيعتهم عن التعرُّض بالشتم والسبّ واللعن لأعدائهم جهاراً؛ خوفاً من ردّة الفعل العنيفة من الطرف الآخر، التي ستتمظهر بسبّ وشتم ولعن أهل البيت عليهم السلام. وقد قيل لمولانا الصادق عليه السلام: “يا بن رسول الله، إنّا نرى في المسجد رجلاً يعلن بسبِّ أعدائكم ويسمِّيهم؟ فقال: ما له ـ لعنه الله ـ يعرِّض بنا”.[59]

ومن هنا ذهب علماؤنا إلى وجوب ممارسة التقيّة في هذه الأمور، فقد قال الشيخ الصدوق رحمه الله: (اعتقادنا في التقيّة أنّها واجبةٌ، مَنْ تركها كان بمنزلة مَنْ ترك الصلاة… وقال الله تعالى : [وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ][60]، وقال الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية : لا تسبّوهم فإنّهم يسبُّون عليَّكم، وقال عليه السلام: “مَنْ سبَّ وليَّ الله فقد سبَّ الله”[61]، وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: “من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله عز وجل”[62]. والتقيّةُ واجبةٌ لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم عليه السلام، فمَنْ تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله ودين الإماميّة، وخالف الله ورسوله والأئمّة. وسُئل الصادق عن قول الله عزّ وجلّ: [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ][63] قال: أعملُكم بالتقيّة).[64]

ومن هنا يظهر أنّ ما يحصل على بعض القنوات الفضائيّة، التابعة لشيعة أهل البيت عليهم السلام، أو في بعض صفحات التواصل الاجتماعي، من تَجاهُرٍ باللعن والسبِّ لأعداء أهل البيت عليهم السلام، أمرٌ مذموم، لا ينبغي للشيعيّ الموالي لأهل البيت عليهم السلام، المطيع لأوامرهم، المقتدي بنهجهم وسلوكهم، أن يقوم به[65]، تعزيزًا للوحدة الإسلامية وتجنبًا للفتنة.

قد يعترض أحدكم بأن جواز لعن رموز الآخرين يؤدي إلى تفريق المذاهب وتشتيت وحدتهم.

والجواب: قد أوضحنا سابقًا النهي عن إعلان لعن رموزهم إذا كان يترتب عليه فتنة أو مفسدة.

ثم (إنّ الاختلاف بين الشيعة والسنة واقع لا يمكن إنكاره، والتظاهر بعدم وجوده مجرد تصنع لا تُحمد عواقبه. لكن الأهم هو كيفية التعامل معه، والنهج الذي نؤكد عليه دائمًا هو الحوار الأخوي الهادئ، واستمراريته وفق أسس موضوعية. فإن توصّل المتحاورون إلى تفاهم، فهو المطلوب، وإلا فإن الاختلاف لا ينبغي أن يفسد الود). [66]

القِسْمُ الثَّانِي: لَعْنُ غَيْرِ المُسْتَحِقِّ

اللَّعن في الشريعة الإسلامية ليس أسلوبًا يُطلق دون ضوابط، بل هو حكمٌ شرعيٌ يجب أن يكون في موضعه الصحيح. واللعن بالمعنى الأدق له معنيان:

1.اللعن بالمعنى المشهور وهو الدعاء بالطرد من رحمة الله: وذكرنا أّنه هذا جائز بحقّ من ثبت استحقاقه للّعن شرعًا، كالمنافقين والظالمين الذين ذكرهم الله في كتابه الكريم، حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾.[67]

ولكنه غير جائز بحق غير المستحق، كمن يقوم بلعن المؤمن المتقي، والمقصود بالمؤمن في فقهنا أن يكون المسلم اثني عشريا.

في حين الشرع (لا يجوز لعن المؤمن، إلا مع انطباق بعض العناوين التي ورد فيها اللعن في الكتاب والسنة)[68]، وهذا رأي السيد السيستاني (دام ظله)، وإليكم جواب مكتب سماحة السيد السيستاني عن السؤال الآتي: هل يجوز لعن شارب الخمر (المتجاهر) بالفسق؟

الجواب: يجوز لعن شارب الخمر لأن النبي صلى الله علیه واله لعنه مع عدة آخرین.[69]

ولكن بعض الفقهاء لا يجيزون لعن المؤمن مطلقا حتى لو كان فاسقاً، ومنهم سماحة السيد الخوئي (قد).[70]

يقول الشيخ النراقي في كتابه جامع السعادات: وبالجملة: (اللعن على رؤساء الظلم والضلال والمجاهرين بالكفر والفسق جائز، بل مستحب وعلى غيرهم من المسلمين غير جائز، إلا أن يتيقن‏ باتصافه بإحدى الصفات الموجبة له[71].  وينبغي ألا يحكم باتصافه بشيء منها بمجرد الظن والتخمين).[72]

2.اللعن بمعنى السبّ والشتم والإهانة:

 وهذا محرمٌ، لأنه يتضمن إيذاء الآخرين بغير حق، والتجاوز في القول بما يؤدي إلى الإهانة والتحقير، وهو من حيث المبدأ، لا يليق بأخلاق المؤمن، إذ لا ينبغي له أن يكون لعَّانًا -اللعّان كثير اللعن-، بحيث يستخدم هذا الأسلوب في كل كبيرة وصغيرة، أو يطلق لسانه بلا ضابط في لعن الآخرين.

مثال ذلك: إذا قال شخص لآخر لمجرد خلاف شخصي: “لعنك الله” بغير موجبٍ شرعي، ولم يُفهم منه الدعاء عُرفًا، وإنَّما فُهِمَ منه التوهين والازدراء أو التُهمة، فهو حرام، لأنه ظلمٌ واعتداء.

وقد وردت العديد من الروايات التي تنهى عن لعن غير المستحق:

#روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “إنّي لم أُبْعث لعّاناً وإنّما بُعِثْت رحمة”.[73]

#عنه صلى الله عليه وآله: “لا يكون المؤمن لعّاناً”.[74]

# روي عن الإمام علي عليه السلام: “كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين”.[75]

قد يقال: أن هذه الروايات الناهية عن اللعن، جاءت بصيغة مطلقة دون تقييدها بالمستحق أو غير المستحق، مما قد يستدعي القول بتحريم اللعن بشكل عام!!

ونرد على القائل بالنقاط الآتية:

1. النهي المطلق يناقض القرآن والسنة: على فرض صحة هذه الروايات، فإنها لا يمكن أن تُفهم على إطلاقها، بل يجب تقييدها بالنصوص القرآنية والروائية التي تثبت جواز لعن المستحق، والتي سبق ذكرها، مما يدل على أن النهي في تلك الروايات ليس عامًا.

2. النهي عن الإفراط في اللعن، وليس عن لعن المستحق: إنّ النهي الوارد في الروايات هو النهي من جعل اللعن خلقاً لهم بسبب المبالغة فيه والإفراط في ارتكابه بحيث يلعن من يستحق ومن لا يستحق، لا النهي عن لعن المستحقين كما يزعمه بعض المعارضين ولو أراد ذلك لقال المعصوم: (لا تكونوا لاعنين)، وليس (لعانين) فان بينهما فرقاً يعلمه من أحاط بدقائق لسان العرب[76].

3. النهي من أجل التقية: قد يكون النهي عن اللعن في بعض الروايات مرتبطًا بالتقية، أي أن الأئمة عليهم السلام منعوا اللعن في ظروف معينة حفاظًا على شيعتهم من بطش الظالمين.[77]

4.التفريق بين النهي الإلزامي وغير الإلزامي: اللعن قد يكون محرمًا في بعض المواضع، وقد يكون مكروهًا في أخرى، لكن بما أن هناك أدلة تثبت جواز لعن الظالمين والمنافقين، فإن الروايات الناهية عن اللعن لا يمكن حملها على التحريم المطلق.[78]

رب تساؤل يرد: إن السب منهي في الشريعة، فكيف يمكن فهم وتفسير بعض المواقف الصادرة من المعصومين، ومنها: قول الإمام الحسين عليه السلام لشمر بن ذي الجوشن: “يا ابن راعية المعزى”؟

الجواب: لقد دلَّ الدليل على جواز سب أهل البدع والضلال. كما في صحيحة داود بن سرحان في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم[79] كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة “.[80]

هذه الرواية تدل على جواز لعن المستحقين وهم المبتدعين والضالين، بل وتشجيع ذلك للحفاظ على الدين.

وقبل الانتقال إلى المبحث الآخر، نود الإشارة إلى أن (لعن الأموات أشد وزرا وأعظم إثما، لقول النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم: «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا»[81])[82]، ومع ذلك، يُستثنى من ذلك من كان مستحقًا للّعن، لا سيما من أعلن العداء لمحمد وآل محمد عليهم السلام، وذلك وفق الضوابط التي تم ذكرها سابقًا.

(وبعض الناس لا يقتصرون على لعن البشر، بل يتجاوزون ذلك إلى لعن الزمان، أو المكان، أو المخلوقات الأخرى كالرياح والحيوانات، غافلين عن كونها جزءًا من نظام إلهي دقيق، لا تملك لنفسها خيرًا ولا شرًّا. فهذه الأمور ليست مصدرًا للمحن والمتاعب، وإنما هي مجرد ظروف تسير وفق سنن الله في الكون، وعلى الإنسان أن يتعامل معها بحكمة، مستثمرًا إياها فيما يصلح شأنه ويرضي ربه، بدلًا من أن يحمّلها مسؤولية ما يصيبه من مشاق، أو يتشاءم منها، أو يصفها بالنحس، أو ينهمك في سبّها ولعنها بلا وعي أو تدبر.

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “لا تلعن الريح فإنّها مأمورة، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه”[83]، وروي أن رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يلعن بعيره، فقال: “إنزل عنه فلا تصحبنا بملعون”[84]، وروي في حديث آخر: «أنه ما لعن أحد الأرض إلا قالت: اللعن على أعصانا للَّه»[85]).[86]

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: فَلْسَفَةُ اللَّعْنِ

في هذا المبحث، نتناول فلسفة اللعن من خلال المطلبين الآتيين:

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: فَلْسَفَةُ لَعْنِ المُسْتَحِقِّ

لم يكن تشريع اللعن في الإسلام، وفقًا لمنهج أهل البيت عليهم السلام، أمرًا عبثيًا أو دون حكمة، بل أُجيز بحق المستحقين لما فيه من حِكَمٍ ومصالح متعددة، منها:

1. اللعن وسيلة لإعلان البراءة من الظالمين والمنافقين:

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ﴾[87]. فاللعن أحد مظاهر التعبير عن البراءة من أعداء الدين، ومعلوم أن التبري أحد فروع الدين العشرة. ولكن ذكرنا لا يجوز الإعلان عن لعن رموز الآخرين إذا ترتب عليه الفتنة، (وليس من الواجب على الإنسان اللعن، فمن حقه ان لا يلعن أحداً ولا يُحاسب على ذلك، نعم يجب على المؤمن التبرؤ من أعداء الله)[88] كما سنشير لذلك في المبحث الأخير.

2. اللعن حاجز يحمي الولاية:

إن الله تعالى أمرنا بولايته وولاية الرسول وأمير المؤمنين عليهم السلام، بقوله: [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ][89]. وهذه الولاية تحتاج إلى حماية بوسائل، منها: لعن أعداء محمد وآله. فاللعن يُمثل حاجزًا يحمي المحبة الصادقة لأولياء الله من الاختلاط بمودة أعدائهم. كما أن الشريعة لم تكتفِ بتحريم شرب الخمر، بل منعت حتى الجلوس على مائدة يُشرب فيها، صونًا للقلب من التعلق بها، لأن تجاوز هذا الحاجز قد يقود إلى الميل ثم الوقوع في المحظور.

3. حماية المجتمع من الفساد والانحراف

اللعن يُعد وسيلة روحية لردع الظالمين والمنافقين، كما أنه يدفعهم إلى مراجعة أفعالهم أو على الأقل يكشف حقيقتهم أمام الناس، مثال ذلك: إن انتشار حديث الرسول صلى الله عليه وآله بين الناس بلعن شارب الخمر[90] قلل من انتشارها بنسبة كبيرة.

4.تمييز الحق عن الباطل

اللعن في منهج أهل البيت عليهم السلام ليس مجرد تعبير عن الرفض، بل هو وسيلة توعوية تهدف إلى كشف الباطل وتعزيز الولاء للحق. فعندما يلعن المعصومون عليهم السلام الظالمين بأسمائهم أو صفاتهم، فإنهم يرشدون الناس للتمييز بين الحق والباطل، ويمنعون اختلاط المفاهيم في أذهانهم.

5.تطبيق العدل الإلهي ورفض الظلم

اللعن يعبر عن رفض الظلم بكل أشكاله، ويؤكد أن الإسلام لا يساوي بين الظالم والمظلوم، بل يُدين الظالمين بكل الوسائل المشروعة.

6. نيل الثواب المترتب عليه

روي عن داود الرقي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام: «إذا استسقى الماء، فلما شربه رأيته قد استعبر، واغرورقت عيناه بدموعه ثم قال لي: يا داود لعن الله قاتل الحسين عليه السلام فما من عبد شرب الماء فذكر الحسين ولعن قاتله، إلا كتب الله له مائة ألف حسنة، وحط عنه مائة ألف سيئة، ورفع له مائة ألف درجة، وكأنما أعتق مائة ألف نسمة، وحشره الله يوم القيامة ثلج الفؤاد».[91]

المَطْلَبُ الثَّانِي: فَلْسَفَةُ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّ

جاء النهي عن لعن غير المستحق استنادًا إلى عدة اعتبارات شرعية وأخلاقية، نذكر منها الآتي:

1. تحقيق العدل ومنع الظلم: اللعن حكم شرعي لا يجوز إطلاقه دون استحقاق، وإلا كان ظلمًا وعدوانًا، والإسلام قائم على تحقيق العدالة والإنصاف.  رُويَ عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾[92] ” قال: قولوا للناس ما تُحبون أنْ يُقال لكم فإنَّ الله يبغض اللعَّان السبَّاب الطعَّان على المؤمنين المتفحِّش السائل المُلحِف ويُحبُّ الحيي الحليم العفيف المتعفِّف”.[93]

4.  الحفاظ على الأخلاق والوقاية من الفتنة والفرقة بين المسلمين: اللعن بغير حق يُنمي العداوة والبغضاء بين الناس، مما يجعله من شرار الخلق، روي عن الباقر عليه السلام قال: «خطب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم الناس، فقال: ألا أخبركم بشراركم؟، قالوا بلى يا رسول اللَّه!، قال: الذي يمنع رفده ويضرب عبده، ويتردد وحده.

فظنوا أن اللَّه لم يخلق خلقا هو شر من ذلك، ثم قال: ألا أخبركم بمن هو شر من ذلك؟، قالوا: بلى يا رسول اللَّه!، قال المفتحش اللعان الذي إذا ذكر عنده المؤمنون لعنهم، وإذا ذكروه لعنوه»[94]، ومعلوم أن شرار الناس مبغوضون ومكروهون من قبل الناس.

 3. تجنب رجوع اللعنة على صاحبها: إذا لم يكن الملعون مستحقًا للّعن، فإن اللعنة تعود على اللاعن نفسه، رُويَ عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه الباقر عليه السلام قال: “اللَّعنةُ إذا خرجت من صاحبها تردَّدت بينه وبين الذي يُلعن فإنْ وجدت مساغًا وإلا عادت إلى صاحبها وكان أحقَّ بها، فاحذروا أنْ تلعنوا مؤمناً فيحلُّ بكم”.[95]

4. دفع العقاب: (عند وقوع مشاجرة كلامية يتلفظ بعض الأشخاص -للأسف -بألفاظ معناها الكفر بالله سبحانه وتعالى، كما يتلفظون بما لا يليق بالمعصومين: وهم غير جادين فيما يقولون، فشرعا ما داموا غير جادين ولا قاصدين لما يقولون، فلا يقام عليهم الحد الشرعي وإنما يستحقون التعزير[96].

وأما لو كانوا جادين قاصدين في سبهم لله عز وجل، أو للنبي صلى الله عليه وآله، أو للأئمة، أو للدين، أو للمذهب، وقاصدين ذلك بإصرار منهم عليه فحكمهم القتل).[97]

5. تجنب الحرمان من الشفاعة والشهادة يوم القيامة: روي أنّ عبد الملك بن مروان كان يرسل إلى أم الدرداء فتبيت عند نسائه، وقد سمعته ذات يوم يلعن خادمة له، فقالت: لا تلعن، فإنّ أبا الدرداء حدّثني عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “إنّ اللعّانين لا يكونون يوم القيامة شهداء ولا شفعاء”[98]، أي اللعان يُمنع من الشهادة يوم الحساب، فلا يُقبل قوله، كما يُحرم من الشفاعة، فلا يستطيع التوسط لأحد يوم القيامة.

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: لَعْنُ أَئِمَّةِ الظُّلْمِ وَمُؤَسِّسِي الجَوْرِ

ذكرنا أن الله تعالى لعن في كتابه العزيز الظالمين والكافرين والمنافقين والمفسدين والكاذبين، والذين يؤذون الله ورسوله، قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا].[99]

ومن أشد من آذى الله ورسوله أئمة الظلم والجور والنواصب، الذين خالفوا وصية النبي صلى الله عليه وآله في التمسك بأهل بيته عليهم السلام، فظلموهم، وحاربوهم، وسعوا لإخفاء ذلك عن الناس، لكنهم كشفوا عن عداوتهم الصريحة لشيعتهم ومواليهم، والسبب في ذلك يوضحه الإمام الصادق عليه السلام حينما قال: “ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنّك لا تجد أحداً يقول أنا أبغض محمّداً وآل محمّد، ولكنّ الناصب من نصب لكم، وهو يعلم أنّكم تتولَّوننا وتتبرؤون من أعدائنا”.[100]

ولكن ما هو تكليفنا تجاه أهل البيت عليهم السلام، وتجاه أعدائهم لعنهم الله؟

الجواب باختصار هو: (بالتولّي والتبرّي، أي تولّي أهل بيت العصمة عليهم السلام والتبرّي من أعدائهم. فهما ركنان أساسيَّان من أركان الدين. ولكن التعلُّق بأحد الركنين دون الآخر لا قيمة له، بل إنّ من أعظم مصائب الأمة الإسلامية اليوم أنّ الجميع يكنّ لأهل بيت العصمة عليهم السلام المحبة والولاء، إلّا أنّ أكثر هؤلاء لا يتبرّؤون من أعدائهم ولا يقفون في مواجهتهم.

وغفل هؤلاء بأن علاقة الولاء لا تستقيم بدون التبري من أعدائهم، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ…﴾[101]، بل تشير بعض الروايات إلى أنّ من يوالي أهل البيت ويتودّد لأعدائهم أشدُّ لعنة وسوءاً عليهم، وذلك لأنه يُسهم في تعمية قلوب الناس عن العلاقة الحقيقية بأهل بيت العصمة عليهم السلام،  فقد روي عن الحسن بن علي الخزّاز، قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: “إنّ ممن يتّخذ مودّتنا أهل البيت لمَن هو أشدّ لعنة على شيعتنا من الدّجّال، فقلت له: يا بن رسول الله بماذا؟ قال: بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا، إنّه إذا كان كذلك اختلط الحقّ بالباطل، واشتبه الأمر فلم يعرف مؤمن من منافق” [102]).[103]

وأول إمام من أهل البيت الذي وجب علينا أن نواليه ونتبرأ من أعدائه هو صاحب الذكرى أمير المؤمنين ومولى المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: “النظر إلى علي بن أبي طالب عبادة، وذكره عبادة، ولا يقبل إيمان عبد إلا بولايته والبراءة من أعدائه”.[104]

السؤال الأخير: كيف نتبرأ من أعداء علي بن أبي طالب عليه السلام؟

مصاديق البراءة من أعداء علي بن أبي طالب عليه السلام عديدة، وهي تتجلى في العقيدة، والسلوك، والموقف العملي، ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

1.الاعتقاد بعداوة أعدائه ورفضهم: الإيمان بأن من نصب العداء لأمير المؤمنين عليه السلام قد حاد عن الحق، والبراءة القلبية من كل من ظلم أهل البيت عليهم السلام وغصب حقوقهم.

2.الامتناع عن موالاة أعدائه: عدم الانتماء أو التعاطف مع الاتجاهات التي تنكر فضل الإمام علي عليه السلام أو تقلل من شأنه، وعدم تأييد الظالمين الذين ساروا على خطى من حاربوا أهل البيت عليهم السلام، وعدم الانخداع بمحاولات تلميع صورة من ظلموا الإمام وأهل البيت عليهم السلام، وعدم قبول أي تفسير يحاول التقليل من الجرائم التي ارتكبها أعداؤه.

روي إنّ رجلاً قدم على أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: “يا أمير المؤمنين، إنّي أحبّك وأحبّ فلاناً _ وسمّى بعض أعدائه _ فقال عليه السلام: أمّا الآن فأنت أعور، فإمّا أن تعمى وإمّا أن تبصر”.[105]

3. رفض نهج أعدائه وعدم التأثر بهم: تجنب الفكر الذي يتبنى مواقف المعادين لعلي عليه السلام، واتباع منهج أهل البيت عليهم السلام في العقيدة والأحكام والسلوك.

4.البراءة باللسان بواسطة اللعن: يعدّ اللعن من مظاهر التبري من أعداء أهل البيت عليهم السلام، لذا ورد اللعن في بعض الأدعية والزيارات، منها: زيارة عاشوراء. ورغم أن اللعن غير واجب. ولكن عند التلفظ بلعن أئمة الظلم والجور يجب مراعاة الظروف المحيطة وعدم الإعلان به أمام المخالفين إذا كان يؤدي إلى الفتنة أو إثارة النزاعات، أو على الأقل تجنب ذكر أسمائهم.

هناك من يسأل: من هم المخصوصون في اللعن في زيارة عاشوراء: (اللهم خص انت أول ظالم باللعن مني وابدأ به اولا ثم العن الثاني والثالث والرابع)؟

يجيب مركز الأبحاث العقائدية: (المقصود هنا هو ذكر أئمة الظلم ومؤسسي الجور على أهل البيت عليهم السلام. ومع هذا الإبهام والإجمال فنحن غير مكلفين بالقطع بأحد وتسميته، وإنما المطلوب هنا ـ كما هو واضح ـ البراءة واللعن ممن ظلم آل محمد عليهم السلام من الأئمة والقادة والرؤوس والمؤسسين لهذا النهج، وإلا فالظلمة كثر وليس بثلاث أو أربع، فالأمر باللعن إذن يخص مؤسسي وقائدي هذا الظلم على أهل البيت (عليهم السلام)، ولسنا مكلفين بتسميتهم).[106]

5. إحياء ذكر أمير المؤمنين عليه السلام ونشر فضائله: بالتمسك بحديثه ونشر علومه وسيرته، وعدم السكوت عن الحق، وردّ الشبهات التي يثيرها النواصب حول شخصيته ومقامه.

6. اتباع نهج الإمام علي عليه السلام عمليًا: بالالتزام بتعاليمه في التقوى والعدل والإحسان، ونصرة المستضعفين ومواجهة الظلم، اقتداءً بسيرته في حكمه ومواقفه.

7. التأكيد على مظلوميته وعدم نسيان حقه: بذكر مظلوميته وما جرى عليه من غصب للخلافة وظلم زوجته الزهراء عليها السلام، وبيان الحقائق التاريخية التي تم التعتيم عليها بشأنه.

إن مظلوميات أمير المؤمنين عليه السلام عظيمة، تنهد لهولها الجبال، ومن أبرزها مظلوميته في الليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان. حيث تروي كتب السيرة والتاريخ ما مضمونه: بأن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الليلة أفطر في بيت ابنته زينب عليها السلام، فقدمَت له قرصين من شعير ولبن وملح، فرفع اللبن قائلاً: “قدمتِ لأبيك إدامين في طبق واحد، وقد علمتِ أني متبع لرسول الله صلى الله عليه وآله”. ثم أكل قليلاً، وحمد الله، وأخذ في الصلاة والدعاء حتى غلبه النعاس، فاستيقظ وقال: “رأيت النبي صلى الله عليه وآله فشكوت إليه ما أنا فيه من التبلد بهذه الأمة[107] ، فقال لي: ادعُ عليهم، فقلت: “ادع عليهم فإن الله تعالى لا يرد دعاءك. فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا وأبدلهم بي شرا”.

كان عليه السلام في تلك الليلة يكثر الدخول والخروج، وينظر إلى السماء قائلاً: “هي والله الليلة التي وعدنيها حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله”، وكان يكثر من قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)، ثم هومت عيناه فرأى في المنام النبي صلى الله عليه وآله يقول له”:يا أبا الحسن إنك قادم إلينا عن قريب يجيء إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك وأنا والله مشتاق إليك”. فلما أخبر أبناءه، ضجّوا بالبكاء، فأمرهم بالسكوت، ثم عاد إلى التضرع والعبادة.

مع اقتراب الفجر، نهض عليه السلام للوضوء والصلاة، وبينما كان يخرج من الدار، رفرفت إوزٌّ كان في البيت وصحن في وجهه، فقال” :صوائح تتبعها نوائح .”وعند الباب، انحل مئزره، فقال:

اُشْدُدْ حيازيمَكَ للموت فإنَّ الموتَ لاقيكا
ولا تجزع من الموت إذا حلَّ بناديكا
كما أضحكك الدهرُ كذاك الدهرُ يُبكيكا

ثم خرج (عليه السلام) إلى المسجد، حيث كان ابن ملجم قد اختبأ متربصاً به، متعاوناً مع قطام التي وعدته بالزواج إن نفذ جريمته. دخل الإمام (عليه السلام) المسجد، وصلى ركعتين، ثم أذّن، وكان من عادته تفقد النائمين، فمرّ بابن ملجم فوجده نائماً على وجهه، فأيقظه قائلاً: “قم من نومتك، فإنها نومة الشيطان”.

ثم توجه إلى المحراب للصلاة، فترقّبه ابن ملجم حتى سجد السجدة الأولى ورفع رأسه منها فتقدم اللعين وأخذ السيف وهزَّه ثم ضرب الإمام على رأسه الشريف فوقع الإمام على وجهه يخور بدمه قائلا: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، فزت ورب الكعبة قتلني ابن اليهودية لا يفوتنَّكم الرجل.

(نصاري)

بالمحراب اويلي طاح ابو احسين
 
 او دم الراس يتفايض على العين
 
يومٍ الطاح ابو الحسنين مجروح
 
 ثار اصياح لهل العرش بالنوح
 
طبره اشلون طبره تشعب الروح
 
 تشوف السم او دم الراس لونين
 

(أبوذية)

إلك ماتم يحامي الجار ينصاب
 
 او دمعي اعليك مثل السيل ينصاب
 
يريت الصوبك بالگلب ينصاب
 
 او سالم تظل يا حامي الحمية
 

آجركم الله فأصطفقت أبواب الجامع وضجت الملائكة في السماء وهبت ريح عاصفة سوداء مظلمة ونادى جبرئيل بين السماء والأرض بصوت يسمعه كل مستيقظ: تهدمت والله أركان الهدى وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى وانفصمت والله العروة الوثقى قتل ابن عم المصطفى قتل الوصي المجتبى قتل على المرتضى قتل سيد الأوصياء قتله أشقى الأشقياء فلما سمعت أم كلثوم نعي جبرئيل لطمت وجهها وخدها وصاحت وا أبتاه وا علياه.[108]

 (فائزي)

الله يالناعي افجعت گلبي او مردته
 
 ياريت صوتك لا عَلَيْ مرّ او سمعته
 
چن عودي ماتم ابمحرابه سجدته
 
 الله يالناعي افجعتنه ابهذا المصاب
 
گلها يويلي راح ابوچ او هلي العين
 
 صابه المرادي ابسيفه او طرَّ راسه نصين
 
من سمعته صاحت يخويه حسن واحسين
 
 گوموا لبونه اتلاحگوا بالمسجد انصاب
 

(نصاري)

الحسن واحسين اجوها عالچه ابساع
 
 يختنا الگلب منچ ليش مرتاع
 
نسمع صوت منه ارتجت الگاع
 
 اخبرينه يخويه ليش تبچين
 
تگللهم يخوتي راح ابوكم
 
 عگب عينه يخوتي اشلون بيكم
 
عزكم راح يا ويلي عليكم
 
 كهف هاي الأرامل والمساكين
 

[1] الأحزاب/57.

[2] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -ناصر مكارم الشيرازي-ج13-ص344-بتصرف.

[3] الجن/26.

[4] تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي -ج ٢ -ص ٣٩٠.

[5] التوبة/105.

[6][6] الكافي -الشيخ الكليني -ج ١ -ص ٢١٩.

[7] الكافي -الشيخ الكليني -ج ١ -ص ٢١٩.

[8] الحديث مروي عن الإمام الصادق عليه السلام. المصر: الكافي-الكليني-ج 2-ص 436، كتاب الإيمان والكفر، باب التوبة / ح13.

[9] الزخرف/55.

[10] المجادلة/14.

[11] الصف/ 3.

[12] البينة/8.

[13] نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع) -ج ٢ -ص ١٢٢.

[14] آل عمران/97.

[15] الأمالي -الشيخ الصدوق -ص ٣٥٣.

[16] الأحزاب/ 57.

[17] الزخرف/55.

[18] النساء/80.

[19] الفتح/10.

[20] الكافي -الشيخ الكليني -ج 1 -ص 144 -145.

[21] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net / الأسئلة والأجوبة العقائدية / الحديث/ معنى فرح الله تعالى في حديث: (إن الله يفرح بتوبة عبده…)-بتصرف.

[22] قال ابن منظور: “واللعن: الإبعاد والطرد من الخير، وقيل: الطرد والإبعاد من الله”، انظر: لسان العرب-ابن منظور-ج12-ص292.

[23] النساء/ 46.

[24] من كتاب “العقل التكفيري قراءة في المفهوم الاقصائي”. نقلا عن موقع الشيخ حسين الخشن/ al-khechin.com / مقالات/ فكر ديني/ المسلمون وثقافة اللعن-بتصرف.

[25] التقوى ودورها في حل مشاكل الفرد والمجتمع-لشيخ حسين الراضي العبد الله-ص 502 ــ 507-بتصرف.

[26] الأحزاب/57.

[27] طه/ 124.

[28] طه/ 74.

[29] المطففين/ 15.

[30] موسوعة الاسئلة العقائدية-مركز الابحاث العقائدية-ج5 -ص 195-بتصرف.

[31] الأحزاب/57.

[32] هود/18.

[33] الأحزاب/64.

[34] المائدة/13.

[35] النساء/93.

[36] النساء/52.

[37] البقرة /161.

[38] مجمع الفائدة-الأردبيلي-ج12-ص49.

[39] الأربعين-القمي الشيرازي-583.

[40] يعني: أن من يرتكب جرمًا أو فسادًا في المدينة المنورة، أو يحمي الفاعل ويتستر عليه، يستحق لعنة الله، تأكيدًا على حرمتها ووجوب صون أمنها.

[41] الفصول المهمة في أصول الأئمة-الشيخ محمد العاملي-ج 1-ص522.

[42] أخرجه أحمد 1/ 309، 317 (816، 2915،2913).

[43] وقعة صفّين-نصر بن مزاحم-ص٢٢٠.

[44] البقرة/ 161.

[45] المائدة/ 78.

[46] البقرة/159.

[47] الأحزاب/21.

[48] الملل والنحل-الشهرستاني-ج 1-ص23.

[49] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٦٩ -ص ٢٠٤.

[50] أمالي الصدوق-المجلس ٢٧ -الرقم ٥.

[51] موسوعة الاسئلة العقائدية-مركز الابحاث العقائدية-ج5 -ص 195-بتصرف.

[52] البقرة/161.

[53] الأعراف/ 44.

[54] نحو أسرة سعيدة-الشيخ حبيب الكاظمي-ص97-98.

[55] هود / 18.

[56] النور/23.

[57] تفسير الكاشف-محمد جواد مغنية-ج1-ص249-بتصرف.

[58] موقع المجيب/ almojib.com / مؤسسة المصطفى للإرشاد-حسب رأي سماحة السيد السيستاني/ متفرقات اللعن.

[59] الاعتقادات في دين الإماميّة-الصدوق-ص 107108.

[60] الأنعام/108.

[61] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٢٧ -ص ٢٣٩.

[62] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٣٩ -ص ٣١١.

[63] الحجرات/13.

[64] م.ن.

[65] موقع الشيخ محمد عباس الدهيني/ dohaini.com/ سلسلة (سؤال وجواب) / حكم المجاهرة بلعن أعداء أهل البيت عليهم السلام-الكاتب: الشیخ محمد دهیني.

[66] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / اللعن/ اللعن لا ينافي التقريب.

[67] الأحزاب/ 64.

[68] موقع السراج/ alseraj.net/ فتاوى سماحة السيد السيستاني/ أحكام المحرمات القولية/ أحكام السب.

[69] مركز آل البيت العالمي/ holynajaf.net/ مرجعية السيد السيستاني/أجوبة استفتاءات/الغيبة/ سید على الحسیني السیستاني.

[70] صراط النجاة -الميرزا جواد التبريزي -ج ١ -ص ٤٤٢.

[71] كأن يكون من الكافرين أو الظالمين أو الكاذبين أو الفاسدين التي تم ذكرها في الفئات التي جاز لعنها.

[72] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ١ -ص ٢٨٠-281.

[73] كنز العمال-المتقي الهندي-(٨١٨٢ – ٨١٨٣).

[74] كنز العمال-المتقي الهندي-ج3-ص615.

[75] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 /181، انظر تمام الكلام.

[76] الفرق بين “لعانين” و”لاعنين”: “لعانين”: تعني الأشخاص الذين يكثرون من اللعن حتى يصبح طبعًا متجذرًا في شخصياتهم، فيلعنون من يستحق ومن لا يستحق بلا ضوابط.

“لاعنين”: تعني الأشخاص الذين يلعنون أحيانًا أو في بعض المواقف المحددة، لكن ليس كعادة مستمرة.

[77] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / اللعن/ النهي في الروايات عن اللعن-بتصرف.

[78] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / اللعن/ اللعن في لسان الروايات أعم من الحرمة والكراهة-بتصرف.

[79] الوقيعة في الناس: الغيبة. والظاهر أن المراد بالمباهتة الزامهم بالحجج القاطعة وجعلهم متحيرين لا يحيرون جوابا كما قال تعالى: “فبهت الذي كفر” ويحتمل أن يكون من البهتان للمصلحة فان كثيرا من المساوئ يعدها الناس محاسن خصوصا العقائد الباطلة والأول أظهر (آت).

[80] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ -ص ٣٧٥.

[81] صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم: 1393.

[82] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ١ -ص ٢٨٠-281.

[83] كنز العمال-المتقي الهندي-ج3 ص601.

[84] م.ن-ج3 -ص614.

[85] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ١ -ص ٢٨١.

[86] من كتاب “العقل التكفيري قراءة في المفهوم الاقصائي”. نقلا عن موقع الشيخ حسين الخشن/ al-khechin.com / مقالات/ فكر ديني/ المسلمون وثقافة اللعن-بتصرف.

[87] الزخرف/ 26.

[88] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / اللعن/ اللعن غير واجب بل جائز.

[89] المائدة/55.

[90] قال رسول الله صلى الله عليه واله: “لعن الله الخمر وغارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وبايعها ومشتريها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه”. المصدر: وسائل الشيعة -الحر العاملي -ج ١٧ -ص ٢٢٤.

[91] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٤٤ -ص ٣٠٣.

[92] البقرة/83.

[93] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج75 -ص181.

[94] جامع السعادات-محمد مهدي النراقي-ج1-ص279.

[95] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج69 -ص208.

[96] التعزير: هو العقوبة التي يفرضها الحاكم على المذنب لتأديبه بما يراه مناسباً كالضرب مما دون الحدّ الشرعي المقرر.

[97] الفتاوى الميسرة -السيد السيستاني -ص ٤١٩-بتصرف.

[98] مسند أحمد-ج6-ص448.

[99] الأحزاب/57.

[100] صفات الشيعة-الشيخ الصدوق-ص 9.

[101] المجادلة/ 22.

[102] صفات الشيعة-الشيخ الصدوق-ص 9.

[103] كتاب وتزودوا في شهر الله-المركز الإسلامي للتبليغ-ص82-85-بتصرف.

[104] الأمالي -الشيخ الصدوق -ص ٢٠١.

[105] بحار الأنوار-المجلسي-ج٢٧-ص٥٨.

[106] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / اللعن/ اللعن الوارد في زيارة عاشوراء.

[107] يقصد به قسوة قلوبهم، وجمودهم عن إدراك الحق، وعدم استجابتهم للهداية رغم وضوحها.

[108] مجمع مصائب أهل البيت-الشيخ الهنداوي-ج4-ص111-115-بتصرف.