يَوْمَ ١٧ صَفَرٍ: شَهَادَةُ الْإِمَامِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

يَوْمَ ١٧ صَفَرٍ: شَهَادَةُ الْإِمَامِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ

عنوان المحاضرة: الانتظار بين السلب والإيجاب

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

«أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله».[3]

أحاديث الانتظار الواردة عن محمد وآل محمد عليهم السلام أحاديث عديدة، ومنها الأحاديث المروية عن نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله، والتي بلغت حدّ الاستفاضة، وهي مروية في كتب الخاصة والعامة، ونذكر منها ما يلي:

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «أفضل العبادة انتظار الفرج”.[4]

-وعنه صلى الله عليه وآله: “أفضل العبادة انتظار الفرج، أي: انتظار الفرج بظهور المهدي”.[5]

-وعنه صلى الله عليه وآله: “انتظار الفرج بالصبر عبادة “.[6]

-وعنه صلى الله عليه وآله: “انتظار الفرج من الله عبادة”.[7]

-وعنه صلى الله عليه وآله:” أفضل جهاد أمّتي انتظار الفرج”.[8]

-وروي عن الإمام الجواد عليه السلام: «أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج».[9]

مباحث الرواية النبوية الشريفة

المبحث الأول: ما المقصود بانتظار الفرج؟

  الانتظار في اللَّغة بمعنى الترقُّب[10]، والتربُّص[11]، وهو «حالة نفسانيَّة ينبعث منها التهيّؤ حينما تنتظره، وضدّه اليأس، فكلما كان الانتظار أشدّ كان التهيّؤ آكد…»[12]. وأما الانتظار في الاصطلاح فهو يعني: ترقب ظهور الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت  ، الذي سيخرج ليقيم دولة عالمية يملأها قسطًا وعدلًا، كما ملئت ظلمًا وجوراً، ويُظهر به دين الإسلام على جميع الأديان كما أخبر به الله تعالى نبيه الأكرم ووعده بذلك قائلاً: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾.[13]

المبحث الثاني: الانتظار السلبي والإيجابي

  إنَّ معرفة كيفية الانتظار أمر مهمّ جدَّاً لأنَّنا نتحدَّث عن فترة طويلة استمرّت قروناً حتَّى الآن، ومرَّ فيها أجيال وأجيال، ضمن ظروف مختلفة وفرص متفاوتة، ولا يمكن ترك هذه الأجيال بلا تكليف واضح ومحدَّد، فما هو تكليف هذه الأجيال في هذه الفترة؟ وكيف من المفترض أن يكون انتظارها لظهور الإمام الحجّة -عجل الله فرجه الشريف-ولتحقّق الفرج على يديه؟

  الجواب: (هناك نهجان مختلفان ومتناقضان متصوّران لكيفية الانتظار، ولتكليف المؤمنين في زمان الغيبة الكبرى للإمام الحجّة -عجل الله فرجه الشريف-:

  الانتظار السلبي: والمقصود منه أن يبقى الإنسان جالساً دون أيِّ حراك أو فعاليَّة تذكر، ودون أن يقوم بأيِّ عمل تغييريّ، ويكتفي بمراقبة علامات الظهور، وما تحقّق منه؛ ليزداد أمله بقرب الظهور، كما لو استشعر تحقّق شيء منها، وهذا يعني أنَّ الوظيفة الأساسية للمؤمنين في عصر الغيبة هي أن يعيشوا أمل ظهور الإمام -عجل الله فرجه الشريف-دون أن يسعوا لتغيير الواقع الاجتماعيِّ والسياسيِّ.

  الانتظار الإيجابي: والمقصود منه ألا يقف الإنسان مكتوف اليدين ساكناً، حتَّى يتحقّق الفرج بظهور الإمام، وإنَّما يقوم بالواجبات الشرعيَّة الملقاة على عاتقه سواءً كانت فرديّة أم اجتماعيَّة، أو لها علاقة بالنظام والحكم.[14]

فأيُّهما هو الانتظار الصحيح والمطلوب شرعاً؟

سنجيب عن ذلك من خلال الأدلة الشرعية الآتية:

أولاً: الدليل القرآني، ونذكر منه آيتين:

1. قوله تعالى:﴿ وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ أنا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا أنا مُنتَظِرُونَ﴾[15]فالقرآن الكريم يخبرنا بأن الرسول   كان ينتظر النصر والفتح، ولكن هو الذي كان يمهّد للنصر والفتح لا غيره، ولم يكن يطلب أن يأتيه النصر منحة خالصة من السماء دون ثمن.

فالرسول   أثناء انتظاره النصر كان يبلّغ ويبشّر وينذر ويهاجر ويدعو ويقاتل، حتى كسرت رباعيته وشجت جبهته، وكان يعمل كل شيء في سبيل النصر، إذن الانتظار في القرآن، وعند رسول الله   رديف العمل﴿ اعمَلُوا على مَكانَتِكُمْ، أنا عامِلُونَ ﴾،﴿ وَانْتَظُرُوا أنا مُنْتَظِرُونَ ﴾، فهناك انتظار مقترن بالعمل.[16]

2. قوله تعالى﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾.[17]

  هذه الآية الكريمة لطالما كان يرددها الإمام الحسين حينما يستأذنه أصحابه للقتال في يوم عاشوراء، فأصحاب الرسول وأصحاب الأئمة الذين كانوا يقاتلون تحت رايتهم المباركة، منهم من قضى نحبه بنيل الشهادة، ومنهم من ينتظر.

  يا ترى كيف كان انتظارهم؟، هل كان انتظار الرجل الذي لم يستشهد يتمثّل بالتنحّي عن المعركة، ووضع اليد على الخد منتظرًا تحقق النصر؟، أم المقصود بانتظاره هو سعيه وجهاده وقتاله، وبنفس الوقت كان ينتظر نيل إحدى الحسنين إما النصر أو الشهادة!!

  بالتأكيد المقصود منه المعنى الثاني، فالرجل المتخاذل مذموم شرعاً وعقلاً، في حين أن الآية بصدد مدح هؤلاء المنتظرين.

ثانياً: الدليل الروائي، في الشريعة بعض النصوص الروائية التي تثبت أن المراد بالانتظار الترقّب المقترن بالعمل، لا الترقب وحده، ونذكر منها ما يلي:

1. روايات الانتظار، ومنها الرواية-محل البحث-المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عز وجل”.[18]

ركّزوا على كلمة (أعمال)، فالروايات لم تقل: «أفضل أشياء»، أو «أفضل أمور «بل قالت «أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج»، ومقتضى المناسبة بين الموضوع والمحمول أن يكون أفضل الأعمال عملًا أيضًا، فالانتظار عمل وليس أمرًا آخر. أي هو ليس من قبيل انتظار الأسير للفرج، الذي لا يستطيع القيام بعمل ما لكونه مقيّداً، فهذا النوع من الانتظار انتظار انفعالي، في حين أن الانتظار في زمن الغيبة يحتاج إلى سعي وعمل.

 فمثلًا: أنا عندما أقوم بوضع البذرة في التربة، وأقوم بتسميد التربة، وأقوم بسقي التربة، كل هذا انتظارٌ للثمرة، هذا الانتظار هو الانتظار الفعلي، سقيت التربة ماء منتظرًا لثمرها وبركاتها، هذا انتظار فعلي. الإنسان إذا دخل الجامعة وكتب رسالة ماجستير أو دكتوراه ينتظر الشهادة، هذا انتظار فعلي، عملت عملًا والآن أنتظر ثمرته، هذا يسمى انتظار فعلي، بينما الشخص الذي لا يحرث ولا يبذر ولا يسقي إذا قال: «أنا أنتظر الزرع» سيضحك عليه الناس، وكذلك الحال مع الذي ينتظر نيل الشهادة ولم يدرس ويمتحن، وهذا الأمر ينطبق مع الذي يدّعي أنه ينتظر الإمام المهدي عج ولم يتهيأ لقدومه بإصلاح نفسه والآخرين.[19]

2. الرواية المروية عن الإمام الصادق عليه السلام: «… من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر».[20]

  فالإمام الصادق عليه السلام لم يكتف بقول (فلينتظر) وسكت، بل قرنها بقوله: (وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر) أي وجب أن يكون حاله أثناء انتظاره منشغلاً بالعمل بالورع ومحاسن الأخلاق.

  بعبارة أخرى: إن المُنتظِر وجب عليه أن يكون مستعداً للقاء الإمام في أي لحظة؛ لذا وجب عليه أن يهيئ نفسه ليكون جندياً مطيعاً لأوامر مولاه.

ولتقريب المطلب: لنفترض أن دولة ما أعلنت بأن هناك حرباً قريبة، ووجب على الشباب الذين مواليدهم سنة 2000م أن ينتظروا لحظة تبليغهم ليدافعوا عن الوطن والدين.

  فهل الأمر بالانتظار يعني أن ينتظر الشباب في بيوتهم ويلهوا ويلعبوا ويناموا، ولا يعملوا عملاً زائداً على حياتهم اليومية الروتينية؟، أم وجب عليهم من لحظة سماعهم الإعلان أن ينضموا لمعسكرات التدريب؛ من أجل إعداد أنفسهم وتدريبها على القتال؟

  الجواب: بالتأكيد وجب عليهم الانضمام لمعسكرات التدريب ليتدربوا على كيفية حمل السلاح وحماية أنفسهم والآخرين، وعلى تحمّل الصعاب والمشقة؛ لذا يتعمّد المسؤولون في المعسكرات بوضع الحواجز والعوائق، ويطلبون من الجنود اجتيازها، كوضع الأشواك والأسلاك الشائكة والنيران والمرتفعات، وفي نفس الوقت يرمونهم بطلقات نارية وهمية، ووظيفة الجندي أن يحمي نفسه من الطلقات النارية، وبنفس الوقت يجتاز العقبات الموضوعة أمامه.

قد يفشل الجندي في البداية ولكن بالتدريج وبالاستمرار في التدريب سيكون أكثر قوة وصلابة، وسيـأخذ العبرة من الأخطاء التي وقع فيها إلى أن ينجح ويكون في النهاية رجلاً شهماً مؤهلاً للقتال بين يدي قائده في أي لحظة.

وأتذكر جدّاتنا حينما يكون ولدها متمرداً ومتذمراً أنها كانت تطلب منه الالتحاق بالجيش لأنها تعلم أن التدريب سيجعله رجلاً مطيعاً متحملاً للمسؤولية.

  وهذا المثال ينطبق على حالنا في زمن الغيبة، فالشريعة حينما تطلب منّا الانتظار، أي: ننتظر تلك اللحظة التي يظهر فيها صاحب الأمر والزمان عج، فهل الأمر بالانتظار يعني ألا نعمل عملاً زائداً على حياتنا اليومية الروتينية من الأكل والشرب والنوم والترفيه والعمل والدراسة… إلخ؟، أم وجب علينا إعداد أنفسنا وتدريبها على القتال بالانضمام في معسكرات التدريب؟

   الجواب: لا بد من إعداد أنفسنا وتدريبها بالانضمام في معسكرات التدريب.

  ربما تسأل إحداكن: أين هي معسكرات التدريب لألتحق بها؟، فلقد اشتقت إلى سيدي ومولاي المهدي عج، وأريد أن يراني مؤهلة ومستعدة للقتال بين يديه…. فلسان حال المشتاق لإمام زمانه هو «… مَتى تَرانا وَنَراكَ وَقَدْ نَشَرْتَ لِواءَ النَّصْرِ؟ تُرى أَتَرانا نَحُفُّ بِكَ وَأَنْتَ تَؤُمُّ المَلأَ وَقَدْ مَلَأْتَ الأَرْضَ عَدْلاً وَأَذَقْتَ أَعْداءَكَ هَواناً».[21]

  الجواب: أن معسكر تدريب كل واحد منّا هو (نفسُه)، وأن العقبات والمخاطر التي في معسكرات التدريب الميدانية المتمثلة بالنيران والأشواك والمرتفعات والماء الآسن والطلقات النارية والمتفجرات، ستكون-هذه العقبات والمخاطر-في (نفس كل واحد منّا) عبارة عن الشيطانُ والنّفسُ الأمّارةُ بالسّوء، فهما عدوان للإنسان، وتكليفنا هو رفض طاعتهم والانتصار عليهم.

  أمّا الشّيطانُ فهو العدو الأول للإنسان، فإنّ أغلبَ ما نشاهدُ مِن مآسٍ جرّت الإنسانَ والبشريّةَ إلى الهاويةِ هيَ مِن ألاعيبِ الشّياطينِ والأبالسةِ ووساوسِهم، قال تعالى:﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.[22]

  ومعلوم أن هناك نوعين من الشياطين، أحدهما «شياطين الجن» التي توحي إليك بفعل المحرّم، وهناك «شياطين الإنس»، أي: شيطان الجن يوسوس لبعض الناس لكي يقنعوك بالحرام كأصدقاء السوء.

  أمّا النّفسُ الأمّارةُ فهيَ العدو الثاني للإنسان، (فهي بطبيعتِها ميّالةٌ إلى اتباع الشّهواتِ والهوى واللّذّاتِ واللّهوِ واللّعبِ والكسلِ، وتحبُّ الجاهَ والمنزلةَ والمِراءَ والخصومةَ والتّعالي، ومتمرّدةٌ على خالقِها مُتنفّرةٌ عنِ العبوديّةِ؛ ولِذا تشقُّ عليها العباداتُ كالصّلاةِ بسببِ الكسلِ، أو الحقوقِ الماليّةِ بسببِ البخِل، أو كالحجِّ بسببِ الكسلِ والبُخل).[23]

  والشريعة حذرتنا من اتباع الهوى والشهوات، روي عن الإمام علي عليه السلام: “الشهوات سموم قاتلات”.[24]

  والمطلوبُ منَ العبدِ أن يطوّعَ نفسَه الأمّارةَ بالسّوءِ لقوّتِه العاقلةِ، المتمثلة باتباع أوامر قائده ومولاه الإمام المهدي عج، الذي بدوره أمرنا بالرجوع إلى مراجع الدين العدول بقوله عليه السلام: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله».[25]

  فالرجوع إلى أحكام الله تعالى يعد من الجهاد الأكبر، فقد روي عن أميرُ المؤمنينَ عليه السلام: «إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله بعثَ بسريّةٍ، فحينما رجعوا قالَ: مرحباً بقومٍ قضوا الجهادَ الأصغرَ، وبقي عليهم الجهادُ الأكبر. 

  قيلَ: يا رسولَ اللهِ وما الجهادُ الأكبرُ؟ قالَ: جهادُ النّفسِ، ثمَّ قالَ -صلّى اللهُ عليهِ وآله: أفضلُ الجهادِ مَن جاهدَ نفسَه التي بينَ جنبيه.[26]

  وجهاد النفس يحتاجُ إلى مراقبةٍ ومحاسبةٍ مستمرّةٍ طويلةٍ؛ إذ الغفلةُ عنها لحظةً واحدةً ربّما تجلبُ البلاءَ الطّويلَ على الإنسان، مع الاستعانة بالصّبرِ والالتجاء إلى اللهِ بالدّعاءِ ليعينَه على نفسِه. 

  فالمرأة المؤمنة التي تنتظر إمام زمانها وجب عليها أن تؤهل نفسها للانضمام إلى معسكر الإمام المهدي عج، فلو كانت تخالف بعض أحكامه، كأن تخرج متبرجة ومتزينة أمام الرجال الأجانب فحتما سوف تُطرد وتُحرم من الدخول والانضمام لمعسكر إمام زمانها؛ لأنها تعد مصدرَ إغواء لجنوده، وستكون سبباً في إيقاع الرجال في شباكها، في حين أن الإمام المهدي عج يريد امرأة عفيفة تشجّع الرجال على الالتحاق والثبات تحت رايته الشريفة؛ لذا وجب على المؤمنة الموالية والمنتظرة لإمام زمانها إذا حاول الشيطان، أو النفس الأمارة بالسوء إغواءها بمعصية الله تعالى أن تتحداهما قائلة: «تباً لكما، أتريدان إخراجي من معسكر إمام زماني؟، والله لن أسمح لكما بذلك، فرغماً عنكما سأبقى مطيعة لإمام زماني إلى أن أموت وربي وأئمتي راضون عني»

  فالانتظار الذي تأمرنا به الشريعة في زمن الغيبة في عشرات الروايات يعني حالة ترقب مصحوبة بالسعي والجهاد المستمر، والعمل لإصلاح النفس والمجتمع والعالم، وإعلاء كلمة الله، وهذا العمل يتمثل بالالتزام الكامل بتطبيق الأحكام الشرعية في العلاقات والمعاملات والعبادات، والسعي لإيجاد شرائط الظهور بأن نجنّد أنفسنا لنكون من أنصار الإمام المهدي (عج).

  بعبارة أخرى: (إن انتظار المصلح، «العالمي» معناه الاستعداد الكامل فكرياً، وأخلاقياً، مادياً، ومعنوياً، الاستعداد لإصلاح العالم كله، فتصوروا أن مثل هذا الاستعداد كم يكون بناءً؟!).[27]

المبحث الثالث: مدلولات الرواية الشريفة

  أحاديث الانتظار لها دلالات مهمة، جعلت الانتظار أفضل من كل الأعمال والعبادات والجهاد، ونذكر منها المدلولات الآتية:

1-المدلول التربوي: الانتظار يعني الإعداد، لا معنى للانتظار إلا الإعداد، ليس الانتظار أمراً متقوقعاً في داخل النفس، ليس الانتظار أملاً محتجباً في داخل النفس، الانتظار إعداد، مثلاً عندما تقول الدولة للمواطنين: انتظروا زلزالاً، هل معنى هذا الانتظار أن يبقى الناس في بيوتهم، ويقولوا: لا حول ولا قول إلا بالله، أو معنى الانتظار أن يستعدوا للاحتياط ولدرء مفاسد هذا الزلزال.

عندما أقول لأسرتي: انتظروا مجيء الضيف، هل معنى انتظار مجيء الضيف أن يبقوا دون إعداد لوليمة، ودون إعداد لاستقباله.

  إذاً معنى الانتظار بمدلوله التربوي هو الإعداد، لذلك إنما قال النبي صلى الله عليه وآله: أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج، يعني أفضل أعمال أمتي إعداد الأمة لأن تكون من أنصار هذا الإمام الموعود، إعدادها ثقافياً، إعدادها سلوكياً، إعدادها روحياً، إعداد الأمة لأن تكون أرضية صالحة؛ لاستقبال دولة الإمام، ونصرة الإمام عج.[28]

  بل إن الفرج بظهور الإمام المهدي عج لا يتحقق إلا بتحقق شروطه، ومنها: وجود العدد الكافي من الأصحاب والأنصار المخلصين، وهذا يحتاج انتظاراً إيجابيًا من قبل الموالين، انتظار مقرون بسعي وجدٍ واجتهاد وورع وسداد، روي عن أبي عبد الله عليه السلام: «أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون».[29] 

  فالله أبى أن يُجري الأمور إلا بأسبابها، فحينما نأتي إلى قضية النصر، نجد أن الله تعالى تارة ينسب النصر إليه، قال تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾[30]، فالأخوات اللاتي درسن اللغة العربية يعرفن أن (ما، وإلا) تفيد الحصر، أي: أن الآية تدل على أن النصر منحصر بالله لا غير؛ فهو الناصر الوحيد، ولكن حينما نأتي إلى آيات أخرى نجدها تنسب النصر إلى غيره كنسبته إلينا نحن المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿ يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾[31]، وقوله: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ.. ﴾[32]، أي يطلب الله منا أن نعد العدة لنحقق النصر. قد يعتقد بعضهم وجود تعارض ما بين النسبتين، ولكن لا تعارض فالنسبة إلى الله تعالى هي على نحو الاستقلالية، بينما النسبة الثانية لغير الله فهي على نحو التبعية، أي من تمسك بأسباب النصر كتجهيز القوة والعدة والعدد فبأذن الله وحوله وقوته سينتصر.

  ونحن حينما نطلب من الله أن يحقق لنا النصر العالمي بظهور الإمام المهدي عج الله تعالى فرجه، فهل ننتظر أن يتحقق هذا النصر بمعجزة لمجرد أن ندعو الله، دون أن نسعى ونجاهد، ونعمل لإصلاح أنفسنا والمجتمع؟، أم أن النصر يحتاج إلى سعي وعمل وجهاد -كما وضحنا-؟

  يجيب عن هذا السؤال الإمام الصادق عليه السلام حيث قال له أحدهم: إنهم يقولون: إن المهدي لو قام لاستقامت له الأمور عفواً ولا يهريق محجمة دم، فقال عليه السلام: (كلا، والذي نفسي بيده لو استقامت عفواً لاستقامت لرسول اللّه صلى الله عليه وآله حين أدميت رباعيته وشج في وجهه، كلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق ثم مسح جبهته).[33]

ما أعظمها من رواية تلخص المطلوب لتحقق المشروع الإلهي الأعظم وهي:

1-حضور الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه وقيادته للمشروع، حين قال: نحن…

2-وجود أنصار مهيئين وجاهزون، قال: وأنتم…

3-العمل مشترك من القيادة (الإمام) والقاعدة حيث عبر بــ:… نمسح…

4-العمل على نوعين:

أ-جهد وكد وتعب: (… نمسح العرق…)

ب-جهاد بما يعني الجرح والقتل: (… نمسح… والعلق….)

واللافت أن الإمام استخدم القسم مرتين، بالذي نفس المعصوم بيده مكرراً النفي بكلا بعد كِلا القسمين، الأول لنفي التوهم الوارد في السؤال عن عدم الحاجة إلى العمل والجهاد للتمهيد، والثاني لتأكيد احتياج الأمر إلى جهاد وجهد وبذل دماء.

وهذا يعني وجود أفراد على جهوزية عالية عقائدياً ونفسياً وبدنياً، ومن حيث الكفاءات لاستقامة أمر القائم‏ عجل الله تعالى فرجه.[34]

إذن نفهم من ذلك أن انتظارنا لظهور الإمام المهدي عليه السلام كان له دور كبير في إعداد أنفسنا وتهيئتها وتربيتها وفق النهج المحمدي الأصيل لنحظى أن نكون من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه.

2- المدلول العقائدي: المقصود بانتظار الفرج يعني الاعتقاد بأن الله يحقق أهدافه ومواعيده، فالله وعد المؤمنين بإقامة دولة إسلامية عالمية، يسودها العدل والقسط والأمن، لا يظلم فيها أحد ولا يخاف فيها أحد، وهذه العقيدة أخذناها من كتاب الله وروايات محمد وآله ، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.[35]

فالإيمان بأن الله لا يخلف وعده؛ لأن خلف الوعد قبيح، والإيمان بأن الله يحقق هدف جميع الأنبياء والرسل بإقامة الحضارة الإسلامية الكاملة المعتمدة على العدالة التامة[36] وله دور كبير في بث روح الأمل والرجاء في نفوس المؤمنين، ويكسبهم قوة وعزيمة على تحدي الصعاب فلا يصيبهم اليأس بما يلاقونه من ظلم واستكبار وجور.

  مثال: فرق بين من غرقت سفينته وهو في وسط أمواج البحر لا يرى أي أمل لإنقاذه، وبين من يرى سفينة من بعيد، فالأول يستسلم للموت بسهولة، والثاني يقاوم لأنه صار عنده أمل بأن السفينة ستنتشله قريبًا.

  إذن الانتظار له مدلول عقائدي ونفسي للإنسان المنتظر، فالإنسان الذي يعيش التحديات والصراع اليومي، ويعيش الابتلاءات والامتحانات المتعددة، والضغوطات اللامتناهية من قتل وذبح وتشريد وفقر…إلخ، قد ييأس ويتأثر وينحرف عن الحق والصراط المستقيم، رغم أنه ظاهراً يصلي ويصوم.

ولكن لو أتينا إلى هؤلاء الذين ثبتوا ولم ينحرفوا رغم ما يعانونه من الشدة نجد أن هناك عاملًا مهمًا ساعدهم على الاستقامة والثبات ألا وهو انتظار فرج ظهور الإمام المهدي (عج).

3- المدلول الروحي: فالانتظار الإيجابي هو وسيلة لتكامل الروح وتزكيتها، قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ﴾[37]، وبما أن الظروف التي يعيشها المنتظر -في زمن الغيبة-  ظروف قاسية وصعبة بسبب امتلاء الأرض ظلمًا وجورًا؛ لذا فإن عبادة الله في الأرض لن تكون سهلة ويسيرة، ولذلك فمن يتحدى هذه الظروف ويعبد الله سينال ثوابًا أعظم، وستتكامل روحه أسرع، فمقياس الأفضلية بين الأعمال يختلف باختلاف الموارد و الأفراد و الأزمان و الأماكن و ما إليها من الأمور المؤثرة في جعل ذلك العمل أفضلَ من غيره من الأعمال، وعندما نأتي إلى الصلاة التي هي أفضل العبادات بل وعمود الدين، نجد أن ثوابها وفضلها ليس بثابت بل يختلف حسب الحالات الآتية:

1-لو أدى المكلف صلاته خاشعًا فهي أفضل من أن يؤديها بغير خشوع.

2-لو أدى الصلاة في مكان مقدس ستكون أفضل من أدائها في البيت.

3-لو أدى الصلاة في أزمنة مقدسة، كأيام شهر رمضان فثوابها أعظم من غيرها، ومن أداها في أول وقتها فهي أفضل من آخره.

4-لو أداها في جماعة فهي أفضل من الفرادى.

5-لو أداها المتزوج فهي أفضل من أن يصليها الأعزب.

6-وأيضا من تلك الموارد التي تكون الصلاة فيها أفضل من غيرها هو أداؤها في البأساء والضراء. فمثلا من يعبد الله بدولة يحكمها طاغية كافر ظالم، ستكون عباداته مشوبة بالخوف، مشوبة بالقلق؛ لأن ضغوط الدول الاستعمارية، وضغوط الدول الاستكبارية تحيط عبادة الإنسان المسلم، وممارسته لطقوسه بنوع من الخوف وبنوع من القلق، وبما أن الشيعة الذين يعيشون في شرق الأرض وغربها في زمن الغيبة مظلومون ومضطهدون من قبل طواغيت زمانهم، وحتى دول الغرب التي تدّعي الحرية والديمقراطية صارت تفرض على الأولاد قوانينَ لتجبرهم على التخنيث، وممارسة الزنا، والشذوذ الجنسي، لذا صارت عبادة الله وطاعته طاعة مطلقة فيها نوع من الخوف والمعاناة، ولكن لزم أن نعرف أن الثواب المترتب على تحدي الصعاب من أجل عبادة الله وطاعته في السراء والخوف، أي في زمن الغيبة والفتنة هو أفضل بكثير من العبادة والطاعة في السراء والأمن كزمن ظهور الإمام المهدي عليه السلام، فقد ورد في الرواية المعتبرة عن عمار الساباطي قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: العبادة مع الإمام منكم المستتر في السر في دولة الباطل أفضل؟ أم العبادة في ظهور الحق ودولته مع الإمام الظاهر منكم؟ فقال: يا عمار الصدقة في السر والله أفضل من الصدقة في العلانية».[38]

المبحث الثالث: لماذا الأفضلية لانتظار الفرج؟

   ربما يتساءل بعض الناس أنّه كيف يكون انتظار الفرج أفضل العبادة، بل أفضل الجهاد، بل أنّه أفضل أعمال الأمّة، وما هو الوجه في ذلك؟

فهل انتظار الفرج أفضل من الصلاة التي هي (عمود الدين إن قُبلت قُبل ما سواها، وإنْ ردّت ردّ ما سواها)[39]، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله.

 وهل انتظار الفرج أفضل من الصيام؟ الذي قال فيه المولى عز وجل في الحديث القدسيّ: (الصوم لي وأنا أجزي به)[40].  وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الصوم جُنّة من النار).[41]

 وهل انتظار الفرج أفضل من الحجّ الذي من تركه كفر، كما هو مفاد قوله تعالى:﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين ﴾[42] ؟!

 وهل انتظار الفرج أفضل من الجهاد في سبيل الله -عزّ وجلّ؟ الذي فيه بذل النفس في سبيل الله تعالى، وقيل: الجود بالنفس غاية الجود، وقال فيه عز اسمه: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأنفسهم أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ الله وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾[43]، وغير ذلك من العبادات؟

  أقول: بعد أن عرفنا مدلولات الانتظار، ومنها المدلول العقائدي، سنعرف أنّ انتظار الفرج أفضل من كلّ العبادات بعد معرفة الله -عزّ وجلّ؛ لأنّ أساس مفهوم الانتظار وملاكه هو التسليم النفسـيّ المطلق للإيمان بالغيب بعد معرفة الله -تعالى، الذي هو من أجَلّ المقامات وأسماها في الدين، والانقياد حينما رسمه المولى -عزّ وجلّ-لإنقاذ البشريّة والتعبّد به.

   قال تعالى: ﴿ الم ذَٰلِكَ الْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾[44]، ومن الإيمان بالغيب وجود الإمام المهديّ عليه السلام، وأنّه حيٌّ يُرزق وغائب مستور عن الأنظار؛ وذلك بأمر الله -عزّ وجلّ، كغياب السيّد المسيح والخضر عليهما السلام، وكاختفاء إبليس -لعنه الله- منذ خلق آدم عليه السلام، وطول أعمارهم، فمن يشكّك بقدرة الله -تعالى- في حياة المهديّ عليه السلام لا بدّ أن يشكّك بقدرته هناك أيضًا، ومن يؤمن بقدرة الله -تعالى- بطول حياة عيسى والخضر عليهما السلام  يقتضي أن يؤمن بقدرته هنا؛ لأنّ حكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز واحد.

  فإنّه بهذا التسليم النفسيّ المطلق يتحقّق كمال الطاعة، وغاية الانقياد والخضوع له -عزّ وجلّ-وما يستتبع ذلك من انتظار الفرج بظهور المنتظر -عجّل الله تعالى فرجه الشـريف، والإيمان به كحقيقة ثابتة مسلّمة نابعة عن التسليم الروحيّ والإيمان الراسخ حينما بَشّر به الرسول وآل الرسول عليهم السلام بذلك، روي عن أبي الجارود من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام: «قلت لأبي جعفر عليه السلام: يا ابن رسول الله هل تعرف مودّتي لكم وانقطاعي إليكم، وموالاتي إيّاكم؟ فقال: نعم، والله لأعطينّك ديني ودين آبائي الذي ندين الله -عز وجل-به «شهادة ألا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، والولاية لولينا، والبراءة من عدونا، والتسليم لأمرنا، وانتظار قائمنا، والاجتهاد والورع».[45]

فإنّ هذا التسليم الروحيّ المطلق في أمر غيبيّ كانتظار فرج قائم آل محمّد -عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وهو لا يعلم متى، وأين، وكيف تكون الخاتمة يدلّ على صدق الإيمان، وكمال الطاعة، والانقطاع التامّ إلى الحقّ -عزّ وجلّ-والتسليم بما أنزله على نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وبَشّر به.[46]

إذن نفهم من روايات الانتظار بأن الشريعة تؤكد على ضرورة انتظار ظهور الإمام المهدي عليه السلام الذي سيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، وهذا المعنى كان يؤكد عليه الأئمة المعصومون من آبائه وأجداده، ومنهم صاحب الذكرى الإمام الرضا عليه السلام، حيث روي عن الهروي قال: «دخل دعبل على أبي الحسن الرضا عليه السلام بمرو فقال له: يا بن رسول الله؟ إني قد قلت فيكم قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحدا قبلك فقال عليه السلام: هاتها. فأنشده فلما بلغ إلى قوله:

أرى فيأهم في غيرهم متقسما وأيديهم من فيئهم صفرات

 بكى أبو الحسن عليه السلام وقال له: صدقت يا خزاعي؟ فلما بلغ إلى قوله:

إذا وتروا مدوا إلى واتريهم أكفا عن الأوتار منقبضات

جعل أبو الحسن عليه السلام يقلب كفيه ويقول: أجل والله منقبضات: فلما بلغ إلى قوله:

لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي

قال الرضا: آمنك الله يوم الفزع الأكبر. فلما انتهى إلى قوله:

وقبر ببغداد لنفس زكية * تضمنها الرحمن في الغرفات قال له الرضا: أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟! فقال بلى يا بن رسول الله. فقال عليه السلام:

وقبر بطوس يا لها من مصيبة توقد في الأحشاء بالزفرات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائما يفرج عنا الهم والكربات

فقال دعبل: يا بن رسول الله؟ هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟! فقال الرضا عليه السلام: قبري ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورا له[47]. يا ترى أي لعين أقدم على قتل الإمام عليه السلام؟

أنه المأمون من بني العباس عليه لعائن الله، حيث يروي لنا أبو الصلت الهروي: إذ دعاه المأمون فلما أتاه، وثب إليه وعانقه ما بين عينيه وأجلسه معه وناوله عنقود عنب وكان بيده قد أكل بعضه وقال: يا ابن رسول الله ما رأيت عنبا أحسن من هذا قال الرضا عليه السلام ربما كان عنبا حسنا فيكون في الجنة فقال له: كل منه، فقال: تعفيني منه قال: لابد من ذلك ما يمنعك منه لعلك تتهمنا بشيء فتناول عليه السلام العنقود فأكل منه ثلاث حبات ثم رمى به وقام فقال: المأمون: إلى أين؟ قال: إلى حيث وجهتني وخرج حتى دخل الدار وأمر أن يغلق الباب ونام على فراشه فمكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا والإمام بين قائم وقاعد من شدة السم إذ دخل عليَّ شاب حسن الوجه أشبه الناس بالرضا فقلت له: من أين دخلت والباب مغلق؟ قال: الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار فقلت: ومن أنت؟ قال أنا حجة الله عليك يا أبا الصلت أنا محمد بن علي ثم مضى نحو أبيه فدخل وأمرني بالدخول معه فلما نظر إليه الإمام الرضا عليه السلام وثب إليه فعانقه وضمه إلى صدره وقبل ما بين عينيه ثم سحبه سحبا في فراشه وجعل يكلمه شيئا لم أفهمه وبينما ولده الجواد عنده وإذا بإمامنا الرضا قد غمض عينيه وأسبل يديه ومدّ رجليه وعرق جبينه وسكن أنينه وفاضت روحه الطاهرة[48]، رحم الله من نادى: وا إماماه، وا سيداه، وا مسموماه.

(نصاري)

اويلي اعلى الرضا من عدل رجليه تشاهد ويل گلبي واسبل ايديه ‏
روحه خلصت او ما ظل نفس بيه أثاري مات اويلي او فرّگ البـين
نهض عنه الجواد او جذب ونّه حزين او عگب أبوه النوح فَنَّه‏
بعد ما كفّنه او من فرغ منَّه اجوه اهل البلد كلهم محزنين
يويلي اشلون ضجه صارت ابطوس اجت الناس بس تلطم عل الروس
الله اوياك آيا شمس الشموس رحت واحنه بعد نورك مظلمين
تگول من العزه انگلبت إخريسان لفت له للگبر بثياب الاحزان
بس احسين ظل مطروح عريان ظل ابكربله واهله مضعنين[49]

[1] المجالس السنية-السيد محسن الأمين-ج2-ص612.

[2] مجمع مصائب أهل البيت-الشيخ الهنداوي-ج4-ص265-266.

[3] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج ٥٢ -ص ١٢٢ – ١.

[4] بحار الأنوار-المجلسي-ج ٥٢ -ص ١٢٢، وفي سنن الترمذي-الترمذي-ج 5 -ص 226.

[5] ينابيع المودّة-القندوزي الحنفي-ج 3 -ص 397.

[6] الجامع الصغير-الطبراني-ج 1-ص 417.

[7] الجامع الصغير-السيوطي-ج 1 -ص 417.

[8] بحار الأنوار-المجلسي-ج77-ص 143.

[9] مستدرك سفينة البحار-الشيخ علي النمازي الشاهرودي-ج ١٠.

[10] ابن منظور، لسان العرب، ج1، ص 424.

[11] م.ن. ج7، ص 39.

[12] ميرزا محمَّد تقي الأصفهاني، مكيال المكارم، ج2، ص 136.

[13] النور/٥٥.

[14] كتاب معز الأولياء، سلسلة الدروس الثقافية. نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية-ص 73-76.

[15] هود/121-122.

[16] القائد المنتظر-صدر الدين القبنجي-ص122، بتصرف.

[17] الأحزاب/23.

[18] بحار الأنوار-المجلسي-ج ٥٢ -ص ١٢٢ – ١.

[19] موقع منير الخباز/ almoneer.org/ المحاضرات المكتوبة/ محاضرات الجمعة/ في رحاب الانتظار، بتصرف.

[20] الغيبة-محمد بن إبراهيم النعماني-ج ١-ص ٢٠٥.

[21] مقطع من دعاء الندبة في كتب الأدعية والأذكار ككتاب مفاتيح الجنان.

[22] فاطر/6.

[23][23] مركز الرصد العقائدي/ alrasd.net/ الأسئلة والأجوبة/ تراث اسلامي/ هل النّفسُ الأمّارةُ بالسّوءِ يُوسوسُ لها شيطانٌ أو تجرُّ صاحبَها إلى الخطأ مِن دونِ أن يوسوسَ لها الشّيطان؟ -بقلم سيد حسن العلوي.

[24] غرر الحكم: ٨٧٦.

[25] الاحتجاج-الشيخ الطبرسي-ج ٢-ص ٢٨٣.

[26] روضةُ الواعظينَ-الفتال النيسابوري-ص420.

[27] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل-الشيخ ناصر مكارم الشيرازي-ج ٦-ص27.

[28] مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) / m-mahdi.net / العدد: ٢٨/ رمضان/ ١٤٣٢هـ / الانتـــظار والأمـــــل-بقلم السيد منير الخباز، بتصرف.

[29] كتاب الغيبة-محمد بن إبراهيم النعماني-ج ١-ص ٢٠٩.

[30] الأنفال/10.

[31] محمد/7.

[32] الأنفال/60.

[33] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج ٥٢-ص ٣٥٨.

[34] كتاب هكذا قم هكذا كن مع الحجة (عج)، سلسلة بين يدي القائم (عج)، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

[35] النور/55.

[36] مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) / m-mahdi.net / العدد: ٢٨/ رمضان/ ١٤٣٢هـ / الانتـــظار والأمـــــل-بقلم السيد منير الخباز، بتصرف.

[37] الشمس/9.

[38] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج ٥٢-ص ١٢٧.

[39] مفاتيح الشرائع-الفيض الكاشاني-ج1-ص11.

[40] التهذيب-الشيخ الطوسي-ج4-ص152.

[41] الكافي -الشيخ الكليني-ج4-ص62.

[42] آل عمران/ 97.

[43] التوبة/ 20.

[44] البقرة/ 1-3.

[45] الكافي-الشيخ الكليني-ج ٢-ص ٢٢.

[46] المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية/ المكنز/ تقارير وتحقيقات (سياسية-ثقافية) الاعتبار في بيان مفهوم الانتظار-بقلم: السيد محمود المقدس الغريفي، بتصرف.

[47] الغدير -الشيخ الأميني -ج ٢ -ص ٣٦٠-361.

[48] المجالس السنية للسيد محسن الأمين. المناقب ج2 لابن شهر آشوب.

[49] مجمع مصائب أهل البيت-الشيخ الهنداوي-ج4-ص267-268.