بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾[1].
من الحقائق العقائدية التي ينبغي للمسلم أن يوقن بها وجود الشيطان، وأن له دورًا في إغواء الإنسان ومحاولة إبعاده عن طريق الله.
وقد نبّهنا الله تعالى إلى عداوة الشيطان، وصرّح بها بوضوح قائلاً:﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾[2]، ولأنه يسعى إلى إفساد حياة الإنسان، كما قال سبحانه:﴿ يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ…﴾[3].
إن الحديث عن الشيطان ليس أمرًا ثانويًا، بل له أثر عملي في حياة الإنسان. فلو أخبرك شخص صادق أن مجموعة من اللصوص المسلحين يخططون لاقتحام بيتك هذه الليلة، فإن أول ما تفعله هو أن تبادر إلى حماية نفسك وأهلك، فتغلق الأبواب، وتبحث عن وسائل الدفاع، وتتهيأ للخطر.
أما إن انشغلت بأسئلة لا تنفع، كأن تسأل: من أين جاءوا، وما هو لباسهم؟ وما هي أشكالهم، شيوخ هم أم شباب. . ؟، فسيباغتك الخطر قبل أن تستعد له.
ومن هنا، فإن البحث في هذا الموضوع ينبغي أن يركّز على ما ينفع الإنسان عمليًا، من بيان مفهوم الشيطان وطرائق إغوائه، وسبل النجاة منه، وهذا ما سنتناوله في مباحث هذه المحاضرة.
المبحث الأول: حقيقة الشيطان وطرائق إغوائه
المطلب الأول: مفهوم الشيطان وأقسامه
نسعى في هذا المطلب إلى التعرف على حقيقة الشيطان وإبليس، اعتمادًا على ما ورد في النصوص الشرعية؛ إذ إن هذا العالم من الغيب الذي لا يُدرك بالحس المباشر، وإنما يُعرف من خلال الوحي الصادق.
أما من حيث المفهوم اللغوي، فإن لفظ «الشيطان»: من “شطن يشطن” أي بعُد يبعد. والشيطان: أي الموجود البعيد عن رحمة الله عز وجل[4]. والشيطان يُستعمل في القرآن واللغة لكلِّ من يقوم بالإغواء والإضلال، وعلى كلِّ مُتمرّدٍ سواءٌ كانَ إنسانًا أو حيوانًا أو جانًّا[5].
وللشيطان أسماء كثيرة، منها اللعين والرجيم، والغاوي والغرور، ويمكن تسميته بالشحاذ المتسول، لأنه يقف على باب القلب يستعطف، ويقرعه برفق ولين طالبًا الإذن بالدخول … فإذا أبطأت عليه تضرع وتملق بكلمات معسولة[6].
ولقد قسّم القرآن الشياطين إلى قسمين لقوله تعالى: [شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ][7]، ويمكن توضيحها بالآتي:
أولاً: شياطين الجن:
شيطان الجن كائن من عالم الجن، وكما هو معلوم أنّ الجنّ مكلَّفون كالبشر، خُلقوا لعبادة الله تعالى والانقياد لأوامره، قال تعالى:﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾[8]. وبما أنّهم مكلَّفون، فقد انقسموا ـ كالإنس ـ إلى صنفين: مؤمنين صالحين، وكافرين منحرفين، قال تعالى على لسانهم:﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ ﴾[9]، وقالوا:﴿ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ﴾[10].
وأمّا الشياطين فهم فئة خاصّة من الجنّ الكافرين، تميّزوا بشدّة التمرّد والإفساد والسعي إلى إضلال الآخرين؛ فكلّ شيطان هو جنّي كافر مضلّ، ولكن ليس كلّ جنّي كافر يُوصَف بالشيطان، بل من بلغ في الشرّ والفساد حدًّا صار معه عنوانًا للشيطنة.
والجن مخلوقون من نار، كما قال تعالى:﴿ وَخَلَقَ الجَانَّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ ﴾[11]، وهو كائن لطيف أي خفيف، غير كثيف، لا يُرى عادةً بالعين، قال تعالى: [إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ][12]. ولذا له نوع من الخفاء، فهم مستورون عن الإنسان في الأحوال الاعتيادية، والسبب أن أعيينا لا ترى الأجسام اللطيفة كالهواء بل ترى الأجسام الكثيفة كالتي تدركها أبصارنا.
أي أن الشيطان يختلف عن كثافة الجسد الإنساني المخلوق من العناصر الأربعة: الماء والنار والهواء والتراب، إلا أن عنصر التراب فيه أقوى وأكثر من العناصر الثلاثة الأخرى، قال تعالى:﴿ وَلَقَد خَلَقنَا الإِنسَانَ مِن صَلصَالٍ مِن حَمَإٍ مَسنُونٍ ﴾[13]، لذلك فهو ثقيل وله وزن، وبسبب هذا الجانب الترابي فيه فإن إدراكاته وأفعاله محدودة جداً.
أما الشياطين فعلى العكس من ذلك، فإن جانب النار والهواء فيها غالب، وبنيانهم الجسمي في منتهى اللطافة[14]، وفي منتهى القوة. والإنسان يتصور أنه قادر، لكن قدرة الشياطين تصل إلى درجة أنهم يمكنهم تصغير أجسامهم بحيث يمرون من خلال الثقب، أو يمكنهم تكبيره ليشغل مكاناً واسعاً، والمسافة التي يمكن للإنسان اجتيازها خلال شهر واحد تقطعها الشياطين في لحظة واحدة، والأشياء الثقيلة التي لا يقدر الإنسان على رفعها فإن الشياطين يستطيعون رفعها. وقد أشار الله عز وجل في سورة النمل ضمن قصة سليمان وعرش بلقيس إلى هذا المطلب قائلاً: [قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ][15].[16]
(ويظهر في بعض الروايات أن إبليس له القدرة على الظهور بهيئة إنسان أو حيوان في الأقوام السابقة واللاحقة. ففي أمالي الشيخ الطوسي[17]: أن ابليس تمثّل بصورة حبر من أحبار اليهود. وذكر ابن شهراشوب في مناقبه[18]: أن ابليس تصور لعلي بن الحسين عليه السلام وهو قائم يصلي في صورة أفعى له عشرة رؤوس محددة الأنياب. والروايات بهذا المضمون من ظهور ابليس كثيرة)[19].
وفيما يتعلق بالذرية فالنصوص الشرعية أثبتت بإنّ لشياطين الجن ذريّة وأفراد عديدون قد يفوقون البشر عدداً[20]. قال تعالى:﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ ﴾[21]، ولكن من أشرهم هو “إبليس” فهو أحد مصاديق الشياطين المنتمي إلى عالمِ الجنِّ مِن حيثُ الطّبيعةُ والخلق، فكلاهُما-إبليس والجن-مخلوق منَ النّارِ، قالَ تعالى في شأنِ إبليس: [قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسجُدَ إِذ أَمَرتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيرٌ مِّنهُ خَلَقتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِين][22].
ولقد بدأت قصة إبليس حين خلقه الله من النار، كما قال تعالى:﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾[23]، وكان يعيش بين الملائكة ويعبد الله، لكنه لم يكن منهم، بل كان من الجن لقوله تعالى: [كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَن أَمرِ رَبِّهِ][24].
فلما خلق الله آدم عليه السلام، أمر الملائكة بالسجود له تكريمًا، فامتثلوا جميعًا لأمر الله، إلا إبليس أبى واستكبر، كما قال تعالى:﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ﴾[25]وكان سبب رفضه هو الكِبر والحسد واعتراضه على أمر الله.
وبسبب هذا التمرد، طرده الله من رحمته ولعنه إلى يوم القيامة، فقال تعالى:﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴾[26].
ورد في الروايات أنه طلب جزاء عبادته لله، فقال: إلهي إني عبدتك ستة آلاف سنة من عبادتك،﴿ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾[27]!
فقال تعالى:﴿ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ﴾[28]والطلب الآخر أن تعطيني القدرة لأتمكن من الوسوسة وإلقاء الشبهة، واستجيب له هذا الطلب طبقًا لما فيه من الصالح والحكم أيضًا.
ثم بدأت أولى خطوات إغوائه عندما وسوس لآدم وزوجه في الجنة، وزيّن لهما الأكل من الشجرة، كما قال تعالى:﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ﴾[29]، حتى أوقعهما في المخالفة، فكانت النتيجة خروجهما من الجنة، قال تعالى:﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾[30]، ومنذ ذلك الحين بدأ دور الشيطان في إغواء البشر.
ثانيًا: شياطين الإنس:
القسم الثاني من الشياطين هو شياطين الإنس. فرغم أنهم بشر مخلوقون من طين، وليسوا من النار، ولا يملكون تلك القدرات التي للجن، إلا أن القرآن الكريم أطلق عليهم وصف “الشياطين”، بدليل قوله تعالى:
1. [وَكَذَٰلِكَ جَعَلنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعضُهُم إِلَىٰ بَعضٍ زُخرُفَ القَولِ غُرُورًا][31].
2. [إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخوَانَ الشَّيَاطِينِ][32].
3. [وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوا إِلَى شَيَاطِينِهِم قَالُوا إِنَّا مَعَكُم][33].
فلاحظ في هذه الآيات أن الله عز وجل سمّى المنافقين، ومن يؤذون الناس، وخصوصًا أعداء الأنبياء عليهم السلام، مع كونهم من الإنس، شياطين.
وذلك لأنهم استحقوا هذا الوصف بسبب أفعالهم، إذ إن كلمة “شيطان” ليست اسم جنس لمخلوق، بل هي وصف لكل متمرّد مضل، سواء كان من الجن أو من الإنس.
فالإنسان يُوصف بأنه شيطان إذا صار داعيةً إلى الضلال والإفساد، فيزيّن الباطل للناس، أو يصدّ عن الحق، أو يحارب الدين وأهله. كما يُوصف بذلك إذا استمرّ في التمرد والانحراف حتى صار ذلك صفةً راسخة فيه، لا مجرد ذنب عابر، بل سلوك ثابت قائم على الإغواء والإضلال.
المطلب الثاني: تساؤلات عقدية حول الشيطان وتحليلها
تُثار حول موضوع الشيطان تساؤلات متعددة في أذهان الناس، تتعلّق بحقيقته، وتأثيره، وعلاقته بالإنسان، وقد اخترنا من بينها خمس تساؤلات رئيسة، نعرضها فيما يأتي مع تحليلها والإجابة عنها.
السؤال الأول:
يعتقد بعض الناس أن وجود الشيطان، مع قوّته وخفائه وقدرته على الوسوسة، يُعدّ تسلّطًا على الإنسان ويتنافى مع عدالة الله تعالى، فكيف يُفهم ذلك؟
الجواب:
1.الشيطان غير مسلّط بالقهر:
الشيطان ليس قوّة تُجبر الإنسان على المعصية، بل يقتصر دوره على الدعوة والتزيين فقط، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[34]، وقال: :﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِن سُلطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوتُكُم فَاستَجَبتُم لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ﴾[35]. فهو لا يسلب الإرادة ولا يُكره أحدًا، وإنما يزيّن الخطأ حتى يختاره الإنسان بنفسه. ولهذا لا يصح للإنسان أن يحتجّ به يوم القيامة، لأن الطريق قد بُيّن له، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾[36]. فالمشكلة ليست في وجود الشيطان، بل في الاستجابة له، ولذلك تبقى المسؤولية على الإنسان.
ولتقريب الصورة: لو جاءك أحد أصدقائك وهمس في أذنك قائلًا: “اذهب واضرب فلانًا”، فهل يكون قد أجبرك على ذلك؟ بالطبع لا، بل أنت الذي اخترت الفعل.
حتى لو ظننته صديقًا موثوقًا، فقد سبق أن حُذِّرت منه، وكان بإمكانك أن ترفض كلامه. وكذلك الشيطان، فقد حذّرنا الله منه بوضوح، فقال:﴿ إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُم عَدُوٌّ فَاتَّخِذوهُ عَدُوًّا ﴾[37].
2. الله لم يترك الإنسان ضعيفًا أمام الشيطان:
بل زوّده بوسائل أقوى منه، تُعينه على الثبات والانتصار:
@ العقل والفطرة: يميّز بهما الحق من الباطل، قال تعالى:﴿ فِطرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا ﴾[38]. وهذا يجعل الإنسان يشعر داخليًا بصواب الطاعة وخطر المعصية، فيكون لديه رادع ذاتي يوقظه عند الانحراف.
@ الأنبياء والكتب: لبيان طريق الحق والتحذير من الشيطان. فلم يترك الله الإنسان يتخبط، بل أرسل له من يرشده ويكشف له أساليب العدو وطرق النجاة منه.
@ الإمداد الغيبي: من خلال الملائكة التي تعينه وتثبّته، قال تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ المَلَائِكَةُ ﴾[39]، وهذا يظهر في خواطر الخير والتثبيت التي ترد على قلب المؤمن فتدفعه نحو الطاعة وتبعده عن الزلل.
@ تيسير طريق الخير: بمضاعفة الحسنات، قال تعالى:﴿ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ﴾[40]. فالله يشجّع عباده على الطاعة بجعل الربح فيها عظيمًا، مما يقوّي جانب الخير في مواجهة وسوسة الشيطان.
@ فتح باب التوبة: مهما عظم الذنب، قال تعالى:﴿ قُل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم لَا تَقنطُوا مِن رَّحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾[41]، فلا يُغلق باب الرجوع أبدًا، مما يمنع الشيطان من أن يحاصر الإنسان باليأس بعد السقوط.
إذن ليس الإنسان محاصرًا بالشيطان فقط، بل محاط بأسباب الهداية من كل جانب.
3.الحكمة من وجود الشيطان:
لم يُخلق الشيطان عبثًا، بل لحِكَمٍ واضحة تظهر عند التأمل، منها:
@ تحقيق الاختيار الحقيقي للإنسان: لو لم يوجد من يدعو إلى الشر، لسار الإنسان في طريق واحد دون مقاومة، فلا يكون لاختياره قيمة. أمّا مع وجود الشيطان، فإنه يسمع دعوة إلى الخير وأخرى إلى الشر، ثم يختار بنفسه، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِن سُلطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوتُكُم فَاستَجَبتُم لِي﴾[42].
@ تمييز الصادق من غيره: ليس كل من يقول: أنا مؤمن يكون صادقًا، بل يظهر صدقه عند مواجهة الشهوة أو الشبهة، كما قال تعالى:﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُم لَا يُفتَنُونَ ﴾[43]، فالشيطان يكشف حقيقة الإنسان عند الامتحان.
@ إظهار عدل الله في الجزاء: لا يصح أن يُثاب أو يُعاقب الإنسان بلا اختبار، فوجود الشيطان يجعل الإنسان يختار ويجرب، ثم يُجازى على عمله بعدل، قال تعالى:﴿ لِيَجزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفسٍ مَا كَسَبَت ﴾[44].
@ ارتقاء الإنسان وكماله: مقاومة الشيطان ليست ضعفًا، بل هي جهاد يرفع الإنسان، فترك المعصية مع القدرة عليها دليل قوة وقرب من الله، قال تعالى: :﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنَا ﴾[45]،
السؤال الثاني: بما أن القرآن الكريم يثبت وجود الشيطان، فلماذا لا نراه؟
إن الإنسان لا يرى الشيطان، لا لأنه غير موجود، بل لأن طبيعة حواسه لا تؤهله لرؤية كل شيء. فالعين البشرية خُلقت لإدراك الأجسام المادية الكثيفة، ولا تستطيع أن تُبصر الموجودات اللطيفة غير المرئية، كالهواء الذي يحيط بنا ونعيش به دون أن نراه. ولهذا يبيّن القرآن الكريم هذه الحقيقة بوضوح، فيقول:﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ﴾[46]، أي أن الشيطان يرى الإنسان، بينما لا يراه الإنسان بسبب اختلاف الطبيعة.
ومع ذلك، فإن عدم رؤيته في الحالة الطبيعية لا يعني استحالة ظهوره مطلقًا؛ فقد تشير النصوص إلى أن الشيطان قد يتجسّد أحيانًا في صورة مادية يراها الإنسان، وقد حصل ذلك لبعض الأنبياء والصالحين بإذن الله. كما أن هناك مرتبة من اليقين يبلغها الإنسان، تنكشف له فيها حقائق لا يراها غيره، كما قال تعالى:﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَّ الْجَحِيمَ ﴾[47].
ولا يصح أن يُجعل عدم الرؤية دليلًا على عدم الوجود؛ فكم من أمور نؤمن بها مع أننا لا نراها، ولكن نعرفها من خلال آثارها، كالهواء والقوى الخفية، كالجاذبية الأرضية التي تُمسكنا بالأرض، والترددات التي تنتقل عبرها المكالمات بين الهواتف، وسريان الكهرباء في الأسلاك، مع أننا لا نُبصر شيئًا من ذلك، ولكن آثارها قائمة لا تُنكر.
وكذلك الشيطان، فإن وجوده يُدرك من خلال نتائجه في النفس والسلوك؛ إذ يظهر أثره في الوسوسة الخفية التي يلقيها في قلب الإنسان، فيزيّن له المعصية ويُخفّفها في نظره، ويؤجّل التوبة، ويزرع التردد والكسل عن الطاعة.. إلخ.
السؤال الثالث: ورد في سورة الإسراء قوله تعالى: [وَشَارِكهُم فِي الأَموَالِ وَالأَولاد][48] فهي تبين مشاركة الشيطان للإنس في المال والولد، فكيف ذلك؟
لا يُراد من قوله تعالى:﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ ﴾أن الشيطان يشارك الإنسان مشاركة حقيقية في الخِلقة أو التكوين، بل المراد مشاركته له في الاستعمال والنتيجة، أي أن يكون للشيطان نصيب في توجيه المال أو تربية الولد نحو الحرام والانحراف.
فمشاركته في الأموال تكون حين يُكتسب المال من طريق غير مشروع، كالسرقة أو الربا، أو يُكتسب من الحلال ثم يُنفق في الحرام، كصرفه في المعاصي، ففي هذه الحال يكون الإنسان منتفعًا بالمال، والشيطان منتفعًا بإضلاله، فيشتركان في النتيجة وإن لم يشتركا في أصل المال.
وأما مشاركته في الأولاد، فلا تعني أنه يساهم في خلقهم، بل تكون على نحوين:
إما: أولاد الزنا الذين انعقدت نطفهم في جو شيطاني من الهوى والرذيلة، فيكون للشيطان نصيب في وقوع هذا الفساد، أو يكون الولد من طريق صحيح، لكن يُربّى تربية منحرفة بعيدة عن طاعة الله، فينشأ على المعصية والضلال، فيكون للشيطان سهم في هذه التربية الفاسدة.
السؤال الرابع: كيف يُعذَّب اللهُ إبليس يوم القيامة بالنار وهو مخلوق منها؟
الجواب نختصره بهاتين النقطتين:
1. إن طبيعة نار الآخرة ليست بالضرورة مماثلة لنار الدنيا التي نألفها، فنحن لا نحيط بحقيقتها على وجه الدقة، بل نعلم من النصوص أنها تختلف في آثارها وقوانينها. فالنار في الدنيا تحرق وقد تُميت، أما نار الآخرة فتحرق دون أن تُميت، كما قال تعالى:﴿ إِنَّهُ مَن يَأتِ رَبَّهُ مُجرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحيَى ﴾[49]، وهي أشد حرارة، كما قال سبحانه:﴿ قُل نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ﴾[50]. وهذا يدل على أن قوانين الآخرة تختلف عن قوانين الدنيا، كما تختلف فيها سائر شؤون الحياة، فليس كل ما نعهده هنا يجري هناك على نفس الصورة.
2. ثم إن كون الشيطان مخلوقًا من النار لا يعني أنه لا يتأثر بها أو لا يُعذَّب بها؛ فالإنسان خُلق من طين، ومع ذلك يتألم إذا ضُرب بالطين أو الحجارة، وقد عذّب الله أقوامًا بالحجارة، مع أنها من جنس ما خُلقوا منه. رُوي أن بهلول المعروف بالمجنون سمع أبا حنيفة يقول: إن جعفر بن محمد يقول بثلاثة أشياء لا أرتضيها، يقول: الشيطان يعذب بالنار كيف وهو من النار؟ ويقول: إن الله لا يرى ولا تصح عليه الرؤية، وكيف لا تصح الرؤية على موجود؟ ويقول: إن العبد هو الفاعل لفعله، والنصوص بخلافه.
فأخذ البهلول حجرًا وضربه به، فأوجعه! فذهب أبو حنيفة إلى هارون واستحضروا البهلول ووبخوه على ذلك. فقال لأبي حنيفة: أرني الوجع الذي تدعيه أو لا فأنت كاذب. وأيضا فأنت من تراب كيف تألمت من تراب؟
ثم ما الذي أذنبته إليك؟ والفاعل ليس هو العبد، بل الله! فسكت أبو حنيفة
وقام خجلًا”[51].
المطلب الثالث: شِباك الشيطان (آليات الإغواء)
إنّ الشيطان لا يواجه الإنسان مواجهةً مباشرة، بل يعتمد في إضلاله على وسائل خفيّة وأساليب متعدّدة تختلف باختلاف حال الناس؛ فبعضهم يحتاج إلى جهدٍ كبير ليُغوى، وبعضهم يكفيه تلميحٌ يسير ليقع في الخطأ. وهذه الحقيقة تكشف لنا أن للشيطان شِباكًا متنوّعة يصطاد بها القلوب والعقول.
نُقل عن أحد تلامذة الشيخ الأنصاري -عليه الرحمة-أنه عندما تشرفت بالمجيء إلى النجف الأشرف لطلب العلم، وحضرت درس الشيخ الأنصاري الملائكي، رأيت الشيطان في إحدى الليالي وبيده حبال كثيرة، ومن بينها حبل متين، فسأله: ما هذه؟ فأجاب بأني أجرّ الناس إليّ بواسطتها وأدفعهم إلى المعصية، فسأله: لأيّ شيء هذا الحبل المتين؟ فقال: إنه لأستاذك الشيخ الأنصاري، حيث سحبته بالأمس إلى السوق، ولكنه قطعه ورجع. فسأله: وأين الحبل المخصص لي؟ فأجاب: أنت لا تحتاج إلى الحبل لأنك تطيع بمجرد الإشارة[52].
وإليكم أبرز الشِّباك التي ينصبها الشيطان لاصطياد الإنسان:
1.التزيين
التزيين من أخفى شباك الشيطان وأشدها خطرًا؛ لأنه لا يدفع الإنسان إلى المعصية بوصفها قبيحة، بل يعرضها عليه في صورة محببة ومقبولة. فالمشكلة الكبرى ليست دائمًا في معرفة الحرام، بل في أن الشيطان يغيّر صورتها في النفس حتى يبدو معقولًا أو بسيطًا أو حتى مستحبًا أحيانًا.
قال تعالى:﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعمَالَهُم ﴾[53]، أي أنه لم يخلق الفعل، لكنه حسّنه في أنظارهم، حتى أقبلوا عليه باختيارهم. وهذا التزيين قد يكون بتغيير الاسم، أو بتجميل الدافع، أو بإخفاء العاقبة، أو بإبراز اللذة العاجلة وإغفال الألم الآجل.
فقد يزيّن الكذب باسم المصلحة، ويزيّن الغيبة باسم الصراحة، ويزيّن التبرج باسم الذوق، ويزيّن التكبر باسم الكرامة، ويزيّن البخل باسم الحكمة الاقتصادية. ولهذا كان المؤمن محتاجًا دائمًا إلى ميزان الشرع والعقل، لا إلى مجرد ما تميل إليه نفسه.
الوقاية: عرض الأعمال على ميزان الشرع لا على ما تستحسنه النفس، وعدم الاغترار بما يبدو جميلًا في الظاهر، مع التفكّر في العواقب، قال تعالى:﴿ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ ﴾[54].
2.التسويف
التسويف شبكة خطيرة؛ لأنه لا يدعو الإنسان إلى رفض الطاعة صراحة، بل يدعوه إلى تأجيلها. والإنسان قد يظن أن التأجيل أمر هيّن، لكنه في الحقيقة من أنجح خطط الشيطان؛ لأن من أخّر التوبة اليوم قد يؤخرها غدًا، ثم يعتاد التأخير حتى يموت قبل أن يرجع.
والقرآن يلفت الإنسان إلى أن الفرصة ليست مضمونة، فقال تعالى:﴿ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقنَاكُم مِّن قَبلِ أَن يَأتِيَ أَحَدَكُمُ المَوتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَولَا أَخَّرتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾[55]. فكم من إنسان كان يريد الصلاة أو التوبة أو الخمس أو ردّ المظالم، لكن الشيطان حبّب إليه التأجيل حتى داهمه الموت.
والتسويف لا يقتصر على التوبة فقط، بل يشمل طلب العلم، وقضاء الحقوق، وإصلاح النفس، والبدء بالعبادة، وقطع أسباب المعصية.
الوقاية: المبادرة إلى الطاعة وعدم تأجيلها، واستحضار أن العمر غير مضمون، وأن الفرصة قد لا تتكرر، قال تعالى:﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغفِرَةٍ مِن رَّبِّكُم ﴾[56].
3.التهوين
من شباك الشيطان أن يُهوّن الذنب في عين الإنسان، فيقول له: هذه صغيرة، وهذه مرة واحدة، والناس كلهم يفعلون هذا، والله غفور رحيم. ولا يهاجم الإنسان من جهة الإنكار، بل من جهة التقليل من خطورة المعصية. وهذه حيلة خطيرة؛ لأن الذنب الذي يُستهان به يسهل تكراره، ثم يتحول إلى عادة، ثم يفسد القلب.
وقد قال الله تعالى:﴿ وَتَحسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾[57]. وهذه الآية قاعدة عظيمة في باب المعاصي؛ فليس كل ما بدا صغيرًا في نظر الإنسان صغيرًا عند الله. وكم من ذنب صغير في ظاهره لكنه كبير في أثره، لأنه يجرّ إلى غيره أو لأنه يدل على قلة مبالاة القلب بالله.
فالشيطان لا يطلب من الإنسان دائمًا الكبائر أولًا، بل يبدأ معه بما يراه هينًا، حتى إذا ألف المعصية، سهل عليه ما هو أكبر منها. ومن هنا كان من فقه الإنسان بنفسه أن لا يحتقر ذنبًا، وأن يخاف من أثر الصغيرة إذا تكررت واستهان بها.
الوقاية: تعظيم أوامر الله ونواهيه، وعدم الاستهانة بأي ذنب، وتذكّر أن الصغيرة قد تجرّ إلى الكبيرة.
4.الإلهاء والنسيان
من شباك الشيطان أن يُشغل الإنسان حتى ينسى الطاعة أو يخرج وقتها، فلا يدعوه إلى تركها صراحة، بل يملأ وقته بما يلهيه عنها، حتى يفوته الخير وهو لا يشعر. قال تعالى:﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ﴾[58]. فكم من إنسان لم يترك الصلاة عنادًا، بل ضاعت منه بسبب انشغال أو غفلة صنعها الشيطان، رُوي عن النبي صلى اللّه عليه وآله: “أن العبد إذا اشتغل بالصلاة جاءه الشيطان وقال له: أذكر كذا، اذكر كذا حتى يضلّ الرجل أن يدري كم صلى”[59].
الوقاية: تنظيم الوقت، وتقديم الطاعة على كل شاغل، والحرص على الذكر الدائم؛ لأنه يقطع مادة النسيان.
5.اليأس
إذا فشل الشيطان في دفع الإنسان إلى المعصية، حاول أن يدفعه بعد المعصية إلى اليأس. وهذه شبكة شديدة الخطر؛ لأن العاصي إذا بقي فيه أمل بالتوبة أمكن نجاته، أما إذا يئس من رحمة الله، فقد يجتمع عليه ذنب المعصية وذنب سوء الظن بالله وترك الرجوع إليه.
ولهذا نهى الله عن القنوط نهيًا صريحًا، فقال:﴿ قُل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم لَا تَقنَطُوا مِن رَّحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾[60]. فهذه الآية تقطع طريق الشيطان على القانطين، وتفتح باب العودة لكل مذنب، ما دام حيًا لم يغرغر.
واليأس قد يأتي في صورة أفكار مثل: “أنا تبت كثيرًا ثم رجعت”، “لا فائدة مني”، “الله لن يغفر لي، قد فسدتُ تمامًا”. وهذه كلها من نفثات الشيطان، لأنه يريد أن يبقى الإنسان في السقوط المستمر. أما المؤمن الصادق، فإنه إن وقع، أسرع إلى النهوض، وعلم أن باب الله أوسع من ذنبه.
الوقاية: حسن الظن بالله، وعدم القنوط مهما كثرت الذنوب، والعودة السريعة إلى التوبة، بتذكّر عواقبه، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾[61].
6.الشبهات وخلط الحق بالباطل
من أخطر شباك الشيطان الشبهات؛ لأنها لا تواجه الإنسان غالبًا بباطل مكشوف، بل تمزج الحق بالباطل حتى يلتبس الأمر. فالإنسان قد ينجو من الباطل إذا رآه واضحًا، لكنه قد يضل إذا قُدّم له في ثوب الحق أو زُيِّن له باسم العلم أو الحرية أو المصلحة أو التجديد.
وقد بيّن أمير المؤمنين عليه السلام هذه الحقيقة بدقة، فقال: ” كم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب الله كما يزخرف الدرهم النحاس بالفضة المموهة”[62].
فالشبهة خطيرة لأنها ليست كذبة صريحة فقط، بل خليط يربك الذهن ويجعل الإنسان يتردد أو ينخدع.
الوقاية: طلب العلم من أهله، وعدم التسرّع في قبول الشبهات، وعدم الانسياق وراء كل قول منمّق أو كل اعتراض مثير، والرجوع إلى أهل الذكر، قال تعالى:﴿ فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لَا تَعلَمُونَ ﴾[63].
المبحث الثاني: سبل الوقاية من الشيطان
يتحقّق التحصّن من الشيطان بثلاثة أمور متكاملة: الأمر الأول هو الحذر من مصائد الشيطان، فإن أوشك الإنسان على الوقوع فيها فعليه بالاستعاذة الحقيقية، وهو الأمر الثاني، كما أنّ هناك أعمالًا صالحة إذا داوم عليها كانت حصنًا له من الشيطان، وهو الأمر الثالث، وسيأتي بيان هذه الأمور في المطالب الآتية:
المطلب الأول: الحذر من مصائد الشيطان
لا يخفى أن كل معصية هي من مصائد الشيطان، إلا أن ما سيُذكر هنا من مصائد كحبّ المال، والغضب، والحسد، والتكبر، ونحوها، إنما خُصّت بالبيان لأنها أخطر من غيرها؛ لأنها ليست معاصي جزئية فحسب، بل منابع للمعاصي، تتفرّع منها انحرافات كثيرة تُفسد دين الإنسان وسلوكه. فمثلاً (حبّ المال) يجرّ إلى الظلم والربا والغش وقطع الرحم، و(الغضب) يفتح باب السبّ والاعتداء والقطيعة، و(الحسد) يولّد البغضاء والسعي في إسقاط الآخرين، و(التكبر) يقود إلى رفض الحق واحتقار الناس.
ومن هنا كان التركيز على هذه الأبواب أولى، لأنها تمثّل الجذور التي ينفذ منها الشيطان إلى النفس. فمن أحسن ضبطها أُغلق عنه طريق كثير من المعاصي قبل وقوعها، ومن أبرزها الآتي:
1. حب النساء المحرّم:
حب النساء هو من أبرز مصائد الشيطان، حيث تتحوّل الشهوة الطبيعية إلى معصية عندما تخرج عن حدود الشرع. وقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام: «إن نبي الله يحيى عليه السلام سأل إبليس فقال له: وأي الأشياء أقرّ لعينك؟ قال: النساء، هن فخوخي ومصائدي، فإني إذا اجتمعت عليّ دعوات الصالحين ولعناتهم صرت إلى النساء فطابت نفسي بهن»[64].
وهذا النص يكشف بوضوح أن الشيطان يعتمد على هذا الباب اعتمادًا كبيرًا، لأنه أقرب الطرق إلى التأثير في الإنسان، فإذا لم يُحسن ضبطه، أصبح مدخلًا واسعًا للانحراف.
ولهذا أكّدت النصوص الشرعية على خطورة هذا الباب، وبيّنت أنه من أخطر أدوات الشيطان، فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «النساء حبائل الشيطان»[65]، أي أن الشيطان يجعل هذا الباب وسيلة للإيقاع بالإنسان. كما حذّر أمير المؤمنين عليه السلام من بدايات هذا الطريق بقوله: «العيون مصائد الشيطان»[66]، لأن النظرة هي أول الخيط، فإذا لم تُضبط قادت إلى ما بعدها، كما قال أحمد شوقي:
نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء
ومن أخطر صور هذا الباب: الخلوة بالمرأة الأجنبية، لأنها تفتح الطريق أمام الشيطان مباشرة، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: “.. لا يخلونّ رجل بامرأة فما من رجل خلا بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما”[67].
وهذا يدل على أن الشيطان يتولى بنفسه إغواء الإنسان في هذه الحالة، لما فيها من سرعة الانزلاق وقوة التأثير، ولذلك كان الحذر منها من أهم وسائل حفظ الدين.
لذا، للتخلّص من هذه المصيدة ينبغي حفظ النظر، وتجنّب الخلوة بالمرأة الأجنبية، وضبط الشهوة ضمن حدود الشرع، وعدم الاستجابة لوساوس الشيطان في هذا الباب.
2.التهاون بالصلاة وإضاعتها
تُعدّ الصلاة عمود الدين، وأعظم صلةٍ بين العبد وربّه، وهي الميزان الذي تُقبل به سائر الأعمال؛ فإن قُبلت قُبل ما سواها، وإن رُدّت رُدّ ما سواها. ومن هنا كانت هدفًا رئيسًا للشيطان، لأنه يعلم أنّ إسقاطها أو إفراغها من روحها يؤدّي إلى انهيار بناء الدين لأنها عموده، وبالتالي ستوقعه في كبائر أخرى، فقد رُوي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “لا يزال الشيطان هائبا لابن آدم ذعرا منه ما صلى الصلوات الخمس لوقتهن، فإذا ضيعهن اجترأ عليه، فأدخله في العظائم”[68].
لذلك يسعى بكل وسائله إلى إضعافها في نفس الإنسان حتى يتركها أو يستهين بها، رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال عن الشيطان: “.. وأمّا شباكه، فنوم عن أداء الصلاة التي فرضها الله، …، ويل للساهين عن الصلوات النائمين في الخلوات المستهزئين بالله وآياته في الفترات، أولئك الذين لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يُكلّمهم الله يوم القيامة، ولا يُزكّيهم ولهم عذاب أليم”[69].
إنّ الشيطان لا يدعوه إلى تركها مباشرة، بل يستعمل معه هذه الأساليب نفسها تدريجيًا؛ فيوسوس له الشيطان في هذه الشباك، ومنها:
@ في التسويف: يهمس له: “لا بأس، سأجمعها كلها قضاء في وقت لاحق، أو سأصلي حينما أفرغ”، أو “سأقضيها حينما أكبر، فالعمر ما زال طويلًا”.
@ في التزيين: “لا بأس بتأخير الصلاة عن أول وقتها، فأنا منشغل بالعمل، والعمل عبادة”، أو “يمكنني أداؤها سريعاً، لأنني أريد اللحاق بأصدقائي الأحبّة”.
@ في التهوين: يبرر لنفسه: “إن فاتتني الصلاة هذه المرة فقط، سأعوّضها لاحقاً، والله غفور رحيم”.
@ اليأس: ” لقد وقعتُ في الحرام وارتكبتُ الفاحشة، فما فائدة صلاتي الآن؟ وأنا إلى النار لا محالة، فلماذا أتعب نفسي؟ فيترك الصلاة ويزداد بُعدًا عن الله”.
@ إلقاء الشبهات: يثير في نفسه أفكارًا مضلِّلة، مثل: “الله غنيّ عن صلاتي، فلماذا أُتعب نفسي؟” أو “المهم أن يكون القلب طيبًا ولا حاجة لهذه الطقوس”، أو “أنا لا أؤذي أحدًا، فلماذا أُحاسب على ترك الصلاة؟”، فيلبّس عليه الحق بالباطل حتى يبرّر تركها.
3. الصدّ عن برّ الإخوان
رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال عن الشيطان: “.. أمّا مصائده، فصدّ عن برّ الإخوان، … أما أنّه ما يُعبد الله بمثل نقل الأقدام إلى برّ الإخوان وزيارتهم”[70].
وهذا النص يكشف أن الشيطان يدرك عِظم أثر برّ الإخوان في تزكية النفس وتقوية المجتمع المؤمن، لذلك يحرص على إفساده. فتراه يوسوس للإنسان بأن فلانًا لا يستحق الزيارة، أو أن قضاء حاجة المؤمن أمر يسير لا يستحق العناء، أو أن صلة الرحم يمكن تأجيلها، أو أن برّ الوالدين ليس أولوية الآن. وهكذا يزيّن له الجفاء، ويثقّل عليه أبواب الرحمة.
لذا، للتخلّص من هذه المصيدة ينبغي الحذر بالمبادرة إلى صلة الرحم، وقضاء حوائج المؤمنين، وعدم الاستجابة لوسوسة الكسل أو الجفاء، فقد ورد: «ما يُعبد الله بمثل نقل الأقدام إلى برّ الإخوان»[71].
4.حبّ المال
المال في نفسه نعمة، لكن الشيطان يحوّله إلى مصيدة إذا استقرّ في القلب واشتدّ التعلّق به حتى يُقدَّم على محبة الله، قال تعالى:﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾[72]وعندئذٍ يتحوّل المال من وسيلة إلى غاية، فيغفل الإنسان عن الله.
فإذا بلغ هذا الحدّ، بدأ الإنسان يتنازل عن القيم من أجل المال، فيبخل، أو يظلم، أو يقطع رحمه، أو يبيع دينه لأجل مكسب عاجل. ولهذا ذمّت النصوص الشرعية الافتتان به، فقد رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّ الشيطان يدير ابن آدم في كلّ شيء، فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته»[73].
لذا، للتخلّص من هذه المصيدة ينبغي الحذر من النظر إلى المال كغاية لا وسيلة، وعلينا الالتزام بالحلال، والإنفاق في سبيل الله، وتذكّر أن المال فتنة، قال تعالى:﴿ إِنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولَادُكُم فِتنَةٌ ﴾[74].
5.الإعجاب بالنفس وحبّ المدح
من أخفى مصائد الشيطان وأدقّها أثرًا في النفس أن يُعجب الإنسان بنفسه، ويرى عمله كبيرًا، ويطلب ثناء الناس عليه، فإن هذا الباب يفسد العمل من حيث لا يشعر، ويحوّل الطاعة من إخلاص لله إلى طلب منزلة عند الخلق. وقد حذّر أمير المؤمنين عليه السلام من ذلك بقوله: “وَإِيَّاكَ والْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الْإِطْرَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ”[75].
فالإعجاب بالنفس يجعل الإنسان يغترّ بعمله، فلا يرى تقصيره، ولا يسعى للإصلاح، بل قد يحتقر غيره، ويظن أنه أفضل منهم، وهذا من أبواب الكبر الخفي. أما حبّ المدح، فيجعل الإنسان يعمل لأجل الناس، لا لأجل الله، فإذا مُدح فرح، وإذا لم يُمدح فتر أو ترك العمل، فيقع في الرياء دون أن يشعر.
والحذر من هذه المصيدة يكون بأمور:
أن يستحضر الإنسان دائمًا أن التوفيق من الله لا من نفسه، وأن عمله مهما كثر لا يوازي نعم الله عليه، وأن يفتّش عن عيوبه بدل الانشغال بمحاسنه، وأن يفرح بستر عمله أكثر من ظهوره، وأن يجعل ميزانه رضا الله لا رضا الناس.
فمن نجا من هذا الباب، سلم له عمله، وثبت إخلاصه، وكان أقرب إلى القبول، لأن أخطر ما يخشاه الإنسان ليس قلة العمل، بل فساد العمل بعد وقوعه.
6.الغضب
الغضب من أخطر مصائد الشيطان؛ لأنه يطفئ نور العقل سريعًا، ويدفع الإنسان إلى أفعال يندم عليها طويلًا. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: “وَاحْذَرِ الْغَضَبَ، فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ”[76]. وقال أيضًا: “وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ”[77].
فهو ليس انفعالًا عابرًا، بل قد يتحول إلى أداة للظلم والقطيعة والإفساد، لذلك مدح القرآن من يملك نفسه عند الغضب، فقال تعالى:﴿ وَالكَاظِمِينَ الغَيظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾[78].
لذا، للتخلّص من هذه المصيدة ينبغي كظم الغيظ، وتأخير ردّ الفعل، والسكوت عند الغضب، واللجوء إلى ذكر الله. وللتوسع في علاج الغضب راجع كتاب زاد المبلغات-الجزء الأول[79].
7.الحسد
الحسد من أخبث مصائد الشيطان؛ لأنه يفسد علاقة الإنسان بالناس وبالله، إذ يعترض الحاسد في باطنه على قسمة الله، قال تعالى:﴿ أَم يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ ﴾[80]، وهو من أخلاق إبليس حين حسد آدم عليه السلام. رُوي عن الإمام الصادق عليه السّلام: «يقول إبليس لجنوده؛ ألقوا بينهم الحسد، والبغي؛ فإنّهما يعدلان الشرك باللّه»[81].
ويبدأ الحسد شعورًا خفيًا، ثم ينمو حتى يتحول إلى عداوة وبغضاء وسعي في إفساد الآخرين، لذلك كان من أخطر أبواب الانحراف.
وللتخلّص من هذه المصيدة وجب الرضا بقضاء الله، والدعاء للآخرين، واستحضار أن نعم الله لا تنفد، وأن الحسد لا يضر إلا صاحبه، رُوي عن الصادق عليه السلام: “الحاسد مضر بنفسه قبل أن يضر بالمحسود كإبليس أورث بحسده لنفسه اللعنة ولآدم عليه السلام الاجتباء والهدى”[82].
8. التكبر
التكبر من أخطر مصائد إبليس، بل هو الخُلُق الذي أهلكه أول مرة، حين أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر، قال تعالى:﴿ أَبَى وَاستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ ﴾[83]. ومن هنا صار الكبر طريقًا شيطانيًا، لأنه يمنع الإنسان من قبول الحق والخضوع لله.
وقد وصفه أمير المؤمنين عليه السلام بأنه «مصيدة إبليس العظمى»[84]، لأنه يتسلّل إلى القلب خفيًا حتى يفسد العبادة والعلم والعلاقات. ويظهر في صور متعددة، كاحتقار الناس، ورفض الاعتذار، والاغترار بالعلم أو المال أو النسب.
إذًا للتخلّص من هذه المصيدة ينبغي علينا تذكّر أصل الإنسان وضعفه، وقبول الحق من أي مصدر، والتواضع للناس، فإن الكبر من أخطر مصائد إبليس، قال تعالى:﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُستَكبِرِينَ ﴾[85].
9.مجالسة أهل الهوى
مجالسة أهل الهوى من أخطر مصائد الشيطان؛ لأنها تفسد القلب تدريجيًا، فالجليس ينقل بطريقته وسلوكه ما في داخله، حتى يضعف الإيمان دون أن يشعر الإنسان. ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: «مجالسة أهل الهوى منساة للإيمان، محضرة للشيطان»[86].
فهذه المجالس تُهيّئ بيئة الغفلة والانشغال بالدنيا، وتُسهّل التنازل عن المبادئ، خصوصًا إذا غلب عليها اللهو والانفلات.
لذا، للتخلّص من هذه المصيدة ينبغي اختيار الصحبة الصالحة، والابتعاد عن مجالس الغفلة، فإن الجليس يؤثر في القلب.
المطلب الثاني: الاستعاذة الحقيقية
كثيرًا ما نسمع أنّ الوقاية من الشيطان تكون بالاستعاذة، وهي قول: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”، لكنها ليست مجرد عبارة تُقال، بل تقوم على أربعة أركان:
1) المستعيذ وهو الإنسان الذي يطلب الحماية، 2) المستعاذ به وهو الله تعالى الذي يلجأ إليه، 3) المستعاذ منه وهو الشيطان ووساوسه وطرق إضلاله، 4) المستعاذ لأجله وهو النجاة من المعصية والقرب من الله.
السؤال المطروح: لماذا يردّد أغلبنا هذه العبارة، ومع ذلك يقع في الحرام؟
تأمّلوا هذا المثال: شاب جلس وحده، فخطر في ذهنه أن يمارس الحرام، فكان أول ما خطر بباله أن يقول: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”، فهو هنا المستعيذ، وقد توجّه إلى المستعاذ به وهو الله تعالى، أمّا هذه الفكرة فهي من المستعاذ منه، أي من وسوسة الشيطان.
فإن اكتفى بالقول وبقي مكانه، لم تتحقق الاستعاذة، أمّا إذا قالها وأغلق الهاتف فورًا وابتعد عن موضع الفتنة، فقد حقّق المستعاذ لأجله، وهو النجاة من المعصية والقرب من الله.
ومن هنا يتبيّن أنّ الاستعاذة ليست لفظًا يُقال، بل حركةٌ واعيةٌ وعملٌ جادّ يدفع الإنسان إلى ترك المعصية فورًا، وبذل الجهد في مجاهدة النفس والسير نحو الطاعة.
فالاستعاذة لا تُؤتي أثرها إلا إذا اقترنت بالتقوى التي تمنع من الوقوع، والتذكّر الذي يُوقظ القلب، والإخلاص الذي يُصحّح النيّة، والتوكّل الذي يمنح القوة، والتضرّع والانكسار بين يدي الله؛ ليكون اللجوء إليه صادقًا ومثمرًا.
وهذه الخمسة هي الأركان الحقيقية للاستعاذة التي يقوم عليها أثرها في الواقع، وهي كالاتي:
أولًا: التقوى
التقوى هي الأساس الذي تُبنى عليه الاستعاذة، وهي “وقاية النفس من عصيان أوامر الله ونواهيه وما يمنع رضاه”[87]. ويمكن تقريب معناها بمثال حسي: كإنسانٍ يسير حافيًا في طريق مليء بالأشواك والزجاج، فتراه يقظًا، ينظر موضع قدمه، ويتحرّك بحذر شديد لئلا يُؤذى، بل يحذر حتى ممّن قد يشغله فيغفل فيقع في الأذى.
وهكذا المتقي، يعيش حالة انتباه دائم، يحذر من الشيطان الذي يترصّده في لحظات الغفلة والتساهل والشهوة والغضب، فيسدّ عليه هذه المنافذ. وقد عبّر القرآن عن ذلك بقوله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾[88]، فالتقوى لا تمنع الوسوسة، لكنها تمنح سرعة الانتباه والرجوع إلى الحق.
ومثال ذلك: شاب يُدعى إلى معصية وهو وحده، فإن لم يكن متقيًا استجاب وقال: لا يراني أحد، أمّا المتقي فيستحضر نظر الله إليه فيتراجع فورًا، وهذا هو الأثر الحقيقي للتقوى في الاستعاذة.
ثانيًا: التذكّر
التذكر هو يقظة القلب عند لحظة الخطر، وهو أن يستحضر الإنسان الحقائق التي يحاول الشيطان أن يغطي عليها: أن الله حاضر، وأن الموت قريب، وأن المعصية ليست لذة عابرة، بل لها أثر في القلب وعاقبة في الآخرة. فالشيطان لا ينتصر بقوته، بل بغفلة الإنسان، فإذا تذكر الإنسان، انكسر مكره.
وقد قال تعالى:﴿ فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾[89]، أي إن التذكر يعيد للإنسان بصيرته بعد أن كادت الوسوسة أن تحجبها. ولهذا ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «ذكر الله مطردة الشيطان»[90].
وهذا التذكر ليس مجرد كلمة، بل رجوع داخلي إلى الوعي. فقد يهمّ الإنسان بالنظر إلى الحرام، ثم يتذكر فجأة أن هذا الفعل سيُعرض عليه يوم القيامة، وأن الله يراه الآن، فيصرف بصره فورًا. فهذا التذكر هو الذي أنقذه، وهو الذي أعاد إليه بصيرته في لحظة كادت تضيع.
ثالثًا: التوكّل
التوكل هو أن يدرك الإنسان ضعفه، وألا يعتمد على نفسه في مواجهة الشيطان، لأن النفس تميل، والهوى يغلب، والشيطان خبير بمداخل الإنسان. فمن ظن أنه قادر بنفسه، تعرّض للسقوط، ومن لجأ إلى الله، أُعطي قوة لم تكن عنده.
قال تعالى:﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾[91]. فالتوكل ليس ضعفًا، بل هو مصدر قوة؛ لأن الإنسان حين يعتمد على الله، لا يقاتل وحده.
ومثال ذلك: شاب عُرضت عليه المخدرات، وشعر بضعف داخلي، فإن قال: أنا أستطيع أن أتحكم، قد يقع، أما إذا قال: “يا رب أنا ضعيف، فاحفظني”، ثم ابتعد عنهم، فإن الله يعينه، فيثبت. فالتوكل لا ينافي السعي، وهو يجعل الاستعاذة حقيقية، لأن الإنسان لا يكتفي بالرفض، بل يستمد قوته من الله.
رابعًا: الإخلاص
الإخلاص هو أن تكون الاستعاذة صادقة لله، لا عادة باللسان، ولا خوفًا من الناس، بل رغبة في رضا الله وحده. فالشيطان قد لا يمنع الإنسان من العمل الصالح لكنه يفسده من الداخل إذا دخل فيه الرياء أو طلب المدح.
قال تعالى:﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ﴾[92]. والشيطان نفسه يعترف بعجزه عن إغواء المخلَصين، إذ قال لله تعالى:﴿ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾[93].
مثال ذلك: إنسان يترك المعصية أمام الناس، لكنه إذا خلا بنفسه وقع فيها، فهذا لم تتحقق عنده الاستعاذة الحقيقية، أما من يتركها في الخلوة كما يتركها في العلن، فهذا صادق مع الله، وقد تحقق عنده الإخلاص. فالإخلاص يجعل القلب ثابتًا، لأن غايته ليست الناس، بل الله.
خامسًا: التضرّع والانكسار
التضرع هو أن يشعر الإنسان بضعفه الحقيقي، وأنه لا يستطيع أن ينجو من الشيطان إلا بعون الله، فيلجأ إليه بانكسار وخضوع. فالشيطان ينتصر على من يرى نفسه قويًا، ويضعف أمام من يرى نفسه محتاجًا إلى الله.
قال تعالى:﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾[94]. وفي دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام في مناجاة الشّاكين أنه قال: «إلهي أشكو إليك عدواً يضلّني وشيطاناً يغويني»، فهذا الدعاء يعبّر عن قلب منكسر يعرف خطر عدوه، ويطلب الحماية من ربه.
مثال ذلك: شخص يقول بثقة: أنا لا أخاف من الشيطان، هذا أقرب إلى السقوط، لأن فيه غرورًا، بينما آخر يقول: يا رب إن لم تحفظني هلكت، فهذا أقرب إلى النجاة، لأن قلبه متعلق بالله.
خلاصة المطلب: الاستعاذة الحقيقية ليست كلمة، بل حالة قلب:
تقوى تمنع، وتذكر يوقظ، وتوكل يقوّي، وإخلاص يثبت، وتضرع يحفظ.
فإذا اجتمعت هذه المعاني، تحولت الاستعاذة من لفظ يُقال إلى حصن يُحتمي به، وصارت للنفس قوة على مقاومة الشيطان، لا مجرد أمنية بالنجاة.
المطلب الثالث: التحصين العملي اليومي
لا يكتمل التحصّن من الشيطان بمعرفة مصائده والاستعاذة وحدهما، بل يحتاج إلى برنامج عملي يومي يُبقي القلب في حالة يقظة دائمة. وهذه الأعمال منها واجبة وأخرى مستحبة؛ فالواجبات تُغلق الأبواب الكبرى، والمستحبات تسدّ الشقوق الخفيّة التي يتسلّل منها الشيطان. ومن هذه الأعمال ما يأتي:
@ المحافظة على الصلاة
وهو من أعظم أسلحة التحصين؛ لأن الصلاة ليست واجبًا منفصلًا عن سائر الحياة، بل هي صلة دائمة بالله، وتجديد متكرر للعهد معه، واسترجاع للقلب من التشتت والغفلة. وإذا حافظ الإنسان على صلاته في وقتها، بقي الشيطان حذرًا منه، لأن هذه الصلاة تذكّره بالله مرارًا، وتقطّع عليه فرص الاستغراق في الهوى، قال تعالى: [إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ][95].
@ قراءة القرآن؛ لأن القرآن نور، وهداية، وتذكير، وكشف لحيل الشيطان. وكلما أكثر الإنسان من القرآن صار قلبه أصفى، وبصيرته أحدّ، واستحضاره للحقائق الكبرى أقوى. وليس المقصود من القراءة مجرد تحريك اللسان، بل أن يتعامل الإنسان مع القرآن على أنه خطاب حيّ يعظه، ويوقظه، ويعيد ترتيب نظرته إلى الدنيا والآخرة. ومن أعظم الآيات التي استُعملت في التحصين آية الكرسي، فقد رُوي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: «من قرأ .. وآية الكرسي … لم يقربه الشيطان”[96].
@ دوام الذكر والتسبيح والصلاة على محمد وآله؛ لأن الذكر يطرد الغفلة، والغفلة هي البيئة المفضلة للشيطان. فإذا كان الإنسان في عمله، أو وحدته، أو سيره، أو قبل نومه، أو عند هجوم الوساوس، رطبًا بذكر الله، ضعفت قدرة الشيطان على الاستقرار في قلبه. وليس الذكر محصورًا بلفظ معين، بل كل حضور لله في القلب واللسان من ذكر واستغفار وتسبيح وتحميد وصلاة على محمد وآله يدخل في هذا الباب. رُوي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم: «إن الشيطان اثنان: شيطان الجن، ويبعد بلا حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم، وشيطان الإنس ويبعد بالصلاة على النبي وآله»[97].
@ النظافة والطهارة؛ لأن الشيطان يرتبط بالقذارة ويتخذها موطنًا، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: «لا تبيتوا القمامة في بيوتكم وأخرجوها نهارًا فإنها مقعد الشيطان»[98]، مما يدلّ على أن القذارة تجذب الشيطان، وأن النظافة تطرده.
لذا ينبغي على المؤمن أن يعتني بنظافة بدنه وثوبه ومكانه، وأن يداوم على الطهارة من النجاسة المادية والمعنوية، كالوضوء والغُسل، فإنها تهيّئ بيئة نور تبعده وتضعف تأثيره. فليست الطهارة مجرد مظهر، بل هي حماية عملية من وساوسه وحضوره في حياة الإنسان.
@ الصوم؛ لأنه يضعف الشهوات التي يدخل منها الشيطان، ويقوّي إرادة الإنسان، فيصبح أقدر على مخالفة هواه. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: «الصوم يسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره»[99]. أي أن الصوم والصدقة يضيّقان على الشيطان ويضعفان تأثيره.
@ الصدقة والعمل الصالح، وهو من أعظم أسباب التحصين؛ لأن الشيطان يريد من الإنسان أن يبقى أنانيًا، بخيلًا، مشغولًا بنفسه، خائفًا على دنياه. فإذا دفع الإنسان من ماله، وخالف خوفه، وواسَى غيره، انكسر في داخله شيء من سلطان الدنيا، وهذا ما لا يريده الشيطان. ولهذا تعظم وسوسته عند إرادة الصدقة والخير، فيذكّر بالفقر، ويهوّن الأثر، ويدعو إلى التأجيل. قال تعالى:﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ﴾[100].
رُوي أنه كان في إحدى سني القحط أحد الوعاظ في المسجد يقول على المنبر: إذا أراد أحد ان يتصدق فان سبعين شيطاناً يتمسكون بيده ويمنعونه من ذلك.
فسمع أحد المؤمنين هذا الكلام فقال لأصدقائه متعجباً لا توجد في التصدق كل هذه الصعوبة، فأنا املك مقداراً من الحنطة وسوف اتي بها إلى المسجد واعطيه إلى الفقراء. وقام من مكانه وعندما وصل إلى البيت وعلمت زوجته بنيته بدأت تلومه على ذلك: لماذا لا تهتم بزوجتك وأولادك في سنة القحط هذه؟ لعل القحط استمر زماناً طويلاً فسوف نموت من الجوع في ذلك الوقت وسوف يكون كذا وكذا.
والخلاصة فإنها أخذت توسوس إلى درجة أن ذلك المؤمن رجع إلى المسجد بأيد خائبة. فسأله اصدقاؤه ماذا حدث أرأيت كيف ان سبعين شيطاناً قد مسكوا بيدك ومنعوك، فأجاب: أنى لم أر الشياطين ولكن رأيت أم الشياطين وقد منعتني من ذلك[101].
@ التوبة السريعة وعدم الإصرار على الذنب؛ لأن الذنب إذا تُرك بلا استغفار تكرّر حتى يهون، ثم يترسّخ في القلب ويصعب تركه. والشيطان لا يكتفي بإيقاع الإنسان في المعصية، بل يحرص أن يؤخّر توبته، فيقول له: تب لاحقًا، ما زال الوقت طويلًا. فإذا بادر الإنسان إلى التوبة فورًا، انكسر أثر الذنب وضعف سلطان الشيطان، أمّا إذا سوّف، التصق الذنب بقلبه.
رُوي في بعض الأخبار «أنَّ الخَبيثَ إبليسَ تَبَدّى-أي ظهر-لِيَحيَى بنِ زَكَرِيّا عليه السلام، فَقالَ لَهُ: إنّي اريدُ أن أنصَحَكَ.
فَقالَ: كَذَبتَ، أنتَ لا تَنصَحُني، ولكِن أخبِرني عَن بَني آدَمَ.
فَقالَ: هُم عِندَنا عَلى ثَلاثَةِ أصنافٍ. أمّا صِنفٌ مِنهُم: فَهُم أشَدُّ الأَصنافِ عَلَينا، نُقبِلُ حَتّى نَفتِنَهُ ونَستَمكِنَ مِنهُ، ثُمَّ يَفزَعُ إلَى الاستِغفارِ وَالتَّوبَةِ فَيُفسِدُ عَلَينا كُلَّ شَيءٍ أدرَكنا مِنهُ، ثُمَّ نَعودُ لَهُ فَيَعودُ، فَلا نَحنُ نَيأَسُ مِنهُ، ولا نَحنُ نُدرِكُ مِنهُ حاجَتَنا، فَنَحنُ مِن ذلِكَ في عَناءٍ.
وأمَّا الصِّنفُ الآخَرُ: فَهُم في أيدينا بِمَنزِلَةِ الكُرَةِ في أيدي صِبيانِكُم، نُلقيهِم كَيفَ شِئنا، قَد كَفَونا أنفُسَهُم.
وأمَّا الصِّنفُ الآخَرُ: فَهُم مِثلُكَ مَعصومونَ لا نَقدِرُ مِنهُم عَلى شَيءٍ»[102].
@ الصحبة الصالحة والابتعاد عن مواطن الفتنة؛ لأن الشيطان لا يعمل في فراغ، بل يستفيد من المكان، والرفقة، والزمان، والصورة، والكلمة، والمشهد. فكم من إنسان ضعفت نفسه، لا لأنه قرر المعصية ابتداءً، بل لأنه جلس في مجلس سوء، أو طالت خلوته، أو اعتاد المزاح المحرم، أو أكثر مخالطة من يجرّئه على المعصية، أو بقي في مكان يعلم أن فيه فتنة تتكرر عليه. فالحماية ليست أن يدخل الإنسان النار ثم يقول: سأقاوم الاحتراق، بل أن يبتعد من الموضع الذي يشتعل فيه البلاء.
@ الاعتصام بأهل البيت عليهم السلام، وبالأخص في زمن الفتن والشبهات؛ فقد تقدّم أن من أخطر شِباك الشيطان الشبهات، حيث يُظهر الباطل بصورة تشبه الحق، فيقع الإنسان في الضلال وهو يظنّ أنه على صواب. وهنا لا يكفي مجرّد حسن النية أو قوة العبادة، بل يحتاج الإنسان إلى ميزان معصوم يميّز له الطريق. فليست كل دعوة إلى الحق حقًا، ولا كل شعار ديني صادقًا، بل الميزان هو الرجوع إلى الإمام المعصوم، الذي يكشف زيف الشعارات ويُبيّن حقيقة الطريق. ومن هنا كان التولّي لهم عليهم السلام تحصينًا من أخطر أنواع كيد الشيطان، وهو كيد الشبهات.
وقد بيّنت سيرة أهل البيت عليهم السلام هذا المعنى بوضوح، كما في معركة صفين، حين رُفعت المصاحف على الرماح، فظنّ كثير من الناس أنّها دعوة إلى كتاب الله، بينما كانت في حقيقتها خدعة لإيقاف الحق. فاختلط الأمر على جماعة، ولم يثبت إلا من عرف الإمام وتمسّك به.
ولكي يتضح الأمر أكثر، نسلّط الضوء على هذا الحدث: حين تولّى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الخلافة، أصدر قرارًا بعزل معاوية بن أبي سفيان عن الشام، فرفض معاوية القرار، وأعلن العصيان، مستغلًا قضية مقتل عثمان لإثارة الفتنة واتهام الإمام وشيعته. وقد سعى الإمام عليه السلام إلى حلّ النزاع بالحوار والموعظة حقنًا لدماء المسلمين، لكن دون جدوى.
فتوجّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في مثل هذا اليوم، الخامس من شهر شوال سنة 36هـ، إلى صفّين، وهي منطقة بين الشام والعراق، لمواجهة تمرّد معاوية بن أبي سفيان. فخرج حزب الله بقيادة الإمام علي عليه السلام من أهل الكوفة، وفيهم جمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وخرج في مقابلهم حزب الشيطان بقيادة معاوية بن أبي سفيان من أهل الشام. ومع ذلك، حاول الإمام عليه السلام تجنّب القتال، فدعا إلى التقوى، وعرض المبارزة لتقليل الدماء، لكن معاوية أصرّ على الحرب.
نزل جيش معاوية عند الفرات ومنع الماء عن جيش الإمام، فاشتد العطش بالناس والدواب، فاضطر الإمام إلى القتال لاسترجاع الماء، فلما ظفر به لم يمنع عنه خصومه، بل سمح لهم بالشرب، في موقف يكشف عن سمو أخلاقه. ومع ذلك استمر جيش معاوية في الاعتداء، فدارت معركة شديدة، واستشهد فيها عمار بن ياسر، فاضطرب جيش الشام لعلمهم بقول النبي صلى الله عليه وآله “تقتل عمّاراً الفئة الباغية”[103].
واشتدّ القتال حتى بلغت المعركة ذروتها في ليلة عُرفت بليلة الهرير، حيث تقدّم جيش الإمام بقيادة مالك الأشتر وكاد أن يحسم المعركة ويصل إلى معسكر معاوية. عندها لجأ معاوية وعمرو بن العاص إلى حيلة، فرفعوا المصاحف على الرماح، ومعنى ذلك أنّ القرآن حكمًا بيننا، أراد من ذلك أن يخدع أصحاب الإمام علي عليه السلام، ليقفون عن القتال، ويدعون الإمام علي عليه السلام إلى تحكيم القرآن.
وفعلاً خُدع زهاء عشرين ألف مقاتل من جيش الإمام وأجبروه على قبول ذلك، رغم تحذيره عليه السلام لهم من هذه الخدعة، منها قوله: «إنها كلمة حق يُراد بها باطل»[104]، مؤكدًا أنها ليست دعوة صادقة إلى القرآن، بل وسيلة لإيقاف تقدّم الحق بعد أن قارب النصر.
اضطرّ الإمام إلى القبول بالتحكيم دفعًا لانقسام جيشه، فمثّل معاوية عمرو بن العاص، ومثّل جيش الإمام أبو موسى الأشعري، فخدعه عمرو وأظهر خلع الإمام وتثبيت معاوية. وانتهت المعركة بعد أن قُتل عشرات الآلاف من الطرفين، وبقيت آثار هذه الحادثة من أخطر ما واجهه الإمام عليه السلام في مسيرته، لأنها كشفت أن أخطر أساليب الشيطان هو تلبيس الباطل بثوب الحق حتى يضلّ الإنسان وهو يظنّ أنه على هدى[105].
إنّ هؤلاء الذين كانوا في جيش الإمام علي عليه السلام، وقد اسودّت جباههم من كثرة السجود، خذلوه في معركة صفين، ثم انقلبوا بعد ذلك فصاروا من الخوارج. وهذه الصورة تذكّرنا بأهل الكوفة الذين كتبوا آلاف الرسائل إلى الإمام الحسين عليه السلام يدعونه لنصرته، فلما قدم إليهم انقلبوا على أعقابهم، وواجهوه بالسيوف في واقعة عاشوراء.
وهذا يبيّن أن العبرة في كون الإنسان من أتباع حزب الله أو من أتباع حزب الشيطان، لا بكثرة العبادة الظاهرة، بل بثبات الموقف وصدق الاتباع.
وصدقت عقيلة بني هاشم عليها السلام حين قالت للشيطان يزيد لعنه الله:
“ألا فالعَجَب كلّ العجب.. لقتلِ حزبِ الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء!”
نعم، إنّ هذا المعنى ورد ضمن خطبتها في مجلسه حين أُدخلت السبايا بحالٍ يُرثى لها، فقد نقل الطريحي في المنتخب عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: لما وفدنا على يزيد بن معاوية أتونا بحبال وربطونا مثل الأغنام، وكان الحبل بعنقي وعنق أم كلثوم، وبكتف زينب وسكينة والبنات وساقونا. وكلما قصرنا عن المشي ضربونا حتى أوقفونا بين يدي يزيد، فتقدمت إليه وهو على سرير مملكته وقلت له:
ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وآله لو يرانا على هذه الصفة، فأمر بالحبال فقطعت من أعناقنا وأكتافنا.
ونقل أيضًا: إن الحرائر لما أدخلن على يزيد كان ينظر إليهن ويسأل عن كل واحدة بعينها وهن مربطات بحبل طويل[106].
(مجردات)
| بحبال خشنه چتفوهن | او ليزيد اويلي سيروهن | |
| والنذل ظل ينشد عليهن | او يتسترن گامن بديهن |
(نصاري)
| بس هاي ما چانت على البال | اطب المجلسه او بمتوني الحبال | |
| او راسك بالطشت واتشوفه العيال | او بيده العود ويوسم المبسم |
(مجردات)
| بحبال خشنه چتفوهن | او ليزيد اويلي سيروهن | |
| والنذل ظل ينشد عليهن | او يتسترن گامن بديهن[107] |
[1] الأعراف/ 201.
[2] فاطر/ 6.
[3] المائدة/91.
[4] مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / الشيطان/ معنى الشيطان، وحقيقة النفس الأمارة.
[5] مركز الرصد العقائدي/ alrasd.net / الأسئلة والأجوبة/ ما هو الفرقُ بينَ الجنِّ والشّيطان؟ -بتصرف.
[6] تفسير الكاشف-محمد جواد مغنية-ج2-ص207-208.
[7][7] الأنعام/112.
[8] الذاريات/ 56.
[9] الجن/ 11
[10] الجن/ 14.
[11] الرحمن/ 15.
[12] الاعراف/27.
[13] الحجر: 26.
[14] “بنيانهم الجسمي في منتهى اللطافة” المقصود أن أجسامهم ليست مادية كثيفة، بل خفيفة غير محسوسة كالأجسام المعتادة.
[15] النمل/39.
[16] الاستعاذة-عبد الحسين دستغيب-ص16-بتصرف.
[17] الأمالي-الشيخ الطوسي-ص4.
[18] مناقب أبي طالب-ابن شهرا شوب-ج 3-ص277.
[19] مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / الشيطان/ هل يتمثل إبليس بهيئة البشر؟ -بتصرف.
[20] مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / الشيطان/ معلومات عن الشيطان -بتصرف.
[21] الكهف/ 50.
[22] الأعراف/12.
[23] ص/ 76.
[24] الكهف/50.
[25] البقرة/ 34.
[26] ص/ 77–78.
[27] ص/ 79.
[28] الأعراف/15.
[29] الأعراف/ 20.
[30] البقرة/ 36.
[31] الأنعام/ 112.
[32] الإسراء/ 27.
[33] البقرة/ 14.
[34] النساء/ 76.
[35] إبراهيم/ 22.
[36] يس/60.
[37] فاطر/ 6.
[38] الروم/ 30.
[39] فصلت/ 30.
[40] الأنعام/ 160.
[41] الزمر 53.
[42] إبراهيم/ 22.
[43] العنكبوت/ 2.
[44] إبراهيم/ 51.
[45] العنكبوت/ 69.
[46] الأعراف/ 27.
[47] التكاثر/ 5–6.
[48] الإسراء/ 64.
[49] طه/74.
[50] التوبة/81.
[51] مواقف الشيعة–علي الأحمدي الميانجي-ج2-ص292-293.
[52] الاستعاذة-دستغيب-ص33.
[53] النحل/ 63.
[54] لقمان/ 33.
[55] المنافقون/ 10.
[56] الحديد/ 21.
[57] النور/ 15.
[58] المجادلة/ 19.
[59] الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية-السيد محمد حسن الترحيني العاملي-ج2-ي264.
[60] الزمر/ 53.
[61] يوسف/87.
[62] ميزان الحكمة-الريشهري-ج1-ص269.
[63] النحل/ 43.
[64] الأمالي-الطوسي-ص339
[65] نهج الفصاحة-أبو القاسم پاینده-ص481
[66] غرر الحكم: ح950.
[67] دعائم الإسلام-القاضي النعمان-ج2-ص 214.
[68] عقاب الأعمال-الشيخ الصدوق-230.
[69] تحف العقول-بن شعبة الحراني-ص302.
[70] تحف العقول-بن شعبة الحراني، ص302.
[71] مسند الإمام الصادق ع-عزيز الله العطاردي-ج6-ص28.
[72] الفجر/ 20.
[73] شرح أصول الكافي-المولى محمّد صالح المازندراني-ج9-ص337.
[74] التغابن/: 15.
[75] نهج البلاغة-الكتاب: 53.
[76] نهج البلاغة-الكتاب: 69.
[77] نهج البلاغة-الكتاب: 76.
[78] آل عمران/ 134.
[79] زاد المبلغات-مياسة شبع-ج1-المحاضرة السابعة، بعنوان “كيف نتحكم بالغضب؟”.
[80] النساء/ 54.
[81] أربعون حديثًا في مكارم الأخلاق-والد البهائي العاملي-ص81.
[82] بحار الأنوار-المجلسي-ج70-ص155.
[83] البقرة/ 34.
[84] موسوعة الكسنزان-الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني-ج19-ص21.
[85] النحل/ 23.
[86] شرح نهج البلاغة-السيد عباس علي الموسوي-ج2-ص15.
[87] محاسن الكلم-مركز نون للتأليف والترجمة-ص50.
[88] الأعراف/ 201.
[89] الأعراف/ 201.
[90] ميزان الحكمة-محمد الريشهري-ج3-ص296.
[91] النحل/ 99.
[92] الزمر/ 2.
[93] ص/ 82–83.
[94] الأعراف/ 55.
[95] العنكبوت/45.
[96] تفسير العياشي-العياشي-ج 1-ص 43.
[97] النور المبين في فضل الصلاة على محمد وآله الطاهرين-سيد حسين طالب-ص132.
[98] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج5-ص318،
[99] الكافي-الكليني-ج 4 -ص 62.
[100] البقرة/ 268.
[101] نوادر وطرائف النساء-عبد الرسول زين الدين- إبليس والنساء-بتصرف.
[102] موسوعة معارف الكتاب والسنة-محمد الريشهري-ج3-ص134. نقلا عن حلية الأولياء-ج 8-ص 148 -الرقم 406.
[103] من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج2 -ص68 -ح269.
[104] وقعة صفّين-نصر بن مزاحم المنقري-ص489.
[105] موقع الشیعة/ ar.al-shia.org/ النبي وأهل بيته/ الإمام علي (ع)/ حروبه وغزواته/ معركة صفين ومساعي الإمام علي (ع)-بتصرف.
[106] المنتخب-فخر الدين الطريحي-ص487.
[107] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج3-ص172-173.
