عنوان المحاضرة: فِرعَونُ العَصرِ: مُؤامَراتُ الأعداءِ وتَمهيدُ السَّماءِ
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ *وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ].[1]
المقدمة
في تاريخ الإنسانية دروس وعِبَر كثيرة يجب أن نتأملها بعمق، فقد حذرنا القرآن الكريم من تكرار مآسي الأمم السابقة، وفتح أمامنا صفحات من قصص الظلم والطغيان التي مارسها أعداء الحق عبر العصور. ومن أبرز هذه القصص: قصة فرعون الذي تجبّر في الأرض وظلم أهلها، فكان مثالًا لكل طاغية يسعى لتحطيم القيم واستعباد الناس. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: [نتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ].[2]
هذه الآيات العظيمة توضح لنا أن فرعون ليس مجرد شخصية تاريخية، بل هو رمز لكل طاغية مستبد يسعى إلى تقسيم المجتمعات واستضعاف طوائف معينة، تماماً كما يفعل أعداء الإسلام اليوم. هم “فراعنة العصر” الذين يسعون إلى تحطيم الإسلام واستعباد العالم من خلال التآمر والظلم.
الإسلام حذرنا من الوقوع في فخ هؤلاء الطغاة، وبيّن لنا أن التاريخ يتكرر في كل زمان ومكان. فقد رُوي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله قوله: “لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتى لو دخل أحدهم في جحر ضب لدخلتموه، فقالوا: يا رسول الله اليهودي والنصارى؟، فقال: فمن إذاً ؟!”.[3]
وهذا الحديث يؤكد أن الأمة الإسلامية إذا لم تأخذ العبرة من تجارب الأمم السابقة، فإنها ستقع في نفس الأخطاء وتعيش نفس المعاناة.
من هنا، علينا أن ندرك أن فرعون العصر ليس فقط شخصًا أو نظامًا محددًا، بل هو كل من يسعى إلى تدمير الإسلام ونشر الفساد والظلم بين الناس، وأن العبرة التي نجدها في قصة موسى وفرعون يجب أن تكون نبراسًا لنا في مواجهة التحديات المعاصرة.
المبحث الأول: تفسير الآيات الكريمة
يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه الأمثل[4] في تفسير قوله تعالى:
# [نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]، بأن الله تعالى يتلو علينا في القرآن الكريم قصة موسى وفرعون، حيث يستخدم [مِن] للتبعيض للإشارة إلى أن ما ورد من القصة يقتصر على ما تقتضيه الضرورة فحسب. والتعبير بـ: [بِالْحَقِّ] إشارة إلى أن ما ورد هنا خال من كل خرافة وأسطورة، وبعيد عن الأباطيل والأكاذيب.. فهي إذن تلاوة مقترنة بالحق والواقعية.
والتعبير بـ: [لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] يشير إلى أن الهدف هو تقوية إيمان المؤمنين الذين كانوا تحت ضغوط المشركين، ليؤكد لهم أن قوة الأعداء مهما تعاظمت قواهم وتزايدوا عددا وعددا، وأن المؤمنين مهما قلوا وكانوا تحت ضغط أعدائهم وكانوا ضعافا بحسب الظاهر، فلا ينبغي أن يهنوا وينكصوا عن طريق الحق، فكل شيء عند الله سهل يسير!..
الله الذي ربى “موسى” في أحضان “فرعون” لإبادته وتدميره.. الله الذي أوصل العبيد والمستضعفين إلى أن يكونوا حاكمين في الأرض، وأذل الجبابرة والمستكبرين وأبادهم.
الله الذي رعى الطفل الرضيع بين أمواج النيل فحفظه ونجاه وأغرق آلاف الفراعنة الأقوياء في تلك الأمواج.. هو قادر على أن ينجيكم “أيها المؤمنون”.
أجل، إن الهدف الأصل من هذه الآيات هم المؤمنون وهذه التلاوة من أجلهم، والمؤمنون الذين يستلهمون من معاني هذه الآيات ويشقون طريقهم -وسط زحام المشاكل والأخطار – باطمئنان.
# [إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا]
كلمة [عَلَا] في الآية تعني: “تجبّر” أو “استكبر” أو “تسلط”. فهي تشير إلى ارتفاع فرعون في الأرض بمعنى ادعائه للسلطة المطلقة والتفوق، ووصل إلى مرحلة من الطغيان حتى أنه ادعى الربوبية، مما دفعه إلى احتقار الآخرين واحتكامه بالظلم والقوة. والمقصود بالأرض: (أرض مصر تحديداً).
فالجريمة الأولى، أنه فرق بين أهل مصر وجعل أهلها شيعا وهي سياسة معروفة ومتبعة على امتداد التاريخ، وعليها يستند المستكبرون في حكمهم، فلا يمكن أن تحكم الأقلية -التي لا تعد شيئا -على الأكثرية إلا بالخطة المعروفة “فرق تسد” فهم مستوحشون من ” كلمة التوحيد” و “توحيد الكلمة” ويخافون منهما أبدا.
ويخافون من التفاف الناس بعضهم حول بعض، ولذلك يلجأون إلى الطبقية في الحكم، فهذه الطريقة وحدها تتكفل بقاءهم في الحكم، كما صنعه فرعون في أهل مصر، ويصنعه الفراعنة في كل عصر ومصر.
أجل، إن فرعون قسم أهل مصر إلى طائفتي: “الأقباط” و “الأسباط”.
فالأقباط هم أهل مصر “الأصليون” الذين كانوا يتمتعون بجميع وسائل الرفاه والراحة، وكانت في أيديهم القصور ودوائر الدولة والحكومة.
و “الأسباط” هم المهاجرون إلى مصر من بني إسرائيل الذين كانوا على هيئة العبيد والخدم “في قبضة الأقباط”! وكانوا محاطين بالفقر والحرمان، ويحملون أشد الأعباء دون أن ينالوا من وراء ذلك نفعا (والتعبير بالأهل في شأن الطائفتين: الأقباط والأسباط هو لأن بني إسرائيل كانوا قد سكنوا مصر مدة طويلة فكانوا يعدون من أهلها حقيقة!).
# [يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ]، تتحدث الآية عن خطة فرعون لاستضعاف بني إسرائيل، فقد كان أصدر أمرا بأن يراقبوا الأطفال الذين يولدون من بني إسرائيل، فإن كانوا ذكورا فإن حظهم الذبح، وهذا تفسير قوله: [يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ]، وبلغ عدد “ضحايا الحوامل” تسعين ألفا، وأوصلها بعضهم إلى مئات الآلاف!، وقوله تعالى: [وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ] يظهر منها أنهم كانوا يصرون على إبقاء البنات والنساء، إما لكي يخدمن في بيوت الأقباط، أو للاستمتاع الجنسي، أو لكلا الأمرين جميعا، وهدفه من ذلك لئلا يستطيع بنو إسرائيل أن يواجهوا الفراعنة ويحاربوهم، وكانوا يتركون النساء اللاتي لا طاقة لهن على القتال والحرب، ليكبرن ثم يخدمن في بيوتهم.
كانت دوافع فرعون خوفه من رجل يخرج من بني إسرائيل ويهدم حكمه، بعدما رأى في منامه أن نارًا تحرق بيوت الأقباط دون أن تمس بني إسرائيل.
وقوله تعالى: [إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ] فيه بيان العلة بأن عمل فرعون يتلخص في الفساد في الأرض، فاستعلاؤه كان فسادا، وإيجاد الحياة الطبقية في مصر فساد آخر، وتعذيب بني إسرائيل واستضعافهم وذبح أبنائهم واستحياء نسائهم؛ ليخدمن في بيوت الأقباط فساد ثالث، وسوى هذه المفاسد كانت لديه مفاسد كثيرة أخرى أيضا.
لقد كانوا يظنون أنهم سيقفون بوجه إرادة الله الحتمية بهذه الجرائم الوحشية، فلا ينهض بنو إسرائيل ضدهم ولا يزول سلطانهم.
ثم تأتي الآية الأخرى لتقول: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ]، فهي تشير إلى إرادة الله في رفع الظلم عن المستضعفين، وتمكينهم في الأرض، وجعلهم قادة وأئمة، ووارثين للملك والسلطة. وسوف نسلط الضوء على الآية في المبحث الأخير.
المبحث الثاني: الاستعباد الفرعوني
الاستعباد يعني: إخضاع شخص أو مجموعة لسيطرة تامة، مما يؤدي إلى فقدانهم حريتهم وإرادتهم. يُعامل المستعبَدون كملكية أو وسيلة لتحقيق مصالح الطرف المسيطر، مما يُعرّضهم للقهر والاستغلال.
يُعد الاستعباد شكلًا من أشكال الإضلال، حيث يُبعد الأفراد عن طريق الحق والهدى، ويعوق قدرتهم على التفكير المستقل والتمتع بحقوقهم الأساسية.
إن المستعبِد -أي من يسعى لاستعباد الآخرين-يسمى عدواً، فالله تعالى سمى الشيطان “عدوًّا” لأنه يعادي الإنسان ويهدف إلى إضلاله، كما في قوله: [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا].[5]
من هؤلاء الأعداء: فرعون مصر القديم الذي مارس أنوع عديدة من الاستعباد تمثلت في قتل الذكور من بني إسرائيل، واستحياء النساء، والتمييز العنصري، حيث كان يميز بين المصريين وبني إسرائيل، مما يخلق بيئة من التمييز والاضطهاد ويجعلهم هدفًا للاضطهاد والإذلال. واستعبدهم جسديا واقتصاديا حيث كان يُجبر الأفراد على العمل في مشاريع البناء والزراعة، مُعرضين لمعاملة قاسية وظروف حياتية صعبة. واستعبدهم فكريا عبر نشر أفكار تعزز عبوديته كإله يُعبد بقوله: [أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ][6]، مما دفع الشعب إلى الخضوع له وعدم مقاومته، ومن ثمَّ إضعاف أي محاولة للتمرد أو التحرر، وغيرها من أنواع الاستعباد.
وسار على نهج فرعون القديم فراعنة العصر الحديث، وعلى رأسهم: أمريكا وإسرائيل، فهما وجهان لعملة واحدة، معادون للإنسانية بشكل عام، وللإسلام والمسلمين بشكل خاص، بالإضافة إلى أتباعهما[7].
هؤلاء الفراعنة يسعون منذ زمن طويل للسيطرة على العالم الإسلامي عبر أساليب متعددة تهدف إلى استعباد الحكومات الإسلامية وشعوبها وإخضاعهم لهيمنتهم، ليصبحوا تابعين لمصالحهم، وفعلا نجحوا في استعباد العالم إلا القليل منه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله حينما قال: “يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، قيل: يا رسولَ اللهِ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ”.[8]
وأكبر شاهد على هذا الاستعباد هو سكوت كل المسلمين السنّة عن المجازر التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني واللبناني في الآونة الأخيرة، عدا القلّة من المسلمين وهم الشيعة في إيران ولبنان واليمن والعراق.
رب تساؤل يردّ: لماذا يسعى العدو لتحطيم الدين الإسلامي عندما يريد استعباد العالم الإسلامي؟
الجواب: عندما يسعى العدو إلى استعباد العالم الإسلامي، فإنه يركز على تحطيم الدين الإسلامي؛ لأن التمسك به يمثل مصدر قوة وعزة وكرامة للمسلمين. فقد وعد الله تعالى بنصر من ينصر دينه، كما جاء في قوله تعالى: [إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ].[9]
وحينما ينصرهم ستكون العزة للمسلمين، والذلة للكافرين، قال تعالى: [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ][10]وستكون الأمة الإسلامية [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ][11]، والنتيجة يعجز العدو عن استعبادهم، بل يهابهم ويحترمهم.
في المقابل، فإن التخلي عن الدين وقيمه ومبادئه وأحكامه يمهد الطريق أمام جميع أشكال الاستعباد، مما يؤدي إلى عواقب وخيمة على الأمة الإسلامية. نذكر منها الآتي:
1.تآكل الهوية: الدين الإسلامي هو أحد العناصر الأساسية التي تشكل هوية المجتمعات الإسلامية. عندما يتم تحطيم الدين، يتآكل الشعور بالانتماء والهوية، مما يجعل الأفراد أكثر عرضة للتأثر بأفكار وثقافات خارجية.
2. تشجيع الانقسامات: إنّ الشريعة الإسلامية حثت على الوحدة وعدم التفرقة، قال تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا][12] فالوحدة مصدر قوة المسلمين، ولكن العدو يعمل على خلق خلافات وصراعات بين المذاهب الإسلامية المختلفة. فعندما تتنازع هذه المذاهب، يضعف ذلك الجبهة الداخلية للمجتمع الإسلامي، ومن خلال تطبيق سياسة “فرّق تسد”، يُسهّل على العدو السيطرة على المجتمعات.
3.إلغاء القيم الأخلاقية: الدين يُعزز القيم الأخلاقية والاجتماعية مثل: العدالة، والتعاون، والرحمة، والعفّة، الغيّرة، الحميّة، وعندما يُحطم الدين، تُصبح القيم الأخلاقية في خطر، مثال ذلك: لو فقد الرجال الغيرة والحميّة وفقدت النساء الحياء سيخلق بيئة تسهل الاستعباد.
4.التشكيك في القيادة: الدين يُقدم نموذجًا للقيادة والرعاية، وعندما يتعرض الدين للتحطيم، يمكن أن يُشكك الأفراد في قادتهم ويفقدوا الثقة في هياكلهم القيادية، مما يُسهّل تدخل القوى الخارجية.
5.التأثير على الأجيال الجديدة: إضعاف الدين يؤثر على الأجيال الجديدة، مما يُقلل من إيمانهم بقيمهم الإسلامية ويجعلهم أكثر انفتاحًا على الأفكار الخارجية، مما يسهل استعبادهم.
السؤال الذي ينبغي طرحه في هذا المبحث: ما هي أنواع الاستعباد التي يمارسها العدو بحق العالم الإسلامي؟
الجواب: أنواعه عديدة، نذكر منها الآتي:
1. الاستعباد الاقتصادي
التحكم في الموارد الاقتصادية وإضعاف الاقتصادات الوطنية هو أحد الوسائل الأساسية التي تستخدمها القوى الاستعمارية وأعداء الإسلام للسيطرة على الحكومات الإسلامية. ومن الوسائل المستخدمة في ذلك:
# القروض الربوية: تعتمد العديد من الدول الإسلامية على القروض الدولية من المؤسسات المالية الكبرى مثل: صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي. هذه القروض تأتي بشروط صارمة تؤدي إلى السيطرة على الاقتصاد الوطني وفرض سياسات اقتصادية تؤدي إلى المزيد من الفقر والتبعية. مثلاً، تُجبر هذه الدول على تطبيق إصلاحات اقتصادية تزيد من العجز وتقلل من الدعم الحكومي على السلع الأساسية.[13]
# نهب الموارد الطبيعية: تستغل الدول الغربية الموارد الطبيعية الغنية في العديد من الدول الإسلامية، مثل: النفط والغاز والمعادن، من خلال شركات متعددة الجنسيات أو عبر اتفاقيات تجارية غير عادلة. هذا النهب يضعف الاقتصاد الوطني ويزيد من الاعتماد على الشركات الأجنبية.
# العقوبات الاقتصادية: تُستخدم العقوبات الاقتصادية كوسيلة للضغط على الحكومات الإسلامية التي تحاول الحفاظ على استقلاليتها. هذا يؤدي إلى شلل اقتصادي يجعل هذه الدول مجبرة على الانصياع للإملاءات الخارجية. على سبيل المثال: العقوبات الدولية المفروضة على إيران منذ الثمانينات وإلى الآن، وكالحصار التي فرض على العراق بموجب القرار 661، الذي صدر في 6 أغسطس 1990. هذه العقوبات شملت حظرًا على استيراد وتصدير السلع إلى العراق، وتجميد الأصول المالية العراقية في الخارج. واستمرت هذه العقوبات طوال التسعينات وحتى بعد حرب الخليج الأولى (عملية عاصفة الصحراء) في عام 1991، واستمر تأثيرها بشكل كبير على الاقتصاد العراقي والشعب العراقي حتى بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003.
2. الاستعباد السياسي
تقوم القوى الأجنبية باستغلال الحكومات الإسلامية وتحويلها إلى أدوات في يدها من خلال السيطرة على القرارات السياسية والسياسات الداخلية والخارجية. ومن الوسائل المستخدمة في ذلك:
# فرض الأنظمة الاستبدادية: أي فرض حكومات مؤيدة للعدو، التي تحافظ على الاستقرار المزعوم بما يخدم مصالح القوى الخارجية، حتى لو كان ذلك على حساب الحريات والعدالة في المجتمعات الإسلامية. فإذا اعترض الشعب منعته بأي شكل من أشكال المعارضة أو الانتقاد.
# التدخل في الانتخابات: يتم التأثير على نتائج الانتخابات في العديد من الدول الإسلامية من خلال تمويل الحملات الانتخابية لبعض الأحزاب أو الشخصيات التي تتبع الأجندة الغربية. هذا يؤدي إلى وصول حكومات تابعة لسياسات أعداء الإسلام والتي تعمل على تنفيذ برامج تضر بمصالح الشعوب المسلمة.
# الانقلابات المدعومة: تلجأ الدول الأجنبية إلى دعم انقلابات عسكرية في الدول الإسلامية التي ترفض الخضوع لها. يتم دعم القادة العسكريين الموالين لهم من أجل الاستيلاء على السلطة وتثبيت الحكومات العميلة. كما حصل في تحريض السعودية على شن الحرب على اليمن.
# استغلال المنظمات الدولية: يعني استخدام هذه المنظمات، مثل: الأمم المتحدة أو منظمات حقوق الإنسان، كأدوات للضغط على الدول الإسلامية لتحقيق مصالح سياسية معينة، وذلك تحت غطاء حماية حقوق الإنسان أو دعم الديمقراطية.[14]
# الاتفاقيات السياسية المشبوهة: الحكومات الإسلامية تُجبر على توقيع اتفاقيات دولية تخدم مصالح الدول الكبرى وتؤدي إلى تقليص سيادة الدول الإسلامية. مثل: اتفاقيات التطبيع بين بعض الدول الإسلامية وإسرائيل، التي تأتي في إطار ضغوط خارجية تهدف إلى تفكيك وحدة العالم الإسلامي.
3. الاستعباد العسكري والأمني:
العدو يستخدم القوة العسكرية والأمنية لضمان سيطرته على الدول الإسلامية، ويشمل ذلك:
# الاحتلال المباشر: حيث تُستخدم القوة العسكرية لفرض السيطرة على الأرض والموارد. كما في حالة فلسطين وأفغانستان، وكما حصل في العراق حينما غزته أمريكا سنة 2003م وتسببت في قتل مئات الآلاف من المدنيين العراقيين، وتدمير البنية التحتية للبلاد، وخلق فراغ أمني.
# الوجود العسكري الأجنبي: تحت ذريعة حماية الأمن الإقليمي أو مكافحة الإرهاب، تحتفظ الدول الأجنبية بقواعد عسكرية في الأراضي الإسلامية، مما يحد من سيادة الدول ويجعل القرارات السياسية والعسكرية تحت تأثير هذه القوى. مثال على ذلك: وجود قواعد عسكرية أمريكية في العديد من دول الخليج.
#تصدير الأسلحة: في بعض الأحيان يصدّر العدو الأسلحة إلى الدول الإسلامية لخلق حروب أهلية ونزاعات إقليمية تستنزف مواردها وتضعف قدرتها على التنمية. علما أن الأسلحة التي يتم شراؤها من الدول الغربية تأتي بشروط تجعل الجيوش الإسلامية معتمدة بشكل كامل على قطع الغيار والتكنولوجيا الأجنبية. كما أن بعض هذه الصفقات تفرض على الدول الالتزام بسياسات محددة، مثل: ما يحدث في صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة التي تربطها بشرط عدم استخدامها ضد إسرائيل.
# الحروب بالوكالة: تستخدم القوى الأجنبية بعض الحكومات الإسلامية كأدوات في الحروب الإقليمية أو الأهلية، حيث يتم تمويل وتسليح الفصائل المتناحرة بما يخدم مصالح هذه القوى. مثال على ذلك: النزاع في اليمن، حيث تُستغل الصراعات الداخلية لتمرير أجندات خارجية.
4.الاستعباد التعليمي والمعرفي:
يهدف العدو إلى إضعاف التعليم الإسلامي واستبداله بنظم تعليمية مستوردة تهدف إلى خلق جيل بعيد عن هويته الدينية والقومية. يتمثل ذلك في:
# تحريف المناهج التعليمية: لتقليل التركيز على التاريخ الإسلامي والشريعة، واستبداله بمناهج غربية تعزز قيم المادية والفردية.
#تصدير الفكر الليبرالي[15]: عبر الجامعات والمدارس الخاصة التي تروج لأفكار تتعارض مع المبادئ الإسلامية.
# تدمير الوعي الإسلامي عن طريق تشكيك الشباب المسلم في ثوابت دينهم وتاريخهم، وتشجيعهم على تبني أفكار وقيم غريبة عن الإسلام من خلال إسقاط قاداتهم والطعن في العلماء والدعاة.
5.الاستعباد الفكري والثقافي:
يتم هذا النوع من الاستعباد عبر الترويج لأفكار وقيم تتعارض مع الهوية الإسلامية بهدف تفكيك القيم والمبادئ الدينية والمجتمعية. يتمثل ذلك في:
#نشر الثقافة الغربية: يتم ترويج الأفكار والقيم الغربية من خلال وسائل الإعلام والأفلام والمسلسلات التي تغزو المجتمعات الإسلامية. ويتم تصوير الأنماط الغربية للحياة بأنها النموذج الأمثل، مما يؤدي إلى تهميش الثقافة والقيم الإسلامية. هذا النوع من الاستعباد يؤثر على الهوية الإسلامية للأجيال الجديدة، ويجعلها تميل نحو الغرب بدلاً من التمسك بتقاليدها الإسلامية.
#إضعاف اللغة العربية: يتم ذلك عبر استبدال اللغة العربية باللغات الأجنبية في التعليم والإعلام، مما يقطع الأجيال القادمة عن جذورها الثقافية والدينية. كما أن استخدام اللغات الأجنبية يساهم في تعزيز ثقافات أخرى على حساب الهوية العربية والإسلامية.
#تأثير التكنولوجيا: تلعب وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة دورًا كبيرًا في نشر الأفكار الغربية، مما يسهم في تشكيل وجهات نظر الأجيال الجديدة ويجعلها أكثر انفتاحًا على ثقافات قد تتعارض مع قيمها الأصلية.
6.الاستعباد الاجتماعي والأسري: ولأهميته سنسلط الضوء عليه في المبحث الآتي:
المبحث الثالث: الاستعباد الاجتماعي والأسري
إنّ الاستعباد الاجتماعي والأسري له دور كبير في استعباد العالم الإسلامي؛ لأنهما يلعبان دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الإسلامية للأفراد. فالأسرة تُعد النواة الأولى لتعليم القيم والمبادئ الإسلامية. فعندما تتبنى الأسر أفكارًا تتعارض مع التعاليم الإسلامية، فإن ذلك يؤثر سلبًا على تديّن المجتمع ويجعله ضعيفًا مسلوب الإرادة، مما يمهد الطريق للاستعباد. [16]
علينا أن نعرف أنّ أكثر فئة مستهدفة من بين أفراد المجتمع هي المرأة؛ لأنها إذا صلحت، صلح المجتمع، وإن فسدت، فسد المجتمع. إنّ الأعداء يعلمون جيدًا أن المرأة تمثل عنصر الإغراء والإثارة، وهي بنظرهم (العُنصر الضعيف عاطفيًا، الذي ينساق وراء الدعاية والفتنة بلا روية ولا تفكير، وهي ذات الفعالية الكبيرة، والتأثير المباشر في إفساد الأخلاق. لذا، سعى العدو وكثف جهوده من أجل إفساد المرأة المسلمة.
يقول أحد زعماء الماسونية: «يجب علينا أن نكسب المرأة، فأي يوم مدت إلينا أيديها، فُزنا بالحرام، وتبدد جيش المنتصرين للدين». ويقول أحد أقطاب المستعمرين: «كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوها في حبِّ المادة والشهوات».
وجاء في “بروتوكولات حكماء صهيون” ما يلي: «يجب أن نعمل؛ لتنهار الأخلاق في كل مكان، فتسهل سيطرتنا. إن “فرويد” منا، وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس؛ لكي لا يبقى في نظر الشباب شيءٌ مقدس، ويصبح همه الأكبر هو إرواء غرائزه الجنسية، وعندئذ تنهار أخلاقه».)[17]
السؤال المهم الذي وجب طرحه في هذا المبحث هو:
ما هي الوسائل المستخدمة لاستعباد الشعوب الإسلامية اجتماعيًا وأسريًا؟
الجواب: تتعدد الوسائل المستخدمة لاستعباد الشعوب الإسلامية، ومن أبرزها:
أولاً: تشويه الدين والقيم الإسلامية:
ويتم ذلك من خلال:
1.تشويه صورة الإسلام: يسعى الأعداء إلى تقديم الإسلام بصورة مشوهة من خلال نشر معلومات مغلوطة عنه، وتصويره كدين متطرف أو عنيف عبر وسائل الإعلام والسينما. هذا التشويه يهدف إلى خلق صورة سلبية عن الإسلام بشكل عام، وعن القيم الإسلامية التي تعزز دور المرأة في الأسرة والمجتمع.
2.تقليل أهمية الدين في الحياة: من خلال فصل الدين عن الحياة العامة، يحاول الأعداء إقناع المسلمين بأن الدين مسألة شخصية لا يجب أن تؤثر على السياسة أو الاقتصاد أو حتى الأسرة. وهذا يعزز فكرة أن المرأة يجب أن تتحرر من القيم الإسلامية لتحقيق “التحرر” المزعوم.
ثانياً: دعم الحركات التغريبية:
حيث يدعم الغرب بعض منظمات المجتمع المدني في البلدان الإسلامية، بالترويج لأفكار نسوية تشجع المرأة على التمرد على الأدوار التقليدية مثل: الأمومة والزواج. تسعى هذه المنظمات إلى غسل أدمغة النساء وإقناعهن بتغيير القوانين الإسلامية واستبدالها بقوانين وضعية ليبرالية، وتروج لحرية التبرج والسفور، والعلاقات غير الشرعية، ورفض الالتزامات الزوجية مثل: حق الاستئذان من الزوج أو الالتزام بحقوق الفراش.
التأثير: يؤدي هذا الدعم إلى إضعاف القيم الإسلامية وزرع تضارب بين المبادئ الدينية والقيم الغربية، مما يُضعف التزام المرأة المسلمة بدينها ويشجعها على تبني أنماط حياة تتعارض مع هويتها الدينية والأخلاقية.
ثالثاً: نشر الثقافة الغربية:
يسعى العدو إلى ترويج الثقافة الغربية داخل المجتمعات الإسلامية عبر مجموعة متنوعة من الوسائل، مثل: البرامج التلفزيونية، والأفلام، والمسلسلات، والإعلانات، والأغاني، التي تُبث عبر الفضائيات، والشبكة العنكبوتية، ومواقع التواصل الاجتماعي. يتم تقديم أنماط الحياة الغربية كنماذج مثالية، مما يؤدي إلى تهميش القيم الإسلامية التقليدية.
ومن المؤسف أن نلاحظ أن العديد من المسلمين يساهمون في ترويج محتوى الثقافة الغربية على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يسهم في غسيل أدمغة المتابعين من قيمهم ومبادئهم. كما ورد عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قوله: “من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس”.[18]
علاوة على ذلك، فإن التأييد للمحتوى الباطل والمحرم، سواء كان ذلك من خلال الإعجاب به، أو نشره، أو التعليق الإيجابي عليه، يستوجب الإثم. فقد روي عن الإمام الكاظم عليه السلام:”… ومن استن بسنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء”.[19]
ومن أمثلة ما يروج للثقافة الغربية:
1.العزوف عن الزواج: إنّ تشجيع العزوف عن الزواج هو وسيلة فعالة ضمن مخططات العدو؛ لأن تراجع الناس عن الزواج يؤدي إلى تفكك الأسرة وضعف الروابط الاجتماعية، مما يُسهل السيطرة عليهم واستعبادهم. من أجل ذلك غالبًا ما تُعرض العلاقات الزوجية -بالأخص عبر مواقع التواصل الاجتماعي-على أنها معقدة ومليئة بالمشاكل والالتزامات المالية، مما يحث الشباب إلى التهرّب منها، بينما تُبرز حياة العزوبية على أنها مليئة بالمتعة والاستقلالية.
2.تشجيع أنماط الحياة الفردية: تسعى الثقافة الغربية إلى تعزيز حب الذات والأنانية، مع تهميش قيم الإيثار والتضحية والفداء والتواضع والعطاء. ويتم ذلك من خلال تسليط الضوء على أنماط الحياة التي تركز على الفرد واحتياجاته الشخصية، كالتوجه نحو الوظائف والتقدم المهني، حتى لو كان ذلك على حساب الأسرة والمجتمع. هذه الظاهرة قد تؤدي إلى تراجع القيم الاجتماعية والعائلية.
نتيجةً لذلك، يبدأ الزوج في إهمال زوجته وأولاده، مُركزاً اهتمامه على تحقيق رغباته وملذاته، ولا يختلف الحال بالنسبة للمرأة، حيث يُروج لفكرة أن النجاح الحقيقي لها يتجلى في إنجازاتها المهنية والمالية، بينما تُعد الأسرة في المرتبة الثانية، أو حتى أنها ليست ضرورية.
هذا الأمر يُضعف دور الأسرة كمؤسسة مركزية في المجتمع الإسلامي، حيث تصبح المرأة مشغولة بالتقدم الشخصي على حساب القيم التي تدعو إلى تحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية. وعندما تضعف الأسرة، تسهل السيطرة عليها.
3. نشر ثقافة الحرية الجنسية: يركّز العدو على نشر الثقافة الغربية المتمثلة بالحرية الجنسية، مثل: الزنا والشذوذ، حيث تلعب الولايات المتحدة، بدعم من بعض الجماعات اليهودية، دورًا بارزًا في الترويج للإباحية عبر وسائل الإعلام. يهدف هذا الجهد إلى نشر ثقافة الانحلال وخلخلة القيم الأسرية والاجتماعية في مختلف المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات الإسلامية، مما يسهم في إضعاف الهوية الثقافية والدينية، ويمهد الطريق للاستعباد.
4.الترويج للجندرية: تدعو الجندرية، في ظاهرها، إلى المساواة بين الرجل والمرأة، لكنها تخفي نوايا خبيثة. فهي تدعو إلى تخنيث الرجال واسترجال النساء، وإقامة علاقات شاذة. تسعى الجندرية إلى إلغاء الفروق الفطرية بين الجنسين، وتأسيس مجتمعات لا دينية، مع العمل على إيجاد “جنس ثالث” لا يعتمد على الأعضاء البيولوجية، بل على الرغبات الشخصية.
لقد تم الترويج للجندرية في البلدان الإسلامية ومنها: العراق، حيث تسعى الجهات الفاعلة إلى زرع هذه الأفكار في المجتمع، مما يؤدي إلى تفكيك القيم الأسرية والدينية التقليدية. وهذا التفكيك يساهم في إضعاف المجتمعات المسلمة ويجعلها أكثر عرضة للاختراق ثقافيًا وأخلاقيًا، مما يسهل السيطرة عليها وتقويض استقرارها الاجتماعي.
5. التركيز على شعارات جذابة: من الشعارات التي دعا إليها الإسلام قبل أكثر من 1400 سنة من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل هو شعارالحريَّة، والحقوق، والعدالة، والمساواة. وبما أن هذه الشعارات تتمتع بجاذبية خاصة تميل إليها النفس الإنسانية، فقد استغلها العدو لتغيير قناعات الناس ونشر الباطل.
عند التدقيق في مضمون هذه الشعارات، يتضح أنها تحمل ظاهرًا جميلًا وباطنًا قبيحًا، كالعسل المسموم. الهدف من ذلك هو: دفع الأفراد، ولا سيما النساء، إلى التنازل عن دينهم وقيمهم ومبادئهم بشكل طوعي. على سبيل المثال: يتم الترويج لفكرة خلع الحجاب باعتباره رمزًا للتخلف والقمع، وأنه يتعارض مع “الحرية الشخصية”. للأسف، المعنى الذي يُطرَح في الغرب للحرية هو حرية غير منضبطة، مما يؤدي إلى تقويض الروابط الأسرية وإضعاف القيم الاجتماعية.
6.الترويج للسطحية والمادية: كأن يتم الترويج لفكرة أن قيمة المرأة تتحدد بجمالها وأنوثتها، مما يدفعها إلى التركيز على المظهر الخارجي بشكل مبالغ فيه. هذا يشمل التبرج والسفور، أي إظهار ما يجب أن يُخفى، وكذلك الخضوع لعمليات التجميل وارتداء الملابس الضيقة التي تبرز تفاصيل جسدها.
نتيجةً لذلك، يُشاع أن على المرأة أن تهيئ نفسها للظهور بأجمل صورة أمام الرجال الأجانب، وكأنها سلعة تُعرض للبيع في سوق النخاسين. هذا الفكر يُغفِل القيم الروحية الأساسية مثل: العفة والحياء، اللتين تعكسان كرامة المرأة وعزتها، ويُشجع على الانغماس في سطحية المظاهر بدلاً من تعزيز القيم الأخلاقية والمبادئ الرفيعة.
7. إفساد الذوق العام: يُساهم الإعلام في نشر محتويات تفتقر للأخلاق والعمق، مثل: الأغاني التي تحتوي على كلمات بذيئة أو الأفلام التي تمجد العنف والجريمة أو المحتويات التي تركز على الرذيلة والفاحشة. هذا النوع من المحتوى يؤدي إلى تدهور الذوق العام، حيث يصبح الناس أكثر تقبلاً لسلوكيات غير لائقة، مما يُعزز ثقافة التبلد، أي فقدان الحس أو الشعور، واللامبالاة بالأمور المحيطة، مما قد يُفضي إلى قبول سلوكيات أو أفكار غير مقبولة أو غير أخلاقية.
8. ربط النجاح بالممتلكات المادية: كأن يُروج للناس بأن قيمة الإنسان تُقاس بما يمتلكه من أموال وعقارات ومركبات وشركات وماركات، مما يُبعده عن دوره الأسري والاجتماعي. في قبال ذلك يُهمل مفهوم البساطة والزهد، الذي هو جزء من القيم الإسلامية، ويُصوّر الأشخاص الذين يتمسكون بهذه القيم على أنهم متخلفون وغير طموحين.
رابعاً: فرض اتفاقيات دولية منحرفة في دساتير الحكومات الإسلامية:
يُعد فرض الاتفاقيات الدولية المنحرفة عن تعاليم الشريعة الإسلامية إحدى الوسائل التي تُستخدم لاستعباد الشعوب الإسلامية. ويتم ذلك من خلال الضغط على الحكومات الإسلامية لتبني هذه الاتفاقيات في دساتيرها، مما يؤدي إلى إضعاف الهوية الثقافية والدينية.
ومن أبرز الأمثلة على الاتفاقيات الدولية هو اتفاقية سيداو (CEDAW) التي تبدو في ظاهرها مُركّزة على حقوق المرأة ولكن عند التعمق في فقرات الاتفاقية، يتضح أن مضمونها يشبه “العسل المسموم”. فباطنها يدعو إلى استبدال أحكام الله بأحكام شيطانية منحرفة، وشرعا لا يجوز تبديل أحكام الله تعالى إلى يوم القيامة، روي عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحلال والحرام فقال: “حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجئ غيره”.[20]
مثال ذلك: أن سيداو تقول: بأن المرأة مثل الرجل !!!، والقرآن يقول: [وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ][21]..!!!
*سيداو تقول: الرجل لا يملك الولاية على المرأة والأب لا يملك الولاية على بناته !!!، والقرآن يقول: [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ][22].!!!
*سيداو تقول: الرجل يمكنه الزواج برجلٍ مثله، والمرأة يمكنها الزواج من امرأة مثلها !!!، والقرآن يقول: [أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ][23]..!!!
*سيداو لا تُجرِّم العلاقات الجنسية خارج إطار الزوجية لكلا الزوجين!!!، والقرآن يقول: [وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا][24].!!!
*سيداو تقول: المرأة ترتبط بمن تشاء وتنفصل متى تشاء وتعاود الارتباط متى تشاء !!!، والقرآن يقول: [محْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ][25]..!!!
الخلاصة: ينبغي الحذر من تطبيق أي قوانين وضعية تخالف أحكام الله سبحانه جل جلاله سواء كانت قوانين دولية أو محلّية، لأننا لو فعلنا ذلك سنخسر الدنيا والآخرة، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾[26]، وقال أيضاً: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ].[27]
المبحث الثالث: الحماية من الاستعباد الفرعوني
السؤال الذي يجب طرحه: كيف يمكننا حماية أنفسنا، وأسرنا، ومجتمعنا، ووطننا من الاستعباد الفرعوني؟
الإجابة: يمكن تحقيق ذلك من خلال اتباع النقاط الآتية:
1.التمسك بالإسلام والثبات عليه: عن طريق الإيمان بالله وبمحمد وآل محمد عليهم السلام، واتباعهم بالتمسك بتعاليم الشريعة وعدم اتباع غيرهم، قال عزّ وجل: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ].[28]
2.التوعية: إنّ فهم مخططات الأعداء له دور كبير في الحماية من الاستعباد الفرعوني عبر تعزيز الوعي الديني والسياسي والاجتماعي لمواجهة التحديات. ولزم أن نعرف أن لمراجع الدين والعلماء دورًا حيويًا في رفع الوعي الديني والسياسي بين المسلمين، من خلال:
# توعية المجتمع: نشر المعرفة حول مخططات الأعداء عبر المحاضرات والكتب، مما يساعد على فهم القضايا المختلفة والتمسك بالقيم الإسلامية.
# كشف المؤامرات: تسليط الضوء على المخططات التي تستهدف تشويه الحقائق، وتحذير الناس من المرتزقة الذين يجندهم الأعداء.
ويعتبر المجاهد الشهيد السيد حسن نصر الله رحمه الله نموذجًا بارزًا في تعزيز الوعي، حيث ساهم في توعية الناس حول التهديدات، خصوصًا الإسرائيلية، ويبرز المخططات الغربية. وحذر من المرتزقة الذين يتعاونون مع الأعداء، مشددًا على أهمية التصدي لهم، ودعا إلى المقاومة كوسيلة للدفاع عن الحقوق والحريات، مما يعزز الهوية والانتماء.
وعلى المسلمين أن يتنبهوا من المرتزقة من العرب -نساء ورجال-الذين يجندهم الأعداء سرا بهدف تشويه الحقائق وإبعاد الناس عن دينهم، واستبدال القيم الإسلامية بأفكار منحرفة.
فلا يجوز الانسياق وراءهم أو الترويج لأفكارهم التي تخالف الشريعة سواء في الواقع الميداني أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ويجب على كل مسلم رفض أي محتوى يخالف تعاليم الإسلام والمنظومة الأخلاقية، وإذا شك أن المحتوى حق أم باطل فعليه بالرجوع إلى رجال الدين العدول. واعلموا أنّ من يشارك في نشر الباطل أو الترويج له، حتى لو كان عن جهل، سيتحمل مسؤولية ذلك ويُحشر يوم القيامة مع أهل الباطل، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “من أحب قوما حشر معهم، ومن أحب عمل القوم أشرك في عملهم”.[29]
3.الوحدة: تعزيز الوحدة بين المسلمين وتجاوز الخلافات المذهبية والسياسية لمواجهة الأخطار المشتركة، والحذر من المحتويات التي تروج للفتنة في الإعلام. ولمراجع الدين دور فعال في ذلك، فلقد أصدر سماحة السيد السيستاني دام ظله في تاريخ 22/ جمادى الآخرة /1427هـ بيانا للشعب العراقي حول الفتنة الطائفية يدعو فيها جميع العراقيين إلى الوعي بخطورة الوضع والتكاتف لمواجهته من خلال نبذ الكراهية والعنف، والتوجه نحو الحوار السلمي. كما يُذكّر بحُرمة دماء المسلمين، ويُدين الاعتداء على الأبرياء بغض النظر عن هويتهم الطائفية. في نهاية الفتوى، يدعو إلى تحقيق العدالة والمساواة بين جميع المواطنين، مشددًا على ضرورة إنهاء العنف لإعادة الأمن والاستقرار إلى العراق.
4.التربية الإسلامية: إنّ تربية الأجيال تربية إسلامية على مبادئ العزة والكرامة والاستقلالية لها دور في مواجهة الاستعمار الفكري والثقافي.
يعتبر العلماء في المجتمع الإسلامي حماة للمبادئ الإسلامية، حيث يسهمون في نشر الوعي وتعليم الأجيال مبادئ العزة والكرامة والاستقلالية. من خلال الفتاوى والمحاضرات، والتوجيهات، ومنهم دور العالم السيد محمد باقر الصدر رحمه الله، الذي قدم رؤى جديدة في الفقه والفكر الإسلامي، مشددًا على أهمية التربية الإسلامية لتقوية الهوية الثقافية والدينية للمسلمين. ساهمت كتاباته وأفكاره في تعزيز الوعي الاجتماعي والسياسي.
أما أخته السيدة بنت الهدى، فقد كانت مثالًا حيًا للمرأة المسلمة التي أسهمت في نشر الفكر الإسلامي، من خلال كتاباتها ومحاضراتها. شجعت على تعليم الفتيات وتربيتهم على القيم الإسلامية، مما ساعد على بناء جيل مؤمن قادر على مواجهة التحديات الثقافية والفكرية. وقد تعاونت مع أخيها في تعزيز مبادئ التربية الإسلامية، مما ترك أثرًا كبيرًا في المجتمع.
5.الاقتصاد المستقل: حماية الثروات من السرقة والاستغلال عبر دعم الاقتصاد الإسلامي. وللعلماء دور في حفظ سيادة البلاد، وكسر شوكة الاستعمار بأسلوب سلمي مؤثر كما هو الحال مع فتوى السيد الميرزا حسن الشيرازي في قضية التنباك، حيث كانت خطوة حاسمة في مواجهة النفوذ الأجنبي على إيران؛ إذ أصدر فتوى بتحريم استخدام التبغ كوسيلة لمقاومة سيطرة الشركة البريطانية على تجارة التنباك في البلاد. وأمرت الفتوى الشعب الإيراني بالامتناع عن شراء أو استخدام التبغ، ما أدى إلى تعطيل المشروع الاقتصادي البريطاني في إيران وأجبر الحكومة الإيرانية على إلغاء الامتياز الممنوح للشركة.
ولكي نستقل اقتصاديا وجب العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي بمعنى تحقيق الاستقلال في تلبية الاحتياجات الأساسية دون الاعتماد على الآخرين، سواء في الغذاء أو الصناعة أو الخدمات. مثال ذلك: أن يكون لدينا مصانع ومعامل في كافة المجالات، ويكون لدينا خريجون وخبراء في المجال الطبي والهندسي من أبناء الأمة، نضمن توفير الرعاية الصحية والبنية التحتية بأنفسنا، فلا نضطر للاعتماد على الأعداء، مما يحفظ كرامتنا ويمنع استعبادنا.
6.التخطيط الاستراتيجي: يجب أن يكون للمسلمين رؤية بعيدة المدى لمواجهة أي تهديدات، سواء كانت عسكرية، اقتصادية، أو فكرية، من خلال إعداد كوادر قيادية قادرة على التصدي لتلك التحديات.
7.التعليم والتثقيف: تعزيز التعليم الذي يدمج بين العلوم الدينية والدنيوية، لخلق أجيال واعية ومؤهلة للدفاع عن القيم الإسلامية، وعدم الاعتماد فقط على الأفكار المستوردة.
8.التعاون الدولي: التعاون الدولي هو مفهوم يشير إلى التنسيق والتعاون بين الدول والشعوب في مجالات متعددة، مثل السياسة والاقتصاد والأمن، بهدف تحقيق مصالح مشتركة وتقوية شوكة المسلمين.
يعتبر التعاون الدولي وسيلة فعالة لحماية الدول والشعوب الإسلامية من الاستعباد والظلم، إذ يمكن للدول المتضامنة أن ترفع صوتها ضد الاعتداءات وتعمل معًا لتوفير الدعم الإنساني والسياسي.
وقد كان لمراجعنا دورا كبيرا في تحقيق ذلك التعاون، منها الفتاوى التي أصدرها سماحة السيد السيستاني دام ظله والمواقف التي تدعم الشعب الفلسطيني وأهالي جنوب لبنان في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، نذكر منها:
# فتوى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية: السيد السيستاني أفتى بوجوب مقاطعة المنتجات الإسرائيلية وكل ما يساهم في دعم الاقتصاد الإسرائيلي. هذه الفتوى تهدف إلى إضعاف القوة الاقتصادية للكيان الصهيوني، حيث يرى السيستاني أن مقاطعة المنتجات وسيلة فعالة لمحاربة الاحتلال من خلال الضغط الاقتصادي، وهو نوع من الجهاد السلمي ضد الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني.
#دعم أهالي غزة وجنوب لبنان: إن سماحة السيد السيستاني دام ظله أعرب عن دعمه للشعب الفلسطيني، وخاصة أهالي غزة الذين يتعرضون للقتل ولحصار شديد وظروف معيشية قاسية نتيجة العدوان الإسرائيلي. حيث دعا سماحته إلى تقديم المساعدات الإنسانية لأهالي غزة واعتبر ذلك واجباً شرعياً على كل من يستطيع ذلك.
#احتواء اللاجئين والمحتاجين: دعا سماحته إلى دعم وإيواء اللاجئين الفلسطينيين واللبنانيين، وشجع على تفعيل العمل الإنساني لإعانتهم في ظل الظروف المأساوية التي يعانون منها. وفتحت بعض المؤسسات الخيرية، وبعض البيوتات أبوابها لدعم هؤلاء المحتاجين بغض النظر عن انتماءاتهم، وذلك لترسيخ مبدأ التضامن الإسلامي والإنساني.
9.العمل الاجتماعي: دعم المؤسسات الخيرية والاجتماعية التي تساعد الفقراء والمحتاجين، وتعمل على تحسين أوضاع النساء والأطفال، لتقوية النسيج الاجتماعي ومواجهة استغلال الأعداء للفئات الضعيفة.
10.الاستقلال الإعلامي: تطوير وسائل إعلام مستقلة تعبر عن قضايا الأمة الإسلامية وتواجه الحملات الإعلامية التي تحاول تشويه صورة الإسلام والمسلمين. ومحاولة الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي الغربية لكونها مراقبة من قبل الأعداء، وتقوم بغسل أدمغة المسلمين.
11.تعزيز الجهاد الدفاعي: إنّ تعزيز الجهاد الدفاعي هو مفهوم يُشير إلى ضرورة تصدي الأمة الإسلامية لأي اعتداء خارجي أو تهديد لوجودها وحقوقها، عن طريق الحث على الجهاد في سبيل الله والدفاع عن النفس والأرض والمقدسات بكل الوسائل المشروعة في مواجهة أي غزو أو عدوان، والثبات على الإيمان والإسلام حتى الموت، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ].[30]
وقد كان للمرجعية دور كبير في تعزيز الجهاد الدفاعي وحماية الدين والنفس والوطن، ففي عام 2014، أصدر سماحة السيد السيستاني (دام ظله) فتوى “الجهاد الكفائي” لمواجهة خطر تنظيم داعش بعد سيطرته على مناطق واسعة في العراق وتهديده للعاصمة بغداد. دعت الفتوى العراقيين للدفاع عن وطنهم ومقدساتهم، مما أدى إلى تشكيل “الحشد الشعبي” الذي لعب دورًا محوريًا في تحرير العديد من المدن العراقية واستعادة الأمن في البلاد. هذه الفتوى أبرزت دور المرجعية في حماية المجتمع وتوحيد صفوف العراقيين ضد الإرهاب.
علما أنّ الجهاد هنا لا يقتصر على القتال فقط، بل يشمل الجهاد العلمي، الثقافي، والاقتصادي، لمقاومة أي محاولة لاستعباد المسلمين أو استغلالهم.
12. التمهيد للظهور: من أهم واجبات المسلمين التي لها دور كبير في القضاء على الأعداء هو: التمهيد لظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بالالتزام بالتكاليف الشرعية والعمل على إصلاح الذات والمجتمع. وهذا الموضوع وقفنا عليه تفصيلاً في المحاضرة المعنونة بــ: (دور المكلفين في التمهيد للظهور) في كتاب زاد المبلغات[31].
فاتباع تعاليم الدين وتقوية الإيمان يُعد تمهيداً عملياً لظهوره، حيث إن الفرج الحقيقي للعالم والعدل الكامل لا يتحقق إلا بقيادته. ومن خلال التمسك بالحق والالتزام بالواجبات، نُسهم في تسريع الفرج وتهيئة الأرض لقيام دولته المباركة.
المبحث الرابع: تفسير قوله تعالى: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ ..].
يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير الأمثل: (إن الآيات المتقدمة لا تتحدث عن فترة خاصة أو معينة، ولا تختص ببني إسرائيل فحسب، بل توضح قانونا كليا لجميع العصور والقرون ولجميع الأمم والأقوام، إذ تقول: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ].[32]
فهي بشارة في صدد انتصار الحق على الباطل والإيمان على الكفر. وهي بشارة لجميع الأحرار الذين يريدون العدالة وحكومة العدل وانطواء بساط الظلم والجور.
وحكومة بني إسرائيل وزوال حكومة الفراعنة ما هي إلا نموذج لتحقق هذه المشيئة الإلهية، والمثل الأكمل هو حكومة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بعد ظهور الإسلام.. حكومة الحفاة العفاة[33] والمؤمنين المظلومين الذين كانوا موضع تحقير فراعنة زمانهم واستهزائهم ويرزخون تحت تأثير الضغوط ” الظالمة ” لأئمة الكفر والشرك.
وكانت العاقبة أن الله فتح على أيدي هؤلاء المستضعفين أبواب قصور الأكاسرة والقياصرة، وأنزل أولئك من أسرة الحكم والقدرة وأرغم أنوفهم بالتراب.
والمثل الأكبر والأوسع هو ظهور حكومة الحق والعدالة على جميع وجه البسيطة -والكرة الأرضية -على يد “المهدي” أرواحنا له الفداء.
فهذه الآيات هي من جملة الآيات التي تبشر -بجلاء -بظهور مثل هذه الحكومة، ونقرأ عن أهل البيت عليهم السلام في تفسير هذه الآية أنها إشارة إلى هذا الظهور العظيم. فقد ورد في حديث لأمير المؤمنين عليه السلام في تفسير الآية المتقدمة قوله: “هم آل محمد صلى الله عليه وآله يبعث الله مهديهم بعد جهدهم فيعزهم ويذل عدوهم”.[34]
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام قوله: ” والذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا، إن الأبرياء منا أهل البيت وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته، وإن عدونا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه”.[35]
(أي سننتصر أخيرا وينهزم أعداؤنا وتعود حكومة العدل والحق لنا)).[36]
وفي الختام، لنرفع أكفنا نحو السماء ونتوجه بدعاء الفرج بقلوب مفعمة بالأمل: “اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ بْنِ الحَسَنِ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلى آبائِه فِي هذِهِ السّاعَةِ وَفِي كُلِّ ساعةٍ وَلِيّاً وَحافِظاً وَقائِداً وَناصِراً وَدَلِيلاً وَعَيْناً حَتّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَتُمَتِّعَهُ فِيْها طَوِيلاً، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ”.
تخميس لأبيات من قصيدة السيد رضا الهندي رحمه الله في حق مولانا الإمام الحجّة عليه السلام:
| الدَّهْرُ جَارَ وَعَنَّا الْعَدْلُ قَدْ ظَعَنَا | وَكَمْ أرَتْنَا اللَّيَالِي دُونَكَ المِحَنَا | |
| تَاقَتْ إلَى صُبْحِكَ المَيْمُونِ أنْفُسُنَا | يَا صَاحِبَ العَصْرِ أدْرِكْنَا فَلَيْسَ لَنَا | |
| وِرْدٌ هَنِيءٌ وَلاَ عَيْشٌ لَنَا رَغَدُ | ||
| * * * | ||
| لَمْ يَبْقَ دُونَكَ يَامَوْلَايَ أيُّ أمَلْ | يُرْجَى لِصَبٍّ فَعُودُ الصَّبْرِ مِنْهُ نَحَلْ | |
| نُمْسِي وَنُصْبِحُ وَالْقَلْبُ اعْتَرَاهُ وَجَلْ | طَالَتْ عَلَيْنَا لَيَالِي الإنْتِظَارِ فَهَلْ | |
| يَا بْنَ الزَّكِيِّ لِلَيلِ الإنْتِظَارِ غَدُ | ||
| * * * | ||
| كَمْ غَابَ نَجْمٌ وَكَمْ بَدْرٌ لَكُمْ أفَلَا | وَكَمْ أسِيرٍ وَكَمْ قَرْمٍ لَكُمْ قُتِلَا | |
| أنْتَ الرَّجَاءُ وَلَا نَبْغِي بِكَ الْبَدَلَا | فَاكْحَلْ بَطَلْعَتِكَ الغَرَّا لَنَا مُقَلا | |
| يَكَادُ يأتي على إنسانِها الرَّمَدُ | ||
| * * * | ||
أبوذيات بمناسبة ميلاد الإمام المهدي (عج)[37]:
| الجفاكم يا عذر عنده وحجه | حبكم بيت أطوفنّه وحجه | |
| محمد قائم إو مهدي وحجه | اسمك بالضمير إيفيض ضيه | |
| * * * | ||
| يمن جدك إلي منقذ ومهدي | أحبكم من زغر سني ومهدي | |
| إمامي المنتظر إنته ومهدي | دخيلك آنه أول وآخريه | |
| * * * | ||
| تره إحنا إخلافكم ضعنه وتهنه | الروح إبنوركم تفرح وتهنه | |
| تحيه من الضمير إلكم وتهنه | نزفها من القلب صبح ومسيه | |
| * * * | ||
| عمود إمثبت المايل ومعدل | حكمك بالوزن وافي ومعدل | |
| وحق من خالق وماخذ ومعدل | نريد الفزعه يا حامي الحميه | |
| * * * | ||
| صلاة الله على أحمد صلاة الله على المبعوث | الوارث كرّمه بأسرار إلها وارث او موروث | |
| ابيوم الدين حامينا المنقذ من نصيح الغوث | ها….ومن غيرك يفزع يلهادي | |
| * * * | ||
| محمد جدك وإسمك محمد وإنته من نوره | غصن من شجرة الأطهار فاح إبطيبة إعطوره | |
| إبميلادك يا قائمنا اقلوب الشيعه مسروره | ها…..عيد او نفرح بيه ميلاد المهدي | |
| يا ابن خير النطق بالضاد وقرا القرآن بالفصحى | مو بس شيعتك مولاي كل الكون بيه فرحه | |
| السما والأرض محتفلات حتى الليل ويْ صبحه | ها…..ابميلاده مبتشره الدنيا | |
| * * * | ||
| يستاهل يستاهل محمد نحتفل ويّاه | نبينا او شرّفه الباري مكانه وجاه | |
| ما غيره شفيع اهناك من ننخاه | ها…..هوّه اليشفع بالميعاد وبيده ايفيض الكوثر | |
| * * * | ||
| يستاهل محمد لجله مجتمعين | تجمعنا المحبه او كلنا فرحانين | |
| نريد الفزعه منهم والله يوم الدين | ها…..ايحضرونه لو ضاقت بينه | |
| * * * | ||
| من هذا المكان إنريد الزياره | النبينا الأعظم وحضرته وأنواره | |
| نريد من أبو الزهره انحصل إبشاره | ها…وبإيمينه لو أشّر نعبر | |
| * * * | ||
| من هذا المكان انريد الزياره | الأبو الحسنين حيدر صاحب الشاره | |
| نريد القلم يكتبنا من زواره | ها…ما ظن غادي ايخيبْ الزاير حيدر | |
| * * * | ||
هوسات عن الإمام المهدي (عج)[38]:
[1] القصص/3-5.
[2] م.ن.
[3][3] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٢٣ -ص ١٦٥.
[4] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي -ج ١٢ -ص -169-173-بتصرف.
[5] فاطر/6.
[6] النازعات/24.
[7] كدول أوربا: مثل المملكة المتحدة، ألمانيا، وفرنسا-وأستراليا وكندا. وبعض دول العرب دعمت أمريكا وإسرائيل من أجل الحفاظ على مصالحها.
[8] صحيح الجامع -الصفحة أو الرقم: 8183.
[9] محمد/7.
[10] المنافقون/8.
[11] آل عمران/110.
[12] آل عمران/103.
[13] مثال ذلك: عندما حصل العراق على قرض من صندوق النقد الدولي، كان من الشروط المفروضة أن يخفض العراق الدعم الحكومي على السلع الأساسية مثل: الوقود. هذا يعني أن الحكومة العراقية اضطرت لرفع سعر البنزين الذي كان مدعومًا من الدولة، وهذا جعل تكلفة ملء خزان السيارة أكبر على المواطن العادي، وتسبب في زيادة تكلفة الوقود، ارتفعت أيضًا أسعار المواصلات العامة وتكلفة نقل البضائع، مما أثر على كل شيء تقريبًا، من أسعار الطعام إلى تكاليف الخدمات.
[14] مثال ذلك: استخدمت الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية تقارير حقوق الإنسان كوسيلة للضغط على الحكومة السورية.
[15] تدعو الليبرالية إلى الحريات الشخصية الأربع: حرية التملك، حرية الفرد، حرية الاعتقاد، والحرية الشخصية، مع فصل الدين عن الحياة. بينما يتوافق الإسلام في بعض جوانبه مع هذه الحريات، مثل: حق الملكية وحرية الاعتقاد، إلا أنه يفرض ضوابط على الفرد لضمان عدم تفكك المجتمع. من جهة أخرى، يعتبر الإسلام الدين جزءًا لا يتجزأ من الحياة، حيث يفرض على الإنسان التزامًا بالتكاليف والواجبات التي شرعها الله لصالحه، مما يتعارض مع فكرة فصل الدين عن الحياة. راجع مركز الأبحاث العقائدية/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / موقف الإسلام من الليبرالية-بتصرف.
[16] وأيضا المجتمع له تأثير على أفراد الأسرة، فإذا كان المجتمع منحرفا، كأن يكن أغلب النساء متبرجات وسافرات، فسوف تشعر المسلمة العفيفة الملتزمة بالحجاب الشرعي الكامل أنها شاذة فيما بينهن، وقد تتأثر -إذا كان إيمانها ضعيف-وترغب في تقليد نساء مجتمعها، أي ينعكس العقل الجمعي في عدم التزامها بحكم الحجاب. بينما لو تربت الفتاة تربية إيمانية قوية فسوف تشعر أنها متميزة وليست شاذة ولن تتأثر بالمجتمع المنحرف.
[17] راجع كتاب: حتى يعلم الشباب-عبد الله علوان-ص87-بتصرف.
[18] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٢ -ص ٩٤.
[19] جامع أحاديث الشيعة -السيد البروجردي -ج ١٤ -ص ٢٧.
[20] الكافي -الشيخ الكليني -ج ١ -ص ٥٨.
[21] آل عمران/36.
[22] النساء/34.
[23] الشعراء/165.
[24] الإسراء/32.
[25] النساء/25.
[26] آل عمران/ 149.
[27] المائدة/51.
[28] الجاثية/18-19.
[29] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٦٥ -ص١٣١.
[30] آل عمران/102.
[31] زاد المبلغات-مياسة شبع-ج11-المحاضرة الثامنة.
[32] القصص/3-5.
[33] المقصود بـ “الحفاة العفاة” هو الأشخاص الذين كانوا يعيشون في فقر مدقع، لا يملكون شيئًا من المال أو الزينة، ومع ذلك كانوا يتسمون بالعفة والطهارة من الفساد أو المعاصي. هذه العبارة تشير إلى الفقراء والمظلومين الذين لا يملكون المال أو السلطة، لكنهم يتحلون بالأخلاق الفاضلة والتقوى.
[34] الغيبة-الشيخ الطوسي. حسب نقل تفسير نور الثقلين-ج 4-ص 110.
[35] تفسير جوامع الجامع -الشيخ الطبرسي -ج ٢ -ص ٧٣١.
[36] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل –الشيخ ناصر مكارم الشيرازي-ج12-ص175-176.
[37] للشاعر مسلم الطعان.
[38] للشاعر مسلم الطعان.
