
لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
رَمَضَانِيَّاتٌ: ٱلْخُطْبَةُ ٱلنَّبَوِيَّةُ فِي ٱسْتِقْبَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ
عنوان المُحَاضَرَةُ: رَمَضَانُ شَهْرُ البَرَكَةِ
روي عن أميرِ المؤمنين عليه السَّلامُ أنه قال: إنّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآله خطبنا ذاتَ يومٍ فقال: “أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ…”.[1]
هذا المقطع هو جزء من خطبة النبي محمد صلى الله عليه وآله، ألقاها في أواخر شهر شعبان بمناسبة استقبال شهر رمضان المبارك. في هذه الخطبة، يخبرنا النبي صلى الله عليه وآله، الذي مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ، بأن شهر رمضان حين يُقبل علينا، يأتي بثلاثة هدايا عظيمة.
هدايا شهر رمضان ليست من جنس الهدايا المادية التي يجلبها بعضنا للآخرين، مثل الزهور أو الحلويات، بل هي هدايا أعمق وأوسع أثرًا بكثير. إنها: (البركة)، و(الرحمة)، و(المغفرة).
الهدية الأولى: “البركة”، وهي من أعظم النعم التي يقدمها الله لعباده، إذ تضفي الخير والنماء على كل جوانب الحياة.
الهدية الثانية: الرحمة الإلهية، حيث تُفتح في هذا الشهر أبواب الرحمة، فيكون العبد أقرب ما يكون لنيل عفو الله ولطفه.
الهدية الثالثة: المغفرة الشاملة، التي تجعل هذا الشهر فرصة عظيمة للتطهر من الذنوب، عبر وسائل عديدة مثل: الصيام، التلاوة، والدعاء.
في هذه المحاضرة، سنسلط الضوء على الهدية الأولى، وهي البركة، لما لها من أهمية كبيرة في حياتنا اليومية. فكثيرًا ما نردد كلمة “البركة” في دعائنا وكلامنا، مثل قولنا: “اللهم بارك لنا في أرزاقنا”، أو “بارك الله فيك”، أو “نبارك لكم حلول شهر رمضان المبارك”، وغيرها. وقد ورد ذكر البركة في القرآن الكريم 32 مرة بصيغ مختلفة، مثل: “بركات”[2]، و”باركَ”[3]، و”باركْنا”[4]، و”بورِك”[5]، “مبارك”[6]، “مباركة”[7]، “تبارك”[8]. [9]
في الأزمنة السابقة، كان الناس يدركون معنى البركة ويعيشون آثارها في حياتهم اليومية. أما في زماننا الحالي، فالكثير يعانون من نقص البركة، ويتجلى ذلك في أمور عديدة، منها:
1.رفع البركة في الوقت: الشعور بضيق الوقت، وعدم القدرة على إنجاز المهام، حيث تمر الأيام سريعًا دون تحقيق أهداف تُذكر.
2.رفع البركة في المال: رغم زيادة الدخل، يعاني بعض الأشخاص من عدم كفاية المال لتلبية الاحتياجات، وكأن المال يذهب دون أثر.
3.رفع البركة في الذرية: زيادة التحديات الأخلاقية والنفسية لدى الأبناء، مع ضعف البرّ بالوالدين.
4.رفع البركة في الطعام: انتشار الأمراض الناتجة عن الأطعمة، رغم وفرتها، مع قلة الشعور بالشبع والرضا.
5.رفع البركة في العلاقات: ضعف الروابط الأسرية والاجتماعية، وزيادة النزاعات، مما يؤدي إلى غياب السكينة في المجتمع.
6.رفع البركة في الراحة النفسية: انتشار القلق والاكتئاب رغم توفر وسائل الراحة، مما يجعل الحياة مليئة بالضغوط.
فيا ترى ما معنى البركة؟ وما هي موانعها؟ وما هي الوسائل التي نكتسب بها البركة؟ وكيف أصبح شهر رمضان شهر البركة؟
كل هذه الأسئلة وغيرها سنجيب عنها في مباحث هذه المحاضرة.
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْنَى البَرَكَةِ ومَظاهِرِها
البركة لغة: كلمة «بركة» مشتقّة من مادّة «ب ر ك » وتعني الثبات والدوام، ولذلك يسمّى الخير والنماء الدائمان، بركة.
يقول ابن منظور: البَرَكَةُ: النَّماءُ وَالزِّيادَةُ. وَالتَّبريكُ: الدُّعاءُ لِلإِنسانِ أو غَيرِهِ بِالبَرَكَةِ . . . وبارِك عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، أي أثبِت لَهُ وأدِم ما أعطَيتَهُ مِنَ التَّشريفِ وَالكَرامَةِ.[10]
فالبركة هي الزيادة والمضاعفة والكثرة سواء كان في المادي أو المعنوي، وفي مقابلها (المحق) وهو النقص والقلة والخسارة وذهاب البركة، ومنه (يمحق الله الربا) أي يستأصله ويذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. [11]
(ويسمّى الخير والزيادة بركة إن اقترنا بخصوصيّتين؛ إحداهما الكثرة والزيادة، والاُخرى الثبات والدوام)[12].
من مظاهر البركة:
# البركة في المال: القليل يكفي ويغني، ويزيد الخير في الرزق دون تبذير أو إسراف.
# البركة في الصحة: التمتع بالعافية وقلة الأمراض، مع القدرة على العمل والنشاط.
# البركة في الذرية: صلاح الأبناء وبرّهم، ونفعهم للمجتمع، رغم قلة عددهم أحيانًا.
# البركة في العلاقات: المحبة والوئام بين الناس، مع قلة النزاعات والخلافات.
# البركة في العلم: تعلّم القليل وإدراك الكثير، ونفع العلم للإنسان والمجتمع.
# البركة في العمل: إنتاجية عالية وقبول العمل من الناس ومن الله، مع الشعور بالرضا.
# البركة في العمر: التوفيق لإنجاز أعمال عظيمة في حياة قصيرة، كحال العلماء والأولياء.
# البركة في الوقت: يقول السيد الطباطبائي (ره): “البركة في الوقت أن يسع من العمل ما ليس في سعة مثله أن يسعه”[13]. مثال ذلك العلامة المجلسي (ره) الذي كان يتمتع بنشاط كبير وتفانٍ في عمله العلمي والديني، وقد اشتهر بتأليف موسوعة “بحار الأنوار”، التي تُعد من أكبر الموسوعات الحديثية في التراث الإسلامي والتي يبلغ عددها 120 جزءاً، عدا التأليفات الأخرى.
عندما نقارن ما قدمه المجلسي من إنجازات مع عدد سنوات عمره، نجد أنها تفوق المتوقع، مما يُشير إلى أن الله بارك في وقته وعمله. وعلى النقيض، يعاني أغلب الناس في هذا الزمن من زوال البركة في الوقت، كما أشار أمير المؤمنين عليه السلام: “… قال: إذا ظهر في أمة محمد صلى الله عليه وآله في المشاجرة ستون خصلة… – إلى أن قال – فحينئذ تصير السنة كالشهر، والشهر كالأسبوع، والأسبوع كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة لا قيمة لها”.[14]
# البركة في الطعام: الشعور بالشبع من كميات قليلة، وزيادة الخير والبركة عند مشاركة الطعام. وللتوضيح لنضرب مثالين:
مثال رقم (1): لنفترض أن لديك كيسًا يحتوي على خمسة كيلوغرامات من الأرز، وتستهلك منه يوميًا نصف كيلو. من المنطق أن ينفد الأرز بعد عشرة أيام. لكن أحيانًا، تلاحظ أن الكمية في الكيس لم تنقص كما توقعت، على الرغم من يقينك بأنه لم يضف أحد شيئًا إلى الكيس.
إذن، من الذي زاد كمية الأرز؟ هل هو ملك من الملائكة؟ أم أن الأرز تكاثر من تلقاء نفسه؟ لا تعلم الإجابة. لكن عقلك يدرك أن هناك زيادة غير مفسرة، وهذه الزيادة تسمى “البركة”.
مثال رقم (2): أحيانًا، نجد شخصًا لديه دخل مرتفع جدًا، لكنه لا يشعر بالخير أو الاكتفاء: لا يأكل جيدًا، ولا يرتدي لباسًا مناسبًا، وحياته مليئة بالمشاكل المالية. في المقابل، نجد شخصًا آخر بدخل أقل بكثير، لكنه يعيش حياة مستقرة، يأكل جيدًا، يوفر احتياجاته، وحتى يدخر جزءًا من ماله. هذه الحالة توضح أن هناك مالًا فيه بركة ومالًا منزوع البركة.
نفهم من ذلك أنّ البركة في الأصل نعمة غير ملموسة لأنها تشير إلى زيادة الخير والنماء بشكل معنوي وروحي، مثل الشعور بالرضا أو التوفيق. لكن آثارها قد تكون ملموسة عندما تظهر في أمور مادية، مثل: زيادة المال، كفاية الطعام، أو الصحة الجيدة. وهي هبة إلهية يمنحها الله لمن يشاء، لكنها ليست مقصورة على أحد، بل متاحة لكل من يلتزم بالتقوى والطاعة -كما سنوضح ذلك لاحقاً-.
المَبْحَثُ الثَّانِي: مَوَاطِنُ البَرَكَةِ
قبل أن نذكر مواطن البركة لا بد من التمهيد لفهم أصل البركة الموجودة فيها.
من المعلوم أنّ الله سبحانه وتعالى هو مصدر جميع الصفات الكمالية، كالرحمة، الرزق، العدل، والعلم. ومن عظيم حكمته أنه أفاض بعضًا من هذه الصفات على مخلوقاته لتكون مظاهر لإرادته وقدرته، لكن على نحو التبعية لا الاستقلال[15]؛ لأن الله تعالى أجرى نظام الكون وفق قانون الأسباب والمسببات رحمةً بعباده وتيسيرًا لأمور حياتهم، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها”.[16]
على سبيل المثال:
# الله مدبر الأمور، ولكنه أفاض صفة التدبير على بعض مخلوقاته كما في الملائكة الذين وصفهم بقوله تعالى: [وَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا][17]، أي أنها أسباب للتدبير الإلهي.
# الله الرزاق، لكنه جعل السعي والعمل أسبابا للرزق.
# الله الشافي، وجعل الدواء والطبيب سببًا للشفاء.
ومن صفات الله التي تهمنا في هذه المحاضرة هي: (المبارك)، روي عن الإمام الصادق عليه السلام فِي الدُّعاءِ: “أسأَ لُكَ . . . بِاسمِكَ .. الطّاهِرِ الطُّهرِ المُبارَكِ”.[18]
، وبالمثل فقد أفاض هذه الصفة وأنزلها على بعض مخلوقاته لتكون مواطن للبركة تنقل أثرها إلى حياة الناس، لذا نقرأ في بعض الأدعية: “يا مُنزِلَ البَرَكاتِ”.[19]
هذه البركة يمنحها الله لبعض المخلوقات على قدر استعدادها وسعتها الوجودية، فهي وسائط لتحقيق الفيض الإلهي، وقد خص الله بها بعض المواضع، تسمى بــ : (مواطن البركة)، وسنذكرها في المطالب الآتية:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: البَرَكَةُ فِي المُصْلِحِينَ
من أعظم مواطن البركة ارتباطها بأولياء الله المصلحين.
هناك فرق بين الصالح والمصلح، وكلاهما مباركَين، لكن درجة البركة ونوع أثرها تختلف بينهما:
فالصالح: هو الشخص الذي يلتزم بالطاعة والعبادة، ويتجنب المعاصي والفساد، ويسير في طريق الهداية لنفسه.
بركته تتركز غالبًا في ذاته وأسرته أو محيطه القريب، حيث يفيض الخير من حياته وسلوكه الشخصي.
مثال: إنسان يؤدي حقوق الله والناس بصدق وأمانة، فيجلب البركة لأسرته ومحيطه.
أما المصلح: فهو الشخص الذي لا يكتفي بأن يكون صالحًا لنفسه، بل يسعى لإصلاح الآخرين والمجتمع، ومواجهة الفساد ونشر الخير.
بركته أوسع وأشمل، لأنها تمتد إلى المجتمع كله. فهو أداة للتغيير الإيجابي وإصلاح النفوس والأوضاع.
مثال: الأنبياء والأوصياء، بركتهم عامة شملت أممًا بأكملها نجتهم من الهلاك، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾[20]. فالله تعالى لم يقل: (وأهلها صالحون) بل قال: ﴿وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾، فوجود المصلحين في مجتمع ما يعني انتشار الخير والبركة، ورفع البلاء.
ومن أبرز المصلحين الذين يعدّون مصدراً للبركة هم:
# الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: كنبي الله نوح عليه السلام، حيث قال الله تعالى: [قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ][21]. ونبي الله إبراهيم وإسحاق عليهما السلام، قال تعالى: [وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ][22]، ونبي الله عيسى عليه السلام، قال تعالى: [وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ][23].
يقول السيد الطباطبائي (ره): ” كونه عليه السلام مباركا أينما كان هو كونه محلا لكل بركة والبركة نماء الخير، كان نفاعا للناس يعلمهم العلم النافع ويدعوهم إلى العمل الصالح ويربيهم تربية زاكية ويبرئ الأكمه والأبرص ويصلح القوي ويعين الضعيف”.[24]
# مُحَمَّدٌ وَآلُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: إنّالنبي محمد صلى الله عليه وآله، هو أكثر الخلق بركة، قال تعالى في حقه: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ][25]، باعتبار الرحمة تُثمر البركة؛ فحين يرحم الله عباده، يمنحهم الخير والزيادة في النعم المادية والمعنوية. لذلك، النبي محمد صلى الله عليه وآله لكونه رحمة للعالمين فهو مصدر البركة للبشرية، لأنه جلب الهداية والتشريع الذي يحقق الخير المستدام في الدنيا والآخرة.
ومن بعد النبي يأتي أهل بيته الأطهار عليهم السلام كمصدر للبركة، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “نحن أهل بيت الرحمة، وبيت النعمة، وبيت البركة”.[26]
وروي عن الإمام زين العابدين عليه السلام: نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين… بنا ينزل الغيث وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض”.[27]
وكيف لا يكون أهل البيت عليهم السلام بركة للناس وهم السبب في استمرار الحياة، كما روي عن أبي جعفر عليه السلام قال: “سمعته يقول: لو بقيت الأرض يوما بلا إمام منا لساخت بأهلها ولعذبهم الله بأشد عذابه، أن الله تبارك وتعالى جعلنا حجة في أرضه، وأمانا في الأرض لأهل الأرض..”.[28]
وأيضاً تتجلى بركتهم في هدايتهم للناس إلى الحق، ونشرهم للعلم والمعرفة، وتقديمهم القدوة في الصبر والتقوى. كذلك، وهم الوسيلة التي جعلها الله سببًا لخير الأمة ونجاتها، قال تعالى: [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا][29].
ومن أهل البيت الصديقة الطاهرة فاطمة عليها السلام والتي من أسمائها: (المباركة) لأن الله تعالى بارك فيها أنواعاً من البركات، منها: (جعل الخير الكثير في ذرّية رسول الله صلّى الله عليه وآله من نسلها، قال تعالى:﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾[30]، فالكوثر هو كثرة النسل والذرّية، وقد ظهرت الكثرة في نسله صلّى الله عليه وآله من وُلد فاطمة حتّى لا يحصى عددهم، واتصل إلى يوم القيامة مددهم).[31]
وبارك في أعمالها المنسوبة لها كتسبيحة الزهراء، حيث روي عن أبي عَبْدِ اللَّهِ الصادق عليه السلام أنه قال: “تَسْبِيحُ فَاطِمَةَ عليها السلام فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ صَلَاةِ أَلْفِ رَكْعَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ”.[32]
# العُلَمَاءُ المُتَّقُونَ: إن وجود علماء الدين المتقين بركة للمجتمع، وتتمثل البركة بعدة مصاديق منها: دفع البلاء عن المكان المتواجدين فيه، يروى كان بعضُ أصحاب الإمام الرضا عليه السلام ساكنين في قم ومنهم زكريا بن آدم المدفون في مقبرة (شيخان) بقم المقدسة كتب زكريا رسالة إلى الإمام يطلب فيها السماح له بمغادرة قم، والسبب كما ذكره في الرسالة هو أن كبار العلماء والرجال قد ماتوا ولست مأنوساً مع من بقي، فقال له الإمام جواباً عن رسالته: “لا تخرج، فإن بقاءك في قم بركة لأهلها، والله سبحانه يدفع عنها البلاء ببركة وجودك مثلما يدفع البلاء عن مدينة أبي (الكاظمية) ببركة وجوده”.[33]
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “إن الله عز وجل إذا رأى أهل قرية قد أسرفوا في المعاصي وفيها ثلاث نفر من المؤمنين، ناداهم -جل جلاله وتقدست أسماؤه -: يا أهل معصيتي، لولا فيكم من المؤمنين المتحابين بجلالي، العامرين بصلاتهم أرضي ومساجدي، والمستغفرين بالأسحار خوفا مني، لأنزلت بكم عذابي ثم لا أبالي”. بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٧٠ -ص ٣٨٢.
المَطْلَبُ الثَّانِي: البَرَكَةُ فِي الصَّالِحِينَ
في بعض الأحيان حينما يزورنا أحد المؤمنين الصالحين نقول: “حلّت البركة”، ولم نكن ندرك معناها، ولكن تبيّن أن لها أساس شرعي لأن البركة ترافق أولياء الله الصالحين المؤمنين، روي عن الإمام العسكري عليه السلام: “المؤمن بركة على المؤمن”.[34]
قلنا أنّ الصالح: هو الشخص الذي يلتزم بالطاعة والعبادة، ويتجنب المعاصي والفساد، ويسير في طريق الهداية لنفسه. وبركته تتركز غالبًا في ذاته وأسرته أو محيطه القريب، حيث يفيض الخير من حياته وسلوكه الشخصي.
وقد ذكرت الروايات مجموعة من الصالحين، نذكر منهم:
# كبار السن، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: “البركة مع أكابركم”.[35]
# البنات: عنه صلى الله عليه وآله: “ما من بيت فيه البنات إلا نزلت كل يوم عليه اثنتا عشرة بركة ورحمة من السماء ..”.[36]
# الصبيان، روي عنه صلى الله عليه وآله: “بيت لا صبيان فيه لا بركة فيه”.[37]
# الزوجة الصالحة: إنّ الزوجة الصالحة مباركة لكونها تتصف بصفات صالحة، منها: العفة والالتزام بالحجاب الشرعي الكامل، وحسن التبعل وبر الوالدين وصلة الرحم، والمحافظة على الصلاة، وغيرها. ومن علامات بركة المرأة التي تذكرها الروايات:
# خفة مؤونتها: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “من بركة المرأة خفة مؤونتها ويسر ولادتها” [38]، خفة المؤونة ترمز إلى المرأة التي لا تُثقل زوجها بمطالب زائدة أو غير ضرورية، وتكون قانعة ومعينة على أمور الحياة.
# اليسر في مهرها: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا”[39]، الحديث يبرز أهمية التيسير في المهور لتحقيق بركة الزواج واستقراره. فالمهور الميسرة تخفف الأعباء، تشجع على الزواج، وتعكس علاقة قائمة على المودة والرحمة بدلًا من التكاليف المادية التي قد تُثقل الأسرة.
علما أنّ البركة في هذا الحديث لا تعني بالضرورة وفرة المال أو النسل فقط، بل قد تشمل الصفاء النفسي، والراحة في العلاقة الزوجية، والنجاح في تربية الأبناء، وتكامل الحياة الأسرية.
# تبكيرها بالأنثى: روي عن الرسول صلى الله عليه وآله: “من بركة المرأة تبكيرها بالأنثى”.[40]
تبكيرها بالأنثى: يعني أن المرأة التي تلد أنثى كأول مولود لها تُعد مباركة. قد يكون الحديث إشارة إلى أن هذه المرأة مباركة لأن أول مولود لها يحمل صفات البركة، كالعطف والحب.
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: البَرَكَةُ فِي آثَارِ المُصْلِحِينَ
البركة لا تقتصر على حياة الأنبياء والأولياء فقط، بل تمتد إلى آثارهم وما يلامس أجسادهم. كان الصحابة يتبركون بوضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشعره وعرقه، لما تحمله هذه الآثار من خير وبركة. مثال ذلك: في معركة خيبر، حين مسح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بريقه على عين الإمام علي عليه السلام، فشُفي فورًا وعاد للمعركة منتصرًا.[41]
كيف تنتقل البركة؟
مثلما يكتسب الفحم حرارة النار، أو يتعطر الثوب بجوار العطر، فإن الأشياء التي تلامس الأنبياء والصالحين تكتسب البركة. مثال ذلك: قميص النبي يوسف عليه السلام الذي شفى بصر يعقوب عليه السلام، حيث قال تعالى: [اذهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلقُوهُ عَلَىٰ وَجهِ أَبِي يَأتِ بَصِيرًا … فَلَمَّا أَن جَاءَ البَشِيرُ أَلقَاهُ عَلَىٰ وَجهِهِ فَارتَدَّ بَصِيرًا] [42].
حتى الكافر قد ينتفع من آثارهم، مثل: السامري الذي أخذ قبضة من أثر جبرائيل عليه السلام، فأثرت في العجل الذهبي[43]، قال تعالى: [فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ] طه/88. البركة في آثار الصالحين درس قرآني يدعونا للتدبر وأخذ العبرة، كما قال تعالى: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ][44].
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: البَرَكَةُ فِي الأَشْيَاءِ المُقَدَّسَةِ
ونذكر منها:
# البركة في القرآن الكريم: قال الله تعالى: [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ][45]، فمن بركته: هدايته للقلوب، وشفاؤه للصدور وإصلاحه للنفوس، وتهذيبه للأخلاق، قال تعالى: [وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ] [46]إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.
# التبرك بأسماء الله تعالى: إنّ أسماءه سبحانه وتعالى مباركة. قال تعالى: [تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ][47] ، ولقد علمنا أمير المؤمنين عليه السلام أن نقول في دعاء كميل: “يامَنِ اسْمُهُ دَواءٌ، وَذِكْرُهُ شِفاءٌ”.
لقد أكتشف العلماء في السنوات الأخيرة أن لكل اسم من أسماء الله تعالى طـاقة تحــــفز جهـــاز المناعة للعـــمل وبكفــاءة مـــثلى في عضو معين بجسم الأنسان، فلمرض الكلى اسم (الحي) وللركبة (الرؤوف) وللأعصاب (المغني) وغيرها.
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: البَرَكَةُ فِي الأَمَاكِنِ المُقَدَّسَةِ
إنّ الأماكن لها علاقة بالبركة، مثال ذلك: البذور إذا زُرعت في أرض خصبة، تنمو وتعطي ثمارًا وفيرة ببركة خصوبة الأرض، بينما إذا زُرعت في أرض جدباء، فلا تنبت أو تكون الثمار قليلة وضعيفة.
وهذا ينطبق على الأماكن المقدّسة التي جعلها الله تعالى مهبطًا لرحماته ومواطنًا لعباداته، حيث تتضاعف فيها الأجور وتتحقق فيها السكينة والطهارة الروحية، منها: المسجد النبوي والمسجد الأقصى، وبيت الله الحرام، قال تعالى: [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ[48] مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ][49].
ومنها: أضرحة أئمة الشيعة، وبعض المساجد المقدسة كمسجد الكوفة، فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: “فلو يعلم الناس ما فيه من البركة لأتوه من أقطار الأرض ولو حبواً على الثلج”[50]. لأنه مقام لعدد من أنبياء الله كنبي الله آدم ونوح وإبراهيم وكونه محراب أمير المؤمنين عليه السلام ومكان قضائه.
المَطْلَبُ الخَامِسُ: البَرَكَةُ فِي أَزْمِنَةٍ مُحَدَّدَةٍ
إنّ الأزمنة لها علاقة بالبركة، مثال ذلك: إنّ بذر بذور الشتاء في فصل الصيف يُفقد الزرع بركته بسبب عدم توافق الزمن، أما إذا زُرعت في فصل الشتاء، تجد البركة في نموها وإثمارها. وهذا يشبه الأزمنة المباركة التي هي هبة إلهية جعلها الله في أوقات معينة من العام، حيث تتضاعف فيها الأعمال الصالحة وتتنزل فيها الرحمات.
وتارة تنزل البركة على مدار أيام شهر كامل كشهر رمضان، أو تنزل في أيام مخصوصة كيوم الجمعة، أو في ليالي خاصة كليلة القدر، قال تعالى: [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ][51].
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مُوجِبَاتُ البَرَكَةِ
من الأسئلة المهمة المتعلقة بموضوع البركة هو: كيف نستجلب البركة؟ وما هي أسبابها؟
الجواب: يمكن استجلاب البركة من خلال القيام بأعمال معينة أو التحلي بصفات مخصوصة، تعرف بـ: “موجبات البركة”، وهي وسائل وضعها الله لتحقيق الخير وزيادة النعم في حياة الإنسان. وفيما يلي بعض أبرز موجبات البركة [52]:
1-تقوى اللَّه عزّ وجلّ: قال اللَّه سبحانه وتعالى: [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ][53]، فالآية تدلّ على أنّ التقوى التي تمارسها الجماعة توجب هطول البركات عليهم ونزولها من كلّ حدب وصوب.
مثال ذلك: التاجر الأمين الصادق يطرح الله البركة في رزقه، روي عن رَسولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله: “إذَا التّاجِرانِ صَدَقا بورِكَ لَهُما، فَإِذا كَذِبا وخانا لَم يُبارَك لَهُما”.[54]
وروي عن الإمام الباقر عليه السلام : “وَجَدنا في كِتابِ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ عليه السلام : [أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لَا هُمْ يَحْزَنُونَ][55]، إذا أدَّوا فَرائِضَ اللّه، وأَخَذوا بِسُنَنِ رَسولِ اللّه صلى الله عليه و آله، وتَوَرَّعوا عَن مَحارِمِ اللّه، وزَهَدوا في عاجِلِ زَهرَةِ الدُّنيا، ورَغِبوا في ما عِندَ اللّه، وَاكتَسَبُوا الطَّيِّبَ مِن رِزقِ اللّه، لا يُريدونَ بِهِ التَّفاخُرَ وَالتَّكاثُرَ، ثُمَّ أنفَقوا في ما يَلزَمُهُم مِن حُقوقٍ واجِبَةٍ، فَاُولئِكَ الَّذينَ بارَكَ اللّه ُ لَهُم في مَا اكتَسَبوا، ويُثابونَ عَلى ما قَدَّموا لِاخِرَتِهِم”.[56]
ربّ تساؤل يرد: لماذا يُبتلى بعض المتقين رغم أنهم سبب للبركة؟
الجواب باختصار: إنّ القول بأن التقوى سبباً لنزول البركة لا يعني أن الإنسان مُعافى دائمًا من البلاء. الابتلاءات قد تكون وسيلة لزيادة التقوى أو لاختبار صبر الإنسان. كما قال تعالى: “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ].[57]
فإن البلاء قد ينزل على المؤمنين رغم تقواهم، لأنه جزء من حكمة الله لرفع درجتهم أو امتحان صبرهم، مما يجعل البركة تتجلّى على المدى البعيد في حياتهم وآخرتهم، ولنا في أهل البيت عليهم السلام أسوة حسنة وقدوة عظمى، فهم أشد الناس ابتلاءً رغم أنهم الأكثر تقوى وإخلاصًا، روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل”.[58]
2-الصلاة والدعاء: ورد الحثّ على الصلاة والدعاء بالبركة في جملة من النصوص، منها ما روي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «كان علي بن الحسين عليه السلام إذا وضع الطعام بين يديه قال: «اللّهمّ هذا من منّك وفضلك وعطائك، فبارك لنا فيه…».[59]
مثال على ذلك: مزارع يستيقظ لصلاة الفجر في وقتها، يتوجّه إلى الله بالدعاء أن يطرح البركة في زرعه وعمله، ثم يبدأ يومه بالسعي والجهد. بناءً على وعد الله باستجابة الدعاء، وبركة وقت البكور، يجد المزارع أن عمله يُثمر أكثر، وزرعه ينمو بوفرة، ونتائج جهده تكون مضاعفة، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: “اللهم بارك لأمتي في بكورها[60]“.[61]
3-صنائع المعروف والصدقات: قال اللَّه تعالى: [مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً][62].
روي عن الإمام الكاظم عليه السلام: كان في بني إسرائيل رجل صالح وكانت له امرأة صالحة، فرأى في النوم أن الله تعالى قد وقت لك من العمر كذا وكذا سنة، وجعل نصف عمرك في سعة، وجعل النصف الآخر في ضيق، فاختر لنفسك إما النصف الأول وإما النصف الأخير.
فقال الرجل: إن لي زوجة صالحة وهي شريكتي في المعاش فأشاورها في ذلك وتعود إلى فأخبرك. فلما أصبح الرجل قال لزوجته: رأيت في النوم كذا وكذا، فقالت: يا فلان، اختر النصف الأول وتعجل العافية؛ لعل الله سيرحمنا ويتم لنا النعمة.
فلما كان في الليلة الثانية أتى الآتي فقال: ما اخترت؟ فقال: اخترت النصف الأول، فقال: ذلك لك. فأقبلت الدنيا عليه من كل وجه، ولما ظهرت نعمته قالت له زوجته: قرابتك والمحتاجون فصلهم وبرهم، وجارك وأخوك فلان فهبهم.
فلما مضى نصف العمر وجاز حد الوقت رأى الرجل الذي رآه أولا في النوم، فقال له: إن الله تعالى قد شكر لك ذلك ولك تمام عمرك سعة مثل ما مضى”.[63]
4-الحجّ والعمرة وزيارة بيت اللَّه: مثال على ذلك: رجل يؤدي باستمرار الحج أو العمرة بصدق وإخلاص، فيجد بركة في صحته، واتساعًا في رزقه، واستقامةً في دينه، كما وعد الإمام زين العابدين عليه السلام بقوله: “حجّوا واعتمروا تصحّ أجسامكم، وتتّسع أرزاقكم، ويصلح إيمانكم، وتكفوا مؤنة الناس ومؤنة عيالاتكم”.[64]
5-زيارة الإمام الحسين عليه السلام: جاء في بعض الروايات ما يدلّ على أنّ زيارة الإمام الحسين الشهيد عليه السلام توجب البركة، ففي رواية الحضرمي عن أبي جعفر عليه السلام قال: «مُروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام؛ فإنّ إتيانه يزيد في الرزق، ويمدّ في العمر، ويدفع مدافع السوء».[65]
6-حسن الخلق والنفقة: مثال على ذلك: رجل ذو خلق حسن يُنفق على أهله بحب ويُطعم الفقراء، فيبارك الله في رزقه، قال تعالى: [وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ][66]، وروي عن الإمام علي عليه السلام: “في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق”.[67]
7-بر الوالدين وصلة الرحم: مثال على ذلك: شاب يزور والديه ويكرمهما ويصل أرحامه باستمرار، فيبارك الله في عمره ورزقه، فقد روي عن عنه صلى الله عليه وآله: من ألهم الصدق في كلامه، والإنصاف من نفسه، وبر والديه، ووصل رحمه؛ أنسئ له أجله، ووسع عليه في رزقه، ومتع بعقله، ولقن حجته وقت مساءلته”.[68]
عنه صلى الله عليه وآله: “حسن الخلق وصلة الأرحام وبر القرابة؛ تزيد في الأعمار، وتعمر الديار ولو كان القوم فجارا”.[69]
8-الاستغفار: مثال على ذلك: شخص يستغفر الله يوميًا، فيفتح الله عليه أبواب الرزق؛ لأن الله وعدنا بذلك قائلاً: [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا].[70]
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “أكثروا الاستغفار تجلبوا الرزق”.[71]
9-الزواج: يقول تعالى: [إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ].[72]
10-التدبير والاقتصاد: مثال على ذلك: شخص يُنفق بوعي واعتدال، فلا يسرف ولا يبخل، فيجد أن ماله يدوم ويكفي احتياجاته ببركة التدبير والاقتصاد. قال تعالى: [وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا].[73]
11-الشكر: يقول تعالى: [لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ][74]، والزيادة هي البركة.
12-الإنفاق في سبيل الله: يقول تعالى: [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ][75]، أي أن الله يجعل المال المتصدق به مباركًا، فيُثمر الخير ويعود بالنفع على صاحبه بأشكال مختلفة، مثل: زيادة الرزق، الحماية من البلاء، أو نشر البركة في حياة المتصدق.
وهناك موجبات أخرى عديدة، وردت في كل واحدة منها نصوصا شرعية تثبت أنها تجلب البركة، نذكر منها: العدل، التجارة، الصلاة، حسن الجوار، التسمية بأسماء الأنبياء، الزكاة، الصدق والوفاء، الأكل من جوانب الطعام وليس الوسط، والاجتماع على الأكل، القناعة، والصبر، التسمية بقول بسم الله الرحمن الرحيم، الصدقة، الرفق، لعق الأصابع بعد الأكل، التسليم عند دخول البيت، إطعام الطعام، الزيادة في العطاء، الزواج، طلب العلم، غسل رجلي العروس ليلة الزفاف وخلع خفها، أكل العسل، وغيرها، ولمعرفة النصوص الواردة فيها وفي غيرها ننصح بقراءة كتاب: الخير والبركة في الكتاب والسنة للشيخ محمد الريشهري.
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: مَوَانِعُ البَرَكَةِ
كثيرًا ما يتساءل الناس عن أسباب فقدان البركة!!
البركة قد تزول من حياة الإنسان بسبب أفعال خاطئة يقوم بها، وهي تتأثر بعاملين رئيسين:
1. عدم السعي لجلب البركة: البركة لا تأتي تلقائيًا؛ يجب أن نستجلبها بالأعمال الصالحة التي ترضي الله، مثل: الصدقة، الإحسان، وأداء العبادات وغيرها -من الأمور التي ذكرناها في مبحث موجبات البركة-. إذا أهملنا هذه الأعمال، فلن تكون البركة جزءًا من حياتنا.
2. ارتكاب الذنوب والمعاصي: الذنوب هي السبب الأكبر في محو البركة؛ فهي تمنع الخير وتُغلق أبواب التوفيق، قال الإمام الصادق عليه السلام: “احذروا الذنوب؛ فإن العبد ليذنب فيحبس عنه الرزق”[76]. حتى الأعمال المكروهة، رغم أنها ليست محرمة، قد تكون سببًا لزوال البركة.
فعندما يبتعد الناس عن طاعة الله ويقعون في المعاصي، يُبتلون بنقص الخيرات والبركات، فيُغلِق الله عليهم أبواب الرزق والخير. الهدف من ذلك ليس العقوبة فقط، بل تذكير الناس ليعودوا إلى طريق الحق، قال تعالى: [ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ][77].
في بعض الأحيان، قد تُرفع البركة من حياة الإنسان كاختبار من الله أو تذكير بالعودة إلى الطريق الصحيح. وأحيانًا يكون ذلك بسبب إصرار الإنسان على المعاصي، فيكون رفع البركة عقوبة إلهية.
وقد جعل الله سبحانه الاستغفار سببا لدر الرزق ورحمة الخلق، فقال سبحانه: قال تعالى: [اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا *وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ]. [78]
روي عن الإمام علي عليه السلام: “اللهم وأستغفرك لكل ذنب يدعو إلى الغي[79]، ويضل عن الرشد، ويقل الرزق، ويمحو البركة، ويخمل الذكر؛ فصل على محمد وآله، واغفره لي، يا خير الغافرين”.[80]
فرحم الله امرأ استقبل توبته، واستقال خطيئته، وبادر منيته![81]
إنّ الأمور التي ترفع البركة كثيرة نذكر منها الآتي:
1-الكذب: قال صلى الله عليه وآله وسلم: “البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما”[82].
بمعنى إنّ صدق كلّ واحد منهما في الإخبار عمّا يتعلّق به، وبيّن كلّ واحد منهما لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه، كثر نفع المبيع والثمن، وإن كتم البائع عيب السلعة والمشتري عيب الثمن، أو كذّبا، مُحقِت البركة، وهو النقصان. وقيل: هو أن يذهب الشيء كلّه حتّى لا يرى منه أثر.[83]
2-ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسُلط بعضُهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء”.[84]
3-سماع الاغاني: روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “لاَ تَدْخُلُ اَلْمَلاَئِكَةُ بَيْتاً فِيهِ خَمْرٌ أَوْ دَفٌّ أَوْ طُنْبُورٌ[85]أَوْ نَرْدٌ وَلاَ يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ وَ يَرْفَعُ اَللَّهُ عَنْهُمُ اَلْبَرَكَةَ”.[86]
4-الزنا: روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “أهل الزنى ليس على وجوههم نور ولا بهاء، ولم يجعل الله في رزقهم بركة”.[87]
5-حبس الدين: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من حبس عن أخيه المسلم شيئاً من حقه حرّم اللهُ عليه بركةَ الرزق إلا أن يتوب”.[88]
6-الخيانة وشرب الخمر والسرقة: عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أربعٌ لا تدخل بيتًا واحدة منهن إلا خرب ولا يعمر بالبركة: الخيانة، والسرقة، وشرب الخمر”.[89]
7-ترك العلماء: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “سيأتي زمان على أمتي يفرون من العلماء كما يفر الغنمُ من الذئب، ابتلاهم اللهُ بثلاثة أشياء، الأول يرفع البركةَ من أموالهم والثاني سلط الله عليهم سلطاناً جائراً، والثالث يخرجون من الدنيا بلا إيمان”.[90]
8-التهاون في الصلاة: عن سيدة النساء فاطمة عليها السلام أنها سألت أباها محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: “يا ابتاه، ما لمن تهاون بصلاته من الرجال والنساء؟ قال: يا فاطمة، من تهاون بصلاته من الرجال والنساء ابتلاه الله بخمس عشرة خصلة، ست منها في دار الدنيا، وثلاث عند موته، وثلاث في قبره، وثلاث في القيامة إذا خرج من قبره، فإما اللواتي تصيبه في دار الدنيا فالأولى يرفع الله البركة من عمره، ويرفع الله البركة من رزقه..”. [91]
9-ترك فريضة الزكاة: عن أبي جعفر عليه السلام، قال: “وجدنا في كتاب علي عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا منُعت الزكاة منَعت الأرضُ بركاتِها”.[92]
10-هجر القرآن: عن علي عليه السلام: “إن البيتَ الذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يُذكر اللهُ عز وجل فيه تقل بركتُه، وتهجره الملائكة، وتحضره الشياطين”. [93]
11-الحلف على السلعة : عن أبي سعيد ، قال : “كان علي عليه السلام يأتي السوق فيقول: يا أهل السوق، اتقوا الله، وإياكم والحلف فإنه ينفق[94] السلعة ويمحق البركة”.[95]
قد يطرح السؤال التالي: في الروايات تأكيد على رفع البركة من الرزق، فما المقصود من ذلك؟، وكيف يرفع الرزق؟
الجواب: عندما يقول الحديث ما مضمونه: “لم يجعل الله في رزقهم بركة”، الرزق في الإسلام لا يقتصر على المال فقط، بل يشمل كل ما ينعم به الإنسان من خيرات تُسهل حياته وتحقق له السعادة والاستقرار. الرزق مفهوم واسع يشمل الجوانب المادية والمعنوية كالمال، والصحة والعافية، والوقت، والعلم والمعرفة، والذرية الصالحة، والراحة النفسية، والعلاقات الطيبة، وغيرها من أنواع الرزق.
ومعنى رفع البركة من الرزق يعني أن أحد مصاديق الرزق التي حصل عليها الإنسان المذنب لا تحقق له الخير الحقيقي، ولا تدوم معه، بل تُصرف بطرق لا تجلب له سعادة أو استقرارًا. ولتوضيح ذلك لنقف على أحد مصاديق الرزق وهو (المال) لنعرف كيف ترفع عنه البركة:
1. الإنفاق دون جدوى: قد يحصل المذنب على أموال كثيرة، لكنه يصرفها على أمور غير نافعة، مثل: الترف الزائد أو الشهوات، فلا يبقى لديه شيء يحقق له استقرارًا حقيقيًا.
2. كثرة المشاكل المالية: الأموال قد تأتي، لكنها تُستهلك بسبب أزمات طارئة مثل: الديون، الغرامات، أو المصاريف غير المتوقعة، مما يجعله دائم القلق بشأن المال.
3.عدم الشعور بالكفاية: حتى مع توفر المال، يشعر المذنب بعدم الاكتفاء أو الرضا، وكأن المال لا يغني حاجاته الأساسية.
4. الضياع في التخطيط المالي: عدم التوفيق في إدارة المال، مثل: فشل المشاريع أو ضياع الفرص الاستثمارية، مما يؤدي إلى ضياع الموارد.
5.تأثير الرزق على الصحة والنفسية: المال الذي يُكتسب دون بركة قد يُنفق على علاج الأمراض أو على أمور تزيد من التوتر النفسي والقلق، بدلًا من جلب السعادة.
من أجل ذلك على الشخص الذي يشعر بزوال البركة من ماله عليه أن يسأل نفسه:
هل مصدر مالي حلال؟، هل المال مكتسب من مصادر غير شرعية، مثل: الربا أو السرقة أو الاحتيال؟
إذا كان كذلك فلا بركة في ماله، روي عن الإمام الكاظم عليه السلام: “إن الحرامَ لا ينمي، وإن نمى لم يبارك له فيه، وما أنفقه لم يؤجر عليه، وما خلفه كان زاده إلى النار”.[96]
– هل كسبت المال بصدق وأمانة؟
روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: “ألا ومن غشّنا فليس منا”، وكررها ثلاث مرات. ثم قال: “ومن غشّ أخاه المسلم نزع الله بركة رزقه، وأفسد عليه معيشته، ووكلَه إلى نفسه”.[97]
الخلاصة: البركة ليست مرتبطة بكمية المال، بل بمصدره وطريقة إنفاقه. المال الحلال المكتسب بصدق وأمانة يجلب الخير والرضا، أما المال المكتسب بطرق غير شرعية أو بالظلم، فهو منزوع البركة، حتى لو كان كثيرًا.
المَبْحَثُ الخَامِسُ: رَمَضَانُ شَهْرُ البَرَكَةِ
السؤال الذي ينبغي علينا طرحه كمسك لختام محاضرتنا هو:
لماذا يُعدّ شهر رمضان شهر البركة؟
ونجيب عليه بهاتين النقطتين:
أولاً: إنّ شهر رمضان شهر البركة لما فيه من ارتباط وثيق بين الصوم والتقوى، وبين التقوى والبركات. فالله تعالى جعل لكل عبادة حكمة وعلّة، وإن خفيت بعض جوانبها عنّا، إلا أنه بيّن بعضها في نصوصه المقدسة. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون].[98]
فغاية الصيام هي تحقيق التقوى، التي تُحصّن الإنسان من ارتكاب المعاصي، وتقوده إلى الطاعة المطلقة لله تعالى.
ولكن ما الذي يترتب على التقوى؟
لقد ذكرنا خلال البحث أنّ التقوى سبباً لجلب البركة، لقوله تعالى: [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ].[99]
إذن، البركات من السماء والأرض مرهونة بالتقوى، والتقوى تُكتسب بالطاعة والعبادة، وعلى وجه الخصوص عبادة الصوم، التي تعدّ من أسرع الوسائل لتحصيل ملكة التقوى. ومن ثمَّ، هناك علاقة مباشرة بين صيام شهر رمضان وبين البركة، حيث تُعدّ التقوى الرابط الذي يجلب البركة.
ثانياً: لأنه تتجلى في شهر رمضان مظاهر البركة، وسوف نستخلصها من خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله في استقبال شهر رمضان[100]، نذكر منها الآتي:
1.الزمن المبارك: لأن كل لحظة فيه فرصة للطاعة والمغفرة؛ لأنه “شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ”.
2.الأنفاس والتسبيح: حتى الأمور العادية تتحول إلى طاعات، منها: أنفاس الصائم تسبيح، ونومه عبادة، لقوله صلى الله عليه وآله: “أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ”.
3.قبول العمل واستجابة الدعاء: إنّ العمل الصالح في شهر رمضان حينما يُثمر نتائج عظيمة يعدّ خير وبركة، منها: قبول الأعمال، واستجابة الدعاء، لقوله صلى الله عليه وآله: “عَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ”، وقوله: “وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلَاتِكُمْ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ، يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ”.
4.الغفران والعتق من النار: شهر رمضان شهر البركة لأن المغفرة متاحة بأيسر الأعمال، كالإفطار على شق تمرة أو شربة ماء. قال صلى الله عليه وآله: “أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ فَطَّرَ مِنْكُمْ صَائِماً مُؤْمِناً فِي هَذَا الشَّهْرِ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عِتْقُ نَسَمَةٍ، وَمَغْفِرَةٌ لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ”.[101]
5. مضاعفة الثواب: إنّ العمل الصالح فيه مضاعف بشكل استثنائي، لقوله صلى الله عليه وآله في خطبته في استقبال شهر رمضان: “وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِصَلَاةٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرْضاً كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ، وَمَنْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ ثَقَّلَ اللَّهُ مِيزَانَهُ يَوْمَ تَخِفُّ الْمَوَازِينُ، وَمَنْ تَلَا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ”.
6.ليلة القدر: وأي بركة أكثر من ليلة جعلت فيهاالعبادة تعدل عبادة أكثر من 84 عامًا، لقوله تعالى: [لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍۢ].[102]
7.الأخلاق والمعاملة: الأخلاق الحسنة في رمضان تقود إلى رضوان الله ونجاة يوم القيامة أكثر من بقية الشهور، وهذا ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبته: “أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ، وَمَنْ خَفَّفَ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ خَفَّفَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابَهُ، وَمَنْ كَفَّ فِيهِ شَرَّهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللَّهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ”.
8.إغلاق أبواب الشر: من بركات هذا الشهر العظيم أن الله تعالى يفتح فيه أبواب الجنة، ويغلق أبواب النيران، ويغل فيه الشياطين، لقوله: “أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُغَلِّقَهَا عَنْكُمْ، وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ، وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لَا يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ”.
ختامًا، شهر رمضان هو هدية إلهية مليئة بالبركة والرحمة والمغفرة، كما بشرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: “أقبل إليكم شهر الله بالبركة”. فلنغتنم هذه الفرصة العظيمة بالإقبال على الطاعات، والتحلي بالتقوى والورع عن محارم الله، فهي مفتاح كل خير وبركة. ولا نغفل عن استثمار هذا الشهر المبارك بكل لحظة فيه، لأننا لا نعلم إن كنا سنُوفق لنحظى ببركاته في العام المقبل، أم يسبقنا الأجل. فلنجعل هذا الشهر محطة للتغيير، وفرصة للتقرب من الله لنخرج منه برضا الله وبركاته التي تمتد إلى حياتنا وآخرتنا.
وصدق الشاعر[103] حينما قال:
| رمضانُ هَـلَّ بـِوافـِرِ الخيْـراتِ | يَهدي لَـنـا الآمالَ والبـركـاتِ | |
| يُحْيي القلوبَ بِهَدْيِ ربٍّ راحمٍ | ويـُمِـدُّنا بالـنـُّورِ والـنـَّفَحــاتِ | |
| شهرَ الفضائلِ جِئْـتَنا، تَجْلو العَنا[104] | بالحُّـبِّ تُـنْعِـشُـنـا وبالنَّسـَمـاتِ | |
| فـيـكَ الكـتــابُ تـَنـَزَّلـَتْ أنوارُهُ | هَـدْيـاً يُضِيءُ بِمُـحْكَـمِ الآيــاتِ | |
| يـا ليـلـةَ القَدْرِ الجميـلِ بَهاؤهـا[105] | فيكِ الرضا المَوْسومُ بالخيراتِ | |
| خيرٌ مِنَ الألفِ الشُّهور، تَـنَزَّلَ | الرُّوحُ الملاكُ بأَعْذَبِ الكلِماتِ | |
| فيهـا البشـائـرُ والسـلام يَخُصُّنا | المَـلَكُ الكريمُ إلى الصبَاحِ الآتي | |
| يا ربِّ فَاقْـبَلْ مِنْ عِبادِكَ حُـبَّـهُمْ | وارْفِقْ بِهِمْ بالعَـفْـوِ والرَّحَماتِ |
أبوذيات عن شهر رمضان
| شهر الخير مد للناس سفرة | وفجر غفران ربنه لاح سفره | |
| كأن رحت بجنان الخلد سفره | شهر من النعم فاضت عليه | |
| ***** | ||
| شهر رمضان بالرحمة وصل لي | أصوم وادعي للباري واصلي | |
| عساها تصير أعمالي وصل لي | بفضلها ادخل الجنة الزهية | |
| ***** | ||
| تعب من الذنب كلبي ورمضان | ومن كثر الالم صاير ورم ضان | |
| ابد لتحير يا كلبي ورمضان | شهر بيه التداوي من الأذية | |
| ***** | ||
| هلة برمضان شهر الخير … من جاي | يل المذوب ا لذنوب وبيك… من جاي | |
| دخيــــلك لا تروح اگربلي… من جاي | بخيت الي حظه بقدر الزكيــــــــــــــــــــ ــــــــــة | |
| ***** | ||
| اجـــــــــــــيلك مشـــتهي وصلك……..ونالك | يا رمضـــــــــان انخـــــقلت اليه……..ونالك | |
| گـــلبــــي بالســــــــنة الفاتـــــت………..ونالك | مــن عـنـــــي ابـــــــعدت طــاح بهبيــــــــــــــــه | |
| ***** | ||
| نريــــــد اليوم ننسى الصار……والجار | ونلتم بيــــــد وحدة الجــــــار……والجار | |
| لأن رمضان جرنه بحضنــــه……….والجار | شهر الخير ادعوا نظــــل سويـــــــــــــــــه | |
| ***** | ||
[1] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج10 -ص313.
[2] الأعراف/96، هود/ 48 و73.
[3] فصلت/10.
[4] الأعراف/ 137، الإسراء/1، الأنبياء/ 71 و81، السبأ/18، الصافات/113.
[5] النمل/ 8.
[6] الأنعام/ 92 و155،الأنبياء/ 50،ص/ 29، آل عمران/ 3، مريم/ 31، المؤمنون/ 29، ق/ 9.
[7] النور/ 35 و61، الدخان/ 3.
[8] الأعراف/54، الفرقان:/1 و10 و61، الزخرف/65، الرحمن/ 78، الملك/ 1.
[9][9] دائرة المعارف قرآن كريم-القدمي-ج 5-ص 486.
[10] لسان العرب: ج ۱۰ ص 395-396 «برك». نقلا عن موسوعة معارف الکتاب والسنّة-الشيخ محمد الريشهري -ج8-ص11.
[11] شرح خطبة النبي الرمضانية-الشيخ حسين الراضي-ص 4.
[12] موسوعة معارف الکتاب والسنّة-الشيخ محمد الريشهري-ج8-ص11.
[13] الميزان في تفسير القرآن-الطباطبائي-ج 7 -ص381.
[14] مستدرك الوسائل -الميرزا النوري -ج ١١ -ص377-378.
[15] التبعية: تعني أن المخلوقات ليست مصدرًا أصيلًا لهذه الصفات، بل هي وسائل يحقق الله من خلالها هذه الصفات في الكون، بينما الاستقلال يعني امتلاك الشيء بذاته دون الاعتماد على غيره، وهذا يختص بالله وحده.
[16] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج3-ص67.
[17] النازعات/5.
[18] الكافي-الكليني-ج ۲ ص 576-ح ۱ عن أبان بن تغلب.
[19] مُهَج الدعوات-ابن طاووس-ص ۱۲۰ وص 195.
[20] هود/117.
[21] هود/48.
[22] الصافات/113.
[23] مريم/31.
[24] الميزان في تفسير القرآن-الطباطبائي-ج-ص47.
[25] الأنبياء/107.
[26] تفسير العياشي-ج ٢ -ص ٢٤٣، بحار الأنوار-المجلسي-ج ٦٨-ص ٣٥ -ح ٧٥.
[27] الأمالي-الصدوق-ص ٢٥٣ و٢٧٧.
[28] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٢٣ -ص ٣٧.
[29] النساء/64.
[30] الكوثر/1.
[31] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي -ج ٢٠ -ص ٤٩٩.
[32] الكافي-الكليني-ج 3 -ص 343.
[33] دروس من الحياة-ص436.
[34] تحف العقول-ابن شعبة الحراني-ص ٤٨٩.
[35] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٧٢ -ص١٣٧.
[36] مستدرك الوسائل-المحدّث النوري-ج15-ص116.
[37] الخير والبركة في الكتاب والسنة -محمد الريشهري -ص ٢٥٢.
[38] معاني الأخبار-الشيخ الصدوق-ص ١٥٢.
[39] المستدرك على الصحيحين-الحاكم النيسابوري-ج ٢ -ص ١٩٥.
[40] تاريخ دمشق-ابن عساكر-ج ٤٧ -ص ٢٢٥ -ح ١٠١٩٦ عن واثلة بن الأسقع.
[41] راجع كتاب: أعيان الشيعة-السيد محسن الامين-ج2-ص126-133.
[42] يوسف/93-96.
[43] القبضة من أثر الرسول التي أخذها السامري كانت ترابًا من أثر موطئ جبرائيل عليه السلام، وقد احتوت على خاصية إلهية. أضاف السامري هذا التراب إلى العجل الذهبي المصنوع، مما أكسبه القدرة على إصدار صوت الخوار، ليُوهم بني إسرائيل بأنه كائن حي، في محاولة لإضلالهم عن عبادة الله الحق.
[44] يوسف/111.
[45] الأنعام/92
[46] الاسراء/82.
[47] الرحمن/78.
[48] سمي “بكة” لإزدحام الناس في الطواف ونحوه هناك، فإن بكّ يبكّ بمعنى زحم يزحم.
[49] آل عمران /96.
[50] الأمالي -الشيخ الصدوق -ص٢٩٨.
[51] الدخان/ 3.
[52] الموسوعة الفقهية -مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي –ج20-ص270-278-بتصرف.
[53] الأعراف/٩٦.
[54] الكافي-الكليني-ج5-ص173.
[55] يونس/62.
[56] تفسير العيّاشي-ج ۲ -ص 124-ح ۳۱ عن بريد العجلي، بحارالأنوار –المجلسي-ج 69-ص ۲۷۷ ح ۱۱.
[57] البقرة/ 155.
[58] شرح أصول الكافي -مولي محمد صالح المازندراني -ج ٩ -ص٢٠٦.
[59] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج٢٤-ص-ب ٥٩ من آداب المائدة-ح ٤.
[60] الحديث يشير إلى فضل العمل في الصباح الباكر وأهمية استثمار أوقات البكور، وهو الوقت الذي يُبارك الله فيه الجهود ويُضاعف الثمار.
[61] وسائل الشيعة-الحر العاملي -ج ١١ -٣٥٩.
[62] البقرة/ ٢٤٥.
[63] بحار الأنوار-المجلسي-ج ٩٦ -ص ١٦٢ -ح ٦.
[64] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج١١-ص١٥.
[65] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج-ص٤٤٥.
[66] سبأ/ 39.
[67] الكافي-الكليني-ج ٨ -ص ٢٣ -ح ٤.
[68] أعلام الدين في صفات المؤمنين -الديلمي -ص ٢٦٥.
[69] أعلام الدين في صفات المؤمنين – الديلمي – ص ٢٩٤.
[70] نوح/10-12.
[71] الخصال-الشيخ الصدوق-ص٦١٥.
[72] النور/ 32.
[73] الفرقان/ 67.
[74] إبراهيم/ 7.
[75] البقرة/ 276.
[76] الخصال-الشيخ الصدوق-ص ٦٢٠.
[77] الانفال/53.
[78] نوح/10-12.
[79] الغي: الضلال والانهماك في الباطل (النهاية: ٣: ٣٩٧).
[80] بحار الأنوار-المجلسي-ج ٨٧ -ص ٣٢٧ -ح ٥.
[81] الخير والبركة في الكتاب والسنة -محمد الريشهري -ص ٣٠٠-302.
[82] صحيح البخاريّ-البخاريّ-ج3-1401.
[83] عمدة القاري-العينيّ-ج11-ص 195.
[84] بحار الأنوار -المجلسي-ج97 -ص 94.
[85] الطنبور: آلة من آلات اللعب واللهو والطرب ذات عنق وأوتار. (المعجم الوسيط 2: 567 ـ
[86] إرشاد القلوب -الديلمي-ج1-ص174.
[87] مستدرك الوسائل-الحر العاملي-ج 14-ص 332-ح 25.
[88] بحار الأنوار –المجلسي-ج104 -ص 293.
[89] بحار الأنوار -المجلسي-ج79 -ص 19.
[90] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري-ج 11 -ص376-ح 18.
[91] بحار الأنوار-المجلسي-ج 83 -ص21.
[92] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 9 -ص26 -ح 12.
[93] الكافي-الكليني-ج 2 -ص 499.
[94] نفق الزائد اي نفد، ونفقة الدابة أي هلكت وماتت. (مجمع البحرين-ج 5 –ص241-نفق).
[95] بحار الأنوار-المجلسي-ج 103 -ص 102.
[96] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٥ -ص ١٢٥.
[97] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 17-ص 283.
[98] البقرة/ 183.
[99] الأعراف/ 96.
[100] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج10 -ص313.
[101] الأمالي -الشيخ الصدوق -ص ١٥٤.
[102] القدر/3.
[103] للدكتور عثمان قدري مكانسي.
[104] تَجْلو العَـنَا: تُذْهِبُ وتُزيل النَّصَب والتعب.
[105] بَهاؤهـا: بَهاء: جَمَالٌ وحُسْنٌ وإشراق ونَضَارة.
