لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
عنوان المحاضرة: شَفَاعَةُ الأَقْمَارِ المُحَمَّدِيَّةِ
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
[وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى].[1]
في هذه المحاضرة، سنبدأ بتأمل الآية 28 من سورة الأنبياء، وهو قوله تعالى: [وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى]. هذه الآية تفتح لنا بابًا لفهم أحد أهم المفاهيم في العقيدة الإسلامية، وهو الشفاعة. الشفاعة ليست مجرد وسيلة للنجاة، بل هي تعبير عن رحمة الله وعدله مع عباده. سنتناول تعريف الشفاعة، أدلتها من القرآن والسنة، وأصناف الشفعاء الذين أكرمهم الله بهذه المنزلة. كما سنستعرض الشروط التي ينبغي أن تتوافر فيمن تشمله الشفاعة، مع الإجابة على شبهة قد تثار حول هذا الموضوع المهم.
المبحث الأول: الشفاعة: معناها، وأدلتها الشرعية
الشفاعة تُعد من المفاهيم الأساسية في العقيدة الإسلامية، وهي مسألة مثبتة بأدلة قطعية من الكتاب والسنة. فقد ذُكرت كلمة “الشفاعة” ومشتقاتها في القرآن أكثر من 30 مرة. [2] بالإضافة إلى ذلك، تحتوي مصادر الحديث الشيعية[3] والسنية[4] على روايات تتعلق بالشفاعة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام. كما أن الاعتقاد بالشفاعة موجود أيضاً في الديانتين اليهودية والمسيحية[5].
#ما معنى الشفاعة؟
الشفاعة في العرف هي: توسط شخصية مرموقة وذات مقام لدى شخص ذي قدرة لمصلحة شخص ثالث أقدم على ما يستوجب المؤاخذة، لكي يغفر له ذنبه أو تقصيره، أو لمصلحة شخص له حاجة لكي تقضي له حاجته.[6] أي أنّ الشفاعة بمعنى التوسّط والوساطة بين اثنين.[7]
وأمّا التعريف الاصطلاحي فهو: “عبارة عن طلبه (الشفيع) من المشفوع إليه أمراً للمشفوع له، فشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو غيره عبارة عن دعائه الله تعالى لأجل الغير وطلبه منه غفران الذَّنب وقضاء الحوائج، فالشَّفاعة نوع من الدُّعاء والرجاء”.[8]
إن الشفاعة في الحقيقة باب من أبواب رحمة الله تعالى، حيث يختار الله بعض الأشخاص، مثل: الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام وغيرهم ممن يأذن لهم، ليشفعوا للناس. هذا التكريم يعكس مكانتهم وعلوّ شأنهم عند الله.
#ما هو الدليل على الشفاعة؟
إنّ الشفاعة من المسائل الواضحة والتي ذكرت في القرآن الكريم، يدلّ على ثبوتها العديد من آيات الكتاب والأحاديث المرويّة عن المعصومين عليهم السلام، وسنستعرض، فيما يلي، بعضاً منها[9]:
1-الآيات القرآنية التي أثبتت الشفاعة عديدة، منها:
# قوله تعالى: [وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى].[10]
#وقوله:﴿ يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾.[11]
فهي تدلّ على أنّ الشفاعة موجودة بالأصل إلّا أنّها مشروطة بمن أذن الله تعالى له فيها.
#وقوله تعالى:﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾[12]، وقد فسّرت الروايات هذا العطاء من الله للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالشفاعة، ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالى:﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾، “الشفاعة، والله الشفاعة، والله الشفاعة”.[13]
2-الأحاديث الشريفة: نذكر منها:
# روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لأشفعنّ يوم القيامة لمن كان في قلبه جناح بعوضة إيمان”.[14]
# روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّي أشفَّع يوم القيامة فأشفع، ويشفَّع عليّ فيشفع ويشفَّع أهل بيتي فيشفعون”.[15]
المبحث الثاني: الشفعاء
الشفاعة، كوسيلة لطلب المغفرة والرحمة، قد تتحقق في الدنيا أو في الآخرة. وبناءً على ذلك، يمكن تقسيم الشفعاء إلى قسمين: شفعاء الدنيا وشفعاء الآخرة.
أولاً: الشفعاء في الدنيا
ونذكر منهم الآتي:
1.التوبة: تُعدّ التوبة شفيعًا ناجحًا في الدنيا، قال الإمام علي عليه السلام: (ولا شفيع أنجح من التوبة).[16]
2.الملائكة: يستغفرون للمؤمنين كما ورد في قوله تعالى: [وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا][17]، أي يسألون الله أن يغفر للذين آمنوا. ومعلوم أن الدعاء في حق المؤمن شفاعة في حقّه.[18]
3.الأنبياء والأوصياء: حيث طلبوا المغفرة لأممهم، وعلى رأسهم محمد وآل محمد عليهم السلام، كما يظهر في قوله تعالى: [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا].[19]
4.القرآن الكريم: فهو يشفع لمن يعمل به، فيعينه على التقرّب إلى الله ويهديه إلى الصراط المستقيم، قال تعالى: [يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ].[20]
5. المؤمنون: لاستغفارهم لأنفسهم ولإخوانهم المؤمنين، قال تعالى حكاية عنهم: [وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ].[21]
6.الإيمان والعمل الصالح: قال تعالى: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ].[22]
ومن بين الشفعاء: (كلّ ما يرتبط بالعمل الصالح، كالأمكنة المقدّسة والأيّام المباركة، وقبور الأئمّة والأنبياء الأولياء والعلماء، والمساجد، التي يمثّل كلّ منها وما شابهها شفيعاً للإنسان).[23]
إنّ هذه الأمور لا تشفع بشكل شخصي، مثل شفاعة الأشخاص، ولكنها وسائل وبيئات تساعد في تقريب الإنسان إلى الله وتجلب البركة، وتيسر له الطاعات وتزيد من احتمالية قبول أعماله ودعائه، ومن ثمَّ تسهم في نجاته من الذنوب.
ثانياً: الشفعاء في الآخرة:
ونذكر منهم الآتي:
1.الأنبياء، وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي يُعدّ الشفيع الأعظم يوم القيامة. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “أشفع لأمتي حتى يناديني ربي: أرضيت يا محمد؟ فأقول: نعم يا رب رضيت”.[24]
2.الأئمة من أهل البيت عليهم السلام: وهم الأئمة الاثنا عشر، بدءًا من الإمام علي عليه السلام وانتهاءً بالإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، فلهم دور كبير في الشفاعة. فهم يشفعون لأتباعهم ولمن يستحق الشفاعة بناءً على أعمالهم وإيمانهم، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «والله لنشفعنّ لشيعتنا، والله لنشفعنّ لشيعتنا، والله لنشفعنّ لشيعتنا حتى يقول الناس فما لنا من شافعين ولا صديق حميم».[25]
3.فاطمة الزهراء عليها السلام: فلها مكانة خاصة في الشفاعة[26]، حيث تشفع لأبنائها وأتباعها.
4.المؤمنون الصالحون: بعض المؤمنين المخلصين يُمكن أن يشفعوا لأقاربهم وأصدقائهم. روي عن الإمام الباقر عليه السلام: “إن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر، وإن المؤمن ليشفع حتى لخادمه، ويقول: يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر والبرد”.[27]، ولذا ننصح بصحبة المؤمنين المتقين، وترك أصدقاء السوء والفاسقين، قال تعالى: [الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ][28] تُشير هذه الآية بأن الأخلاء -الأصدقاء- الفاسقين في يوم القيامة سيصبحون أعداءً لبعضهم ويفر أحدهما من الآخر، بينما المتقون سيكونون في حالة من الألفة والرحمة، وسيشفع أحدهما للآخر.
ومنهم: متعلّم القرآن والعامل به: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “من تعلم القرآن -من قرأ القرآن-فاستظهره فأحلّ حلاله وحرّم حرامه أدخله الله به الجنّة وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار”.[29]
5.القرآن الكريم: يشفع لقارئيه ولمن يعمل بأحكامه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تعلّموا القرآن فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة.
6.الملائكة: يشفعون للمؤمنين بإذن الله تعالى كما جاء في القرآن الكريم: [وكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى].[30]
7.الأعمال الصالحة: مثل الصلاة، والصدقة، وحسن الخلق، والرحم وأداء الأمانة، روي عن النبي صلى الله عليه وآله: الشفعاء خمسة: القرآن، والرحم، والأمانة، ونبيّكم، وأهل بيت نبيّكم”.[31]
المبحث الثالث: شروط المشفوع لهم
كلّنا نتمنى نيل شفاعة محمد وآل محمد عليهم السلام والدخول إلى الجنة. وكما يوضح العلماء، أنّ الشفاعة هي: (طلب رفع العقوبة والعذاب عن شخص يستحق العقاب والعذاب،[32] وبمعنى آخر، هي نوع من الوساطة في العفو ومغفرة الذنوب)[33]. فالإنسان لا يدخل الجنة إلا بالعفو والمغفرة عن جميع ذنوبه، سواء كانت كبائر أو صغائر. أما الصغائر، فتُكفّر باجتناب الكبائر، كما قال الله تعالى: [إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ][34]. وأما الكبائر التي لم يجتنبها، إذا توفرت في مرتكبها شروط المشفوع له، فسيشفع له الشفعاء في العفو عنها. فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل”.[35]
لكن ما هي الشروط التي يجب علينا مراعاتها لنحظى بهذه الشفاعة؟
يستنبط علمائنا من مجموع النصوص الشرعية المتعلقة بالشفاعة أنه إذا رام أهل الكبائر أن يُشمَلوا بالشفاعة يوم القيامة فما عليهم إلا:
1. أن يكونوا مرتضين في الدين، الأمر الذي يستلزم ندمهم على ما ارتكبوا من الذنوب.
2.أن لا يكونوا من المشركين، أو الكفّار، أو المنافقين، أو النواصب. وأن لا يكونوا قد آذوا ذرية النبي صلى الله عليه وآله.
3.أن يكونوا متمسكين بولاية أهل البيت عليهم السلام، ومن محبي شيعة وموالي عليّ وأولاده.[36]
وسنقف على هذه النقاط ونطرحها بعنوان شروط المشفوع له، وهي كالآتي:
الشرط الأول: أن يكون المشفوع له مرتضى في الدين
لقد أكدت النصوص الشرعية هذا الشرط، كقوله تعالى في القرآن: [وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى][37]، والمراد من [ارْتَضَى] كما يذكر المفسرون ومنهم السيد الطباطبائي (ره) هو: (ارتضاء دينه)[38]، روي عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: “فإنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه”.[39]
ومعلوم أنّ الدين الذي ارتضاه الله هو الدين الإسلامي، قال تعالى: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينـا][40]، أي أنّ الشخص الذي ارتضى الله دينه هو الشخص الذي يلتزم بتعاليم الدين من حيث العقيدة أو العمل.
بعبارة أخرى: أن يكون سلوكه وأفعاله متوافقة مع ما يرضاه الله من جهة العقيدة بأصول الدين وأحكامه الأساسية، مثل الإيمان بالتوحيد، النبوة، المعاد، ومن جهة الالتزام العملي بالعمل بالواجبات وترك المحرمات.
فإذا ارتكب ذنبا، غضب الله عليه، فلكي ينال رضا الله عليه مرة أخرى -الذي يعد شرطا لنيل الشفاعة-وجب عليه أن يندم، فالندم على الذنب هو علامة التوبة، وأيضاً الندم هو علامة الإيمان، فمن لا يندم لا إيمان له[41]. والذي لا إيمان له لا ينال الشفاعة، لأن الجنّة لا يدخلها إلا مؤمن، قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا].[42]
بمعنى أنّ الشخص الذي يندم على ذنوبه ويشعر بالحزن لأنها تسببت في انقطاعه عن الله، سيكون في موقف يُحتمل فيه أن ينال الشفاعة يوم القيامة.[43]
الخلاصة: إنّ الشرط الأول لنيل الشفاعة هو أن يكون المشفوع له مرتضى في الدين، الأمر الذي يستلزم ندمه على ما ارتكب من الذنوب.
رب تساؤل يرد: روت النصوص الشرعية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي”.[44]كيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر والله تعالى ذكره يقول: [وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى]؟ ومن يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى!، وأيضا ذكرتم أن الذي لا يندم لا إيمان له، فما الدليل على ذلك؟ نرجو توضيحه.
هذا التساؤل ترد عليه رواية مهمة نرجو التأمل في كلماتها، وهي مروية روي عن محمد بن أبي عمير قال: سمعت موسى بن جعفر عليهما السلام يقول: لا يخلد الله في النار إلا أهل الكفر والجحود، وأهل الضلال والشرك. ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر، قال الله تبارك وتعالى: [إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا].[45]
قال فقلت له: يا بن رسول الله فالشفاعة لمن تجب من المذنبين؟
قال: حدثني أبي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل.
قال ابن أبي عمير فقلت له: يا بن رسول الله فكيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر والله تعالى ذكره يقول: [وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ]؟ ومن يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى!
فقال: يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلا ساءه ذلك وندم عليه، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): كفى بالندم توبة.
وقال (صلى الله عليه وآله): من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة، وكان ظالما والله تعالى ذكره يقول: [مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ].[46]
فقلت له: يا ابن رسول الله وكيف لا يكون مؤمنا من لم يندم على ذنب يرتكبه؟
فقال: يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنه سيعاقب عليها إلا ندم على ما ارتكب، ومتى ندم كان تائبا مستحقا للشفاعة، ومتى لم يندم عليها كان مصرا، والمصر لا يغفر له، لأنه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب، ولو كان مؤمنا بالعقوبة لندم. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
وأما قول الله عز وجل: [وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى]، فإنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه، والدين الإقرار بالجزاء على الحسنات والسيئات، فمن ارتضى الله دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب، لمعرفته بعاقبته في القيامة”. انتهى.[47]
ومن أجل استيعاب الجواب من هذه الرواية لا بد من تسليط الضوء على قوله عليه السلام: (ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة).
ليس المقصود بـ: (تائباً) هنا التوبة المصطلحة التي يشير إليها قوله تعالى:﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[48]، لأن (التوبة المصطلحة بنفسها شفيعة منجية).[49]
روي عن الإمام علي عليه السلام قوله: “ولا شفيع أنجح من التوبة”.[50]
في الإسلام، تتكون التوبة من ثلاثة أركان أساسية:
الأول: ندم حقيقي على الذنب الذي هو حاجب بين العبد وربّه.
الثاني: الإقلاع عن الذنب وتصميم على عدم العودة إليه أصلاً.
الثالث: السعيٍ لمحو كلّ آثاره الباطنية والخارجية، من خلال إفراغ ذمّته من أيّ حقّ متعلّق فيها، سواء الحقّ الإلهي أو حقّ الناس.
عندما يقترن الندم بهذه الأركان، يتحول إلى توبة صادقة ومقبولة عند الله، وينتج عنها غفران الذنب وإزالة آثاره، مما يعيد المؤمن إلى حالة نقاء كأن الذنب لم يُرتكب. كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له”[51]، فإذا مات الإنسان وهو تائب من ذنوبه، فإن التوبة الصادقة قد غسلت الذنب، فلا يحتاج المؤمن إلى شفاعة خاصة للعفو عن ذنوبه في الآخرة.
إذن، ما المقصود من الندم والتوبة في قول الإمام عليه السلام: “ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة”؟
المقصود هنا هو التوبة بالمعنى اللغوي الذي يشير إلى الرجوع[52]. التوبة بهذا المعنى تتحقق بالندم، وهو شعور بالحزن والأسف على ارتكاب الذنب. كما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: “كفى بالندم توبة”[53]. علما أن هذه العبارة لا تنفي أهمية استكمال شروط التوبة، بل تشير إلى أن الندم هو خطوة أساسية ورئيسية نحو تحقيق التوبة الكاملة.
ولكن الندم وحده -رغم كونه ركنًا أساسيًا في التوبة -لا يكفي لإزالة الذنب وآثاره من الناحية الشرعية. ومن ثمَّ يحتاج الشخص إلى الشفاعة لأنه لم يستكمل شروط التوبة كاملة.
بعبارة أخرى: عندما يشعر الإنسان بالندم بسبب إدراكه لعواقب الذنب أو تأنيب الضمير، يمكن أن يُطلق عليه وصف “تائب” بمعنى الرجوع إلى الله تعالى والدين، مع كونه نادمًا على ذنبه ويكون مرضيًا ومستحقًا للشفاعة، وهذا ما أشار إليه علماؤنا.[54]
قد يسأل أحدكم: إذا كان الله يرضى عن النادم غير المستوفي لأركان التوبة، وستشمله الشفاعة، فلماذا يجب عليّ الحرص على إتمام جميع أركان التوبة، وإرجاع حقوق الناس رغم أن وضعي سيكون مشابهًا للنادم، غاية ما في الأمر أن النادم سيدخل الجنّة بالشفاعة، وأنا سأدخلها بلا شفاعة؟
ونرد على ذلك بالنقاط الآتية:
1.إن رضا الله عن النادم يختلف عن رضا الله عن التائب بالمعنى الكامل للتوبة. فهناك درجات لرضا الله عن عباده. الحد الأدنى للرضا الذي يسمح بنيل الشفاعة يتطلب توافر شروط معينة، منها: أن يكون الإنسان مؤمنًا، مرضي الدين، نادمًا على ذنوبه. أما الدرجة الأعلى من رضا الله فهي للمؤمن المخلص الذي يلتزم بجميع شروط التوبة وأركانها، وهذا يؤدي إلى تكفير الذنوب والسيئات، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾[55]، وتبديل السيئات إلى حسنات، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.[56]
2. إنّ المؤمن النادم الذي لم يلتزم بأركان التوبة الكاملة فمعنى ذلك أن ذنوبه لم تُغفر في الدنيا، ويترتب عليها آثار دنيوية وخيمة. ومن تلك الآثار ما ورد في دعاء كميل: (أَللّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، .. الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ، .. الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ، ..الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ، .. الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ)، إضافةً إلى الآثار الأخروية والبرزخية مثل: وحشة القبر، ضغطته وعذابه، وكذلك التعرض لشدائد يوم القيامة كـ: العَرَق، الجوع، العطش، العُري، الخزي، الفضيحة، الظلمة، الفزع، وشدائد مواقف الميزان، الصراط، الشهادة، الحساب، وتطاير الكتب وغيرها، حتى يصل إلى موقف الحساب حيث يعيش بين الخوف من حرمان الشفاعة والرجاء في نيلها.
أضف إلى ذلك فأن المؤمن النادم الذي على فرض أنه استمتع باللذة المحرمة طوال مدة حياته التي لا تتجاوز المائة سنة، فإن هذه المدة لا تقارن بالفترة الطويلة التي سيعاني فيها من العذاب منذ موته إلى وصوله لموقف الحساب والشفاعة في يوم [مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ][57].
أما من استوفى شروط التوبة، ومات ولا ذنب عليه، فإنه يضمن رضوان الله الأكبر ويدخل الجنة بكرامة واستحقاق، دون الحاجة للمرور بالعذاب أو انتظار الشفاعة لغفران الذنوب، بل قد يوفق ليشفع لآخرين.
3. إنّ شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله تمتاز بالشمولية، بمعنى أن الجميع يحتاج إليها، روي عن الإمام الباقر عليه السلام: “ما أحد من الأولين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد صلى الله عليه وآله يوم القيامة”[58]. فقد تشملك الشفاعة من أجل رفع الدرجات، أو لتيسير دخول الجنة، أو لتجنب بعض الهموم والعوائق في يوم القيامة.
4. قولك: (فلماذا احرص على إرجاع حقوق الناس؟)، قول مردود لأن (مظالم العباد فيما بينهم حسب ما في الروايات معلّق على أداء الحق الى أصحابه، فإذا ادّى هذا الانسان الظالم الحقّ الى أصحابه أو استبرأ ذمّتهم، فحينئذ يبقى الحق الخاص بالله تبارك وتعالى، لان ظلم العباد فيه حقّان: حق الله وحق العبد، فاذا سقط حق العبد بقي حق الله، وهذا يمكن أن تعمّه الشفاعة.
أمّا إذا لم يسقط حق العبد، يعني لم يعد الحق الى صاحبه ولم يستبرئ ذمّته، فمقتضى الروايات الواردة أن الشفاعة موقوفة على رضا صاحب الحق)[59]، فقد روي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: “يا معشر شيعتنا اتقوا الله واحذروا أن تكونوا لتلك النار حطباً، وإن لم تكونوا بالله كافرين، فتوقوها بتوقي ظلم إخوانكم المؤمنين، فإنه ليس من مؤمن ظلم أخاه المؤمن المشارك له في موالاتنا، إلا ثقَّل الله في تلك النار سلاسله وأغلاله ولم يفكه منها إلا شفاعتنا، ولن نشفع إلى الله تعالى إلا بعد أن نشفع له إلى أخيه المؤمن، فإن عفا عنه شفعنا له، وإلا طال في النار مكثه”.[60].[61]
لذا فالحل يكون في رد الحقوق إلى أصحابها والتوبة الصادقة قبل الموت، مع طلب العفو من المظلوم، والاستحلال منهم، والاستغفار والصدقة عن المعتدى عليه، حتى لا نندم ونتحسر في الآخرة فنقول: [رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ].[62]
الشرط الثاني: أن لا يكونوا من الممنوعين من الشفاعة
هناك أصناف من الناس لا تنالهم الشفاعة لأنهم غير مسلمين، أو مسلمون غير مرتضين في الدين، لأنهم يستنكرون عقائد الدين الأساسية كالمعاد، أو يصرون على ارتكاب الكبائر غير نادمين. ومن تلك الأصناف المحرومة من الشفاعة نذكر منها الآتي[63]:
1.المشركون: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “شفاعتى نائلة إن شاء الله من مات ولا يشرك بالله شيئاً”.[64]
2.الكافرون: قال تعالى: [وَالَّذينَ كَفروا وَكَذَّبوا بآيَاتنَا أولَـئكَ أَصحَاب النَّار هم فيهَا خَالدونَ].[65]، فمعنى[خالدون] أي ماكثين مستمرين، فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها، وهذا يعني أنهم محرمون من الشفاعة.
3. المنافقون: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه”.[66]
4.المكذبون بيوم القيامة: قال تعالى: [َكنَّا نكَذّب بيَوم الدّين * حَتَّى أَتَانَا اليَقين * فمَا تَنَفعهم شَفاعَة الشَّافعينَ].[67]
5. النواصب: قال الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: “إن المؤمن ليشفع لحميمه، إلا أن يكون ناصباً ولو أنّ ناصباً شفع له كل نبي مرسل وملك مقرّب ما شفعوا”.[68]
6.المؤذون لأهل البيت عليهم السلام: قال الإمام علي عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “إذا قمت المقام المحمود تشفعت في أصحاب الكبائر من أمتى فيشفعني الله فيهم، والله لا تشفعت فيمن آذى ذريّتي”.[69]
7.قتلة الأئمة المعصومين: عن الإمام الحسين عليهم السلام وهو ينقل كلام جده معه في منامه قائلاً: “حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مرملاً بدمائك مذبوحاً بأرض كربلاء على أيدي عصابة من أمتي وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى، وظمآن لا تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة”.[70]
8.الجاحدون بولاية أمير المؤمنين عليه السلام: قال الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: [لَا يَملكونَ الشَّفاعَةَ إلَّا مَن اتَّخَذَ عندَ الرَّحمَن عَهدًا][71]، “لا يشفع ولا يشفّع لهم ولا يشفعون الا من أذن له بولاية أمير المؤمنين والائمة من ولده فهو العهد عند الله”.[72]
9. الظالمون[73]: قال تعالى: [ثمَّ قيلَ للَّذينَ ظَلَموا ذوقوا عَذَابَ الخلد هَل تجزَونَ إلاَّ بمَا كنتم تَكسبونَ][74]، وقال أيضا: [مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ] غافر/18.
10.المكذبون بالشفاعة: روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: “شفاعتي يوم القيامة حق، فمن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها”.[75]، وروي عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ناقلاً عن علي عليه السلام: “من كذب بشفاعة رسول الله لم تنله”.[76]
11.الذين نسوا الدين: قال تعالى: […يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ].[77]
إن سبب انحراف الناس عن الطريق المستقيم هو نسيانهم لدينهم، وانغماسهم في الشهوات والملذات المحرّمة، منهم: المتجاهرون بالفسق كالمتبرجات والسافرات المصرات على المعاصي، فإذا لم يتبن أو يندمن على أفعالهن المحرّمة فسوف يحرمن الشفاعة يوم القيامة وسيعاقبن بدخول النار، فقد روى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: “سمعته يقول: يظهر في آخر الزمان واقتراب الساعة -وهو شر الأزمنة – نسوة كاشفات عاريات، متبرجات من الدين، داخلات في الفتن، مائلات إلى الشهوات، مسرعات إلى اللذات، مستحلات للمحرمات، في جهنم خالدات”.[78]
فقوله عليه السلام: “في جهنم خالدات” فيه إشارة بأنهن محرومات من الشفاعة لذا دخلن النار وخلدن فيها، ولكن ينبغي علينا أن نعرف أنّ الخلود في النار قد يراد منه:
# الخلود المؤقت غير الدائم، ولكنه طويل قد يستمر مئات أو آلاف السنين، ومن ثم تشملها الشفاعة، وهذا يكون في حال ارتكابها للكبائر وهي مصرة عليها ولم تندم عليها إلى أن حان أجلها وماتت، ولكن كان في قلبها إيمان ولو قليل -أي ما زالت من الموحّدين-فهنا تحرم الشفاعة وتعاقب بدخول النار، ولكن بعد فترة تتفاوت مدتها حسب ما ارتكبته من المعاصي ستنالها الشفاعة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان”.[79]
# وقد يراد منه الخلود الدائم الأبدي، أي لا تخرج من النار أبداً، كما قال -جلّ وعلا-: [يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ][80]، وهذا يكون في حال ارتكابها للكبائر وهي مصرة عليها ولم تندم عليها إلى أن حان أجلها وماتت، ولكن لم يكن في قلبها إيمان، أي لم تعد من الموحدين، لذا لا تستحق نيل الشفاعة حتى بعد دخولها النار.
بينما لو تابت من ذنوبها في الدنيا توبة نصوح فسوف تغفر ذنوبها -مهما عظمت ذنوبها-، بل وتستبدل السيئات إلى حسنات، قال تعالى: [إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا].[81]
فإذا استمرت في توبتها إلى أن ماتت، فقد لا تحتاج إلى الشفاعة لأن بالتوبة غفرت ذنوبها، نعم إن الإنسان التائب من كل ذنوبه قد يحتاج الشفاعة لكون توبته ليست كاملة.
12.العاصون لله المعاندون لأوامره: قال تعالى: […وَمَن يَعص اللَّهَ وَرَسولَه فإنَّ لَه نَارَ جَهَنَّمَ خَالدينَ فيهَا أَبَدًا].[82]، كمن يتعمد ترك الصلاة مستخفا بربه، مصراً على فعله غير نادم، فمصيره أن يعاقب بدخول نار سقر، قال تعالى: [مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ][83] فدخوله النار لأن الله لم يرضَ دينه، لذا حذرنا الأئمة الطاهرون عليهم السلام بأن الشفاعة لا ينالها من يستخف بصلاته، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته، ولا يرد عليّ الحوض لا والله”.[84]
وروي عن الامام موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال: “لما حضر أبي الوفاة قال لي: يا بني انه لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة”.[85]
13.المستهزئون بدين الله عز وجل: قال تعالى: [وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ..].[86]، هذه الآية تحذر من الاستهزاء بالدين وتركه كأنما هو لعب ولهو، كالاستهزاء بالشعائر الدينية أو بمناسك الحج كالطواف ورمي الجمرات، أو بالشعائر الحسينية كالبكاء واللطم على الإمام الحسين عليه السلام.
أو الاستهزاء بالأحكام الشرعيةكمن يستهزئ بالحجاب قائلاً: “أنا لا أصدق أن هناك آيات في القرآن تأمر بالحجاب!” أو ” لا أصدق بما يقوله الرسول وآله عن وجوب الحجاب “، هذا الكلام خطير، فالحجاب حكم شرعي ثابت لا شك فيه، وهو ضرورة من ضروريات الدين كالصلاة، وقد أجمع الفقهاء على أنه جزء لا يتجزأ من الإسلام. واتفقت كلمة العلماء ومحققي الإسلام على أن من أنكر ضرورة من ضروريات الدين دون شبهة، مع علمه بأنه من ضروريات الدين، وكان أنكاره راجعا إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله فإنه يُعدّ كافراً -أي خارجا من الدين-وهذا الأمر ثابت لدى جميع الفقهاء من السنة والشيعة.
الشرط الثالث: أن يكون من الموالين والمحبين لأهل البيت عليهم السلام
تُشترط الشفاعة أن يكون المشفوع له من الموالين والمحبين لأهل البيت عليهم السلام، كما يتضح من قول الإمام الحسين عليه السلام: “رضى الله رضانا أهل البيت”. هذا يتماشى مع قوله تعالى:﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى﴾[87]، حيث يُشدد على أن الله يرضى عمّن يتبع أهل البيت ويمتثل لمبادئهم، مما يجعله مؤهلاً لنيل الشفاعة، وقد وردت نصوص عديدة تثبت شفاعتهم للموالين والمحبين، نذكر منها الآتي:
#روى الصدوق بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن جده عن علي عليه السلام قال: انّ للجنّة ثمانية أبواب: باب يدخل منه النبيّون والصدّيقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون. وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا، فلا أزال واقفاً على الصراط ادعو، وأقول: ربّ سلّم شيعتي ومحبي وأنصاري، ومن تولاني في دار الدنيا، فإذا النداء من بطنان العرش: قد أجيبت دعوتك وشفعت في شيعتك. ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولاني، ونصرني، وحارب مَن حاربني بفعل أو قول، في سبعين ألفاً من جيرانه وأقربائه. وباب يدخل سائر المسلمين ممّن يشهد ان لا إله إلاّ الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بغضنا أهل البيت”.[88]
#روي عن معاوية بن وهب، قَالَ: “سَألْتُ أبَا عَبْدِ اللهِ الصَّادِق عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: [لَا يَتَكَلَّمُونَ إلَّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً]، قَالَ: نَحْنُ -وَاللهِ-المَأذُونُ لَهُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ وَالقَائِلُونَ صَوَاباً.
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَمَا تَقُولُونَ إذَا تَكَلَّمْتُمْ؟، قَالَ: نُمَجِّدُ رَبَّنَا، وَنُصَلِّي عَلَى نَبِيِّنَا، وَنَشْفَعُ لِشِيعَتِنَا، فَلَا يَرُدُّنَا رَبُّنَا”.[89]
المبحث الرابع: شبهة أنّ الشفاعة تدعو إلى التجرّي
هناك عبارة متداولة على ألسن بعض المخالفين وهي: “إنّ الشفاعة تدعو إلى التجرؤ” أو “التجري”، فما المقصود منها؟
العبارة تعني أن بعضهم قد يسيء فهم الشفاعة على أنها وسيلة للتساهل أو الاستخفاف بارتكاب الذنوب، اعتماداً على فكرة أن الشفاعة ستنقذهم من العقاب في الآخرة. لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: “إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي”[90]، في هذه الحالة، يعتقد الشخص أن لديه الحماية أو العفو المؤكد بسبب الشفاعة، مما يدفعه إلى التجرؤ على ارتكاب المعاصي دون خشية العقاب الفوري. فكيف نردّ على هذه الشبهة؟!
الجواب: إن الاستمرار في ارتكاب المعاصي بالاعتماد على الشفاعة هو اعتقاد خاطئ ومرفوض عقلاً وشرعاً، ويشابه اعتقاد اليهود والنصارى الذين كانوا يظنون أن الانتماء إلى أنبيائهم وأسلافهم يكفي للنجاة من العذاب، سواء عملوا بشريعتهم أو لا. ولكن الله تعالى ينفي هذا النوع من الشفاعة الخاطئة في قوله: [يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ].[91]
إنّ الشفاعة رغم كونها ثابتة في القرآن والسنة، إلا أنها ليست مضمونة لأي شخص، حتى لو كان من أمة محمد صلى الله عليه وآله التي هي أفضل الأمم، حيث قال تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ].[92]
إنّ مجرد الانتماء إلى الدين أو الانتماء للنبي محمد وآله الأطهار عليهم السلام لا يكفي لنيل الشفاعة، فالشفاعة ليست متاحة للجميع بل هناك جملة من الشروط وجب أن تتوفر في المشفوع له، نذكر منها الآتي:
1.إنّ الشريعة تؤكد على ضرورة الالتزام بتعاليم الدين، وإذا أذنب الإنسان عليه الندم والتوبة لأن الذي يعاند ويستمر في ارتكاب الذنوب فسوف يحرم من الشفاعة، لأن الشفعاء يوم القيامة لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله عنه، قال تعالى: [وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى] [93]والشخص غير النادم على ذنبه لا يرضى الله عنه -كما ذكرنا ذلك في رواية الإمام الكاظم عليه السلام السابقة-.
2. (بحسب الأدلة النقلية فإن الشفاعة بمراتبها المختلفة مشروطة بوجود مؤهلات ومواصفات في المشفوع لهم، منها: التوحيد وعدم الشرك، ومنها: الإسلام والإيمان، ومنها: محبة أهل البيت عليهم السلام وعدم العداء لهم، ومنها: عدم الاستخفاف بالصلاة).[94]
ومن المعلوم أنّ ارتكاب الذنوب الكبيرة، وتأخير التوبة، يؤثر على الشروط التي ذكرناها لأن الاستمرار عليها يُذهب الإيمان من القلب، حيث يبتلى بظلمة الشك والحيرة، بل الجحود والإنكار، وقد يموت مشركا أو كافرا أو منافقا، وهؤلاء حتما سينطبق عليهم قوله تعالى: [فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ].[95]
يقول: السيد عبد الحسين دستغيب (ره): مثل من لا يتوب، أو يرتكب الذنب ويأمل الشفاعة، مثل شرب السم، أو وضع اليد في فم الافعى بأمل وصول الطبيب، والتداوي، وهو عمل على خلاف حكم العقل، إذ لا يقين بعد شرب السم من الوصول إلى الطبيب، ووجود الدواء!! هذا أولا، وثانيا فإن أثر الدواء ليس قطعيا فلعل السم قد سرى في دمه، وعطل القلب عن عمله، كذلك الذي يرتكب الذنب من أين له اليقين بأنه سيصل الى شفاعة الشافعين بعد الموت مباشرة؟!
ومن أجل إثبات هذا المطلب نكتفي بذكر آية ورواية، قال تعالى في سورة الروم: [ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون][96]، والمراد أن الذين عملوا السوء والمعاصي ساقتهم إلى الكفر بتكذيب آيات الله والاستهزاء بها.[97]
روي عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلاَّ وَفِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ فِي اَلنُّكْتَةِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ تَابَ ذَهَبَ ذَلِكَ اَلسَّوَادُ وَإِنْ تَمَادَى فِي اَلذُّنُوبِ زَادَ ذَلِكَ اَلسَّوَادُ حَتَّى يُغَطِّيَ اَلْبَيَاضَ فَإِذَا غَطَّى اَلْبَيَاضَ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُهُ إِلَى خَيْرٍ أَبَداً وَهُوَ قَوْلُ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: [كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ][98]
3.على فرض أن المذنب -غير التائب-المرتكب للكبائر قد كان دينه مرضيا ومات على الإيمان والولاية لأهل البيت عليهم السلام، فإذا وصل إلى موقف الحساب، فإن كانت حسناته أكثر من سيئاته دخل الجنّة، وإن كانت سيئاته أكثر من حسناته، فهل بالضرورة أنه سينال شفاعتهم ولا يدخل النار؟
الجواب: (إنّ شمول الشفاعة للعاصين يختلف باختلاف المعاصي والعصاة في كيفية صدور المعصية عنهم وكميتها؛ فمنهم من تناله الشفاعة في بادئ الأمر، ومنهم من لا يليق لهذه المكرمة إلا بعد مسّه النار وتطهيره، ومنهم بين ذلك)[99]
ولكن في النهاية لا يبقى موحد خالد في النار، روي عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام: “مذنبو أهل التوحيد لا يخلّدون في النار ويخرجون منها والشفاعة جائزة لهم”[100]، فلا يبقى في النار سوى المشرك والكافر والمنافق، قال تعالى: [وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ].[101]
وأما مدة العذاب فتتفاوت حسب ذنوبه، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “إن العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام وإنه لينظر إلى أزواجه في الجنة يتنعمن”.[102]
هذا على ذنب واحد، فكيف بمن ارتكب مئات الذنوب؟، لذا قد تصل المدة إلى آلاف السنين، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام حينما سئل: صف لنا الموت. فقال عليه السلام: “على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة أمور يرد عليه: أما بشارة بنعيم الابد، وأما بشارة بعذاب الابد، وأما تحزين وتهويل، وأمره مبهم لا يدري من أي الفرق هو.
فأما ولينا المطيع لأمرنا فهو المبشر بنعيم الابد، وأما عدونا المخالف علينا فهو المبشر بعذاب الأبد، وأما المبهم أمره الذي لا يدري ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه لا يدري ما يؤول اليه حاله، يأتيه الخبر مبهماً مخوفاً ثم لن يسويه الله بأعدائنا لكن يخرجه من النار بشفاعتنا، فاعملوا واطيعوا ولا تنكلوا ولا تستصغروا عقوبة الله عز وجل، فإن من المسرفين من لا تلحقه شفاعتنا إلا بعد ثلاثمئة ألف سنة”.[103]
4. إنّ الشفاعة تحقق توازنًا بين الخوف والرجاء في نفس الإنسان. فعدم الاعتقاد بالشفاعة قد يدفعه إلى اليأس من رحمة الله، مما قد يجعله يقول: “سأُحرق في النار، فلِمَ لا أستمتع بالملذات الدنيوية إذن؟” وهذا اليأس قد يدفعه إلى ارتكاب شتى أنواع الذنوب. ولكن إذا كان يحدوه الأمل والرجاء في أن تناله شفاعة الشافعين برحمة الله، وبأن هناك فرصة للنجاة من العقاب بفضل الشفاعة، فإن ذلك الرجاء سيدفعه للتقليل من الذنوب والتمسك بالعمل الصالح.
وفي الوقت نفسه، ستحميه الشفاعة من التمادي في الغرور لخوفه من عدم قبولها، حيث إنها مشروطة بعدة شروط منها: أن يكون دينه مرضياً عند الله. ولم تبين الشريعة بدقة خصوصية الذنوب التي تُعفى بالشفاعة، ولا مواصفات الأشخاص الذين تشملهم الشفاعة، بل تحدثت عنها بأسلوب مجمل وإيجابي جزئي، مما يبقي الإنسان في حالة من الحذر والخوف، محققاً بذلك التوازن الروحي بين الخوف والرجاء.
@@@@@@@@@@@@@@@@@
إذن نستنتج مما ذكرنا أننا إذا أردنا النجاة والفوز علينا أن نكون حريصين على نيل الشفاعة بأن نسعى لتحقيق شروط الشفاعة، وهي: أولاً: أن نكون مرتضين في الدين، والندم الحقيقي على ارتكاب الذنب، والسعي بجد للتوفيق للتوبة النصوح. ثانياً: أن لا نكون من جملة الممنوعين عن الشفاعة. ثالثا: أن نبقى متمسكين بولاية أهل البيت عليهم السلام طوال مدة حياتنا، بأن نلتزم بتعاليمهم ونقتدي بهم في أقوالهم وأفعالهم ونعظم شعائرهم بأن نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم.
حينئذ سننال شفاعتهم، فقد روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: “إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فتغشاهم ظلمة شديدة فيضجون إلى ربهم ويقولون: يا رب اكشف عنا هذه الظلمة، قال: فيقبل قوم يمشي النور بين أيديهم وقد أضاء أرض القيامة فيقول أهل الجمع: هؤلاء أنبياء الله فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بأنبياء، فيقول أهل الجمع: فهؤلاء ملائكة، فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بملائكة، فيقول أهل الجمع: هؤلاء شهداء، فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بشهداء، فيقولون: من هم؟ فيجيئهم النداء: يا أهل الجمع سلوهم من أنتم، فيقول أهل الجمع: من أنتم؟ فيقولون: نحن العلويون، نحن ذرية محمد رسول الله صلى الله عليه وآله نحن أولاد علي ولي الله، نحن المخصوصون بكرامة الله، نحن الآمنون المطمئنون، فيجيئهم النداء من عند الله عز وجل: اشفعوا في محبيكم وأهل مودتكم وشيعتكم، فيشفعون فيشفعون”.[104]
ومن هؤلاء العلويين الذين سنراهم يوم القيامة هم: الأقمار الشعبانية، وعلى رأسهم الأئمة المعصومون عليهم السلام. سنرى الإمام الحسين عليه السلام الذي وُلِد في الثالث من شهر شعبان، والإمام السجاد الذي وُلِد في اليوم الخامس من نفس الشهر، وكذلك الإمام المهدي (عج) الذي وُلِد في منتصف شهر شعبان. فالأئمة المعصومون لهم الحصة الكبرى من الشفاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.
أيضاً، سيشفع للمحبين والموالين المؤمنين من أبناء وأحفاد الإمام علي عليه السلام، ومنهم الذين وُلِدوا في هذا الشهر الشريف، مثل أبو الفضل العباس الذي وُلِد في اليوم الرابع من شهر شعبان، وكذلك علي الأكبر عليه السلام.
إخوتي أخواتي … ما دمنا في هذه الأيام نعيش في شهر شعبان فعلينا الإكثار من الصلاة على محمد وآله لأنها من الأعمال التي ننال بها الشفاعة، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآل أنه قال: “وسُمّي شهر شعبان شهر الشفاعة؛ لأنّ رسولكم يشفع لكلّ من يصلّي عليه فيه”.[105]
لنتوجه بقلوبنا إلى كل إمام من أئمتنا الأطهار ونتوسل بهم إلى الله لأن (التوسُّل هو من أفراد الشَّفاعة، وأحد التعبيرات المعبّرة عنها)[106]ونسألهم أن يشفعوا لنا عند الله في تعجيل ظهور إمامنا المهدي (عج) وأن يقضي حوائجنا جميعا في الدنيا والآخرة، ومنها نيل شفاعتهم في الدنيا والآخرة:
يا أبا عَبْدِ الله يا حُسَيْنَ بْنَ عَـلِي أيُها الشَهِيدُ يا ابْنَ رَسُولِ الله يا حُجَةَ الله عَلَى خَلْقِهِ يا سَيدنا وَمَوْلانَا إنا تَوَجهْنا وَاسْتَشْفَعْنَا وَتَوَسلنا بِكَ إلى الله وَقَدَّمْناك بَيْـنَ يَدَيْ حاجَاتِنا، يا وَجِــيهاً عِنْد الله اشْفَعْ لَنَا عِنْد الله.
يا أبا الفضل يا عباس بن علي أيها الشهيد يا ابن علي يا حُجةَ الله عَلَى خَلْقِهِ يا سَيدنا وَمَوْلانَا إنا تَوَجهْنا وَاسْتَشْفَعْنَا وَتَوَسلنا بِكَ إلى الله وَقَدَّمْناك بَيْـنَ يَدَيْ حاجَاتِنا، يا وَجِــيهاً عِنْد الله اشْفَعْ لَنَا عِنْـــــد الله.
يا أبا الْحَسَنِ يا عَلِي بْنَ الحُسَيْـن يا زَيْنَ العابِدِينَ يَا ابْنَ رَسُولِ الله يا حُجةَ الله عَلَى خَلْقِهِ يا سَيدنا وَمَوْلانَا إنا تَوَجهْنا وَاسْتَشْفَعْنَا وَتَوَسلنا بِكَ إلى الله وَقَدَّمْناك بَيْـنَ يَدَيْ حاجَاتِنا، يا وَجِــيهاً عِنْد الله اشْفَعْ لَنَا عِنْد الله.
يا وَصِـي الْحَـسَـنِ وَالْخَلَفَ الْحُجة أيُّها القائِمُ المُـنْـتَـظَـرُ المَهْدِيُ يَا ابْنَ رَسُولِ الله يا حُجةَ الله عَلَى خَلْقِهِ يا سَيدنا وَمَوْلانَا إنا تَوَجهْنا وَاسْتَشْفَعْنَا وَتَوَسلنا بِكَ إلى الله وَقَدَّمْناك بَيْـنَ يَدَيْ حاجَاتِنا، يا وَجِــيهاً عِنْد الله اشْفَعْ لَنَا عِنْـــــد الله.
| شعبانُ فيكَ تهلَّلَ الإصباحُ | بمُطهَّرِينَ هُمُ هدىً ونَجاحُ | |
| يا شهرَ أحمدَ حافلاً بمواهبٍ | فيها النجاةُ وسُؤلُها الإصلاحُ | |
| فبِكَ الحسينُ أتى وليداً حامِلاً | نُبْلَ الخِصالِ وطُهْرُهُ فوّاحُ | |
| سِبطاً مآثرُهُ استدامتْ نهضةً | وَلَيوم مولِدِهِ الشريفِ فلاحُ | |
| وبشهرِ شعبانٍ تولَّدَ ماجِدٌ | منْ آلِ مَجْدٍ للهُدى مِصباحُ | |
| أهلاً بزينِ العابدينَ فضائلاً | ومُروءَةً تسموُ بها الأرواحُ | |
| في شهرِ شعبانَ الشَهامةُ أشرَقَتْ | بوليدِ حيدرَ حُسنُهُ وَضّاحُ | |
| أعظِمْ بِعبّاسِ المكارمِ والإبا | نِعْمَ الشقيقُ خُلُودهُ صدّاحُ | |
| رُوحي فداهُمْ آلَ بيتِ محمدٍ | في كربلاءَ أتَتْهُمُ الأتراحُ | |
| فتصَابرُوا كيما تدومَ عقيدةٌ | بُذِلَتْ فِداها غربةٌ وجراحُ | |
| صلواتُ ربِّ العالمينَ عليهِمُ | أبداً فَطِيبُ شذاهُمُ نفَّاحُ | |
| دامُوا لِفَوزِ المؤمنينَ مَشاعِلاً | ولَنَهْجُهُمْ في النائبات كفاحُ[107] |
[1] الأنبياء/28.
[2] تفسير الأمثل-مكارم شيرازي -ج1-ص201.
[3] الكافي -الكليني -ج8-ص101.
[4] صحيح البخاري -البخاري -ج9، ص139.
[5] الشفاعة العظمی في يوم القيامة -الفخر الرازي -ص7-10.
[6] مجلة آفاق الحضارة الاسلامية -العدد 5 -للكاتب الغروي النائيني.
[7] معرفة المعاد-الطهراني-ج9-ص37. نقلا عن هوامش «دهخدا».
[8] كشف الارتياب-السيد محسن الأمين-ص196.
[9] راجع كتاب في رحاب العقيدة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
[10] الأنبياء/28.
[11] طه/109.
[12] الضحى/5.
[13] بحار الأنوار-المجلسي-ج8-ص57.
[14] كنز العمال-المتقي الهندي-ج14-ص390.
[15] بحار الأنوار-المجلسي-ج8-ص30.
[16] نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع) -ج ٤ -الصفحة ٨٧.
[17] غافر/ 7.
[18] راجع: الشفاعة في الكتاب والسنّة -السبحاني-ص46.
[19] النساء/ 64.
[20] المائدة/16.
[21] البقرة/286.
[22] المائدة/9.
[23] معرفة المعاد-الطهراني-ج9-ص76.
[24] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي -ج ٢٠ -ص٢٧٨.
[25] مناقب آل ابي طالب-ابن شهر آشوب-ج 2-ص164.
[26] روي عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «لفاطمة وقفة على باب جهنم فإذا كان يوم القيامة كتب بين عيني كل رجل مؤمن أو كافر فيؤمر بمحب قد كثرت ذنوبه إلى النار، فتقرأ بين عينيه محباً، فتقول: إلهي وسيدي سمّيتني فاطمة وفطمت بي من تولاّني وتولّى ذريتي من النار ووعدك الحق وأنت لا تخلف الميعاد، فيقول الله عزّ وجلّ: صدقت يا فاطمة إنّي سمّيتك فاطمة وفطمت بك من أحبك وتولاّك وأحب ذريتك وتولاّهم من النار ووعدي الحق، وأنا لا أخلف الميعاد وإنّما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأُشفّعك ليتبيّن لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفك منّي ومكانتك عندي فمن قرأت بين عينيه مؤمناً فجذبت بيده وأدخلته الجنة» بحار الأنوار 8: 51 نقلا عن علل الشرائع: ص 178 .
[27] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ١٤٧٦.
[28] الزخرف/67.
[29] سنن الترمذي-ج4-ص245.
[30] النجم/ 26.
[31] بحار الأنوار-المجلسي-ج8-ص43.
[32] رسائل الشريف الرضي-السيد المرتضی -ج1-ص150؛ التبيان -الشيخ الطوسي -ج1-ص213.
[33] مجموعة آثار -مطهري -ج1-ص254.
[34] النساء/31.
[35] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج٢ -ص١٤٧٣.
[36] تسنيم في تفسير القران-الشيخ عبد الله الجوادي الطبري الاملي-ج4-ص 315 – 320-بتصرف.
[37] الأنبياء/ 28.
[38] الميزان في تفسير القرآن -السید الطباطبایی-ج14-ص276.
[39] التوحيد-الصدوق-ص408.
[40] المائدة/3.
[41] روي عن (صلى الله عليه وآله): من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة”. وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 11 -ص 266.
[42] الكهف/110.
[43] لأن نيل الشفاعة متوقف على تحقيق الشروط الأخرى التي سنذكرها لاحقاً.
[44] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ١٤٧٣.
[45] النساء/31.
[46] غافر/18.
[47] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 11 -ص 266، وفي تفسير نور الثقلين-الحويزي-ج -4 ص 517.
[48] المائدة/ 39.
[49] الشفاعة، السيد كمال الحيدري، ص244، بتصرف.
[50] نهج البلاغة -خطب الإمام علي عليه السلام-ج4-ص87.
[51] وسائل الشيعة -الحر العاملي، ج16، ص74.
[52] معجم مقاييس اللغة -ابن فارس، ج1، ص357.
[53] شرح أصول الكافي -مولي محمد صالح المازندراني -ج ١٠ -ص ١٥٧.
[54] راجع كتاب الشفاعة-السيد كمال الحيدري-ص244-بتصرف.
[55] التحريم/8.
[56] الفرقان/70.
[57] المعارج/4
[58] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٨ -ص ٣٨.
[59] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / الشفاعة/ عدم استحقاق ظالم أهل البيت (عليهم السلام)
[60] تفسير الإمام العسكري (ع) -المنسوب إلى الإمام العسكري (ع) -ص ٢٠٤.
[61] فقوله عليه السلام: “ولن نشفع إلى الله تعالى إلا بعد أن نشفع له إلى أخيه المؤمن، فإن عفا عنه شفعنا له، وإلا طال في النار مكثه”، يشير إلى أن الإمام عليه السلام يتولى طلب العفو من المظلوم ويتوسط بين الظالم والمظلوم. فإذا وافق المظلوم على العفو عن حقه، يشفع الإمام للظالم عند الله تعالى. أما إذا لم يعفُ المظلوم، فإن الظالم يظل في النار لفترة أطول بسبب عدم الصفح.
[62] المؤمنون/ 99-100.
[63] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / الشفاعة/ شروط الشفاعة في الكتاب والسنة-بتصرف.
[64] مسند احمد-ج2-426.
[65] البقرة/39.
[66] مسند أحمد-ج 2: 307 و518.
[67] المدثر/46-48.
[68] ثواب الاعمال -الشيخ الصدوق-ص251.
[69] أمالي الصدوق-ص177.
[70] مكاتيب الائمة-الشيخ علي الأحمدي الميانجي-ج2-ص41.
[71] مريم/87.
[72] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٨ -ص ٣٦.
[73] لقد فسر الله تعالى الظالمين في القرآن بقوله: [فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ] الأعراف: ٤٤ – ٤٥.، فالظالمون هم الذين ضربت عليهم باللعنة، وهم المنكرون للآخرة الذين يصدون عن سبيل الله ويصرفون غيرهم عن سلوك الصراط المستقيم، فهؤلاء هم المعاندون للحق المنكرون للمعاد، ومثلهم لا يسوءه اقتحام محارم الدين إما بجحد جميع المعارف الحقة والتعاليم الدينية، وإما بالاستهانة لأمرها وعدم الاعتناء بأهمية الدين والشريعة في الحياة اليومية، وفي نفس الوقت عدم الاكتراث بالعواقب التي سيواجهها الإنسان في يوم القيامة من ثواب أو عقاب بناءً على تصرفات الإنسان في الدنيا، فيكون قوله به استهزاء بأمره وتكذيباً له. راجع كتاب الشفاعة-السيد كمال الحيدري-ص244-بتصرف.
[74] يونس/52.
[75] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ١٤٧٣.
[76] عيون أخبار الرضا-ابن بابويه القمي-ج2-ص66.
[77] الأعراف/53.
[78] من لا يحضره الفقيه -الشيخ الصدوق -ج ٣ -ص ٣٩٠.
[79] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ١ -ص٤٧٥.
[80] المائدة/37.
[81] الفرقان/70.
[82] الجن/23.
[83] المدثر/42-43.
[84] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص١٤٧٢.
[85] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٣ -ص ٢٧٠.
[86] الأنعام/70.
[87] الزخرف/67.
[88] بحار الأنوار-المجلسي-ج8-ص36-كتاب العدل والمعاد-باب الشفاعة-الحديث10.
[89] المحاسن-البرقيّ-ج ۱-ص ۱۸٣.
[90] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ١٤٧٣.
[91] البقرة/ 47-48.
[92] آل عمران/110.
[93] الأنبياء/28.
[94] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / الشفاعة/ هل تشمل أهل المعاصي والنواصب؟
[95] المدثر/48.
[96] الروم/10.
[97] راجع: الميزان في تفسير القرآن-السید الطباطبائي-ج 16 -ص 159.
[98] الکافي-الكليني-ج2-ص۲۷۳.
[99] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / الشفاعة/ هل تشمل أهل المعاصي والنواصب؟
[100] عيون اخبار الرضا-الصدوق-ج2-ص125.
[101] البقرة/167.
[102] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ -ص ٢٧٢.
[103] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٦ -ص ١٥٤.
[104] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٧ -ص ١٠٠.
[105] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٤ -ص٧٨.
[106] صحيفة الروح-مركز المعارف للتأليف والتحقيق-ص75.
[107] للشاعر حميد حلمي البغدادي
