فِلَسْفَةُ الحِجَابِ

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

عنوان المحاضرة: فِلَسْفَةُ الحِجَابِ -الجُزْءُ الأَوَّلُ

تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ][1]

    لا يزال بعض الناس يسألون: لماذا الحجاب؟ ما الحكمة من وجوبه على المرأة؟

   هناك من يكتفي بالإجابة التعبّدية على هذا السؤال والتي تقول: إنّ الله هو خالق العباد والأعلم بما يصلحهم وما يفسدهم، [أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ] [2]وحيث إنّه قد أمر بالحجاب فعلينا ومن موقع إيماننا بالله أن نلتزم الحجاب، لأنّ الله ما كان ليأمر بالحجاب إلاّ لأنّ لنا فيه مصلحة وما كان ليحرم السفور إلاّ لأنّ فيه مفسدة.

 ولا أعتقد أنّ من الصحيح أن نكتفي بهذه الإجابة رغم قناعتنا بصحتها، لأنّنا نريد تقديم إجابة مقنعة حتى لمن لا يؤمن بالرسالة والإسلام، كما أننا نريد للمرأة المؤمنة أن تمتلك رؤية واضحة حول فلسفة الحجاب وأهميته وضرورته، لتلتزم الحجاب من موقع القناعة لا من موقع التسليم الأعمى، وهذا المنهج في التعرف على فلسفة الأحكام الشرعيّة هو منهج قرآني أصيل، فالقرآن الكريم لم يقدم لنا الأحكام والتشريعات بشكل تعبدي مقفل، وإنّما قدمها بأسلوب التعليل والتوجيه بما في ذلك الأحكام المتصلة بالحجاب[3]، وهذا ما ستشير إليه في المبحث الآتي:

المبحث الأول: فلسفة الحجاب في آيات القرآن

  إنّ فلسفة الحجاب مذكورة في القرآن الكريم، نذكر منها العلل الآتية المذكورة في ذيل كل آية، وهي كالآتي:

1-قال تعالى: [وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ].[4]

2-قوله تعالى:﴿ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾.[5]

3-قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ].[6]

فالآيات الشريفة تأمر بالعفة والستر والحجاب، بالإضافة إلى ورود آيات أخر وروايات عن النبيّ وأهل بيته عليهم السلام تؤكّد ذلك، ولكن الذي يميّز هذه الآيات هو ذكرها لفلسفة الحجاب، أي تذكر أحد أسباب فرض حكم الستر والحجاب، يقول السيد الطباطبائي (ره) معقباً على قوله تعالى: [ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ‌]، أنه (بيان لمصلحة الحكم).[7]

إن قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ نظير قوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾[8]، تدلُّ على أنّه كلّما التزم الرجل والمرأة جانب الستر والحجاب، وأقلعا عن التعامل الّذي يُفضي إلى تبادل النظرات، فإنّ ذلك أقرب للطهارة الروحيّة والتقوى.[9]

أي أطهر (من الخواطر المريبة والشيطانية، وأجلب للعفّة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية).[10]

وأما العلّة الأخرى فيذكرها تعالى في الآية الثالثة: [ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ][11]، حيث أن (الحجاب يستر محاسن المرأة ومفاتنها، ويحيطها بهالة من الحصانة والمنعة، تقيها تلصص الغواة والداعرين وتحرشاتهم الإجرامية العابثة بصون النساء وكرامتهن)[12].[13]

حينما نتأمل هذه العلل سنجد أن فلسفة الحجاب في هذه الآيات ليست مرتبطة بدفع الأذى عن الجسد فقط، بل لدفع الأذى والضرر عن الروح والنفس أيضاً؛ لأننا مأمورون بتزكيتها وتطهيرها، قال تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا] [14]، أي قد أفلح من طهّر الروح. ومعلوم إن الإنسان يجهل هذه الروح وماهيتها، قال تعالى: [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا][15]، لذا فهو أشد جهلا بما ينفعها ويضرها، إلا خالقها الذي أخبرنا بأن الروح تتمرض وتتنجس بالذنوب والمعاصي التي منها التبرج والسفور، ولا تطهر وتزكو وتنمو إلا بالطاعة كالالتزام بالحجاب، وهذا ما صرّح به تعالى بقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [16]، حيث يقول السيد الطباطبائي(ره): (.. أن المراد بالقلب -في القرآن-هو الانسان بمعنى النفس والروح).[17]

المبحث الثاني: فلسفة الحجاب

سنحاول في هذا المبحث الوقوف على بعض المبرّرات والآثار وراء تشريع وجوب الحجاب على المرأة، والذي ينقسم إلى ثلاثة أقسام وهي:

أولاً: الآثار الدنيوية المحسوسة.

ثانياً: الآثار الدنيوية غير المحسوسة.

ثالثاً: الاثار الأخروية.

ونريد في هذه المحاضرة أن نقف على الآثار الدنيوية المحسوسة، أي التي تدركها الحواس والعقل والتي أشارت إليها الدراسات والأبحاث والإحصائيات العلمية، المترتبة على الحجاب الشرعي الكامل-الظاهر والباطني السلوكي-وهو توفير الحماية للفرد والمجتمع، والتي سنطرحها في النقاط الآتية: 

1.حماية المنظومة الأخلاقية.

2.حماية المرأة من التعرّض للأذى.

3.حماية التماسك الاجتماعي.

4.حماية كرامة المرأة.

5.حماية الحياة الزوجية والأسرية.

6.يوفر الحماية الصحية والنفسية.

نظرًا لأهمية موضوع فلسفة الحجاب، فقد خصصنا له تفصيلًا وافيًا في أربع محاضرات توزعت على عدد من أجزاء كتاب زاد المبلغات.

تناولت في هذه المحاضرة النقطتين الأوليين المتعلقتين بالآثار الدنيوية المحسوسة، في حين تناولت الآثار الدنيوية غير المحسوسة والآثار الأخروية في الجزء الثامن من الكتاب.[18]

أما النقطة المتعلقة بصيانة كرامة المرأة فقد بُحثت في الجزء الثالث عشر، واستُكملت بقية النقاط الثلاث في الجزء الرابع عشر.

لنبدأ على بركة الله بذكر أثرين من الآثار الدنيوية المحسوسة المترتبة على الحجاب والتي سنطرحها في المطلبين الآتيين:

المطلب الأول: الحجاب يحمي المنظومة الأخلاقية

  إن الحجاب الشرعي يحمي المنظومة الأخلاقية من الانهيار…بينما التبرج والسفور يهدم المنظومة الأخلاقية…  كيف ذلك؟

  غير خافٍ أنّ الإسلام قد اهتم اهتماماً بالغاً بحماية الاستقرار الأخلاقي للمجتمعات حتى لا يقع الناس في الفوضى الجنسية، وغير خافٍ أيضاً أنّ لدى الإنسان غريزةً جنسية وهي بحاجة إلى إشباع، وقد كان الإسلام واقعياً في تشريعاته، فاعترف بهذه الغريزة وأمّن لها متطلباتها ولم يَدْعُ إلى قمعها كما فعلت بعض المدارس الأخرى، التي دعت إلى التبتّل والرهبنة وكبتت الغريزة الجنسية أو استئصالها[19].

لكنّه أراد لهذه الغريزة أن تتحرك بالشكل الذي لا يسيء إلى الإنسان، ذكراً كان أو أثنى، ومن هنا كان المحلّ الطبيعي لإشباع هذه الغريزة هو الزواج، فحرّم الزنا والشذوذ الجنسي، لأنه يمثل انحرافاً عن الخط السوي.[20]

ولكي يتحقق الاستقرار والأمن الأخلاقي فنحن بحاجة إلى ضبط الغريزة الجنسية لإن الإثارة الجنسية تتسبب في إفراز هرمون الاستروجين والتستوستيرون فتضغط على الإنسان وتحثه وترغبه بالتنفيس عن نفسه سواء بالحلال أو الحرام.

وضبط الغريزة الجنسية بحاجة الى التحكم بمفاتيح الإثارة الجنسية المتعددة، ومن أبرزها السفور والتبرج، والخلوة مع الأجنبي، والاختلاط المحرم، والنظر المحرّم واللمس والمصافحة والمحادثة ما بين الجنسين، وشيوع المثيرات الجنسية، كالأفلام الداعرة والقصص الخلاعية والأغاني،…الخ

قد يقال: ولكن تطلبون منا ضبط الغريزة الجنسية وهذا الأمر يحتاجه الإنسان ولا يستطيع الاستغناء عنه؟

الجواب: من قال أن الإسلام أمرنا بالاستغناء عن ممارسة الغريزة الجنسية؟

  بل الإسلام رحّب بالمتعة والإثارة الجنسيّة ولكن في حدود الشرع المتجسّد بالعلاقة الزوجية، فلذا ذمَّ الإسلام المرأة التي تُقصِّر في تجميل وتزيين نفسها لزوجها، وحثها على أن تعرض نفسها عليه في الفراش، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: (…وعليها أن تطيّب بأحسن طيبها، وتلبس أحسن ثيابها، وتزيّن بأحسن زينتها، وتعرض نفسها عليه غدوة وعشيّة).[21]

كما ذمّ الأزواج الذين لا يُشبعون رغبات نسائهم. فقد روي عن الحسن بن جهم قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام وهو مختضب بسواد، فقلت: جعلت فداك قد اختضبت بالسواد؟ قال: إن في الخضاب أجرا، إن الخضاب والتهيئة مما يزيد في عفة النساء، ولقد ترك النساء العفة لترك أزواجهن التهيئة لهن.[22]

حتى أنّه اعتبر حبَّ النساء من خصائص الأنبياء، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: “من أخلاق الأنبياء حبُّ النساء”.[23]

ومن هنا يتبين أن الدين الإسلامي من خصائصه الوسطية، قال تعالى: [ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا][24].فلا إفراط-أي مبالغة-ولا تفريط-أي إهمال-، بمعنى أنه يرفض منح الحرية المطلقة للغريزة الجنسية بممارسة العلاقات غير المشروعة كالزنا والشذوذ، وبنفس الوقت يرفض إهمالها ومنعها رغم حاجة الإنسان إليها .

بعبارة أخرى: (إن الغريزة الجنسية في منظور الإسلام تمثّل طاقة إيجابية وضرورية لاستمرار الحياة وهي عندما تتحرّك في النطاق الصحيح والمشروع فإنها تقوم بأكثر من وظيفة:

منها: تحقيق لذّة الاستمتاع المحلل.

ومنها: مساهمتها في تحقيق تناسل الجنس البشري واستمراره وبقائه).[25]

ربّ تساؤل يرد: إنّ إيجاد الحاجز بين الرجل والمرأة يؤدّي إلى ارتفاع نسبة الثورة الجنسيّة. وعلى قاعدة “الإنسان حريص على ما مُنع” فإيجاد الحاجز والمانع المتمثل بالحجاب الشرعي ومنع الاختلاط ومنع اللمس والمصافحة ومنع عقد علاقات صداقة بين الجنسين، فكل هذه تزيد في حرص ورغبة الرجل والمرأة بالجنس!!

الجواب: ذكرنا أن الإسلام أمر أن تمارس هذه الوظيفة في إطار العلاقة الزوجية…فهي كصمام أمان للإنسان…فقدر الضغط الذي فيه الماء والطعام إذا وضع على النار سيغلي ويغلي ويحتاج أن يجد منفذا ليخرج البخار الزائد الذي إذا احتبس سيؤدي الى انفجاره ومن ثمَّ سيتضرر كل من حوله…فالزواج هو صمام الأمان.

فأساس الحجاب في الإسلام هو: (أنّ المتعة الجنسيّة يلزم حصرها في محيط المنزل وبالزوجة الشرعيّة، وأنْ يُترك المحيط الاجتماعيّ محيط عمل وإنتاج. ومن هنا لا يُسمح للمرأة حين خروجها من الدار أنْ تُهيّئ موجبات الإثارة الجنسيّة للرجال، كما لا يُسمح للرجل أنْ يتصيّد بنظراته النساء. إنّ هذا اللون من الحجاب لا يُعطِّل طاقات المرأة كما أنّه يؤدّي إلى تدعيم قُدراتها على العمل الاجتماعيّ أيضاً).[26]

ولكن لو تفشى السفور والتبرج، والاختلاط المحرم بين الرجل والمرأة دون قيد أو شرط، سينتشر الفساد بالزنا والعلاقات غير الشرعية، وما يترتب عليه من آثار وخيمة، ولن تشبع الغريزة الجنسية ولا يحقق التوازن النفسي، بل سيُحوّل طلب الجنس إلى عطش روحيّ وحاجة غير قابلة للإشباع. فالغريزة الجنسيّة قويّة وعميقة، وكلّما استجاب الإنسان لها ازداد هيجانها، كالنّار، فأنت لما تريد أن تحرق من الغابة شجرة واحدة، ولكن النار لا تكتفي وتريد المزيد فتحرق كل الغابة، وما زالت تريد المزيد، قال تعالى: [يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ][27]

فالتاريخ يُذكِّر بذوي الجشع الماليّ، وأنّ هؤلاء كانوا يسعون لجمع المال والثروة بحرص محيّر، وكلما كثُرت ثروتهم ازداد حرصهم، وهو يُذكّر أيضاً بالجشعين في المسائل الجنسيّة، فهؤلاء أيضاً لم يقفوا عند حدٍّ على الإطلاق في اقتنائهم للحسناوات، فذوو الحريم، وجميع أصحاب النفوذ الذين كانوا مقتدرين على ذلك كانوا كذلك.

فيذكر لنا التاريخ القديم كانت لدى الملك “خسرو بَرْويز” ثلاثة آلاف امرأة، فلم يشبع هذا الملك ميله هذا أبداً فهو يجلب كلّ فتاة أو ثيّب أو ذات بعل يصفونها له إلى حرمه. وكلّما حصل لديه ميل لتجديد زوجته، يكتب إلى عمّاله في البلدان كتاباً يصف فيه خصائص المرأة الكاملة. ثُمّ يعمد عمّاله إلى جلب هذه المرأة إليه في أيِّ مكان وجدوها وكانت مواصفاتها متطابقة مع ما جاء في كتاب الملك”.

 وقد استُبدل شكل هذه الحكايات في الواقع الجديد، مع فارق وهو أنّ الواقع الجديد لا يوجب أنْ يتوفّر الشخص على إمكانات خسرو برويز أو هارون الرشيد ليستطيع أنْ يتوفّر على هذا العدد الكبير من النساء، فبفضل الثقافة الجديدة الملعونة يُمكن للشخص الذي يتمتّع بعُشر إمكانات برويز أو هارون أنْ يتمتّع بالجنس الأنثويّ بمقدار ما تمتّعا.[28]

وحتى نفهم المطلب جيدا لنقف على بعض الآثار الوخيمة المترتبة على الإثارة الجنسية بسبب التبرج والسفور والاختلاط المحرم، وهي كالآتي:

  1.انتشار الزنا: فلو عملنا إحصائية عالمية سنجد أن الدول المتحررة من الزي المحتشم وعلى رأسها الدول الكافرة هي من أكثر الدول التي يحدث فيها حالات الزنا، بل إن أكثر علاقاتهم قائمة على الزنا ….

يقول الشيخ محمد تقي فلسفي [29]: كتبت وكالة أنباء أمريكية “يونايتد برس” الآتي: دلت الإحصاءات التي أجريت على حقائب طالبات المدارس المتوسطة في بريطانيا أن 80% منهم كن يحملن الأقراص المانعة من الحمل. لقد كتب أحد المحققين الاجتماعيين في الرسالة التي بعث بها الى صحيفة (تايمز) اللندنية أن الإحصاءات التي حصل عليها مضبوطة تماماً. إنه يقول: إن بعض الطالبات كن قد سألن مدرساتهن عن النوع المفضل لأقراص منع الحمل”.

يقول هذا المحقق الاجتماعي في نهاية رسالته: إن هذه الحقيقة المرة والمأساة المخيفة ناتجة من الحرية المفرطة الممنوحة للفتيات الإنكليزيات” جريدة ( اطلاعات)[30]

ويقول السيد محمد الحسيني الشيرازي[31]: وهذا يكشف عن إنهن مهيئات نفسيا لممارسة الدعارة والفجور في أول لحظة.. مهيئات للاستجابة لأول طلب، وإنهن يقدمن على حمل هذه الأقراص هروبا من التبعات الثقيلة.

هذا بالإضافة الى ما يجري من الفضائح في النوادي الليلية ونوادي العراة.[32]

قد يقول أحدكم، ولكن الدول الإسلامية ليست خالية من الزنا وممارسة الفاحشة!!

نقول: نحن لا ننكر أنها موجودة، ولكن نسبتها أقل بكثير من نسب البلدان الكافرة، وبالتأكيد كلما ازدادت نسب التبرج والسفور كلما ازدادت ممارسة الفاحشة.

2. انتشار أولاد الزنا: إن الأثر الثاني للانحلال الأخلاقي المترتب على التبرج والسفور هو انتشار أولاد الزنا، وقد أجريت إحصائيات عديدة تثبت بأن نسب الأولاد غير الشرعيين في العالم تكثر في البلاد التي أغلب نسائها سافرات ومتبرجات، وأقل نسبها للأولاد غير الشرعيين هي في البلاد الإسلامية، وقد تم نشرها في مواقع معتبرة، منها موقع (lenouveleconomiste)[33]، حيث يمكن أن نلاحظ بأن أعلى النسب تسجل بأمريكا اللاتينية (73.7 % في الشيلي سنة 2018) ثم تليها أوربا وأمريكا الشمالية (70.5 % في إيسلندا سنة 2018). أما في دول الشرق (العالم الإسلامي والعالم الصيني) فتنخفض تلك النسبة كثيرا (2.9% في تركيا، و2.3% في اليابان، و2.2% في كوريا سنة 2018، و0.1 %   في الجزائر سنة 2015).

يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: (انتشار الفحشاء وازدياد الأبناء غير الشرعيين يعتبران من أنكى نتائج إلغاء الحجاب، ولا حاجة إلى إحصائية بهذا الصدد، فشواهدها ظاهرة في المجتمع الغربي، واضحة بدرجة لا تحتاج إلى بيان.

لا نقول: إن السبب الرئيسي في ازدياد الفحشاء والأبناء غير الشرعيين ينحصر في إلغاء الحجاب وعدم الستر، ولا نقول: إن الاستعمار المشؤوم والقضايا السياسية المخربة ليس لها دور قوي فيه، بل نقول: إن التعري من الأسباب القوية لذلك.

وكما نعلم فإن انتشار الفحشاء وازدياد الأبناء غير الشرعيين مصدر أنواع الجرائم في المجتمعات البشرية قديما وحديثا. وبهذا تتضح الأبعاد الخطرة لهذه القضية.

وعندما نسمع أن الولادات غير الشرعية في بريطانيا بلغت بحسب إحصائياتهم خمسمائة ألف طفل كل عام، وأن علماءها حذروا المسؤولين من مغبة هذا الوضع، ليس لأنه -كما يقولون -بسبب مخالفته للقضايا الأخلاقية والدينية، وإنما بسبب الخطر الذي أوجده هؤلاء الأبناء لأمن المجتمع، فقد وجدوا أنهم يمثلون القسم الأعظم من ملفات القضايا الخاصة بالجرائم.

ومن هنا ندرك أهمية هذه القضية، وأنها كارثة حتى للذين لا يؤمنون بدين ولا يهتمون بأخلاق.

وكلما انتشر الفساد الجنسي في المجتمعات البشرية اتسع التهديد لهذه المجتمعات وتعاظم الخطر عليها، وقد برهنت دراسات العلماء في التربية على ظهور الأعمال المنافية للعفة، وتفشي الإهمال في العمل والتأخر، وعدم الشعور بالمسؤولية، في المدارس المختلطة والمنشئات التي يعمل فيها الرجال والنساء بشكل مختلط)[34]

3.انتشار الإجهاض: إن الأثر الثالث للانحلال الأخلاقي المترتب على التبرج والسفور هو انتشار الإجهاض. ففي الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1980م حصل مليون وخمسمائة وثلاث وخمسون ألف حالة إجهاض، 30% منها لدى نساء لم يتجاوزن العشرين عاماً، وقالت الشرطة: إن الرقم الحقيقي ثلاثة أضعاف ذلك.[35]

وفي إنكلترا يُسقّط فيها تسعون ألف حمل في كل سنة على أقل تقدير.[36]

  4.الزنا مع الأحداث: الأثر الرابع للانحلال الأخلاقي المترتب على التبرج والسفور هو الزنا حتى مع الأحداث أي – صغار السن-.

(يقول الدكتور (راديت هوكو) في كتابه (القوانين الجنسية): “انه ليس من الغريب الشاذ حتى في الطبقات المثقفة المترفة، أن بنات سبع أو ثماني سنين منهم، يخادن لداتهن من الصبية، وربما تلوثن معهم بالفاحشة”.

#وقد جاء في تقرير طبيب من مدينة (بالتي مور): “أنه قد رفع الى المحاكم في تلك المدينة أكثر من ألف مرافعة في مدة سنة واحدة، كلها في ارتكاب الفاحشة مع صبايا دون الثانية عشرة من العمر”).[37]

5.الزنا المِثْلي: الأثر الخامس للانحلال الأخلاقي المترتب على التبرج والسفور هو الزنا المثلي-أي الزنا بين أفراد الجنس الواحد-. حيث لم تقف الفوضى الخُلُقِية عند هذا الدرك السافل، فقد تفاقمت حتى أصبحت العلاقات الجنسية الطبيعية… لا تشبع نهمهم الجنسي، فراحوا يتمرغون في مقاذر الشذوذ الجنسي وانحرافاته النكراء. وعاد من المألوف لديهم أن يتزوج الفتى فتى مثله، بتشجيع من القانون، ومرأى ومسمع من الناس، وهم يباركون هذا العرس!!

ويقول الدكتور (هوكر): “إنه لاتزال تحدث في مثل هذه المدارس والكليات ودور التربية للممرضات، والمدارس الدينية، من تسافح الوالدين من الجنس الواحد فيما بينهما، وقد تلاشى أو كاد… ميلهم الطبيعي الى الجنس المخالف”.[38]

  6.زنا المحارم: الأثر السادس للانحلال الأخلاقي المترتب على التبرج والسفور هو زنا المحارم. (فقد صور (بول بيودر) انهيار الأخلاق في بلاده حيث قال: “لم يعد الآن من الغريب الشاذ وجود العلاقات الجنسية بين الأقارب في النسب، كالأب والبنت، والأخ والأخت في بعض الأقاليم الفرنسية، وفي النواحي المزدحمة في المدن).[39]

 والآن فلنسائل دعاة التحرر والتبرج، أهذا الذي ينشدونه لأنفسهم وأمتهم الإسلامية… أم أنهم لا يفقهون ما ينادون به ويدعون إليه؟ إن كل داعية إلى التبرج والاختلاط هو بلا ريب، معول هدام، في كيان المجتمع الاسلامي، ورائد شر ودعارة لأمته وبلاده.[40]

رب تساؤل يردّ: إن هذه المفاسد موجودة أيضاً في البلاد الإسلامية التي ترتدي نساؤها الحجاب؟

ونرد عليه في النقطتين الآتيتين:

1.نعم، إن بعض هذه الفواحش لم نكن نسمع بها في مجتمعاتنا الإسلامية، ولكن لما زاد التبرج والسفور-في الآونة الأخيرة -صرنا نسمع-والقلب ينزف دماً-لأسباب منها التقليد الأعمى للغرب. ورغم ذلك نقول: إن النسب الموجودة في البلاد الإسلامية لا تقارن مع نسب البلاد غير الإسلامية؛ لأن الشريعة تحرّم العلاقات غير المشروعة.

2.بغض النظر عن النسب، نسأل: هل وجود هذه المفاسد سببها وجود خلل في التشريع الإسلامي أم في المسلمين؟ إن الشريعة الاسلامية حرّمت الفواحش، ولكن المشكلة تكمن في سوء تطبيق بعض المسلمين لأحكام العفة، وليست لدينا سلطة تشريعية وتنفيذية لتنفذ العقوبات الشرعية بحق من يمارس الفاحشة حتى يرتدعوا؛ لأن بعض قوانين الحكومات مخالفة لتعاليم الإسلام، بينما الدول غير الإسلامية تجيز الزنا وممارسة الفواحش ولذا من الطبيعي أن تزداد عندهم النسب.

نفهم مما استعرضناه: إن الحجاب الشرعي الكامل -أي الظاهري والباطني السلوكي-يحمي المنظومة الأخلاقية من التسافل والانحطاط.

لنأتي إلى الأثر الثاني المترتب على فلسفة الحجاب الذي سنطرحه في المطلب الآتي:

المطلب الثاني: الحجاب يحمي المرأة من التعرّض للأذى

نعم، إن الحجاب يحمي المرأة من التعرّض للأذى، بينما التبرج والسفور يجعلها عرضة للأذى والضرر.

إن مصاديق هذا النوع من الأذى عديدة، أبرزها: الأذى المتمثل بالتحرش والاعتداء الجنسي، والأذى الناتج من العنف الأسري.

بعبارة أخرى: إن الحجاب الشرعي الكامل يحمي المرأة من التعرّض للأذى لكونه:

 1.يحميها من التحرش والاعتداء الجنسي.

 2.يقلل من نسب العنف الأسري.

لنقف على النقطة الأولى:

1.الحجاب يحمي المرأة من التحرش والاعتداء الجنسي:

  وهذا المعنى ذكره تعالى في سورة الأحزاب، الآية 59 قائلاً: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ]، يقول السيد الطباطبائي(ره): [فَلَا يُؤْذَيْنَ] أي لا يؤذيهن أهل الفسق بالتعرض لهن[41] بالمعاكسات والنظرات الفاسقة.[42]

إن معنى التَّحَرُّشُ الْجِنْسِيُّ: هو إِثَارَةُ الْمَرْأَةِ وَإِغْرَاؤُها لِلإِيقَاعِ بِهَا جِنْسِيّاً.[43]

وهو على نوعين: الاعتداء اللفظي-أي بإسماع المرأة كلاما بذيئاً ومثيرا للغريزة-، 

والاعتداء السلوكي كالنظرات المحرّمة والملامسة، وربما انجر الأمر إلى الاغتصاب الذي لا تزال تتعرض له المرأة، حتى في الدول التي تعتبر نفسها متحضرة، كما تؤكد ذلك الإحصاءات.

علما أن الاغتصاب غير الزنا -لأننا تكلمنا عن الزنا سابقا-، نعم أن كليهما علاقة غير شرعية ولكن الزنا يحصل بموافقة الطرفين وأما الاغتصاب فبدون رضى المرأة.

والسبب الذي يدفع الرجال إلى التحرش بالسافرة والمتبرجة هو: (أنّ تعري النساء وما يرافقه من تجميل وتدلل وما شاكل ذلك، يحرك الرجال خاصّة الشباب، ويحطّم أعصابهم، وتراهم قد غلب عليهم الهياج العصبي، وأحيانا يكون ذلك مصدرا للأمراض النفسية، فأعصاب الإنسان محدودة التحمّل، ولا تتمكن من الاستمرار في حالة الهيجان؟

خاصّة إذا لاحظنا أنّ الغريزة الجنسية، أقوى الغرائز في الإنسان وأكثرها عمقا، وكانت عبر التاريخ السبب في أحداث دامية وإجرامية مرعبة، حتى قيل: إنّ وراء كلّ حادثة مهمّة امرأة!).[44]

لذا لا عجب لما نسمع أن اعلى نسب للتحرش الجنسي هي في الدول التي يكثر فيها التبرج والسفور، وهذا الأمر طبيعي فالذباب لا يطارد الحلوى المستورة بل يطارد الحلوى المكشوفة. وإليكم بعض النتائج التي تذكرها بعض المنظمات والمعاهد:

# تذكر منظمة الكومنولث حينما أجرت استطلاع سنة 1998م: تقريبا” ثلث النساء الأمريكيات، تعرضن لمضايقات جسدية أو جنسية من الزوج أو الصديق، خلال فترة من حياتهن.[45]  

#يذكر المعهد الأمريكي للعدل: “تقريبا 25 بالمائة من النساء الأمريكيات اغتصبن، أو تم الاعتداء عليهن جسديا” من رفيق سابق أو حالي أو خلال إحدى المواعيد.[46]

# أصدر (معهد المرأة) العالمي[47] المعني بشؤون المرأة تقريرًا سنوياً صادر عن معهد الدراسات الدولية حول المرأة، حيث قام بإعداده فريق متخصص لرصد أحوال المرأة في العالم الغربي، ونذكر منها النتائج الآتية:

– عام 1982 :65 حالة اغتصاب لكل 10 آلاف امرأة.

– عام 1995: 82 ألف جريمة اغتصاب، 80% منها في محيط الأسرة والأصدقاء، بينما تقول الشرطة أن الرقم الحقيقي 35 ضعفاً.

– عام 1997م: قالت جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة أنه تغتصب امرأة كل 3 ثواني، بينما ردت الجهات الرسمية أن هذا الرقم مبالغ فيه حين إن الرقم الحقيقي هو حالة اغتصاب كل 6 ثواني أي أن الفرق في الثواني فقط.[48]

إنّ حجاب المرأة الشرعي الحقيقي يمثل حصن ودرع المرأة، أي هو يمثل مصدر قوتها فالرجل إذا رأى المرأة ملتزمة بحجابها فالمتعارف أنه لن يجرؤ على التحرش بها، مثل جرأته على التحرش الجنسي بالمرأة السافرة، فكأنّ السفور هو داعية للتحرش، وهذا ما تؤكده الوقائع والإحصاءات.

إن لباس المرأة غير الشرعي هو بمنزلة الساتر القصير الذي يحيط بالدار، الذي بكل سهولة يتمكن الفسقة والذئاب من اجتيازه والاعتداء على حرم الدار.

قد تقول إحدى المتبرجات: ولكن الاغتصاب جريمة ارتكبها الرجل وليست المتبرجة أو السافرة، فلماذا خطاب العِتاب يتوجه إلينا؟

الجواب: إنّ غالبية البحوث حول حالات اغتصاب الرجال للنساء، قد ألقت اللّوم على النساء المتعرّيات -غير المستورات بدنياً – على اعتبارهن الدافع لإثارة شهوته والمحرّك وراء سلوك الرجال البالغين الذين تحرّشوا بهنّ واغتصبوهن.[49]

ولقد أثبت العلم والدراسات ذلك، فلقد ذكرت صحيفة ”ذا إندبندت” البريطانية، إلى أنه ووفقا للدراسة ”أنّ الملابس المثيرة للمرأة تلعب دورًا رئيسيًا في تعرضها للتحرش الجنسي”، وذلك بناء على سؤال الغالبية الكبرى من الرجال في بريطانيا.

ووجدت الدراسة أن 55% من البريطانيين، أجمعوا على أنه “كلما ارتدت المرأة ملابس كاشفة، تزداد فرص تعرضها للتحرش والاعتداء الجنسي”، وأجرت استطلاع الرأي، شركة “D-Cyfor”، على أكثر من 1000 شخص بالغ، ويمثلون كل شرائح المجتمع البريطاني.[50]

وأيضا الشريعة -قبل مئات السنين- أثبتت قبل العلم هذه الحقيقة، فقد روي عن الرضا (عليه السلام) بأنه كتب فيما كتب من جواب مسائله: (حرم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج وغيرهن من النساء لما فيه من تهييج الرجال وما يدعو التهييج إلى الفساد والدخول فيما لا يحل ولا يجمل وكذلك ما أشبه الشعور …)[51]، فقوله عليه السلام: (وما أشبه الشعور) أي أن كشف أجزاء أخرى من محاسن المرأة كارتداء الثياب الضيقة، أو غير الساترة لأجزاء بدنها هي من أسبب تهييج الرجال وما يدعو التهييج إلى الفساد والدخول فيما لا يحل ولا يجمل.

فهل يلام من يعاتب المرأة بأنها المسؤولة عن الحريق لكونها سكبت الزيت في الأرض فلزم أن تنتبه بأن هناك أشخاصا مدخنين قد يرمون السيجارة على الأرض، وبالنتيجة ستكون هي المسؤولة الأولى عن الحريق ..فيفترض أن تحذر وتحرص على حفظ الزيت بأوعية مستورة ولا تجعله مكشوفا…

وبدون شكّ لانقصد أن رامي السيجارة غير محاسب، بل كلاهما محاسبان.

 وأيضا لما نطبّق الأمر على المتبرجة والسافرة المرتدية للثياب المثيرة التي اغتصبها رجلا فاسقا، فهي محاسبة على إثارتها، وأيضا المغتصِب يعدّ جانياً، قام بعمل إجرامي بلا شكّ، ووجب أن يحاسب ويعاقب لأنه وجب عليه أن يغض بصره ولا ينقاد لشهوته. ولكن لا تنسوا إنّ المرأة المتعرّية هي التي أغرته وحرّكته في اغتصابها-سواء أكانت متعمدة أم لا-، فهي إذن شريكة في تحقيق هذا الجرم الشنيع.

يقول الشيخ حسن الجواهري: (إنّ التعرّي يقوم بإغراء الجناة، والإغراء يؤدّي إلى ارتكاب الجريمة غالباً، وأنّ المرأة المتعرّية تكون مسؤولة عن الجناية التي تتعرّض لها؛ لأنّها باشرت عملاً حثّ بعض الذكور على فعل جريمتهم، فالإغراء والفتنة من قبلها جرّ الطرف الآخر إلى الرغبة الجنسية بلا بصيرة ولكن عن اختيار منه وإرادة.

بل حتى اللباس المثير الذي يستر البدن الذي يحرّك الغريزة الجنسية، أو العطر المحرّك للرجال، أو حتى الأعمال غير الأخلاقية كتمايل النساء أمام الرجال، أو الكلام المثير الرقيق المحرّك للشهوات كالغناء، أو اللمس المثير، فكلّها تساهم في إعداد عمل يحثّ الذكور على فعل جريمة الاغتصاب أو التحرّش على أقلّ تقدير.[52]

وقد يدّعي المغتصب لهذه المرأة بأنّها هي التي أعطته إشارات واضحات لميلها إلى الملاطفة الجنسية، فتقرّب منها بالتحرّش والعمليات الجنسية، وحتى إذا امتنعت من العملية الجنسية فإنّ هذا لا يبرّر عملها الذي يدّعي الرجل أنّه دعوة له من قبلها، وهذا غير موجود في المرأة التي كانت محتشمة في لباسها وقولها وعملها، فهي تعطي إشارات واضحة وعديدة على أنّها ليست لها أدنى علاقة بأيّ شكل من أشكال الملاطفات الجنسية.

ولذا حرّم الإسلام كلّ هذه الأعمال التي يكون فيها إغراء وإثارة ولا يمكن إشباعها؛ لعدم وجود علاقة زوجية بين المرأة المثيرة والرجل المثار، ممّا يسبب وجود حالات تحرّش واعتداء جنسي، أو حتى اغتصاب مهان، ممّا تكون الحالة فيه مأساوية جداً).[53]

قد يعترض بعضكم قائلاً: إذا كان التبرج والسفور هو الذي يدفع الرجل للتحرش بالمتبرجة، فلماذا بعض المحجبات يتعرضن إلى التحرش من قبل بعض الرجال؟، فهذا دليل على أن التبرج والسفور لا علاقة له بالتحرش!!

ونرد عليه بالجوابين الآتيين:

أولاً: الجواب نقضي: لو صح التبرج والسفور لكون النساء المحجبات بالحجاب الشرعي الكامل يتعرضن للتحرش الجنسي كغيرهن من المقصّرات في حجابهن والمتبرجات لصحت أمور عديدة يرفضها العقل، منها:

# نحن نرتدي الثياب السميكة في فصل الشتاء من أجل الوقاية من الأمراض، ولكن في بعض الأحيان نصاب بالمرض رغم ارتداء هذه الثياب، فهل يقول عاقل: بأن عدم ارتداء الثياب السميكة في الشتاء لا علاقة له بالأمراض؟!

#نحن نتناول الأدوية عند التعرض للمرض، ولكن في بعض الأحيان لا نشفى رغم تناول الأدوية، فهل يقول عاقل: بأنه تناول الأدوية لا علاقة له بالشفاء؟!

ثانياً: الجواب الحلّي: ونطرحه في النقاط الآتية:

1.إن هذا الاعتراض على فرض صحته، فلا يجيز للنساء التبرج والسفور أمام الرجال الأجانب؛ لأنه حكم الله الذي وجب علينا طاعته وإن لم نعلم الحكمة من تشريعه، ولقد وصف الله تعالى كل من لم يلتزم بأحكامه بالفاسقين، والظالمين، والكافرين، قال تعالى: [وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ] [54]، وفي آية ثانية: [فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [55]، وفي آية ثالثة: [فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ].[56]

 2.إن السبب الرئيسي للتحرش -بما يسمونه-بالمحجّبة هو لوجود نقص في الحجاب الشرعي الظاهري، لكون المرأة لم تستر مفاتنها عن الرجل الأجنبي، بل كشفت بعض منها، كأن تبرّجت بوضع المكياج أو العطور أو تزيّنت بصبغ الأظافر أو بنفخ الشفاه أو بتركيب الرموش الاصطناعية أو بارتداء الثياب الضيقة، أو غير الساترة، أو المزينة، فلذا تسببت هذه المفاتن في جلب انتباه الرجال وإثارتهم، والنتيجة تحرشوا بها.

إن أغلب النساء-مع الأسف-يعتقدن أن كل من وضعت قطعة قماش على رأسها صح أن يطلق عليها (محجّبة)!!، وهذا الأمر غير صحيح؛ لأن كلمة (المحجّبة) لا تطلق إلا على المرأة الملتزمة بالحجاب الشرعي الكامل الذي قد راعت فيه كل الضوابط الشرعية التي ذكرها الفقهاء من كونها غير متبرجة، ولباسها ساترا لبدن المرأة، وخالياً من الزينة، ويكون فضفاضاً عريضاً، ولا يكون من لباس الشهرة، ولا يترتّب على اللباس بعض العناوين المحرمة: كالتشبّه بالكفار، أو التشبه بالرجال.

3.لوجود نقص في الحجاب الباطني -أي السلوكي-، كمن ترمق الرجل ببصرها، أو تبتسم له أو تتمايل في مشيتها أو تتحدث وتتواصل مع الرجال الأجانب، وغيرها من السلوكيات المحرّمة والتي تتنافى مع الحجاب الحقيقي.

ونؤكد أن الحجاب ليس مجرد تغطية الشعر وإنما الحجاب هو حجب لكل المفاتن الظاهرية والسلوكية عن الرجال الأجانب…ولذا فالرجل الذي يتحرش بالمرأة المقصّرة في حجابها هو بالحقيقة يتحرش بالمتبرجة وليس بالمحجبة بالحجاب الشرعي الحقيقي الكامل، ومن ثمَّ فالاعتراض مرفوض.

4. إن المرأة المحجّبة بالحجاب الشرعي الكامل الظاهري والباطني، لا تتعرض للتحرش إلا نادراً، ويبدو أن سبب الاعتراض هو عدم فهم المعترضة للمعنى الحقيقي للحجاب الذي ذكرناه. والتي تنكر ذلك فهي تكذّب على نفسها لأن الواقع الذي نعيش فيه يثبت ذلك، وهناك إحصاءات صرّحت بذلك، فقد تم الاستماع لتقرير حول السفور والتحرش بالمرأة لمرتين مختلفتين زماناً وعلى محطتين فضائيتين علمانيتين، وكان السؤال يتوجه إلى الشباب: هل تتحرش بالسافرة؟، وأجاب الكثيرون: نعم، وعندما سئل: هل تتحرش بالمحجبة بالحجاب الشرعي الكامل؟

 كان جواب الجميع: كلا

إذن الحجاب يشكّل سياجاً وحصناً لحماية المرأة ودفع الأذى عنها.

فالثياب والملابس عادة توجه رسالة الى الآخرين لتحدد أخلاقه ومدى التزامه، فالشاب الذي يرتدي ثياب امرأة، فسترسل-الثياب-رسالة يفهمها الناظر بـ: (أنه فاسق ومخنّث)، والذي يرتدي قميصا كاشفا عن صدره، وبنطالا ضيقا ويتحلى بالقلائد، سيكون مضمون الرسالة بـ: (أنه فاسق مستهتر)، بينما الذي يرتدي ملابساً ساترة لأجزاء بدنه المتعارف سترها، فالرسالة التي يفهمها الناس: (أنه رجل سوّي)، ولا نحكم عليه بالاستهتار ظاهرا إلا إذا عاشرناه وعرفناه من سلوكه.

وهكذا الحال مع ثياب المرأة، فإذا كانت متبرّجة كأن تضع المكياج على وجهها، أو ترتدي الثياب الضيقة، أو غير الساترة لبدنها، فهذا المنظر يرسل رسالة واضحة للجميع شئنا أم أبينا مضمونها بـ: (أنها امرأة ناقصة للعفة والحياء).

ومعلوم أن هذا النوع من النساء يعطي الضوء الأخضر للذكر للتحرش بها والتقليل من احترامها، لأن الرجل يفهم بأنها تجمّلت وتزيّنت وتبرّجت لهدف أن تستجدي منه نظرة وتسمع كلمة غزل، وإذا كانت لا تقصد ذلك فلتعلم المرأة بأن الناس لا تفهم إلا هذه الرسالة من التبرّج والسفور.

أختي المؤمنة اعلمي أن لسان حال المتبرجة هو: (يا رجال أنني جميلة، …هل يوجد من يرغب في جمالي ورقتي؟! هلمّوا إليّ …هذه مفاتني ومحاسني أعرضها عليكم…. فأنا أنثى)، أي أنها تركّز على أنوثتها وليس على إنسانيتها.

بينما المرأة المحجّبة بحجاب شرعي كامل تعطي الضوء الأحمر للرجال بأن لا يعتدوا عليها ويؤذوها ولو بكلمة غزل أو برمق البصر لأنها تعرف أن النظرة –كما روي عن الإمام-بأنها سهم من سهام إبليس مسموم[57] الذي بدوره يجعل الرجل يتخيل المرأة بمنظر مريب فيطمع بها، فلذا قامت بستر مفاتنها ومحاسنها، أي سترت موارد الإثارة والفتنة، والنتيجة أنها فرضت على الآخرين احترامها وتقديرها…

إن لسان حال المحجبة بالحجاب الشرعي الكامل هو: (يا رجال أنني امرأة عفيفة، وقد سترت مفاتني ومحاسني كي لا تطمعوا بها …فغضوا أبصاركم فأنا إنسانة)، أي أنها تركّز على إنسانيتها وليس على أنوثتها…. فهي تعلم أن كشف مواطن الأنوثة والإغراء محددة في إطار الحياة الزوجية.

5. لما نقف على الحالات التي يحصل فيها تحرش بالمرأة المحجبة بالحجاب الشرعي الكامل سنجدها قليلة أو نادرة لأن السبب يعود للمتحرش كأن يكون مصاباً بالهوس الجنسي، أو يكون ديوثا قد نزعت منه الغيرة نهائيا، باعتبار أغلب الفسقة يتحرشون بالمتبرجة لكونها كالكتاب المفتوح، بينما لو كانت محتشمة بالحجاب الشرعي الكامل فهي كالكتاب المغلق الذي لا يجرؤ أحدهم على لمسه. وبالنتيجة إذا شذّ أحد الذكور بالتحرش بالمحجبة بالحجاب الشرعي الكامل فلا يصح تعميم الحالة على جميع الرجال والحكم بأن التبرج والسفور لا علاقة له بالتحرش بهن.

وحتى نفهم الفرق بينه وبين غيره، لنفترض أن هناك شجرة تفاح تم قطف تفاحة منها من قبل رجل بثلاث حالات، وهي:

1. إن الشجرة تابعة لحديقته الخاصة المحاطة بسور يحميها.

2. إن الشجرة تابعة لبيت رجل آخر، وهي محاطة بسور قصير ومفتوح ويستطيع الآخرين من دخول الحديقة بسهولة وبلا عناء، فدخل الرجل وأكل التفاحة.

3. إن الشجرة تابعة لبيت رجل آخر، ولكن الحديقة محاطة بسور عالٍ حصين، ولكن الرجل تسلّق السور وسرق التفاحة.

فأي من الحالات الآتية يعد سلوكه صحيحا، وأي منها غير صحيح؟

الجواب:

الحالة الأولى: سلوك صحيح لأن الشجرة تابعة له، ومن حقه التمتع بها.

الحالة الثانية: سلوك غير صحيح، لأنه سرق تفاحة غيره، ولكن الخطأ ينسب أيضاً لصاحب الشجرة لأنه لم يستر أشجاره ولم يحمها بسور عالٍ حصين، ولذا فالعقل يحكم بأن كليهما مقصّران ومحاسبان.

الحالة الثالثة: سلوك غير صحيح ومنحرف لأن السارق لم يهتم بوجود السور العالي وعبره وسرق تفاحة غيره، فهنا العقل يحكم بأنه الوحيد المقصّر ويستحق أشد العقاب.

سؤال: أي من الحالات الثلاثة تطبيقها في الواقع الخارجي قليل جدا مقارنة بغيرها؟

الجواب: الحالة الثالثة.

وهذا الفرض بحالاته الثلاثة لو نطبقه على الرجل الذي يتحرش بالمرأة، فالحالة الأولى تشابه حالة الرجل الذي يتغزل بزوجته، فجاز له ذلك، بل شجع الإسلام عليه، والحالة الثانية تشابه من يتحرش بغير زوجته المتبرجة، فسلوكه محرم لأنه لم يغض بصره، ولكن المرأة أيضا سلوكها محرّم لكونها تبرجت ولم تستر مفاتنها ومحاسنها عن الرجال الأجانب. أذن كلاهما محاسبان ومعاقبان. وأما الحالة الثالثة فتشابه حال من تحرش بالمرأة العفيفة المحتشمة المستورة بحجاب شرعي كامل فهو يستحق أشد العقاب…وهذا الفرض الأخير كما ذكرنا من الحالات الشاذة التي لا يقاس عليها، ومن ثمَّ فأن الاعتراض مرفوض.

الآن انتهينا من بيان المصداق الأول للأذى الذي تتعرض له المتبرجة والسافرة وهو أن الحجاب يحميها من التحرّش والاعتداء الجنسي، وسنختم محاضرتنا بالوقوف على المصداق الثاني للأذى وهو: (أن الحجاب يقلل من نسب العنف الأسري).

لقد ذكرنا أن التبرج والسفور له أثر كبير في تحريك شهوات وأهواء الرجال مما يدفع ضِعاف الإيمان إلى التحرّش بهن، وهذا الأمر يرفضه كل من لديه غيرة وحميّة، وبالأخص ذوي المتبرجة كالزوج أو الأب أو الأخ… فيعبّر الرجل عن رفضه بطرق متعددة، أغلبها طرق غير شرعية تتميز بالعنف كسبهن وشتمهن وتعيريهن وضربهن، بل قد يصل الأمر إلى أن يودي بحياة بعضهن كما أثبت لنا الواقع ذلك.

فحينما نراجع الإحصائيات والدراسات نجدها تشير إلى أنه من بين 87000 امرأة قُتلت عمداً في عام 2017 على مستوى العالم، وإن أكثر من نصفهم قُتلت على يد أفراد من الأسرة.

وأن 137 امرأة تقتل على يد أحد أفراد أسرتها في جميع أنحاء العالم كل يوم.[58]

وهناك تقرير صادر من وزارة العدل الأمريكية يصرح أن 1320 امرأة تقتل سنوياً، أي حوالي أربع نساء يقتلن يومياً بواسطة أزواجهن أو أصدقائهن في أمريكا.

 والموقع الرسمي الحكومي لولاية نيوجرسي الأمريكية يصرح بأنه سنوياً حوالي 3 ملايين امرأة في أمريكا يتعرضن لاعتداء جسدي من زوج أو صديق.[59]

ولا ننكر أن هذا الأمر متواجد حتى في بلادنا الإسلامية ولكن بنسب أقل لكون التبرج والسفور والخيانات الزوجية فيها أقل، والذي-مع شديد الأسف-أخذ بالازدياد تدريجياً.

 علما بأن ممارسة العنف الأسري محرم شرعا، فللتأديب ضوابط شرعية لا يجوز تجاوزها، فإذا ثبت لديه أن زوجته خائنة فيمكنه أن يوكل أمرها إلى الحاكم الشرعي أو يعفو عنها أو يطلقها، أي الإسلام يخيّره بين أمرين: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.

إذن نفهم مما ذكرناه بأن الحجاب الشرعي الكامل يحمي المنظومة الأخلاقية من الانهيار والتسافل، ويحمي المرأة من التعرّض للأذى والضرر، وأن فلسفة الحجاب تقوم على أساس أن تغطي المرأة أنوثتها وتبرز إنسانيتها وأما فلسفة السفور فتقوم على العكس.

ولنا في بنات الوحي والرسالة أسوة، ومنهن عقيلة بني هاشم عليها السلام وأخواتها وبنات أخوتها وأرحامها وزوجات الأنصار، اللاتي حافظن على عفتهن وحجابهن حتى في أحلك الظروف وأعظم مصيبة في السماوات والأرض وهو يوم عاشوراء.

ولكن هناك سؤال يرد على نساء الطف في يوم عاشوراء يتعارض مع الستر والحجاب وهو:

ورد في زيارة الناحية المقدسة المرويَّة عن الإمام المهدي عليه السلام 🙁 فَلمَّا رَأيْنَ النِّساء جَوادَك مَخزيّاً، ونَظرْن سَرجَك عليه مَلْويّاً، بَرَزْنَ من الخُدور، نَاشِرَاتِ الشُّعُور، على الخدود لاطِمَات .. ) . فكيف يخرجن (نَاشِرَاتِ الشُّعُور) أمام الرجال الأجانب، وهذا الأمر محرّم في الشريعة؟

الجواب: بغض النظر عن مدى صحة الرواية يمكن اختصار توجيه هذه العبارة بتوجيهين:

الوجهُ الأوّل: أنهن خرجن من خدورِهِنَّ لا إلى المعركة على هذه الحالة ، وإنما بداية خروجهن من الخيمات الخاصة بالنساء إلى فناء المخيم أو الخيمات الأخرى .إذ أن بعض المصادر التاريخية تذكر بأن الإمام الحسين عليه السلام يوم التاسع أمر أن تجعل خيام النساء متوسطة في المُخَيَّم ، بحيث تحيطها باقي الخيمات من الجهات المختلفة .وهذا هو الأمر الطبيعي الذي يقوم به المؤمنون حتى في الأحوال العادية ، حيث يؤمنون لنسائهم أكبر ما يمكن من حال الستر والحفظ والحماية .فلمّا جاء جواد الحسين عليه السلام  وعرفن بعظم المصيبة ، قُمْنَ بما تقوم به كل امرأة ثاكل وفاقد، من البكاء، ونشر الشعر – أي حَلِّه وتَركِه – ، واللَّطم .فخرَجْنَ من خيماتِهِن إلى خارجها ، ولكنَّهُنَّ ما زِلْنَ في داخل المُخَيَّم، ولم يخرجن إلى المصرع بهذه الحالة.[60]

الوجه الثاني: (إن الإمام لم يقل في الرواية: ناشرات الشعور أمام الرجال الأجانب، أم أمام الأعداء ونحو ذلك، بل من الواضح أنّهن ناشرات الشعور فقط، وهذا من الممكن بل المتعيّن أن يكون ضمن التعاليم الدينيّة أو الحجاب الإسلامي، فإذا ضَممنا إلى ذلك هذه الفكرة، وهي: إنّ النساء في الشرق كنّ ولا زلنَ، قد ورثنَ الأمر عن الأجيال السابقة ورأيناه عَياناً، وهو اعتياد النساء في حالة الحزن والمصيبة على الالتزام بنشر شعورهنّ وإرسالها وذلك لأمرين:

أحدهما: أنّ ذلك بنفسه علامة الحزن والحِداد.

وثانيهما: أنّ ذلك ناشئ من إعراضها عن الزينة حزناً، أو من ضيق نفسها عن التمشّط أساساً، إمّا حقيقةً، أو أنّ المرأة تريد أن تُظهر ذلك أمام الآخرين، أو أن تكون في هذا الحال كغيرها من النساء؛ فإنّ التزام النساء بعادات بعضهنّ البعض ممّا هو واضحٌ ومُسلّم.

فإذا ضَممنا هذه الفكرة إلى ما سبقَ أمكننا أن نقول: إنّ نساء الحسين عليه ‌السلام ناشرات الشعور، حِداداً على هذا المصاب الجَلل، وحزناً وإظهاراً لزيادة المصاب، وليس في الأمر ولا في الرواية بالمرّة أنّهنّ كنّ ناشرات الشعور أمام الرجال الأجانب، بل كنّ كذلك في مجتمعهنّ الخاصّ، أعني النساء أمام بعضهنّ البعض.[61]

أقول: وكيف لا ينشرن الشعور لمصيبة بكت عليها السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن ومن ينقلب عليهن … مصيبة قتل فيها إمام زمانهن أبشع قتلة!!…مصيبة فقدوا فيها كل الأحبة صغارا وكبارا!!… مصيبة عرضتهم للجوع والعطش!!! … مصيبة روعتهن برشق السهام وطعن الرماح وحرق الخيم… مصيبة مطاردة الأعداء لهن وسرقة ما يملكن… مصيبة سحق الأطفال بحوافر الخيل …مصيبة البقاء وحدهن بلا ناصر ولا معين … إلى أن جنّ عليهن ليلة الحادية عشر.

(فوقعت حوادث مؤلمة في هذه الليلة، منها أنّ الحوراء زينب الكبرى عليها السلام قامت بجمع النساء والأطفال في مكان واحد، فلما جمعتهم أخذت النساء والأطفال ينظر بعضهم إلى بعض ودموعهم تتحادر على الخدود ويبكون بكاء الثكلى، وأخذوا يسألون الحوراء زينب عليها السلام، هذه تنادي: عمّه زينب أين أبي؟، وذاك تنادي: عمّه زينب أين عمّي؟، وآخر ينادي: عمّه زينب أين أخي؟،

وأخرى تنادي: عمّه زينب أين أخي الرضيع علي الأصغر الضامي، وهكذا تسأل النساء والأطفال عن علي الأكبر وعن القاسم وعون و …. )[62]، بماذا تجيبهم زينب؟ أتقول لهم إنهم صرعى على وجه الأرض؟ أم عندها جواب آخر؟، نعم قامت إليهم، فأخذت تضم الطفلة إلى صدرها لتهدئها عن البكاء والعويل، فإذا هدأت، أخذت الأخرى ضمتها إلى صدرها. وكأني بها في تلك اللحظات، لحظات اللوعة والألم، تلتفت إلى أبي عبد الله الحسين عليه ‌السلام.

(مجردات)

خويه اتحيرت والله ابيتاماك
 
 ما ينحمل يحسين فرگاك
 

والمثل هذا الوكت ردناك

(نصاري)

صاحت يبو اليمه ابدمع جاري
 
 بناتك زيَّدن عگبك مراري
 
يخويه المن اسكت يو أباري
 
 او تدري اشچم طفل عگبك تيتم
 

ولكنها لم تسمع من الحسين جوابا. وأنَّى له بالجواب، وقد فرق بين رأسه وجسده؟ ولهذا حولت بوجهها إلى الغري شاكية مصابها لأبيها أمير المؤمنين عليه ‌السلام:

(مجردات)

بويه عليه الليل هود
 
 وانه حرمه غريبه او مالي أحد
 
بيمن يبويه الگلب يضمد
 
 بالحسين هلعندي امدد
 
وابن والدي العباس مارد
 
 خلصوا هلي الله لحد
 

(مجردات)

يبويه علينه خيَّم الليل
 
 او دارت علينه الزلم والخيل
 
او جسام والأكبر مچاتيل
 
 او عباس مرمي ابغير تغسيل
 
او الحسين بيه مثِّلوا تمثيل
 
 او سجادنه مطروح وانحيل
 

(فائزي)

امسه المسه والنار ما خلت لنا اخيام
 
 صيوان ما ظل تلتجي ابفيه هاليتام
 
اگبل عليه الليل وازدادت الوحشه
 
 او ما شوف غير ايتام تتصارخ ابدهشه
 
او شيخ العشيره احسين محد شال نعشه
 
 مطروح وابجنبه علي الأكبر او جسّام
 
اصبحت واشبول الهواشم حولي اوگوف
 
 وامسيت مالي اگناع اتستر بالكفوف
 
اوما شوف غير أطفال تتصارخ امن الخوف
 
 وين المعزّة او وين زهرة ذيچ الأيام
 

(أبوذية)

يا ناعي دصيح ابصوت وليان
 
 يحيدر يا امطوع الإنس واليان
 
ترى زينب بگت من غير وليان
 
 تحشِّم وينكم يهل الحميه
 

***

أبا حسنٍ تُغضي وتلتذُ بالكرى
 
 وبالكف أمست تَستُر الوجهَ زينبُ[63]
 

[1] الأحزاب/ 53.

[2] الملك/14.

[3] إليك يا ابنتي-الشيخ حسين الخشن-ص 11.

[4] الأحزاب/ 53.

[5] النور/60.

[6] الأحزاب/59.

[7] الميزان في تفسير القرآن السید محمد حسین الطباطبائي –ج16-ص337.

[8] النور/60.

[9] الحجاب-شبكة المعارف الإسلامية-ص83.

[10] موقع عرفان للأستاذ حسين انصاريان/ erfan.ir/ اسئلة وأجوبة/ السؤال: ما هي فلسفة الحجاب؟ ولماذا هو واجب في الإسلام؟

[11] الأحزاب/59.

[12][12] أخلاق أهل البيت (ع) -السيد محمد مهدي الصدر -ص ٣٩٢.

[13] إن هذه العلّة قد ذكرها تعالى أيضا في سورة النور، في ذيل الآية 3، قائلاً: [قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ]، فستر العورة لون من الطهارة الروحيّة، حيث لا يكون الإنسان باستمرار ملتفتاً إلى الأعضاء الدنيا وما يرتبط بها من المسائل. المصدر: الحجاب-شبكة المعارف الإسلامية-ص71-72.

[14] الشمس/9.

[15] الإسراء/85.

[16] الأحزاب/53.

[17] تفسير الميزان -السيد الطباطبائي – ج ٢ – ص ٢٢٣.

[18]  زاد المبلغات-مياسة شبع-ج8-محاضرة بعنوان (مخاطر التبرج والسفور).

[19] ومن هنا فقد حرّم الإسلام الخصاء وكل ما يؤدي إلى العقم الدائم، ورفض التبتّل والرهبنة والعزوف عن الزواج؛ لأنه يمثل خروجا عن الفطرة السليمة.

[20] إليك يا ابنتي-الشيخ حسين الخشن-ص20-21-بتصرف.

[21] الوسائل-الحر العاملي-ج 14 -ص113 / 5 .

[22] مكارم الأخلاق -الشيخ الطبرسي – ص ٧٩.

[23] وسائل الشيعة-الحر العالمي- ج 20 -ص22.

[24] البقرة/143.

[25] إليك يا ابنتي-الشيخ حسين الخشن-ص21.

[26] الحجاب-سلسلة المعارف الإسلامية الثقافية-ص54.

[27] ق/30.

[28] شبكة رافد/ stage3.rafed.net / مجلة ريحانة الالكترونية/ المرأة في المجتمع/ فلسفة الحجاب في الإسلام-بتصرف.

[29] الطفل بين الوراثة والتربية-الشيخ محمد تقي فلسفي-ص 268.

[30] الإيرانية ـ العدد | 10623.

[31] الحجاب الدرع الواقي -السيد محمد الحسيني الشيرازي-ص9.

[32] راجع للتفصيل كتاب (تجارة النساء في اوروبا) تأليف كريس دي ستووب.

[33] https://www.lenouveleconomiste.fr/les-naissances

hors-mariage-deviennent-de-plus-en-plus-la-norme-dans-

/de-nombreux-pays-29529

[34] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – ج ١١ – ص ٨٢.

[35] الحوار المتمدن/ ahewar.org / ملف 8 آذار / مارس يوم المرأة العالمي 2017 – أثر النزاعات المسلحة والحروب على المرأة – الأسعد بنرحومة – اضطهاد المرأة … بين رؤية الثقافة وممارسة الفعل.

[36] الحجاب الدرع الواقي -السيد محمد الحسيني الشيرازي-ص26.

[37] أخلاق أهل البيت (ع) -السيد محمد مهدي الصدر -ص ٣٨٦-387.

[38] م.ن -ص ٣٨٧.

[39] شبكة المعارف الإسلامية/ almaaref.org / أخلاق وسنن/ الأخلاق والآداب الإسلامية الحقوق/ حقوق الأسرة/ حقوق المرأة المزيفة.

[40] أخلاق أهل البيت (ع) -السيد محمد مهدي الصدر -ص ٣٨٧.

[41] الميزان في تفسير القرآن -السید الطباطبائي -ج 16 ، ص 339.

[42] التفسير الكاشف -محمد جواد مغنية -ج6-ص 239.

[43] معجم المعاني الجامع، من موقع المعاني الالكتروني: https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D8%B4/

[44] الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – ج ١١ – ص ٨١.

[45] المصدر -منظمة الكومنولث

The Commonwealth Fund, Health Concerns Across a Woman’s Lifespan: 1998 Survey of Women’s Health, May 1999

[46] المصدر -المعهد الأمريكي للعدل.

The Centers for Disease Control and Prevention and The National Institute of Justice, Extent, Nature, and Consequences of Intimate Partner Violence, July 2000

[47] إن مقر هذا المعهد في إسبانيا ويسمى (معهد المرأة)، وهو معهد عالمي معترف به تجرى فيه جميع الدراسات حول وضع المرأة ويرفع تقريراً سنوياً عن أحوال المرأة، والأرقام التي يبينها التقرير تتناول وضع المرأة في دولتين غربيتين هما إسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

[48] التقرير السنوي المسمى بـ: (قاموس المرأة) الصادر عن معهد الدراسات الدولية حول المرأة ومقره مدريد، نقلا عن إسلام ويب/ islamweb.net / المركز الإعلامي/ الأسرة تحرير .. أم تغرير/ معهد المرأة الإسباني: الوضع النسائي في الغرب كارثي.

[49] موقع الشیعة/ ar.al-shia.org / الأسرة/المرأة/ المرأة في نظر الغرب

[50] نقلا عن موقع https://www.independent.co.uk/news/uk/home-news/men-sexual-assault-clothes-women-victim-blaming-rape-a8792591.html?fbclid=IwAR3-5Vxw2Ok2Qqr6v5iDEDWFkxBMRGhdEq5FQIIVrM20VuEjnIYZ7FaeyYA_aem_AbXkA7EocvK23dNkLPEEzzc4Mc4l6_ijrfXmTkHfTMqjNYQTBKGWPzKec8H7ck6rNTjaVrDkkZEY0aqGgv8aMOGo

[51] العلل/ 565

[52] قال تعالى مخاطباً النساء: (وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) النور : ٣١ ، فالعمل الذي يجذب انتباه الرجال فتتحرّك شهواتهم ومشاعرهم الجنسية لا يجوز.

[53] أوضاع المرأة المسلمة ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي -الشيخ حسن الجواهري –ص112-113.

[54] المائدة/44.

[55] المائدة /45.

[56] المائدة/47.

[57] جامع أحاديث الشيعة -السيد البروجردي -ج ٢٠ -ص ٢٧٧.

[58] موقع فوري نيوز/fawry.news /عام/ إحصائيات العنف ضد المرأة في العالم-بتصرف.

[59] الإسلام سؤال وجواب/ islamqa.info / العلم والدعوة/ الدعوة/ دعوة المسلمين/ تظن أن الإسلام لا يناسب المرأة الحديثة.

[60] إعداد: مركز آل البيت العالمي للمعلومات / قم المقدسة، نقلا عن موقع الشیعة/ ar.al-shia.org/ أسئلة وأجوبة/ الرد على الأسئلة/ العامة/معنى قول الإمام ناشرات الشعور.

[61] أضواء على ثورة الحسين ع-السيد محمد باقر الصدر-ج1-ص183. ونضيف: (فإن قال قائل: إنّ هذا الوجه مُحتمل وليس أكيداً، قلنا: إنّه بعد التنزّل عن كلّ ما سبق ممّا يقتضي كونه أكيداً، فإنّ مجرّد الاحتمال هنا يكفينا، كأطروحة موهِنة للاستدلال بهذه الرواية ضدّ نساء الحسين عليه‌ السلام، أو قيامهنّ بالمحرّمات، وإذا دَخلَ الاحتمال بطلَ الاستدلال) نفس المصدر.

[62] مصائب آل محمد-محمد الاشتهاردي-ص400-401.

[63] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج2-ص245-247.