سَلامَةُ القُرْآنِ مِنَ التَّحْرِيفِ

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

عنوان المحاضرة: سَلامَةُ القُرْآنِ مِنَ التَّحْرِيفِ

تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾. [1]

المبحث الأول: عقيدتنا في القرآن

من المعلوم أن لكل مسلم مجموعة معتقدات إسلامية، منها معتقدات مشتركة تعتقد بها المذاهب الإسلامية سنّة وشيعة كالاعتقاد بتوحيد الله وبنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وباليوم الآخر، والاعتقاد بالملائكة والقضاء والقدر، ومنها أيضا الاعتقاد بالقرآن الكريم.

يا ترى ما هي عقيدتنا في القرآن الكريم؟

يقول علماؤنا، ومنهم سماحة الشيخ المظفر: عقيدتنا في القرآن الكريم أن (القرآن) هو الوحي الإلهي المنزل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم فيه تبيان كل شيء، وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة وفيما احتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف، وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله، ومن ادعى فيه غير ذلك فهو مخترق[2] أو مغالط[3] أو مشتبه[4]، وكلهم على غير هدى، فإنه كلام الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ…[5]. [6]

وقال الشيخ جعفر كاشف الغطاء في “كشف الغطاء” ما مضمونه: ” أن كل ما هو موجود بين دفتي المصحف (أي كامل النص القرآني) هو كلام الله تعالى، مما يعني بوضوح أنه غير محرَّف. وهذا الاعتقاد يُعَدّ من ضروريات المذهب الشيعي والإسلام بشكل عام، ومستندًا إلى إجماع المسلمين وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام. وأي رأي يخالف ذلك يُعتبر من الآراء التي لا يُعتد بها ولا يؤخذ بها”.[7]

وقال السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي رحمه الله: (إنّ حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال لا يقول به إلاّ من ضعف عقله أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل أو من ألجأه إليه حب القول به، والحب يعمي ويصم أمّا العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته) البيان في تفسير القرآن –السيد الخوئي-ص 259.

ولقد تعمدنا التطرّق لهذا الموضوع؛ لأنه في الآونة الأخيرة، بدأت تنتشر على ألسنة بعض المسلمين مقولات تشكك في سلامة القرآن الكريم وتدعي وجود تحريف فيه، مما يستدعي الوقوف على حقيقتها ومناقشتها بموضوعية وعلمية.

فأعداء الإسلام يدعون أن قرآن المسلمين محرّف، وأيضا (هناك أفراد من المخالفين للمذهب يصرون على توجيه تهمة تحريف كتاب الله للشيعة، وكأنّهم غير ملتفتين إلى أنّ توجيه التهمة لمجرّد الخصومة الطائفية يؤدّي إلى زعزعة أصل الإسلام)[8]

وإلى تفرقة المسلمين وسهولة استعبادهم من قبل الأعداء، وهذا ما سنوضحه في المبحث الآتي:

المبحث الثاني: مخاطر القول بتحريف القرآن

على المسلم أن لا يكون ساذجاً ويصدّق كل ما يسمعه أو يقرأه من الآخرين، وبالأخص الأقوال والآراء التي تخالف وتطعن بمعتقداته الإسلامية، ومنها: القول بتحريف القرآن؛ لأن ذلك يترتب عليه مخاطر عديدة، نذكر منها الآتي:

1. زعزعة الثقة بالنصوص الدينية: القول بتحريف القرآن يضعف ثقة المسلمين بالنصوص المقدسة، مما يؤدي إلى التشكيك في صحة الأوامر والنواهي والأحكام الشرعية، وهذا من شأنه أن يخلق حالة من الفوضى الفكرية والاختلافات العقائدية.

2. إضعاف الإيمان بالإعجاز القرآني: يقول العلماء ومنهم العلامة الحلي ما مضمونة[9]: أن القول بتحريف القرآن يؤدي إلى التشكيك في المعجزة الكبرى لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي القرآن الكريم. فالقرآن هو معجزة النبي الموثقة والمنقولة بالتواتر عبر الأجيال، ويعد دليل صدق نبوته. من أجل ذلك إذا قيل بتحريف القرآن، فإن ذلك يفتح الباب للطعن في صحة هذه المعجزة، ومن ثمَّ التشكيك في النبوة والرسالة.

3. تفكك وحدة الأمة الإسلامية: من النتائج الخطيرة للقول بالتحريف تفكك وحدة المسلمين وانقسامهم إلى فرق ومذاهب متناحرة، إذ يعتمد المسلمون على النص القرآني كمرجع أساسي يجمعهم، وأي طعن فيه يؤدي إلى خلافات واسعة، وهذا الانقسام والتفكك يمهد الطريق للأعداء في السيطرة على المسلمين واستعبادهم.

4. تعطيل الاستدلال الفقهي والتشريعي: يُعد القرآن الكريم المصدر الرئيسي للتشريع في الإسلام، والادعاء بتحريفه يعرقل إمكانية الاستناد إليه لاستخراج الأحكام الشرعية الصحيحة. هذا الأمر يؤثر على تصرفات بعض المسلمين، حيث سيدفعهم لارتكاب المحارم بحجة عدم وجود دليل يثبت الحرمة؛ لأنه سمع أو قرأ بأن القرآن قد تعرض للتحريف!

المبحث الثالث: معاني التحريف

إن التحريف على ثلاثة ضروب:

أولاً: التحريف اللفظي: وهو على معنيين:

1 ـ تحريف بالزيادة، بمعنى أنّ بعض المصحف الذي بين أيدينا ليس من الكلام المنزل[10]. إنّ الزيادة مجمع على بطلانها عند علمائنا[11]، وإن وردت بعض الروايات في مصادر أهل السنّة تنسب القول بالتحريف بالزيادة إلى بعض الصحابة.

2 ـ التحريف بالنقص: بمعنى أنّ بعض المصحف الذي بين أيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء، بأنْ يكون قد ضاع بعض القرآن على الناس إمّا عمداً، أو نسياناً، وقد يكون هذا البعض كلمةً أو آية أو سورة، والتحريف بهذا المعنى هو موضوع البحث حيثُ ادّعى البعض وقوعه في القرآن الكريم استناداً إلى أحاديث تقول بالتحريف. وسوف نوضح خلال البحث بأنها أحاديثُ وأخبارٌ مدسوسةٌ وباطلةٌ، قد أعرض عنها محققو المسلمين على مرّ العصور.[12]

يقول علماؤنا عن هذا النوع من التحريف: إنّ القرآن الكريم (لم تصل إليه يد التحريف بزيادة أو نقص في آية أو كلمة، ولن يطاله ذلك مستقبلا).[13]

ثانياً: التحريف المعنوي: أي تفسير القرآن بما لا يتلاءم ومعناه الأصلي.

وهذا النوع من التحريف واقعٌ لا محالة في القرآن الكريم. فكلُّ فرقةٍ أو مذهب لديه من التفسير ما يخالف تفسير المذاهب الأخرى، ويقوّي بذلك مذهبه وأفكاره.[14]

مثال ذلك: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا…][15]: نزلت في علي (عليه السلام)”. [16]

 حيث أن التفسير الحقيقي للقرآن هو المأخوذ من علوم أهل البيت عليهم السلام، ومن ثمَّ أن تفسير كلمة [وَلِيُّكُمُ] وهو بمعنى ولاية الأمر والإشراف وحق التصرف والزعامة المادية والمعنوية.[17]بينما أهل السنّة حرفوا معناها إلى: النصرة والمحبة بين المؤمنين.

ثالثاً: التحريف العملي: فهو العمل على خلاف المقتضى. فمثلاً، عندما يتحدث النص القرآني عن الستر والحجاب، فإن التحريف العملي يحدث عندما تتجاهل المرأة هذه الأحكام وتتبرج وتسفر عن محاسنها أمام الرجال الأجانب.

روي في تفسير علي بن إبراهيم عن أبي ذر (رضي الله عنه) أنه قال: لما نزلت هذه الآية [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ] قال رسول الله صلى عليه وآله وسلم: ” ترد عليّ أمتي يوم القيامة على خمس رايات، فراية مع عجل هذه الأمة، فأسألهم: ماذا فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أما الأكبر فحرفناه ونبذناه وراء ظهورنا… “. [18]

وواضح أن التحريف هنا يقصد به التحريف المعنوي للقرآن ونبذه وراء الظهور. [19]

المبحث الرابع: أدلة عدم تحريف القرآن

ذكر الباحثون في علوم القرآن والمفسّرون عدّة أدلّة على صيانة القرآن عن التحريف، من أبرزها الآتي:

أولاً: الدليل القرآني: إنّ الروايات التي تنفي تحريف القرآن عديدة، منها:

# قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[20]، فالمراد بالذكر ـ كما يقول المفسّرون ـ في هذه الآية: القرآن الكريم، وصيانة القرآن من التحريف من أبرز مصاديق الحفظ المصُرّح به في هذه الآية، ولولا أن تكفّل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم وصيانته عن الزيادة والنقصان لدُسّ فيه ما ليس منه، كما دُسّ في الكتب المتقدّمة المنزلة من عند الله، فلم يبقَ فيها سوى ما دخل عليها من ركيك الكلام وباطل القول، ولكن الكتاب الكريم قد نفى كلّ غريب، وسلم من الشوائب والدخل، فلم يبق إلاّ كلام الربّ سليماً صافياً محفوظاً.[21](وقد وُضِعَت كلّ عوامل التأكيد بعضها إلى جانب بعضها الآخر، لبيان هذه الحقيقة المهمّة والخالدة)[22]، وهي كالآتي:

– إن: حرف توكيد

-نحن: توكيد للضمير المتصل.

– نزّلنا: وزن فعّل يدل على التوكيد.

– وإنا: توكيد مزدوج من طبيعة اللفظ وتكراره.

– تقديم (له) توكيد.

– اللام في﴿ لَحَافِظُونَ ﴾: توكيد

– أسلوب الجمع: من أساليب التوكيد.

فبعد هذا التوكيدات في الآية الكريمة هل يعقل أن نشك بحفظ القرآن وسلامته من التحريف؟

# قوله تعالى: ﴿…وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ…﴾[23] والتحريف من أظهر مصاديق الباطل المذكور في الآية، وعليه فالقرآن مصونٌ عن التحريف وعن أن تناله يد التغيير منذ نزوله وإلى يوم القيامة.[24]

إشكال: إنّ الاستدلال بالقرآن على عدم حصول تحريف في القرآن، لا يصحّ إلا إذا ثبت أنّ ما يُستدلّ به من آيات هي من القرآن، فمن أين نعلم أنّها من القرآن، وأنّها ليست محرّفة؟

والجواب عنه:

1-إنّ مدّعي التحريف لا يذهب إلى القول بالتحريف بالزيادة. وعليه، فإنّ عدم الزيادة في القرآن أمر متّفق عليه، فيمكن عندها الاستدلال بالقرآن نفسه على صيانته عن التحريف.

2-عدم ورود هذه الآيات المستدلّ بها على التحريف في نصوص الروايات التي ادّعي دلالتها على التحريف.

3-إذا ثبتت قرآنية الآيات، أي أنها جزء من القرآن الصحيح، فإن الآيات التي تدل على حفظ القرآن تضمن أن القرآن لا يعاني من أي نقص أو تحريف. وبالتالي، هذه الآيات تبرهن على أن القرآن محمي من التحريف بكل أنواعه.[25]

ثانياً: الدليل الروائي:

1-روايات الثقلين[26]: ومفاد هذه الروايات: “إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما، لن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض”. ووجه الاستدلال بها:

أنّ القول بالتحريف يستلزم عدم وجوب التمسّك بالكتاب المنزل، لضياعه على الأمّة، بسبب وقوع التحريف، ولكن وجوب التمسّك بالكتاب باقٍ إلى يوم القيامة، لصريح حديث الثقلين، فيكون القول بالتحريف باطلاً جزماً. وقد دلّت هذه الروايات على اقتران العترة بالكتاب، وعلى أنّهما باقيان في الناس إلى يوم القيامة، فلا بدّ من وجود شخص يكون قريناً للكتاب، ولا بدّ من وجود الكتاب ليكون قريناً للعترة، حتى يردا على النبي صلى الله عليه واله وسلم الحوض، وليكون التمسّك بهما حفظا للأمّة عن الضلال.[27]

2-روايات العرض على القرآن: وردت روايات عن أهل البيت (عليهم السلام) تأمر بعرض الحديث على الكتاب-أي القرآن-لأنه الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل، قال تعالى: [تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا][28]، نذكر منها ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس بمنى فقال: “أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم عني يخالف كتاب الله فلم أقله”.[29]

وعنه أيضاً بسند صحيح، قال عليه السلام: “إذا ورد عليكم حديثان مختلفان، فأعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردّوه”.[30]

ويفهم من هذه الروايات أنّ القرآن هو الميزان الحقّ الذي يعتمد عليه في كشف الحقّ من الباطل والتمييز بينهما. (فلو افترضنا أنّ تحريفاً قد طرأ على القرآن (ولو بصورة نقصان) فهل يمكن اعتباره فاصلا بين الحق والباطل، أو معياراً دقيقاً لتمييز الحديث الصحيح من السقيم؟![31]).

وعليه، فكلّ رواية تشير إلى تحريف القرآن، إذا تعذّر تأويلها وتوجيهها، تكون باطلة وموضوعة ولا اعتبار لها.[32]

3-روايات عن صيانة القرآن: حيث تدلّ هذه الروايات على صيانة القرآن عن التحريف، ومنها ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: “… وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية…”.[33]

فقوله عليه السلام: “أقاموا حروفه وحرفوا حدوده”: تشير إلى أن التحريف الذي وقع في القرآن لم يكن تحريفاً في الألفاظ أو الحروف، بل كان تحريفاً في تفسير معاني القرآن وحدوده. أي أن الحروف القرآنية ظلت كما هي، ولكن تم تغيير معانيها أو إساءة تفسيرها، مما أدى إلى تحريف معاني الآيات وتوجيهها بعيداً عن المقصود.

4-روايات التمسّك بالقرآن: حيث توصينا العديد من الروايات بالرجوع إلى القرآن والتمسك به لما يترتب عليه من آثار إيجابية عديدة، منها: ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل…».[34]

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها لم ير في نفسه وماله شيئا يكرهه ولا يقربه شيطان ولا ينسي القرآن”.[35]

فإذا كان الكتاب نفسه لم يسلم من الغش والضلال، كيف يمكنه نصح وهداية غيره؟، وإذا كان محرفا فلن ننال الآثار العظيمة المترتبة عليه كدفع المكروه، ونيل الثواب.

5-أمر الأئمّة (عليهم السلام) بقراءة سورة كاملة بعد الفاتحة في الصلاة: فلو كان القرآن محرّفاً، لما صحّ الأمر بالقراءة منه، ولكان الأمر بالقراءة منه لغواً وتكليفاً بغير المقدور للمكلّف. وهذا ما لا يلتزم به القائلون بالتحريف.[36]

ثالثاً: الإجماع:

من الأدلة التي تثبت عدم تحريف القرآن هو إجماع العلماء على ذلك إلاّ من لا اعتداد به، كما صرّح بذلك المحقّق الكلباسي بقوله: “انّ الروايات الدالّة على التحريف مخالفةٌ لإجماع الاَمّة إلاّ من لا اعتداد به”.[37]

إنّ الإجماع يُعد دليلاً عقليًا ونقليًا في الوقت نفسه. من الناحية العقلية، اجتماع العلماء على أمر ما بعد بحث وتدقيق مستفيض يضعف احتمال الخطأ في حكمهم. ومن الناحية النقلية، هناك أحاديث نبوية مثل: “لا تجتمع أمتي على ضلالة”[38]، مما يدل على أن إجماع الأمة على أمر ما يعطيه موثوقية دينية.

رابعاً: الدليل العقلي: ونشير إليه بهاتين النقطتين:

1. الاستدلال من حكمة الله: عندما يتفكر الإنسان بعقله، يدرك أن الله الرحيم الحكيم لم يخلق الإنسان عبثًا بدون هدف، قال تعالى: [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ] [39]بل الهدف يذكره تعالى بقوله: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ].[40]

ولكي يتحقق ذلك فإن العقل (يحكم بوجوب إرشاد الناس من قبل خالقهم عبر الرسل الناطقة والصامتة وتلازم الرسالتين في غاية الوضوح)[41] ويمكن تشبيه هذا التلازم بـ :”سكتي الحديد” لأنهما يشكلان معًا مسارًا ثابتًا وقويًا لا يتجزأ.

فالرسل الناطقة تتمثل بالمعصومين وعلى رأسهم خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله، ويأتي من بعده الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، وأما الرسل الصامتة فتتمثل بكتاب الله الذي لا بد أن يكون معصوما محفوظا ومصانا من التحريف لأن تحريفه سيؤدي إلى إضلال الناس، وهذا يتعارض مع الغرض من إنزاله.

2. إن القرآن متواتر تواتراً قطعيا: لا شك أن ثبوت قرآنية كلّ سور القرآن وآياته لم يتم إلا بالتواتر القطعي منذ عهد الرسالة وإلى اليوم، ممّا يقطع احتمال التحريف نهائياً.

ومعنى (الخبر المتواتر) هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطؤهم على الكذب واستمر ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث يتعدّد بأن يرويه قوم عن قوم.[42]

إن العقل يحكم عندما ينقل عدد كبير من الناس نفس الخبر، ويكون كل واحد منهم مستقلًا عن الآخر، فإن احتمال اتفاقهم جميعًا على الكذب أو الخطأ ينعدم. نعم، العقل يقبل أن قلة قد تتفق على تزييف أمر ما، لكن أن يجتمع جمع كبير من الناس على الكذب ويظل أمرهم غير مكشوف، فهذا مستحيل عقلاً.

(يقول العلاّمة الشريف المرتضى في جواب (المسائل الطرابلسيات): «إن صحة نقل القرآن واضحة وبيّنة كمعرفتنا لعواصم العالم والحوادث المهمّة في التأريخ والكتب الشهيرة» فهل هناك مَنْ يشك في وجود مدن كمكّة والمدينة أو لندن وباريس وإن لم يزرها؟! أو هل هناك مَن ينكر وقوع الهجوم المغولي على الشرق، الثورة الفرنسية، الحرب العالمية الأُولى أو الثّانية؟!

فإِنّ لم يكن هناك من يشك أو ينكر، بسبب تواتر ذكر وجودها، فكذلك آيات القرآن الكريم)[43]، قال الحرّ العاملي: “إنّ من تتبّع أحاديث أهل البيت عليهم السلام، وتصفّح التأريخ والآثار، عَلِم علماً يقينياً أنّ القرآن قد بلغ أعلى درجات التواتر، فقد حِفِظه الاَلوف من الصحابة ونقله الاَلوف، وكان منذ عهده صلى الله عليه وآله وسلم مجموعاً مؤلّفاً”.[44]

في حين أن الروايات التي تقول بالتحريف نقلت بخبر الواحد، وهو غير حجةٍ في ثبوت قرآنيته، حتّى مع فرض صحّة إسناده.[45]

خامساً: الإعجاز القرآني: كلنا نعلم أن القرآن هو المعجزة الخالدة، بدليل عجز البشر في كل العصور عن الإتيان بمثله أو بسورة من مثله في فصاحته وبلاغته، رغم آيات التحدي كقوله تعالى: [وَإن كُنْتُم في رَيْبٍ ممّا نَزَّلنا عَلى عَبْدِنا فأتُوا بسورَةٍ من مِثْلِهِ] [46].

وهذا فيه إشارة إلى عدم تعرض القرآن للتحريف، فلو قُدِّرَ أن القرآن زيد فيه ما ليس منه، أو حُرِّفَ فيه لانتفت صفة الإعجاز، لأن محاكاة كلام البشر غير ممتنعة، فلما لم تحصل دلّ ذلك على حفظ الله لكتابه، وصونه له عن التحريف، والزيادة.

وكذلك احتمال النقص بإسقاط كلمة أو كلمات ضمن جملةٍ واحدةٍ منتظمةٍ في أُسلوب بلاغي بديع، فإنّ حذف كلمات منها سوف يؤدّي إلى إخلال في نظمها، ويذهب بروعتها الاَولى، ولا يَدَع مجالاً للتحدّي بها.

سادساً: الشواهد التاريخية:

يوجد شواهد تاريخية كثيرة تدلّ بوضوح على صيانة القرآن الكريم عن التحريف، منها: إنّ التأريخ يحدثنا بأنّ القرآن ما كان ليفارق الإِنسان المسلم في: صلاته، المسجد، البيت، ميدان الحرب عند مواجهة الأعداء، بل إِنّ المسلمين كانوا يجعلون تعليم القرآن مهوراً للنساء. فكان للقرآن الحضور الفاعل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون المسلمين، حتى أن الطفل ينمو على هديه.

لقد تمّ جمع القرآن في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، واهتمّ به المسلمون الأوائل أقصى درجات الاهتمام، في مجال تعلم أحكامه وحفظه، لدرجة أصبحت فيها مكانة الفرد الاجتماعية تقاس بقدر حفظه من سور القرآن الكريم، حتى أصبح عدد حفاظ القرآن من الكثرة بحيث أنّه في إِحدى المعارك قتل فيها أربعة آلاف منهم.[47]

وكذلك الحال في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حينما استشهد سبعون رجلا من الصحابة الذين حفظوا القرآن في معركة بئر معونة ـ وهي إحدى المناطق المجاورة للمدينة.[48]

وقد اشتدت عناية المسلمين بحفظ القرآن (وحراسته حتّى في حروفه وحركاته، ويكفي أن نذكر أنّ عثمان حينما كتب المصاحف، أراد حذف حرف الواو من [والَّذِينَ] في قوله تعالى [وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَها في سَبِيلِ اللهِ…] [49]فقال أُبيّ بن كعب: لتلحقنّها أو لأضعن سيفي على عاتقي، فألحقوها”.[50]

من هذه الأمثلة وغيرها يتّضح لنا أن حفظة وقراء ومعلمي القرآن الكريم من الكثرة بحيث يستشهد منهم في معركة واحدة ذلك العدد الضخم.

وهذا طبيعي جداً إذا ما نظرنا إِلى طريقة تعامل المسلمين مع القرآن، باعتباره القانون والدستور الحاكم، ونظام الدولة، وهو الكتاب المقدس السماوي ورمز العبادة، لذا كانوا يعايشون القرآن في كافة مرافق حياتهم.

وبعد أن ظهرت الطباعة كان القرآن الكريم أكثر الكتب من حيث الطبع والانتشار بين صفوف المسلمين في كافة بلدانهم، ولا تخلو مدينة إسلامية من حفاظ للقرآن. والأمثلة أكثر من أن تقال، ففي البلدان الإسلامية هناك مدارس خاصة لقراءة وحفظ القرآن وذكر أحد المطلعين: أنّه يوجد في بعض بلاد الإسلامية ما يقرب من مليون ونصف المليون حافظ للقرآن.

وبعد هذا كله هل يعقل أن يصاب هذا الكتاب السماوي المقدس بسهام التحريف والتغيير وهو محفوظ في قلوب وسلوك المسلمين على مرّ التأريخ؟![51]

المبحث الخامس: رد تهمة التحريف عن الشيعة

إنّ التهم الملفقة من قبل المخالفين بحق الشيعة كثيرة، منها:

إنّ الشيعة تعتقد بتحريف القران الكريم، وادعى علماؤهم عن طريق كتبهم وقوع التحريف، فضلا عن رواياتهم التي تتحدث عن ذلك!!

إن هذا الاتهام المطروح ينبغي أن يطرح بحق أهل السنّة لأن مسألة تحريف القرآن موجودة في كتبهم[52] أضعاف مضاعفة من الأحاديث الصحيحة والصريحة بالقياس إلى كتب الشيعة، فلا نعلم لماذا التصقت هذه التهمة بالشيعة فقط؟ وصدق المثل الذي قال: “رَمَتْنِي بدائها وَانسَلَّتْ”، ولكن العاقل يحكم بأنّ القرآن أعظم من أن نجعله غرضاً لنزاعاتنا، ولذا سوف نرد على ذلك تفصيلا:

التهمة الأولى: إنّ في مصادر الشيعة روايات تدلّ على التحريف!!

ونردّ عليه:

 إنّ ما روي في بعض المصادر من أحاديث يفهم منها التحريف بعضها ساقط غير قابل للاعتماد عليها، وبعضها لها تفسير آخر، والتوضيح كالآتي:

1 ـ أكثر الأحاديث والروايات محمول على التأويل أو التفسير للآية[53]، مثال ذلك:

# الآية 67 من سورة المائدة، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾، حيث ورد في بعض الروايات أن بعض الصحابة كان يقرأ:﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ «في عليّ»﴿ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾، أي بزيادة عبارة «في عليّ» والآية في المصحف الشريف بغير هذه الزيادة، فتحمل القراءة لهذه الآية بهذه الكيفية على أن عبارة «في علي» زيادة تفسيرية لا أنها من أبعاض الآية الكريمة.

# الآية 71 من سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: [وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا]، فقد روي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: [وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -في ولاية عليّ والأئمة من بعده-فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا] هكذا نزلت”.[54]

فعلى فرض صحة الرواية، فمعنى قولها: “هكذا نزلت”، أي بهذا المعنى نزلت، وليس المراد أن الزيادة كانت في أصل القرآن ثم حذفت.[55]

وعلى فرض عدم الحمل على التفسير، فإنّ هذه الروايات معارضة بصحيحة أبي بصير المروية في (الكافي)، قال: سألتُ أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ] [56]قال: فقال: “نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام”. فقلت له: “إن الناس يقولون: فما له لم يسم عليا وأهل بيته عليهم السلام في كتاب الله عز وجل؟”، قال: فقال: قولوا لهم: “إن رسول الله صلى الله عليه وآله نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا ولا أربعا، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فسر ذلك لهم. ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهما درهم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فسر ذلك لهم. ونزل الحج فلم يقل لهم: طوفوا أسبوعا حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فسر ذلك لهم. ونزلت [أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ] ونزلت في علي والحسن والحسين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله في علي: من كنت مولاه، فعلي مولاه”.[57]

فتكون هذه الرواية حاكمة على جميع تلك الروايات وموضحة للمراد منها.

2 ـ الذي لا يمكن حمله على التأويل أكثرها (روايات غير معتبرة سنداً، لكونها ضعيفة أو مرسلة أو مقطوعة، وهذا هو القسم الغالب فيها، وهو ساقط عن درجة الاعتبار). [58]

أنّ الشيعة لا تعتقد بصحّة كتاب من أوّله إلى آخره غير القرآن الكريم، وكلّ كتاب فهو خاضع للبحث في السند والدلالة. والروايات المروية في التحريف بالنقيصة عند الشيعة أكثرها ضعيفة السند.[59]

3 ـ الروايات الصحيحة السند وكانت ظاهرة أو صريحة في التحريف، والتي هي غير قابلة للحمل على التأويل والتفسير قليلة جدّاً، فقد اعتقدوا بكذبها وضربوا بها عرض الحائط وذلك للأسباب الآتية:

# إنّ هذه الروايات ساقطة بأصل العرض الذي يقبله الشيعة، وهو الحديث المروي عن النبيّ صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله: “إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه”.[60] ، حيث تعرض الشيعة أحاديث التحريف على قوله تعالى : [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ][61]، فلا تعمل بهذه الأحاديث.[62]

# إنّ روايات التحريف شاذة ونادرة، والروايات الدالة على عدم التحريف مشهورةٌ أو متواترةٌ، كما أنّها أقوى منها سنداً، وأكثر عدداً، وأوضح دلالة.

# إنها أخبار آحاد، ولا يثبت القرآن بخبر الواحد، وإنّما يثبت بالتواتر، كما تقّدم في أدلّة نفي التحريف، وقد ذهب جماعة من أعلام الشيعة الاِمامية إلى عدم حجّية الآحاد مطلقاً، وإنّما قيل بحجيّتها إذا اقتضت عملاً، وهي لا تقتضي ذلك في المسائل الاعتقادية ولا يُعبأ بها.[63]

إذن هذه النقاط الثلاثة ترد التهمة عن الشيعة

في حين أنّ أهل السنّة تعتقد بصحّة بعض الكتب من أوّلها إلى آخرها، والروايات المروية في التحريف بالنقيصة عند أهل السنّة، كثير منها مروي في كتب الصحاح. وأن أكثر أهل السنّة لم يقبلوا مسألة عرض الأحاديث على الكتاب، إلاّ الظاهريّة، وقسم نادر منهم. نعم، الروايات المروية بالنقيصة عند أهل السنّة، كثير منها قابلة للحمل على التأويل والتفسير.[64]

التهمة الثانية: إنّ علماء الشيعة يقولون بتحريف القرآن!!

ويرد عليه:

إنّ ما يقولونه كذب وافتراء، فأن من يتابع أقوال علماء الشيعة يجد أنّهم متّفقون على عدم وقوع التّحريف في القرآن، وقد ذكرنا سابقا بأن فيهم من صرّح بأنّ من نسب إلى الشيعة القول بوقوع التحريف في القرآن فهو كاذب، وفيهم أيضاً من يقول بأنّ عليه إجماع علماء الشيعة بل المسلمين، وبالجملة فإنّ الشيعة الإماميّة في ماضيهم وحاضرهم تعتقد بعدم تحريف القرآن وأنّ الكتاب الموجود بين أيدينا هو جميع ما أنزل الله على نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله من دون أيّ زيادة أو نقصان كما جاء التصريح بذلك في كلمات كبار علمائنا ومشاهير مؤلّفينا منذ أكثر من ألف عام حتّى الآن.[65]

نعم، هناك أشخاص معدودون من كلا الفريقين قد يفهم من كتبهم بوجود نقص في القرآن الكريم، ونرد على ذلك بالآتي:

1.إنّ بعض علمائنا يكتبون أحاديث التحريف ولكن أكثرها من مصادر أهل السنّة! فلا يكون له دلالة على الشيعة، كما فعل الشيخ النوريّ الطبرسيّ قدس ‌سره في كتابه (فصل الخطاب).

2. إنّ نسبة التحريف إلى بعض العلماء هي نسبة لابدّ من التحقيق عنها، فلربما يروي المحدّث العالم حديثاً، ولكن لا يعتقد بمضمونه، مثلا الشيخ الصدوق قدس ‌سره ـ الذي يلقّب برئيس المحدّثين ـ له كتاب (من لا يحضره الفقيه)، وكتب أُخرى في الحديث، قد ذكر في تلك الكتب بعض الروايات الدالّة في ظاهرها على نقصان القرآن، لكنّه في كتابه (الاعتقادات) ـ الذي هو كتاب مطبوع موجود ـ يصرّح: بأنّ القرآن الموجود الآن لا زيادة فيه ولا نقصان، ممّا يدلّ على أنّ الرواية أعمّ من الاعتقاد.

3. إن إجماع العلماء على رأي معين لا يتأثر بمخالفة قلّة من العلماء الآخرين، مثل الشيخ النوري.[66]، باعتبار الإجماع من الأدلة التي تثبت عدم تحريف القرآن إلاّ من لا اعتداد به، كما صرّح بذلك المحقّق الكلباسي بقوله: “انّ الروايات الدالّة على التحريف مخالفةٌ لإجماع الاَمّة إلاّ من لا اعتداد به”.[67]

وإذا كان رأي كاتب ما دليلا على اعتقاد مذهبه بهذا الأمر، فلابد أن ننسب مسألة تحريف القرآن الكريم أيضاً إلى علماء السنّة؛ لأن «ابن الخطيب» ذكر هذا الأمر في كتابه «الفرقان في تحريف القرآن»، والسجستانيّ ألّف كتاب (المصاحف) عن التحريف، فإذا كان انزعاج علماء الأزهر من هذا الكتاب دليلا على معارضتهم لمضمونه، فكذلك الأمر بالنسبة لمعارضة علماء النجف الأشرف لكتاب «فصل الخطاب» يكون دليلا على نفي التحريف.

وقد نقل كلّ من تفسير «القرطبي» و«الدر المنثور» ـ وهما من التفاسير المعروفة عند أهل السنّة ـ عن عائشة (زوجة النبي صلى الله عليه وآله قولها: «إنّها ـ أي سورة الأحزاب ـ كانت مائتي آية فلم يبق منها إلاّ ثلاث وسبعون».[68]

بل هناك في صحيح البخاري وصحيح مسلم روايات يشم منها رائحة التحريف.[69]

ولكننا لا نجيز لأنفسنا أن ننسب القول بالتحريف لإخواننا السنّة استناداً لرأي كاتب، أو وجود روايات ضعيفة في كتبهم، وفي المقابل، عليهم أن لا ينسبوا ذلك للشيعة لمجرد وجود رأي كاتب ما، أو وجود روايات ضعيفة في كتبهم لا يقبلها علماء الشيعة.[70]

الدليل العملي على عدم تحريف القرآن:

أن واقع الشيعة في العالم يكذب التهمة فالشيعة ليسوا طائفة قليلة تعيش في قرية نائية أو مجتمع مقفل، حتى يخفى قرآنهم الذي يعتقدون به ويقرؤونه. بل هم ملايين الناس وعشرات الملايين، يعيشون في أكثر بلاد العالم الإسلامي، وهذه بلادهم وبيوتهم ومساجدهم وحسينياتهم ومدارسهم وحوزاتهم العلمية، لا تجد فيها إلا نسخة هذا القرآن.. ولو كانوا لا يعتقدون به ويعتقدون بغيره دونه أو معه، فلماذا يقرؤونه في بيوتهم ومراكزهم ومناسباتهم ولا يقرؤون غيره؟ ولماذا يدرسونه ولا يدرسون غيره؟![71]

المبحث السادس: شبهات وردود

ونذكر منها الشبهات الآتية:

الشبهة (1): أن الشيعة لديهم قرآناً آخر أصلاً، وأن اسمه هو مصحف فاطمة.

ونرد عليها بالنقاط الآتية:

1.أن القرآن الكريم لا يسمى مصحفاً، فإن الذين أطلقوا عليه اسم المصحف هم الناس؛ وذلك لأن القرآن قد سمى نفسه أسماء مختلفة ليس من بينها المصحف: فهو القرآن: [قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ][72]، والعديد من آيات غيرها، وهو: الفرقان [وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ][73]، وهو: الذكر [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ][74]، وهو: الكتاب [ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ][75]، وعليه، فأي شيء اسمه مصحف ليس بالضرورة له علاقة بالقرآن الكريم.

2.أنه لو كان للشيعة قرآن آخر فأين هو؟ لا بد أنه توجد منه نسخ، أما في جميع المساجد والمراكز والبيوت الشيعية لأنه هو كتابهم المزعوم، وأما نسخ عند العلماء فقط على أقل تقدير. إلا أن أعداء الشيعة، قديماً وحديثاً، لم يأتوا بنسخة واحدة من هذا الكتاب المزعوم، على الرغم من غياب التقوى في التعامل مع الخصم عندما يكون الشيعة هم الخصوم، وعلى الرغم من أن مساجد الشيعة ومراكزهم وبيوتهم قد استبيحت – ولا تزال – في مناطق كثيرة في العالم، وعلى مر التاريخ (ولا سيما في العراق ولبنان أيام الحرب الأهلية وأفغانستان والخليج)، ومن ضمنها بيوت مراجع الدين، فلماذا لم تظهر نسخة واحدة، أو ورقة واحدة من هذا الكتاب المزعوم؟

3.إن مصحف فاطمة الذي ورد في الروايات واضح من اسمه ووصفه أنه غير القرآن، فقد ورد في الروايات الصحيحة أنه كان كتاباً فيه علوم لدنية وشرعية، أو هو القرآن الكريم نفسه مع تفسير بسيط في الحواشي كتبته فاطمة الزهراء عليها السلام أو كتبه زوجها عليّ عليه السلام لها. أما قول الإمام جعفر الصادق عليه السلام أن ليس فيه من القرآن شيء، والذي يتخذ حجة لإثبات وجود قرآن آخر لدى الشيعة، فهو على العكس من ذلك-هو حجة لإثبات أنه غير القرآن تماماً! – ذلك، أنه لو كان الإمام يعني قرآناً آخر كيف يقول أن ليس فيه من القرآن شيء، فما هو هذا الشيء، وكيف يقرأ الشيعة في صلواتهم ودعائهم وجميع شؤونهم سوراً وآيات من القرآن الذين بين أيدي جميع المسلمين ولا يقرأون ولا حرف من شيء آخر مزعوم؟[76]

الشبهة (2): كان لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام مصحف غير المصحف الموجود، وقد أتى به إلى القوم فلم يقبلوا منه، وكان مصحفه مشتملاً على أبعاض ليست موجودة في القرآن الذي بين أيدينا، ممّا يترتّب عليه أنّ المصحف الموجود ناقصٌ بالمقارنة مع مصحف أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا هو التحريف الذي وقع الكلام فيه.

نقول: نعم، تفيد طائفةٌ من أحاديث الشيعة وأهل السنة أنّ علياً عليه السلام اعتزل الناس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليجمع القرآن العظيم، وفي بعض الروايات: أنّ عمله ذاك كان بأمر الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأنّه عليه السلام قال: “لا أرتدي حتّى أجمعه[77]“. [78]

ولكن أعلام الطائفة يذكرون بأنّ غاية ما تدلّ عليه الاَحاديث أنّ مصحف علي (عليه السلام) يمتاز عن المصحف الموجود بأنّه، كان مرتّباً على حسب النزول، وأنّه قدّم فيه المنسوخ على الناسخ، وكتب فيه تأويل بعض الآيات وتفسيرها بالتفصيل على حقيقة تنزيلها، أي كتب فيه التفاسير المنزلة تفسيراً من قبل الله سبحانه، وأنّ فيه المحكم والمتشابه، وأنّ فيه أسماء أهل الحقّ والباطل، وأنّه كان بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطّ علي عليه السلام، وأنّ فيه فضائح قومٍ من المهاجرين والأنصار، وجميع هذه الاختلافات لا توجب تغايراً في أصل القرآن وحقيقته.

قال السيد الخوئي ره: “إنّ اشتمال قرآنه عليه السلام على زيادات ليست في القرآن الموجود، وإن كان صحيحاً، إلاّ أنّه لا دلالة في ذلك على أنّ هذه الزيادات كانت من القرآن وقد أُسقطت منه بالتحريف، بل الصحيح أنّ تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل، وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله تعالى شرحاً للمراد”.[79]

الشبهة (3): يقال إن القرآن تعرض للتحريف لأنه في السابق لم يكن منقطاً، وعندما أضيفت النقاط على الحروف والكلمات حدث تغيير في بعض كلماته.

الجواب: بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً من أدلة وردود تنفي التحريف، نقول:

1.إنّ القرآن كان موحى به إلى النبي صلى الله عليه وآله شفهيًا، وكان الصحابة يحفظونه عن ظهر قلب، بالإضافة إلى كتابته على ألواح وجلود وعظام وغيرها. لذا كان حفظ القرآن في الصدور أكثر من حفظه في السطور.

2.التدرج التاريخي لوضع النقاط في الكتابة العربية كان على قسمين: أولـهما (نقط الإعراب) بأن توضح نقاط على الأحرف تميّز حركة إعرابـها كوضع نقطة في موضع معين على الحرف عوضا عن الضمّة والكسرة والسكون وما إلى ذلك، أي أن النقاط كانت تعبر عن هذه الحركات (، ِ،).

وثانيهما (نقط الإعجام) وهو وضع النقط المعروفة على الحروف لتتميز الحروف المتشابـهة بالشكل كالباء، والتاء، والثاء، والياء بعضها عن بعض.

وقد كان الشيعة الإمامية أبطال هذا المضمار ومرسي قواعده، فأوّل من نقط المصحف هو أبو الأسود الدؤلي رضوان الله تعالى عليه الشيعي المطيع لسيده أمير المؤمنين عليه السلام، وهو أوّل من وضع علم النحو بتأسيس من سيده الإمام علي عليه السلام وبإشارة منه، ولا يخفى دور علم النحو في الحفاظ على ألفاظ القرآن الكريم شكلا وإعرابا وبالتالي فهما وإدراكا لـمعانيه، فقام أبو الأسود رضوان الله تعالى عليه بتشييد علم النحو وذكر أصوله وشد أركانه، ومن ثم عكف على خط القرآن الكريم تشكيلا وإعرابا حتى أمكن تثبيت ألفاظ النص القرآني وتحديد حركات الكلمة وإعرابـها على الورق لا في مخيلة القارئ فقط معتمدا على حفظه، فصارت تؤدّى ألفاظه على كيفية واحدة متطابقة بين جماهير المسلمين ويتلقاه الخلف عن السلف بـهيئة واحدة، وكان عمله هذا عاصما من شيوع التحريف والتبديل فيه على مستوى الإعراب.[80]

بمعنى أن القرآن لم يتعرض للتحريف قبل وبعد تنقيطه لأنه كان تحت إشراف أمير المؤمنين عليه السلام.

المبحث السابع: دور الإمام المهدي (عج) في حفظ القرآن

إنّ من أبرز الأدوار التي يمارسها الإمام المعصوم هو حماية الدين، وهذا يشمل حماية القرآن الكريم من التحريف لأنه ثقل الله الأكبر؛ فلو حدث أي تحريف للقرآن في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو بحرف واحد فحتما سيصححه.

وإنّ كان بعد زمانه صلى الله عليه وآله وسلم فمن المستحيل أن يسكت أمير المؤمنين عليه السلام على هذا الاَمر الخطير الذي يمسّ أساس الاِسلام، بل لاحتجّ به ولأظهر القرآن الحقيقي، ولبيّن مواضع التحريف في هذا الموجود وإن حدث ما حدث، لكنّنا لم نجد ذكراً لذلك، لا في خطب أمير المؤمنين عليه السلام وكلماته وكتبه التي اعترض بها على من تقدّمه، ولا في خطبة الزهراء عليها السلام، ولو كان القرآن محرفا في زمن خلافة من سبق أمير المؤمنين عليه السلام لأرجع الناس إلى القرآن الحقيقي بعد أن صار خليفةً وحاكماً، ولم يعد ثمّة ما يمنع من ذلك، ولكن لم نجد ذكرا لذلك أيضاً، وهذا فيه دلالة على عدم تحريفه. إذن فإمضاؤه عليه السلام للقرآن الموجود في عصره دليلٌ قاطعٌ على عدم وقوع التحريف فيه.[81]

وإن حدث ذلك بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام، لكان الإمام الحسن عليه السلام قد تصدى لهذا التحريف، وهكذا مع بقية المعصومين، فكل إمام سيحرص على حفظ القرآن وصيانته من أي تحريف، وتوجد روايات تثبت أن القرآن مصان من التحريف في زمن المعصومين، فقد روي مما أجاب به أبو الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلام في رسالته إلى أهل الأهواز: “اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك: أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الإجماع عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون…”.[82]

فقوله: “أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه” تشير أن القرآن محفوظ ومصون من الشك أو التغيير والتحريف.

وبقي القرآن محفوظا ومصانا حتى بعد شهادة الإمام العسكري عليه السلام وسيبقى كذلك بفضل وجود الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).

قد يُطرح تساؤل: كيف يمكن ضمان حماية القرآن من التحريف في ظل غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)؟

الجواب:

أن غيبته لا تعني عدم وجوده أو انقطاع أدواره، بل أنه موجود وله أدوار عديدة، منها: دور العلم. نعم، لظروف موضوعية تحيط بالحجّة لعله لا يظهر علمه، ولكن هذا لا يمنعه من إيكال هذه المهمة إلى غيره ممن أخذوا العلم عنه وحفظوه ووعوه كالعلماء، كما حدث مع الشيخ المفيد (رحمه الله) عندما أخطأ في فتواه، فكتب له الإمام عليه السلام: “أفد يا مفيد، فإن أخطأت فعليّنا التسديد”، وقد تناولنا هذا الدور بالتفصيل في المحاضرة المعنونة بـ: “الفائدة من غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)” من هذا الكتاب.

بناءً على ذلك، لو وقع أي تحريف للقرآن من زيادة أو نقصان، مهما كان طفيفاً، لكان للإمام دورٌ فاعل في تصحيحه وحمايته، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “إن الله تبارك وتعالى لم يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنون شيئا ردهم وإذا نقصوا شيئا أكمله لهم ولولا ذلك لالتبست على المؤمنين أمورهم”.[83]

وعن عبد الأعلى بن أعين، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول: “ما ترك الله الأرض بغير عالم يُنقص ما زادوا ويزيد ما نقصوا، ولولا ذلك لاختلطت على الناس أمورهم”.[84]، والعالم هو الإمام المعصوم.

رب تساؤل يرد: إنّ بعض الأحاديث تفيد أنّ القرآن الكريم على عهد الاِمام المهدي (عليه السلام) يختلف عمّا هو عليه الآن، ممّا يفضي إلى الشكّ في هذا القرآن الموجود، ومن هذه الروايات: ما رواه الشيخ المفيد، عن أبي جعفر عليه السلام: “إذا قام القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضرب فساطيط لمن يُعلّم الناس القرآن على ما أنزله الله عزّ وجل، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنه يخالف فيه التأليف”.[85]

الجواب: إذا تجاوزنا النظر في سند الرواية، (فالظاهر أنه يقصد عليه السلام أنهم يعلمونهم القرآن على حدوده كاملة، وقد ورد أن القرآن الذي بخط علي ويتوارثه الأئمة عليهم السلام يتفاوت مع القرآن في بعض الخصائص، لا في الزيادة والنقصان)[86]، فقد روي عن سالم بن سلمة، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: “إذا قام القائم قرأ كتاب الله عزّ وجل على حدّه، وأخرج المصحف الذي كتبه عليّ عليه السلام”.[87]

وسبب التفاوت أنّ لمصحف الإمام علي عليه السلام خصّيصتين:

(الخصّيصة الأُولى: كان مرتَّباً على ترتيب النزول، فكان أوَّله: اقرأ، ثمّ المدَّثِّر، ثمّ نون، ثمّ المزَّمِّل، ثمّ تبَّت، ثمّ التكوير، وهكذا إلى آخر المكّي والمدني، نقله في الإتقان عن ابن فارس.[88]

وليس في هذا أيّ نوع من التحريف، إذ لا زيادة ولا نقيصة فيه، إنَّما هو نفس المصحف الموجود اليوم مع اختلاف ترتيب الآيات والسور حسب النزول.

ولذا اشارت الرواية أعلاه أنَّه عندما يُخرِجه الإمام المهدي عليه السلام فإنَّه سيكون صعباً، لتعوِّد الناس على تأليف غير التأليف الذي سيُخرِجه المهدي عليه السلام.

الخصّيصة الثانية: أنَّه يحتوي على التفسير الصحيح الذي أخذه أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن جبرئيل عليه السلام، كتبه أمير المؤمنين عليه السلام مع الآيات، أي كأنَّه كتب التفسير كحاشية للمصحف الشريف أو ما يشبه الحاشية).[89]

أي أنّ القرآن في عهده (صلوات الله عليه) لا يختلف عن هذا القرآن الموجود من حيث الاَلفاظ، وإنمّا الاختلاف في الترتيب، أو في الزيادات التفسيرية، كما تقدّم بيانه.[90]

نستنتج مما تم طرحه في المحاضرة أن القرآن الكريم محفوظ من أي تحريف بالزيادة أو النقصان، وأن للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) دوراً مهماً في حفظه وحماية الدين، حتى خلال فترة غيبته التي انقسمت إلى مرحلتين: الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى.

تساؤل أخير: لماذا سميّت بالغيبة الصغرى؟

سُمّيت الغيبة الصغرى بهذا الاسم لسببين: الأول: قصر مدتها التي استمرت حوالي سبعين عاماً، والثاني هو طبيعة التواصل مع الشيعة خلالها، فلم يكن هناك انقطاع كامل بين الإمام وشيعته، حيث كان السفراء الأربعة يمثلون الواسطة بينه وبين أتباعه. والسفراء هم: عثمان بن سعيد العمري ومحمد بن عثمان العمري والحسين بن روح النوبختي وآخرهم علي بن محمد السمري الذي تولى السفارة لثلاث سنين وهي أقصر السفارات من عام (326 هـ) حتى وفاته في مثل هذا اليوم النصف من شعبان، عام (329 هـ)، ودُفن على شاطئ نهرِ أبي عَتّاب في ربع باب المُحوّل من أبواب بغداد في شارع الخَلَنجي،[91] بالقرب من قبر الشيخ الكليني.[92] فانتهت بوفاته مرحلة النيابة الخاصة.

وقد أخبر الإمام شيعته بانتهاء هذه السفارة قبل ستة أيام من وفاة السمري تمهيداً للغيبة الكبرى، كما جاء في التوقيع الأخير للإمام المهدي (صلوات الله عليه) قوله: (بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم، يا عليَّ بن محمّدٍ السِّمَّريّ، أعظمَ اللهُ أجرَ إخوانِكَ فيكَ، فإنّكَ ميِّتٌ ما بينكَ وبينَ ستّةِ أيّامٍ، فاجمع أمرَكَ ولا توصِ إلى أحدٍ يقومُ مقامَكَ بعدَ وفاتكَ، فقدْ وقعتِ الغيبةُ الثّانية، فلا ظهورَ إلّا بعد إذن الله -عزَّ وجلَّ- وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتِي مَنْ يَدَّعي المشاهدةَ، ألا فَمَن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السّفيانيِّ والصّيحة، فهُوَ كذَّابٌ مفترٍ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلّا باللهِ العليِّ العظيمِ)، فنسخ وكلاء السمري هذا التوقيع وبعد ستة أيام عادوا إليه فوجدوه يحتضر وعندما سألوه من وصيه من بعده قال: للهِ أمرٌ هو بالغُهُ. ومات فكان هذا آخر كلام سمع منه (رضوان الله عليه).[93]

فَسَلامٌ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّمَرِيِّ يَوْمَ وُلِدَ، وَيَوْمَ مَاتَ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا.

والسمري عادل ذو العزم * * * وقد توفي لسقوط النجم[94]

والغيبة الكبرى بموته بدت * * * فنور اللهم عينا كدرت

ولكن الإمام المهدي عليه السلام لم يكن ليترك شيعته بدون حجة ومرجع يرجعون إليه في أمور دينهم ودنياهم فقد جاء في تواقيعه الشريفة قوله: “وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم”.[95]

نسأله تعالى أن يعجل ظهور مولانا الإمام المهدي (عج) ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأن يحيي دين الله، ويحيي كتابه المقدس ببيان تفسيره وتأويله الحقيقي، وينقذه من أيدي المخالفين لمحمد وآل محمد، وصدق البهائي العاملي قدس حينما قال وهو يندب الإمام المهدي (عج):

وأنقذْ كتابَ الله مـــن يــد عُـصبة عصــــــوْا وتمادوْا فـــي عتــــوٍّ وإصرار
وأنعشْ قلوبـاً في انتظارك قرَّحت وأضــــجرها الأعــــداء أيَّــــةَ إضجــــــار
وخلِّص عبـادَ الله مـن كل غاشم وطهِّر بـــــــلادَ الله مــــن كــــلِّ كفار
وعجِّلْ فـداكَ العالــــمونَ بأسـرهم وبادرْ عـــلى اســــمِ الله مــــن غير إنظار
تجـدْ من جنـود الله خيــــر كتائب وأكرمَ أعــــوان وأشـــــرفَ أنصـــــــار
بهــم من بني همدان أخلـصُ فتية يخوضـــــــون أغمــــار الوغـــى غيــر فكار
بكل شديدِ البــأس عَبْــلٍ شَمَرْدَل إلـــى الحتـــف مقــدام على الهوْل مصبار
تُحَاذرُهُ الأبـــطال في كل مـوقف وتَرهبُـــهُ الفــــرسانُ فــــــي كل مضمار
أيا صفوةَ الرحمن دونــــك مـدحةً كـــدُرِّ عقـــــودٍ فــــي ترايـــــب أبــــــكار
يهنَّى ابـنُ هاني إن أتــــى بنظيـرها ويعنـــــو لهــــا الطـــــائيُّ مــــن بعد بَشَّار
إليك البــهائيُّ الحقيــــرُ يزفُّـــــــــها كــــغانيــــةٍ ميـــــاســـة القـــــدِّ مِعْــــــطار
تغارُ إذا قيـــستْ لطافـــــة نظمها بنفــــــحةِ أزهــــــــارٍ ونَسْمَـــــةِ أسحــــــار
إذا رُددت زادت قبــــولاً كأنها أحــــاديـــث نـــــجدٍ لا تُمَـــــلُّ بتَــــــكرار

[1] الحجر/9.

[2] أي يختلق الأكاذيب أو الأفكار الخاطئة التي لا تستند إلى الحقيقة.

[3] وهو من يقوم بالالتواء في الكلام أو تقديم الحقائق بطريقة مضللة لتحقيق غرض معين، مثل إثبات وجهة نظر باطلة أو تشويش الحقائق.

[4] مخطئ في فهمه.

[5] فصلت/42.

[6] عقائد الإمامية -الشيخ محمد رضا المظفر – ص60-61.

[7][7] راجع كشف الغطاء-الشيخ جعفر كاشف الغطاء-ص 298-بتصرف.

[8] الشيعة (شبهات وردود) – ناصر مكارم الشيرازي-ص13 – 18

[9] أجوبة المسائل المهناوية-العلامة الحلي-ص 121.

[10] سلامة القرآن من التحريف-المركز الرسالة-ص10-11.

[11] تفسير مجمع البيان-الشيخ الطبرسي-ج 1 -ص 15.

[12] سلامة القرآن من التحريف-المركز الرسالة-ص11-بتصرف.

[13] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -ناصر مكارم الشيرازي-ج15-ص420.

[14] موقع الشيخ محمد دهيني/ dohaini.com/ مقالات قرآنية/ تحريف القرآن الكريم بين الإثبات والنَّفْي-بقلم: الشیخ محمد دهیني

[15] المائدة/55.

[16] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٤ -ص ٣٦٨٤.

[17] راجع: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -ناصر مكارم الشيرازي-ج44 -ص 45.

[18] تفسير البرهان-هاشم البحراني-ذيل الآية (106) من سورة آل عمران.

[19] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي -ج ٨ -ص٢٧-29.

[20] الحجر/9.

[21] سلامة القرآن من التحريف-مركز الرسالة-ص14.

[22] انظر: الميزان-السيد الطباطبائي في تفسير القرآن-ج12-ص106.

[23] فصّلت/ 41-42.

[24] سلامة القرآن من التحريف-مركز الرسالة-ص14-15.

[25] دروس في علوم القران الكريم-مركز نون للتأليف والترجمة-ص263 -273-بتصرف.

[26] تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الروايات متواترة تواتراً معنوياً بين المسلمين، وهي منقولة في كتب السنّة والشيعة. انظر: بصائر الدرجات-الصفار القمي-ج1-ص 434. ومسند أحمد-ابن حنبل -ج3-ص14. والمستدرك على الصحيحين النيسابوري -ج3-ص148.

[27] انظر: البيان في تفسير القرآن -السيد الخوئي -ص211. والميزان في تفسير القرآن -السيد الطباطبائي-ج12-ص107.

[28] الفرقان/1.

[29] الكافي-الكليني-ج1-ص69.

[30] وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي – ج ٢٧ – ص ١١٨.

[31] تفسير الأمثل-ناصر مكارم الشيرازي-ج6- ص578-583.

[32] انظر: الميزان في تفسير القرآن-السيد الطباطبائي -ج12، ص107-108.

[33] شرح أصول الكافي -مولي محمد صالح المازندراني – ج ١١ – ص ٣٧٨.

[34]  نهج البلاغة الرقم 174 من الخطب.

[35] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ -ص ٦٢١..

[36] انظر: البيان في تفسير القرآن السيد الخوئي-ص214-215.

[37] البيان في تفسير القرآن-السيد الخوئي-ص 234. نقلا عن سلامة القرآن من التحريف-مركز الرسالة-ص17.

[38] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٥ – ص ٦٨.

[39] المؤمنون/115.

[40] الذاريات/56.

[41] مركز الإشعاع الإسلامي/ islam4u.com/ المجيب/ ما الدليل على حجية القرآن؟ -بقلم الشيخ صالح الكرباسي حفظه الله.

[42] الرعاية في علم الدراية-الشهيد الثاني-ص 62.

[43] تفسير الأمثل-ناصر مكارم الشيرازي-ج6، ص578-583.

[44] الفصول المهمة-السيد شرف الدين-ص 166.

[45] سلامة القرآن من التحريف-مركز الرسالة-ص17.

[46] البقرة/23.

[47] منتخب كنز العمال، نقلا عن البيان في تفسير القران-السيد الخوئي- ص262.

[48] سفينة البحار-عباس القمي- ج1-ص57.

[49] التوبة/34.

[50] الدرّ المنثور-السيوطي-ج 4-ص 179.

[51] تفسير الأمثل-ناصر مكارم الشيرازي-ج6، ص578-583-بتصرف.

[52] ومن نماذج روايات التحريف في كتب أهل السنّة، هي الروايات التي ذكرت سوراً أو آيات، زُعِم أنّها كانت من القرآن وحُذِفت منه، أو زعم البعض نسخ تلاوتها، أو أكلها الداجن، نذكر منها: أنّ سورة الأحزاب تعدل سورة البقرة، فقد روي عن عائشة: (كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله مائتي آية، فلمّا كُتِب المصحف لم يُقدَر منها إلاّ على ما هي الآن (1). الجامع لأحكام القرآن-القرطبي-ج14 -ص 113. وهناك نماذج أخرى للتحريف منها: سورتا الخلع والحفد، وآية الرجم، وآية الجهاد، وآية الرضاع، وغيرها.

[53] الفرق بين التفسير والتأويل: التفسير يركز على إزالة الغموض في الألفاظ وتوضيح معناها الظاهر، بينما التأويل يتعامل مع كشف المعاني الأعمق وإزالة الشبهات التي قد تحيط بالنصوص لفهم الغاية النهائية أو المعنى المخفي.

[54] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٣٥ -ص ٥٧.

[55] سلامة القرآن من التحريف-مركز الرسالة-ص41.

[56] النساء/59.

[57] الكافي-الكليني-ج1-ص 286 | 1.

[58] سلامة القرآن من التحريف-مركز الرسالة-ص37.

[59] موسوعة الاسئلة العقائدية-مركز الابحاث العقائدية-ج3 -ص 88وص 107-بتصرف.

[60] الكافي -الشيخ الكليني -ج ١ – ص ٦٩.

[61] الحجر/ 9.

[62] موسوعة الاسئلة العقائدية-مركز الابحاث العقائدية-ج3 -ص 89.

[63] سلامة القرآن من التحريف-مركز الرسالة-ص38-بتصرف.

[64] موسوعة الاسئلة العقائدية-مركز الابحاث العقائدية-ج3 – ص 89.

[65] شبكة رافد/ research.rafed.net/عقائد الشيعة/ تحريف القرآن/ رأي علماء الشيعة في أسطورة التحريف وردودهم عليه-بقلم محمود الشريفي-بتصرف.

[66] وأما آراء أمثال السيّد نعمة الله الجزائريّ، والسيّد هاشم البحرانيّ، والمحدّث النوريّ، لا تعتبر حاكية عن وجهة نظر الشيعة، بل كان رأيهم الخاصّ في المسألة، خصوصاً أنّهم جميعاً من الإخباريّين لا الأُصوليّين، فلا يُؤخذ برأيهم في المقام، إذ كانوا يرون كافّة الأحاديث الواردة صحيحة السند، فلا يعتنون بموضوع اعتبارها. المصدر: موسوعة الاسئلة العقائدية-مركز الابحاث العقائدية-ج3 -ص 92.

[67] البيان في تفسير القرآن-السيد الخوئي-ص 234. نقلا عن سلامة القرآن من التحريف-مركز الرسالة-ص17.

[68] تفسير القرطبي- ج 12- ص 113، وتفسير الدر المنثور-السيوطي- ج 5- ص 180.

[69] صحيح البخاري-ج8-ص208 ـ 211; وصحيح مسلم-ج4-ص167 وج5-ص116.

[70] الشيعة (شبهات وردود)- ناصر مكارم الشيرازي-ص13 – 18.

[71] تدوين القرآن -الشيخ علي الكوراني العاملي -ص ٣٥.

[72] الزمر/28.

[73] آل عمران/4.

[74] النحل/44.

[75] البقرة/2.

[76] العودة إلى الأصل/ http://return2origins.com// مناقشات/ شبهات وردود/ الشبهة الثالثة: تهمة تحريف القرآن ومصحف فاطمة

[77] أقول: العبارة “لا أرتدي حتى أجمعه” تشبه قولنا باللهجة العامية: “ما عندي مجال أحك راسي” من حيث أنها تُستخدم للتعبير عن الانشغال التام وعدم وجود وقت للقيام بأبسط الأمور الشخصية.

[78] أُنظر: شرح ابن أبي الحديد-ج 1-ص 27، الاتقان-ج 1-ص 204، أنساب الاشراف-ج 1-ص 587.

[79] البيان في تفسير القرآن-السيد الخوئي-ص 223. نقلا عن سلامة القرآن من التحريف-المركز الرسالة-ص48.

[80] موقع عقائد الشيعة الإمامية/ aqaedalshia.com / القرآن الكريم/ المصحف الشريف عند الشيعة الإمامية-نقلا عن إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف تأليف أبو عمر صادق العلائي.

[81] سلامة القرآن من التحريف-مركز الرسالة-ص20-21-بتصرف.

[82] الاحتجاج-الطبرسي-ج2، ص251.

[83] كمال الدين وتمام النعمة -للشيخ الجليل الأقدم الصدوق – ج ١ – ص ٢٣١.

[84] كمال الدين-الشيخ الصدوق -ص204-205-باب 21-ح16.

[85] ارشاد المفيد-ج 2-ص 386.

[86] معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام -الشيخ علي الكوراني العاملي – ج ٣ – ص ١٢٥-بتصرف.

[87] الكافي-الكليني-ج 2-ص 633 | 23.

[88] تفسير الميزان-السيد الطباطبائي-ج ١٢-ص ١٢٦.

[89] شذرات مهدوية-حسين عبد الرضا الأسدي. نقلا عن موقع الحجة بن الحسن ع/ mohammed.imhussain.com / مصحف الإمام علي عند الإمام المهدي (عج) … ماذا يفعل به؟

[90] سلامة القرآن من التحريف-مركز الرسالة-ص50.

[91] الغيبة-الطوسي -ص 396.

[92] ره‌توشه عتبات عالیات -جمع من الكتّاب-ص 394.

[93] إكمال الدّين وإتمام النّعمة-الشيخ الصدوق- ص 467.

[94] الدرر الكامنة-التبريزي-ص ١٨٢.

[95] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 27 -ص 140.