
لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
يَوْم 2 رَجَبٍ: وِلَادَةُ الإِمَامِ عَلِيٍّ الهَادِي عَلَيْهِ السَّلَامُ
عنوان المحاضرة: تدخل الأهل نعمة أم نقمة!!
قال تعالى:﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾.[1]
من المعلوم أنه لا توجد حياة تخلو من مشكلات ما بين الناس، سواءً أكانت على مستوى الزملاء أو الأصدقاء أو الأقارب، أو الأسرة، ومنها المشكلات الزوجية
ولكي نحل المشكلة الزوجية ينبغي على الزوجين أن يتبعا مراحل حل المشاكل الزوجية، ففي البداية (يحاول الزوجان حل المشكلة بينهما بالحوار والتفاهم داخل البيت وهذه هي المرحلة الأولى، فإن لم يتفاهما ينتقلا للمرحلة الثانية وهي اللجوء للأهل، فإن كان الأهل ليسوا أهلا للصلح، يلجآن لشخص مقرب لهما أو إلى خبير زواج وإرشاد أسري وهي المرحلة الثالثة، المهم أن يكون أميناً وحكيماً ولديه مهارة وخبرة في الحياة حتى يكون سبباً في علاج المشكلة لا في زيادة تعقيدها. [2]
ونريد في هذه المحاضرة أن نقف على المرحلة الثانية وهي مرحلة اللجوء إلى الأهل، أو تدّخل الأهل في حل المشاكل الزوجية. حيث تحدث القرآن الكريم في الآية-محل البحث-، (عن ضرورة المبادرة والتصدي لمعالجة أي خلاف زوجي، يهدد باضطراب العلاقة الزوجية، وطرح مشروعاً للمعالجة والحل، يتمثل في اختيار حكم من عائلة الزوج، وآخر من عائلة الزوجة، ينتدبان لدراسة مشكلة الخلاف بينهما، ويقترحان ما يلزم للحل)[3]
يقول السيد محمد الحسيني الشيرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: [ وَإِنْ خِفْتُمْ ] أيها الناس المحيطون بالزوجين [ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ]، أي المخالفة والعداوة بين الزوجين، كان كل واحد منهما في شق وجانب غير شق الآخر وجانبه [ فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا ] فإن الحكمين حيث يعرفان ملابسات الزوجين يتمكنان من فصل الأمر على أحسن الوجوه وللحكمين الإصلاح وليس لهما الطلاق إلا برضى الزوج أو وكالة سابقة [ إِن يُرِيدَا ] يعني الحكمين [ إِصْلاَحًا ] بينهما [ يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا ] والضمير عائد إلى الحكمين لقرب اللفظ، وربما يُقال عائد إلى الزوجين [ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا ] بمصالح العباد [ خَبِيرًا ]بما يضمره الحكمان ويفعلانه في أمر الإصلاح والإفساد. [4]
يا ترى هل تدخّل الأهل في الحياة الزوجية لأولادهم نعمة أم نقمة؟، وبالأصل هل يحق للأهل التدخل في حياة الزوجين؟، وما موقف الشريعة من ذلك؟، وهل توجد شروط وجب توفرها فيمن يسعى للإصلاح ما بين الزوجين؟، ما هي وسائل علاج الخلافات بين الزوجين ؟، كيف نعالج هذه المشكلة؟ … إلخ من الأسئلة التي سنحاول الوقوف عليها في مباحث هذه الآية الكريمة.
المبحث الأول: رأي الشريعة في تدخّل الأهل
إن تدخّل الأهل في الحياة الزوجية لولدهم-ذكراً أو أنثى-يعني (قيام أهل الزوج أو الزوجة بما من شأنه أن يعود على الحياة الزوجية لذويهما بالضرر أو النفع) [5]
إن السؤال الذي ينبغي طرحه في هذا المبحث: هل يحق للأهل التدخل في الحياة الزوجية لأولادهم؟
الجواب: إن الثقافة الرائجة التي نسمعها من الناس والإعلام بأن الأهل لا يحق لهم التدّخل في حياة أولادهم الزوجية بشكل مطلق.
في حين إن الإسلام لم ينفِ علاقة الأهل في كل جوانب حياة أبنائهم، ومنها الجانب الزوجي. إن الزوجين بزواجهما لا ينقطعان عن الأهل ..فالزواج هو مرحلة حياتية يمر فيها الإنسان لتكوين الأسرة وإنجاب الأولاد وتحقيق أهداف الزواج، والإسلام أمرنا بصلة الرحم والتواصل بين كل من الزوج والزوجة وأهلهما التي تتجسد في التحاور، والتزاور، والتهادي، والتراحم، وتفقد الأحوال، وتقديم النصح والإرشاد والمساعدة، ومنها إذا علم الأهل بحصول خصومة ما بين ولدهم المتزوج وزوجه فينبغي المبادرة إلى إصلاحهما، لقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾[6]
فإن الأهل في النهاية يمتلكون تجربةً وخبرةً ووعياً أكثر من أبنائهم، إضافة إلى حرصهم على أن تنجح العلاقة الزوجية من باب حب الخير لأولادهم وإشفاقهم عليهم.
ولا شك أن دعم الأهل لأبنائهم ووجودهم إلى جانبهم في السراء والضراء ,أمر مهم وأساسي في حياة ضاغطة قد يعجز معها بعضهم عن مواجهتها منفردا.
إن مبادرة أهل الزوج أو الزوجة في التدخّل من أجل إصلاح ذات البين ,أمر حثنا الله تعالى عليه بقوله: [وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيراً]. [7]
ولكن عندما نأتي للواقع نجد إن النتائج المترتبة على تدّخل الأهل في الحياة الزوجية أغلبها يترتب عليها الإفساد والتفرقة ما بين الزوجين …. فحينما نستقرئ واقع المشاكل الزوجية نجد أن نسبة كبيرة منها سببها تدّخل الأهل في الحياة الزوجية لأولادهم، حيث يخمّن بعض المتخصصين في المجال التربوي والاستشاري من خلال عملهم بأن أكثر من 80 % من حالات الطلاق تعود لذلك، حيث يمكن للأهل أن يُكرّهوا الزوج بزوجته أو العكس، وقد ينتهي الأمر إلى النتيجة الأسوأ وهي الانفصال، وبعد الانفصال هناك سنوات من المعارك والتحدي بين الطرفين.
نفهم من ذلك بأن تدخّل الأهل في الحياة الزوجية لأولادهم على نوعين، وهما كالآتي:
أولاً: (التدخل الإيجابي)، وهو التدخّل الهادف إلى إصلاح العلاقة الزوجية، عن طريق قيام أهل الزوج أو الزوجة بما من شأنه أن يعود على الحياة الزوجية لذويهما بالنفع. وهذا القسم من التدخّل هو الذي حثتنا عليه الشريعة الإسلامية.
فقد جاء في فضل الإصلاح بين النّاس عن الإمام الصادق عليه السلام: “صدقة يحبّها الله إصلاحٌ بين النّاس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا” [8]
بل إنّ إصلاح ذات البين من أفضل العبادات في ما روي عن الإمام عليّ عليه السلام في وصيّته لولديه الحسن والحسين عليهما السلام إذ يقول: “… فإنّي سمعت جدّكما صلى الله عليه وآله وسلم يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام”[9]
ولو لم يكن في فضل هذا الأمر إلّا كونه أفضل من عمود الدّين الذي هو الصلاة لكفى.
فكيف إذا كان الإصلاح بين المتخاصمين أفضل حتّى من الصدقة بالمال ذي القيمة، فعن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً: “لأن أصلح بين اثنين أحبّ إليّ من أن أتصدّق بدينارين”[10]
ثانياً: (التدخل السلبي)، وهو التدخّل الهادف إلى إفساد العلاقة الزوجية، عن طريق قيام أهل الزوج أو الزوجة، أو غيرهم كالضرّة بما من شأنه أن يعود على الحياة الزوجية لذويهما بالضر.
وهذا النوع من التدخل هو الذي يرفضه الإسلام، ويرفضه العقلاء؛ لأن إفساد ذات البين من الكبائر، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ليسَ منَّا من خبَّبَ ([11]) امرأةً علَى زوجِها امرأة على زوجها.[12]
ويترتب على التدخّل السلبي آثار وخيمة نذكر منها الآتي:
1.إن المفرّق ما بين الأحبة هو من شر الناس، فقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء المعايب. [13]
2.إن إفساد ذات البين يفسد الدين، فقد روي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ: .. فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ)[14]. أي تحلق الدين.
4.يترتب على إفساد ذات البين أنه سيتحمل نسخة من ذلك الإثم الذي ارتكبه الظالم بحق المظلوم، قال تعالى: [وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ] [15]، فلو كانت الزوجة مظلومة، وأهل الزوج طلبوا منه أن يطلقها رغم أنه لم يصدر منها ما يستحق ذلك، فسوف يتحمل الزوج وكل من حثه من أهله أثم ذلك. هذا عدا أثم ارتكاب المحرمات التي تعد وسيلة لتحقيق التفرقة ما بين الزوجين كالغيبة والنميمة والكذب وغيره من المحرمات.
ومن المناسب أن نطرح مجموعة أسئلة لها علاقة برأي الشريعة، نذكر منها الآتي:
سؤال رقم(1): قد يسأل الأهل: إن المصلحة قد تقتضي الطلاق، فهل لو ساندنا ولدنا على التفريق فيما بينه وبين زوجه ينطبق علينا عنوان (إفساد ذات البين) ونكون آثمين؟
الجواب: هناك فرق بين التفريق وبين إفساد ذات البين، فليس كل تفريق ينطبق عليه هذا العنوان. بل تارة ينطبق على التفريق عنوان (الإصلاح)، وهذا لا أشكال فيه، وأخرى ينطبق على التفريق عنوان (الإفساد) وهذا الذي حذرتنا منه الشريعة الإسلامية.
مثال ذلك: لو كانت الزوجة غير عفيفة، أو كانت باستمرار ناشزاً، أو كان الزوج مصادرا لحقوق زوجته من النفقة والوصال وحسن العشرة، وحاول الزوج أو الأهل إصلاح المفسد مرارا وتكرارا بدون فائدة، وكان الضرر المترتب على التفريق أقل من الضرر المترتب على البقاء بحيث كان الحل الوحيد للمشكلة هو التفريق، فهنا جاز للأهل التدخّل ومساندة الزوج على اتخاذ قرار التفريق، ولا يعد ذلك إفسادا؛ لأن الطلاق قد يكون حلا في بعض الأحيان.
قال الشيخ الطوسي (ره): إذا كانت الحال بينهما-الزوجين-فاسدة بالشقاق وتعذر الإنفاق وكل واحد منهما يعجز عن القيام بما يجب عليه، فالمستحب الفرقة.[16]
وأما لو كانت الزوجة صالحة عفيفة، تراعي الحقوق الزوجية، وكلا الزوجين سَعِيدان مع بعضهما، فأن الأهل إذا حثوا ولدهم على التفريق فيما بينه وبين زوجه سيكون ذلك التفريق إفسادا للعلاقة الزوجية ويترتب عليه الوقوع في الحرام. بل حتى الطلاق حكمه الكراهة. قال الشيخ الطوسي (ره): وأما المكروه فهو إذا كانت الحال بينهما عامرة وكل واحد منهما قيّم بحق صاحبه. [17]
سؤال رقم(2): لو رأى الحكمان أن الحل هو الطلاق والفراق، فهل يمضي قرارهما؟
إن فقهاء الشيعة يحصرون نفاذ أمر الحكمين فيما يتعلق بالإصلاح والجمع، أما التفريق فلا يمضي أمرهما فيه، إلا إذا كانا وكيلين عن الزوجين في ذلك، أو اشترطاً منذ البداية أن لهما الجمع والتفريق، أو بموافقة الزوج على الطلاق، وإذا كان التفريق يتضمن بذلاً وفدية من الزوجة، فيحتاج مراجعتها وموافقتها.[18]
سؤال رقم(3): ما هو موقف الشريعة من الأهل الذين يرفضون التدّخل من أجل الإصلاح ما بين ولدهم وزوجه، رغم أنهم بحاجة إليهم؟
الجواب: يؤسفنا أن نجد في مجتمعاتنا بعض الأهل وبالأخص الآباء والأمهات رغم أن أحدهما له تأثير على الولد في إصلاح ما بينه وبين زوجه، إلا أنه يتعمد السكوت، وحينما يطلب منه آخرون أن يتدّخل من أجل الإصلاح يرفض بحجة عدم رغبته في التدخل في حياة ولده.
نعم، شرعاً إذا لم يتدخل الأهل في إصلاح أو إفساد العلاقة ما بين الزوجين فهم لم يرتكبوا محرماً، ولكن إذا كانوا قادرين على الإصلاح وامتنعوا عن ذلك وخذلوهم -رغم عدم ممانعة الزوجين في تدخلهم-، وترتب على سكوتهم الإفساد فسوف يخذلهم الله في الدنيا والآخرة، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): ما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلا خذله الله في الدنيا والآخرة.[19]
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): أيما رجل مسلم أتاه رجل مسلم في حاجة وهو يقدر على قضائها فمنعه إياها، عيره الله يوم القيامة تعييرا شديدا، وقال له: أتاك أخوك في حاجة قد جعلت قضاءها في يدك فمنعته إياها زهدا منك في ثوابها، وعزتي لا أنظر إليك اليوم في حاجة معذبا كنت أو مغفورا لك.[20]
بينما لو سعى الأهل في إصلاحهما ترتب عليه أجر عظيم، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: وما من مؤمن يفرج عن أخيه كربة إلا فرج الله عنه كربه من كرب الآخرة، وما من مؤمن يعين مؤمنا مظلوما إلا كان له أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه [وهو يقدر على نصرته] إلا نصره الله في الدنيا والآخرة.[21]
وهذا الأمر يشابه فيما لو ترك أحدنا التصدّق، فرغم أن حكمه مستحب، إلا أن تركه قد يترتب عليه نزول البلاء لكون الصدقة تدفع البلاء، وهكذا الحال مع ارتكاب النهي غير الإلزامي كالنهي التنزيهي الكراهتي أو الإرشادي.
نعم، إذا كان الأهل يعلمون أنهم غير مؤهلين للإصلاح، كأن يعلموا بأنه إذا تدّخل أحدهم سينحاز إلى ولده ولو كان على باطل وسيكون ضد زوجه ولو كانت على حق، أو كان الشخص غضوباً، فإذا تَدخّل وكان ما يفسد أكثر مما يصلح … فهنا سكوته أفضل من التدّخل السلبي المؤدي إلى الإفساد، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :” …ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت.[22]
سؤال رقم(4): بعض الأزواج يعيشون في صراع بين طاعة الوالدين اللذين يأمران الولد بأن يفرّق ما بينه وبين زوجه، وبين مبغوضية طلاق الزوجة في الشريعة، فأيهما يقدم؟
الجواب: نعم، هناك بعض الأزواج من يحب أن يستمر في حياته الزوجية رغم وجود المشكلات الزوجية حباً بأسرته وأولاده وزوجته، أو حباً لله تعالى الذي يبغض هدم الأسرة. ولكن هنالك بعض الوالدين بدلاً من تشجيعه على موقفه، تراهما يصران على ولدهما بتطليق زوجته بحجة أن ذلك فيه مصلحته، فإذا رفض يعداه عاقاً لهما، في حين إن طاعة الوالدين ليست مطلقة، فهما غير معصومين، بل طاعتهما لها حدود فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وإليكم الحكم الشرعي لهذه المسألة وفق سماحة السيد السيستاني (دام ظله):
السؤال: إذا أمرت الوالدة ولدها بتطليق زوجته لخلافها مع الزوجة، فهل تجب عليه طاعتها في ذلك؟ وماذا لو قالت له: (أنت ولد عاق إن لم تطلق زوجتك)؟
الجواب: لا تجب طاعتها في ذلك، ولا أثر للقول المذكور، نعم يلزمه التجنب عن الإساءة إليها بقول أو فعل. [23]
المبحث الثاني: صفات الحكمين
لكي يكون تدخل الأهل إيجابياً، وينجح الحكمان في مهمتهما الإصلاحية، لا بد من توفر الصفات المساعدة على ذلك، والتي تحدث الفقهاء والمستشارون التربويون عن تلك الشروط، ونذكر منها الآتي:
أولاً: القرابة من الزوجين: حيث نصت الآية الكريمة على أن يكون الحكمان من أهل الزوجين﴿ فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا ﴾لأن ذلك في الغالب أنجح لمهمة الإصلاح [24]، كأن يكون الحَكَم من الأهل هو الأب، أو الأم، أو الأخ، أو الأخت، أو الجد أو العم أو الخال، أو شيخ العشيرة وغيرهم من الأقارب، ولكن إذا كان الأجنبي أقدر على التأثير، كأن يكون رجل دين أو خطيب حكيم أو مستشار تربوي مؤمن أو أي شخصية مؤمنة حكيمة تتوفر فيها صفات الحكم، فله الأولوية في اختياره كحكم ما بين الزوجين.
رب تساؤل يرد: لماذا حث الله تعالى أن يكون الحَكَم من الأهل؟ -أي حكماً من أهل الزوج، وحكما من أهل الزوجة-، لماذا لم يحثنا ابتداءً بأن نتحاكم عند الحاكم الشرعي أو في المحكمة القضائية الرسمية؟
الجواب: إنّ محكمة الصلح العائلية تمتاز بميزات تفتقر إليها المحاكم الأخرى، ونختصرها بالنقطتين الآتيتين:
1. إنّ المدّعي والمدّعى عليه في المحاكم العادية القضائية مضطرين تحت طائلة الدفاع عن النفس أن يكشفا عن كل ما لديهما من الأسرار الزوجية أمام الأجانب والغرباء وهذا يتسبب في جرح مشاعر الطرف الآخر، بحيث لو اضطر الزوجان أن يعودا بحكم المحكمة إلى البيت لما عادا إلى ما كانا عليه من الصفاء والمحبة السالفة، بينما لو اتفق أن طرحت هذه الأمور في أجواء عائلية فإنّها لن تنطوي على ذلك الأثر السيء الذي أشرنا إليه.
2. إن القرارات التي يتخذها الموظف العامل في «المحاكم الجنائية» تكون خاضعة للقوانين الجافة والضوابط الصارمة البعيدة عن المحبّة والخالية عن روح العاطفة، وقد تكون أيضاً بعيدة عن قوانين شريعة محمد وآل محمد عليهم السلام، في حين إن حل الخلافات الزوجية في أجواء عائلية بالطرق العاطفية، وتذكير الطرفين بالقوانين الإلهية تحظى بفرصة أكبر للإصلاح بين الزوجين.[25]
مثال ذلك: زوجة تطلب الطلاق لأن زوجها يتعاطى المخدرات، فلما تحاكما عائلياً ,اعترف الزوج بالخطأ ووعدهم أن يتركها نهائياً، فلما رفضت الزوجة قبول عذره، قال لها أبوها: (ابنتي سامحيه واغفري عنه، واعطه فرصة أخرى من أجلي-باللهجة العراقية(لخاطري)-ولا تنسي أن الله أمرنا بالعفو والتسامح)، فهنا أغلب النساء يتأثرن عاطفياً وتوافق، ويتحقق الإصلاح وتعود المياه لمجاريها.
ولكن هذا الطلب لا يستطيع القاضي أن يطلبه من الزوجة، بل حتى لو طلبه لن تتأثر الزوجة لأن لا توجد صلة تربطها به، ولذا سيطبّق القاضي المادة القانونية التي تفرّق فيما بينهما بدون تردد.
لذا ننصح العوائل أن لا تلجأ إلى المحاكم القضائية مباشرة عند مواجهتها للمشاكل الزوجية لأن أغلب الحالات قد انتهت بالطلاق.
فينبغي على الزوجين عدم الاستعجال ومحاولة حل المشكلة الزوجية عن طريق التحاور والتفاهم ما بينهما أولاً، فإذا لم تُحل المشكلة يُلجأ إلى تدخل الأهل، فإذا لم يكونوا مؤهلين يُلجأ إلى شخص مؤهل للإصلاح كرجل دين له خبرة في حل المشكلات، أو اللجوء لمستشار تربوي متخصص، فإذا لم ينفع فننصح بتدخّل الحاكم الشرعي (الفقيه الجامع لشروط التقليد) قبل اللجوء للمحاكم القضائية، ففي بعض الأحيان حينما تشتكي الزوجة للحاكم الشرعي من مصادرة زوجها لحقوقها الزوجية يأخذ الحاكم بالاتصال به ويذكّره بأحكام الله، فبعضهم ينتهي وبعضهم الآخر يعاند … (فإذا توقف استيفاء الحق ورفع الظلم على التحاكم عند المؤسسات والمحاكم الرسمية جاز لها ذلك كما يذكر ذلك الفقهاء، ومنهم سماحة السيد السيستاني (دام ظله))[26]
ثانياً: أن يكون الحَكَم بالغا عاقلا مسلما، فإسلام الحَكَم شرط في الإصلاح إذا كان الزوجان مسلمين؛ لأن المسلم له أحكام ومبادئ وقيم تختلف عن أحكام الكافر الكتابي أو غير الكتابي، فلو لجأت الزوجة المسلمة لمستشار كافر وأخبرته بأن زوجها لا ينفق عليها ويجبرها على العمل، فلا يرى الحَكَم الكافر أن الزوج مقصرٌ؛ لأن أحكامهم تختلف عنّا.
ثالثاً: أن يكون هدف الحَكَم الإصلاح لا الإفساد: يقول سماحة السيد السيستاني (دام ظله) في منهاج الصالحين:ينبغي للحكمين إخلاص النيّة وقصد الإصلاح، فمن حسنت نيّته فيما تحرّاه أصلح الله مسعاه. [27]
لذا من لم يكن هدفه الإصلاح لا ينفع ان يُنتخب حَكَما لحل المشاكل الزوجية؛ لأن كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ . [28]، -أي على نيته-، فإذا ارتفع الإصلاح حلّ محلّه الإفساد … انتبهوا فالآية لم تقل (إِن يُرِيدَا إفسادا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا) بل قالت:﴿ إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا ﴾لأن التوفيق لرفع الشقاق ما بين الزوجين يحتاج إلى أسباب منها أن يتدخل حَكَما صالحا ينوي الإصلاح.
وحينما نعاتب الأهل الذين كان تدخّلهم سلبيا، يدّعي الأغلبية بأن نيته الإصلاح، ولكن إذا كذّب أحدهم على الناس فلا يستطيع أن يكذّب على الله، قال تعالى:[ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ] [29]
رابعاً: الصلاحية؛ بمعنى قدرة الحَكَم على القيام بالإصلاح، فالنيّة وحدها لا تكفي، بل ينبغي أن يكون عارفاً بأساليب الإصلاح كأن تكون (لديه خبرة في الحياة حتى يكون سببا في علاج المشكلة لا في زيادة تعقيدها، والأفضل أن تكون لديه مهارات الإقناع والتوجيه على تمارين المسامحة والعفو وتعريف كلا الزوجين بطبيعة الحياة الزوجية) .[30]
وأيضاً من الضروري أن يكون عارفاً بالأحكام الشرعية وبالأخص المتعلقة بالحقوق الزوجية، لا أن أختار حَكمَاً جاهلاً بأحكام الله، وإلا كيف سيميز بين الظالم والمظلوم، بين المقصّر فيعاتبه وبين غير المقصّر؟
فلو شكى الزوج من زوجته بأنها تمتنع عنه في الفراش، وترفض أن تعطيه الراتب الذي تتقاضاه من راتبها الشهري، فإذا كان الحَكَم جاهلاً بالأحكام الشرعية فكيف سيحل المشكلة؟، يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أفتى الناس بغير علم كان ما يفسده من الدين أكثر مما يصلحه.[31] هذا بالإضافة إلى أنه سينال اللعنة بدل الرحمة. [32]
وأغلب هذه المواصفات تتوفر في رجل الدين الحكيم، وفي المستشار المؤمن المتفقه في دينه الذي سيتمكن من الحكم بالعدل فيخبر الزوج بأنه مخطئ في طلبه لأموال زوجته؛ لأن الزوج غير مسلّط على أموال زوجته، والزوجة مخطئة في منعها لحق زوجها في الفراش.
خامساً: أن يكون الحَكَم غير متحيّز لأحد الزوجين، بل يحكم بالعدل حتى لو كان على خلاف هوى ابنه أو ابنته، فلو كان سبب المشكلة هو امتناع الزوج عن النفقة، فوجب على أهل الزوج أن يكونوا مع الحق بأن يعاتبوا ولدهم ليحجزوه عن ظلم زوجته، ولا يكونوا ضد الزوجة. قال تعالى: [كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ] [33]
ولما نستقرئ الواقع نجد أن الأعم الأغلب من الأهل ينحاز لطرف أولادهم -ذكرا كان أو أنثى-بل حتى لو كان ولدهم ظالما فهم ينصرونه ويؤيدونه ويتهمون زوجه بالظلم والعدوان.
مثال ذلك: عندما تشتكي الزوجة من زوجها، نجد بعض الآباء والأمهات بدلاً من حثها على الصبر والعفو، وبدلا من سماع وجهة نظر زوجها لمعرفة سبب المشكلة وتمييز المخطئ عن غيره، نجدهما يتسرعان بمنحها الحق، ويحثانها على التمرد على زوجها وهجره وطلب الطلاق، كأن تقول الأم لابنتها -باللهجة العراقية-: (خلي يولي، لا تعطيه مجال، هذا فوك ما قبلنا بيه، لا تتنازلين، ولا تخليه يتحكّم بيج، أنت ألف واحد يتمنّاج..العتب مو عليه بل على الي قدّره واعطاه زوجة…إلخ )
في قبال ذلك إذا الزوج اشتكى من زوجته أمام أهله، فبعض الأهل يشجعونه على هجرها وتأديبها، أو تركها معلّقة وأن يتزوج عليها، أو يطلقها، كأن تقول الأم لابنها -باللهجة العراقية-: (زوجتك ما تستحي، كاعد تتمرجل عليك، لازم تأدبها، ولا تعطيها مجال.. أنا عرفتها من البداية مو سهلة ولكنك ما سمعت كلامي.. وهذه النتيجة.. إلخ )
وهذا يعد من العصبية التي حرمها الله تعالى التي معناها (أن يدعو الرجل إلى نصرة عُصْبته والتألب معهم على من يناوئهم، ظالمين كانوا أو مظلومين) [34]
عن الزهري قال: سئل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن العصبية فقال: العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ولكن العصبية أن يعين قومه على الظلم. [35]
إن الشريعة ترفض الكيل بمكيالين، فبعض الأمهات عندما ترى زوج ابنتها يراعي زوجته كثيراً، ويُحسن عشرتها، ويحترمها ويمنحها حقوقها الشرعية، تسميه (رجلاً شهماً)، ولكن إذا مارس ابنها نفس هذا التصرف مع زوجته تسميه باللهجة العراقية (طرطور، أو خرقه بيد زوجته)، أي تسحب منه صفة الرجولة .. لذا وجب علينا أن ننتبه لتصرفاتنا لأننا محاسبون عليها.
الخلاصة: من لم تتوفر فيه هذه الصفات والنقاط التي ذكرناها، فهو غير مؤهل ليُنتخب كحكم يسعى للإصلاح ما بين الزوجين.
المبحث الثالث: التدخّل السلبي للأهل، أسباب وحلول
سنتطرق في هذا المبحث الأخير إلى هذين المطلبين:
المطلب الأول: أسباب تدخل الأهل
وينبغي التعرّف على الأسباب التي تدفع الأهل للتدخل السلبي؛ لأنها تساعد الزوجين على حل المشكلة، ونختصر الأسباب بالنقاط الآتية:
1-شعور الأهل بالمسؤولية المستمرة عن الأولاد حتى بعد الزواج.
2-السمات الشخصية للأهل: ومنها الشخصية المتسلطة كالأم المتسلطة التي تكون أكثر رغبة في فرض سيطرتها على زوجة ابنها أو حتى زوج ابنتها، والأب المتسلط أيضاً لن يقبل أن يتخذ ابنه قرارات مستقلة في حياته الزوجية، وسيكون ميَّالاً بشكل واضح إلى وضع المعايير الأساسية لأبنائه وبناته حتى بكيفية تعاملهم مع شريك الحياة.
3-عدم قدرة الزوجين على رسم حدود واضحة للأسرة ولعلاقتهم مع الأسرة الكبيرة، فينبغي على الزوجين أن يتفقا ومنذ الليلة الأولى من زفافهما أن يحرصا على عدم إخراج الأسرار الزوجية إلى خارج إطار غرفتهما بدون دافع قهري.
4-ضعف شخصية الزوج والزوجة: بما أن الزوج الذكر في مجتمعنا هو المسؤول غالباً عن قيادة الأسرة ورسم حدود العلاقة مع الآخرين؛ سيؤدي ضعف شخصية الزوج إلى تدخلات مستمرة من الأهل، وليس من الأهل فقط بل حتى من الأقارب الأبعد والجيران والأصدقاء، لأن الناس ميّالة إلى النصح والسيطرة، وميّالةٌ إلى مشاركة التجارب والشعور بالسعادة عند التأثير على الآخرين، فإن لم يتمكن الزوج من إيقاف كلٍّ عند حده، سيتحول بيت الزوجية إلى بيتٍ بلا جدران!، وهذا ينطبق أيضاً على الزوجة ضعيفة الشخصية.
5-أسباب موجبة لتدخل الأهل في الحياة الزوجية: منها مثلاً تدخل الأهل بسبب قسوة وعنف الزوج على الزوجة، وغيرها، ثم قد ينجحون أو يزيدون الطين بِلّة! [36]
المطلب الثاني: القواعد التي وجب على الأهل مراعاتها
للحدّ من التدخل السلبي للأهل، ولتفادي وقوعهم في الحرام، ينبغي على الأهل مراعاة بعض القواعد التربوية قبل أن يفكروا في التدّخل في الحياة الزوجية لأولادهم. وهذه القواعد تختلف حسب نوع التدخل الذي سنطرحه في هاتين النقطتين:
أولاً: التدخل لإصلاح خلل مُفتَرض
ربما تَدَخَّل والدا الزوج أو الزوجة في الحياة الزوجية لهما لرؤيتهما خللا أو عيبا ما يشوب علاقة الزوجين ببعضهما، فيحاولان إصلاح هذا الخلل بشكل غير سليم أو مبالغ فيه مما قد يسيء إلى العلاقة الزوجية ويؤدي إلى انهيارها، وذلك كأن يرى أهل الزوج مثلا أن ابنهما كثير المطاوعة لزوجته وأنه خاضع لها ومسلوب الشخصية أمامها. إن كثيراً من الآباء يسيء تفسير علاقة الانسجام بين الزوج وزوجه، ويحملها على أنها علاقة تسيطر فيها الزوجة لا الزوج، خصوصا إذا رأوا ابنهما يقوم ببعض التصرفات المستهجنة عرفا ـ وإن كانت مطلوبة شرعا وعقلا ـ كالقيام ببعض الواجبات المنزلية مثلا.
فيَعُدَّان هذا الأمر خللا ينبغي تعديله، فيبدآن بمحاولة وضع حد له عن طريق النصح لهذا الابن أو الانتقاد أو حثِّه على التمرد … وهكذا، مما قد يفضي إلى تشوش العلاقة بالفعل بين الزوجين إلى حد يهدِّد بالطلاق.
مثال آخر أن يرى أهل الزوجة أن ابنتهم مظلومة خصوصا إذا رأوها مِطواعة لزوجها وأهلِه وأنها كثيرة الخدمة لهم، فيحاولون معالجة هذا الخلل عن طريق النصح والإرشاد والتلميح والتصريح والأمر والنهي وغير ذلك من الوسائل. وإذا كانت ابنتهم تسكن مع أهل زوجها تبدأ أمها بتوجيهها لافتعال المشكلات حتى يكون ذلك وسيلة للضغط على الزوج بالانفصال عن أهله حتى لو لم يكن قادرا بعد على الانفصال، مما قد يفضي أخيرا إلى اضطراب العلاقة الزوجية واختلالها أكثر مما كانت عليه، ومن ثمَّ يجعلها عُرضة للتفكك عن طريق الطلاق.
السؤال المطروح: متى يكون التدخل إيجابيا وصحيحا، ومتى يكون سلبيا وضارا؟
الجواب: حسب نوع الحالة، فهناك حالات تستلزم التدخل قطعا ,التي يكون الخلل من الفظاعة بمكان، كالزنا المتكرر لأحد الزوجين أو إدمانه على الكحول أو المخدِّرات.
بينما هناك حالات لا تستلزم التدخل قطعا. وهذا في حالة كون المشكلة أو العيب طارئا لا دائما ومن التفاهة بمكان بحيث لا يستلزم التدخل، كازدياد عدد زيارات الزوجة لأهلها في فترة ما.
ينبغي على الأهل قبل التدخّل أن يحتكموا إلى القواعد الآتية:
أولا: أن لا يكون التجسس على الزوجين أو أحدهما هو وسيلة معرفة هذا الخلل أو وسيلة التأكد من وجوده، لقوله تعالى: (وَلا تَجَسَّسُوا)[37]
ثانيا: أن تُعطى فرصة للزوجين لمحاولة الإصلاح بنفسيهما قبل التدخل.
ثالثا: أن يكون من صفة الخلل أو العيب أنه دائم أو مستمر لفترة طويلة، أما إذا كان من النوع العارض الزائل فلا ينبغي التدخل.
رابعا: إذا علم الأهل قطعا أو في غالب الظن بأنهم عاجزون عن إصلاح الخلل فحينئذ لا داعي للتدخل لأنه قد يعقِّد المشكلة أكثر.
خامسا: التدرج في عملية التدخل فيُبدأ بالتلميح، فإن لم يُجْدِ، فبالإرشاد نصحا ثم أمرا ونهيا. وفي بعض الأحوال لا بد من التوقف عند الأمر والنهي وعدم اللجوء إلى وسائل أقوى للتأثير حتى لو لم يصلح الخلل. [38]
ثانياً: التدخل لإصلاح الخلافات الزوجية
ويختلف هذا السبب عن سابقه بكونه يفترض وجود نزاع بين الزوجين لسبب ما فيتدخل الأهل لمحاولة التوفيق بينهما وحل النزاع، إما بطلب من أحد الزوجين وإما بدون طلب، مما قد يفضي في كثير من الأحيان إلى نتائج سلبية إذا لم يُحسن الوالدان التعامل مع المشكلة أو قاما بإجراءات تصعيدية ضد الطرف الآخر. أما السبب السابق فلا يفترض وجود خلاف بين الزوجين بل مجرد وجود عيب ما، من وجهة نظر الأهل، يشوب العلاقة بينهما.
والصورة الشائعة اجتماعيا لهذا السبب هي خروج الزوجة إلى بيت أهلها من غير رضا زوجها أو برضاه بعد خلاف ما نشب بينها وبينه، فأحيانا يتدخل الأهل إيجابيا بدعوة الزوج ثم محاولة الوقوف على سبب الخلاف ووضع حد له، وتعود المياه بعد ذلك إلى مجاريها. وفي أحيان أخرى لا يكون تدخل الأهل سليما بسبب استماعهم إلى وجهة نظر ابنهم أو ابنتهم دون سماع وجهة نظر الطرف الآخر. فمثلا ينصح أهل الزوج ابنهم بعدم الذهاب إلى بيت أهل زوجته وإحضارها لأن في ذلك إهدارا لكرامته وتضعيفا لشخصيته أمامها وأمام أهلها، ويرفض أهل الزوجة أيضا عودة ابنتهم بنفسها إلى بيت زوجها لنفس السبب السابق، وبعد ذلك يبدأ الشد والجذب بين الطرفين: الزوج وأهله من جهة والزوجة وأهلها من جهة أخرى، ويستعمل كلُّ طرف ما بحوزته من أسلحة للضغط على الطرف الآخر، وهنا قد تستخدم الزوجة وأهلها الأولاد لا سيما الصغار والرُّضَّع كوسيلة للضغط على الزوج وذلك بأن يَدَعُوهم له، وهم يعرفون أنه لا يستطيع تدبُّرَ أمورهم. وقد يلجأ أبو الزوجة إلى المحكمة للمطالبة بنفقة الزوجة كوسيلة من وسائل الضغط أيضا. أما أهل الزوج فقد يلجؤون إلى حث ابنهم على خِطبة امرأة أخرى كوسيلة لإغاظة الزوجة وأهلها. وبعضهم يحث ابنه على رفع دعوى قضائية لإثبات نشوز الزوجة كوسيلة لإسقاط نفقتها. والحقيقة أن أكثر حالات الطلاق التي تنتج عن خلاف ما بين الزوجين لا يكون سببها الخلاف نفسه، وإنما ما جرَّه هذا الخلاف من خلافات أعمق بسبب التدخل غير السليم للأطراف الخارجية.
وهناك أمثلة كثيرة على مثل هذا التدخل غير السليم نكتفي منها بذكر هذه القصة التي أوردتها احدى المجلات على لسان امرأة مطلقة: ( تقول أم نايف – موظفة: إن تدخُّل الأهل في المشاكل الزوجية عادة ما يزيد من تعقيدها ويؤدي بالحياة الأسرية إلى الدمار، وأي حياة أسرية لا تخلو من الخلافات، وقد كانت هناك خلافات مادية بيني وبين زوجي وبحسن نية كنت أشكو لوالدتي, إلا أنني فوجئت في يوم من الأيام بأمي وهي تصرخ في وجه زوجي وتعدد له سلبياته وتتهدده بأنه إذا لم يحسن معاملتي وينفق علي مثل باقي الأزواج فإنها سوف تأخذني من البيت، ولم أهتم كثيراً بما قالته، ولم أتخيل على الإطلاق أن يكون لزوجي ردة الفعل العنيفة التي ذهبت به لأن يتزوج عليّ ويضعني أمام اختيار أن أبقى أو أن أرحل، وفضلت البقاء إلا أن والدتي تدخلت كعادتها وأصرت على الطلاق وقد كان، ومنذ أن حدث ذلك وأنا لا ألوم إلا نفسي لأنني فتحت بيدي الباب لتدخل أهلي فيما يحدث بيني وبين زوجي وكنت أعتقد أنها ستحل المشكلة ولم أكن أعلم أنها هي التي ستخلق المشاكل التي ليس لها حل )[39]
وعلى العموم ينبغي على الأهل قبل التدخّل مراعاة القواعد الآتية:
أولا: يجب على الأهل سماع وجهة نظر الطرف الآخر، وعدم الاكتفاء بسماع وجهة نظر ابنهم أو ابنتهم. ولو أدى هذا إلى ذهاب أهل الزوجة أو الزوج بنفسهم إلى الطرف الثاني لسؤاله عن سبب الخلاف وإمكانية حله.
ثانيا: مع الاعتراف بأن ترك المشكلة بدون حل لمدة من الزمن يكون في بعض الأحيان جزءاً من عملية الحل إلا أنه لا ينبغي أن تطول كثيرا فترة إقامة الزوجة في بيت أهلها من غير مبادرات للإصلاح من هذا الطرف أو ذاك. لأن إهمال المشكلة في هذه الحالة قد يدفع الطرف الآخر إلى التصعيد كوسيلة من وسائل الرد على الإهمال. وحينئذٍ يتسع الخرق على الراقع.
ثالثا: قد يكون من الحكمة في بعض الحالات التي يأنف فيها الزوج أو أهله والزوجة أو أهلها عن محاولة الذهاب إلى الطرف الآخر والجلوس معه لحل المشكلة، توسيط بعض أهل الخير لمحاولة الجمع بين الطرفين على أن يبدو أن توسطهم هذا كان بمبادرة ذاتية منهم.
رابعا: أن لا يلجأ الأهل إلى المحاكم إلا أن يكونوا قد استقروا ـ بعد استنفاد الحلول الممكنة ـ على أن العلاقة بين هذين الزوجين هي علاقة مستحيلة والحل الأنسب بالنسبة لهما هو الطلاق، ثم رَفَضَ الزوج أن يطلق بالإحسان، بعيدا عن أروقة المحاكم. [40]
خامساً: على الحَكَم أو المصلح أن يعلم أنّ الصدق أحياناً في إصلاح ذات البين قد ينطبق عليه عنوان محرّم كالنميمة، فإن قال المصلح ما سمع من كلّ من المتخاصمين للآخر يكون من حيث لا يدري سعى بينهما بما يترتّب عليه زيادة الخلاف وتعميق الشقاق وزيادة بُعد المسافات فيكون مشّاءً بالنميمة بين المؤمنين، هذا من جهة فإنّ الصدق هنا حيث يكون مصداقاً للنميمة لا شكّ أنّه حرام.
وثمّة أمر آخر لو اضطرّ المصلح للكذب حتّى يقرّب بين القلوب ويجمع بين النّفوس أن ينسب كلاماً لأيٍّ من المتخاصمين بما يؤدّي إلى ردم الهوّة وسدّ الفجوة فقد يجب أحياناً ولا يكون هذا من الكذب الحرام، فلو سمعت أم الزوج من كنَّتها بأنها قد تكلمت بسوء بحق ولدها كأن تكون قد سبته وشتمته، فلتقل لابنها: (إن زوجتك تحبك وتحترمك، ولا تتكلم عنك بسوء، بل تمدحك …إلخ)، فهذا النوع من الكذب تؤجر عليه ولا تأثم لأنها بصدد الإصلاح ما بين اثنين، روي عن أحد الصادقين عليهما السلام: “إن الله أحب الكذب في الإصلاح، وأبغض الصدق في الإفساد. [41]
بل إنّ حفيده الصادق عليه السلام أخرجه أصلاً من صدق عنوان الكذب، مبالغة في الإشارة إلى حلّيّته وعدم حرمته حيث قال عليه السلام: “إنّ المصلح ليس بكذّاب، إنّما هو الصلح ليس بكذب” . [42] . [43]
المطلب الثالث: القواعد التي يجب على الزوجين مراعاتها
هناك بعض القواعد التي ينبغي على الزوجين مراعاتها من أجل الحدّ من تدخّل الأهل السلبي، وسنطرح أبرزها في النقاط الآتية:
1-الحرص على امتلاك رصيد عاطفي في قلوب أهل الزوج: أن من الدوافع التي تؤدي إلى تدخّل أهل الزوج السلبي ضد الكنّة هو أنها لا تملك رصيدا عاطفيا في قلوب أهل الزوج. فلو اعتبرت الكنّة أن أهله بمثابة أهلها وأحبتهم كما تحب أهلها، ولا تحمل بقلبها حقدا عليهم كما تفعل ذلك مع أهلها، فسوف يقل التدخل السلبي، وهكذا الحال مع الزوج الذي ينبغي أن يهتم بأن يكون لديه رصيد في قلوب أهل الزوجة.
لذا نقول: ينبغي أن تكون الزوجية ذكيّة وتحاول كسب محبتهم بطرق متعددة منها (الاحترام)، فهو القاعدة الكبرى بالتعامل مع أهل الزوج والزوجة، فمهما كانت طبيعة التدخل الذي يمارسه الأهل في الحياة الزوجية للأبناء؛ لا بد أن يكون احترام مقامهما وسنّهما هو المنطلق الأساسي للتعامل معهما، اتفقي مع زوجك على احترام آراء الأهل واستشارتهم للاستفادة من تجاربهم وخبرتهم في الحياة، فإذا كانت آراءهم سليمة وموافقة للشرع والعقل فيمكن الأخذ بها وإلا ارفضوها بطريقة لا تسبب فجوة فيما بينكما بالحكمة والتغافل”.
2-حل الخلافات الزوجية في الكواليس، إن استدعاء الأهل لحل الخلافات بين الزوجين أو حتى الفضفضة لهم حول مساوئ الطرف الآخر والنزاعات الزوجية يفتح الباب على مصراعيه لتدخلات لا تنتهي، لذلك على الزوجين أن يحلا مشاكلهما في الكواليس بعيداً عن الجميع، وإذا تعسر الحل قد يكون من الحكمة طلب استشارة زوجية مختصّة بدلاً من اللجوء إلى الأهل أو الأقارب الذين تدخلهم سلبي وليس إيجابي، خاصّةً لمن يتوجس أو يخشى تدخل الأهل في زواجه، أو دوران قصص بيته على الألسن وفي مجالس الجيران والجارات! [44]
3-رسم الحدود الواضحة للأسرة الصغيرة، إن أفضل طريقة لإيقاف تدخلات الأهل هي الحوار بين الزوجين بشأن دور الأهل في حياتهم والاتفاق على الأمور المسموح وغير المسموح للأهل للتدخل فيها ووضع الحدود للزيارات والمكالمات، مع مبدأ التقدير والاحترام للأهل باستشاراتهم في أمور لا تمس بخصوصية الزوجين لطمأنتهم أنه مازال لهم مكانة في حياة الأبناء وأنه لا يمكن الاستغناء عنهم.[45]
4-قد تكون المشكلة في حساسية الزوجة المرتفعة لخصوصيتها -أو حساسية الزوج-ما يجعل كل ما يقوم به الأهل يبدو تدخلاً فظاً وإن لم يكن كذلك، فينبغي على الحساس أن يسعى لمعالجة المبالغة في حساسيته([46]).
فبعض النساء ترفض أن يتدخل أهل الزوج رفضا قاطعا في بعض الأمور الثانوية كتدخلهم في لباسها أو لباس الأولاد وفي أكلهم وفي تحركاتهم وتنزعج من ذلك وتنفعل، إن هذه الزوجة التي تبالغ في ذلك سوف يأتيها التدخل من قبل الأهل بشكل أقوى لأن سيحصل هناك عناد من قبل الأهل تجاهها، لذلك ينبغي أن تمنحيهم مساحة للتدخل وإبداء رأيهم، وبعدها أبدي رأيك …واختاري ما ترينه الأصلح، فإذا كان رأيك هو الأصلح فاغلقي الموضوع أمام الأهل بطريقة ذكية كأن تقولين: (إن شاء الله سأفعل) وانتهى الأمر.
5-مراعاة الأعراف الاجتماعية قدر الإمكان: حيث ينبغي على الزوجين مراعاة الأعراف السائدة اجتماعيا وعدم الخروج عليها علنا، حتى لو كانت غير منطقية بشرط أن لا تكون معارضة لأحكام الشريعة، فعلى سبيل المثال تَعْتَبِر بعض البيئات أو كثيرٌ منها أن قيام الزوج ببعض أعباء الخدمة المنزلية عيبا قادحا في رجولته وشخصيته، وعلامةً على سيطرة الزوجة عليه وتحكمها به. مع أن الشرع والمنطق لا يمنعان من هذا الأمر بل يحثان عليه، فأمير المؤمنين عليه السلام بعظمته كان يخدم الزهراء عليها السلام وينقي لها العدس[47].
لكن مع ذلك ينبغي على الزوج أن يوعّي أهله ويثقفهم بالثقافة الإسلامية، ويخبرهم بأن بعض العادات والأعراف باطلة؛ لأنها تتعارض مع الشرع. وأما إذا كان أهله من النوع الذي لا يقبل النصيحة، فيمكنه أن يخفي أمام أهله هذا الأمر ولا يجهر بخدمة بيته أمامهم مراعاةً للعرف السائد عندهم، وكذلك على الزوجة أن تراعي هذا الأمر فلا تتحدِّث -أمام أهل زوجها -بمعاونة زوجها لها وتتفاخر بذلك. ورحم الله من قال: لا تفعل ما يسبق إلى الناس إنكاره ولو كان عندك اعتذاره. [48]
6-هناك معلومة مهمة ينبغي أن تعرفها الزوجة وهي أن المرأة في الغالب تحب أن تستشير وتستفيد من الآخرين ولا ترى في ذلك عيب أو نقص بينما الرجل يرى ذلك نقصا في شخصيته، ولهذا نلاحظ أغلب الرجال يرفضون الاستشارة الزوجية لسببين، إما أنه يرى أنها تنقص من قدره لأنه لم يستطع علاج المشكلة أو لأنه لا يريد أي شيء من حياته الخاصة يخرج للآخرين لأنها تهدد سمعته، لذا ينبغي إقناعه بأن الاستشارة لا تنقص من قدر الإنسان)[49]، فالله حثنا عليها قائلاً: وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ. [50]، ولنا في رسول الله ص أسوة حسنة حينما كان يستشير بعض أصحابه، والعقل يحكم بحسن الرجوع إلى أصحاب الاختصاص كالمستشارين.
الخلاصة: إن التدخّل الإيجابي للأهل نعمة، وأن التدخّل السلبي نقمة، فلذا وجب على الأهل الحذر من عقاب الله، ونقول لهم:
# للتدخل له حدود فلا تتجاوزوها …. يذكر أحد المستشارين بأن أحد الآباء اعترض وقال أليس من حقنا الاطمئنان على حياة ابنتنا مع زوجها؟ فقال له: نعم من حقك، ولكننا نفرق بين التدخل وبين الاطمئنان، فالاطمئنان يعنى السؤال، والتدخل يعني اتخاذ موقف والكلام مع الطرف الآخر وتوجيهه أو تحذيره وهذا ما لا نريده إلا في حالات خاصة يكون التدخل فيها إيجابيا.
# أيها الأهل إذا ما وجدتم أن خللاً موجوداً في حياة ابنكم أو ابنتكم فلتكن نظرتكم إلى هذا الخلل نظرة عادلة وموضوعية ولتستمعوا إلى الطرفين، ولتكونوا كالإطفائي الذي يبادر إلى إطفاء الحريق هنا وهناك؛ كي لا تنتشر فيحرق إرجاء البيت، حاولوا أن تتحلوا بالموضوعية وأن تكونوا عادلين.
# كونوا على حياد واقتصروا بالتدخل على الأمور المفصلية الحساسة، وليعلم أهل الزوج أن ابنهم أصبح رجلاً يمتلك أن يقرر عن نفسه ويمتلك أن يقول لا ونعم، اتركوه يجرب ويخطئ ويتعلم من خطئه، ولكن لا تتدخلوا معه إلا وقت الحاجة في الأمور المفصلية كما قلنا.
# ونقول لأهل الزوجة: ابنتكم سعادتها مع زوجها وعودتها إليكم لن يُحل مشكلة، بل سيضيف مشكلة إلى مشكلتها فلتحافظوا على العلاقة الزوجية واتركوا ابنتكم تحل مشاكلها، ولا تتدخلوا إلا في الحالة القصوى التي تستدعي التدخل في الأمور المفصلية أيضاً.[51]
# وأخيرا نقول للأهل وبالأخص إلى والدي الزوجين، اعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية [وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ][52] ، فأي كلمة وأي حركة نقوم بها فنحن محاسبون عليها، ولا تنسوا أن اعمالنا هذه سيطّلع عليها أيضا الرسول وآل الرسول، ومنهم صاحب الذكرى الإمام الهادي عليه السلام، فهم [ والْمُؤْمِنُونَ ] في قوله تعالى:[ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ] [53]
وفي مصادرنا العديد من الروايات التي تثبت اطلاعه على علم الغيب بإذن الله، نذكر منها ما رواه القطب الراوندي بأنّ جماعةً من أهل أصفهان قالوا: «كان بأصفهان رجل يقال له عبد الرحمن، وكان شيعيّاً. فقيل له: ما السبب الذي أوجب عليك القول بإمامة عليّ النقيّ دون غيره من أهل الزمان؟
فقال: شاهدت ما أوجب عليّ ذلك. وذلك أني كنت رجلاً فقيراً وكان لي لسان وجرأة، فأخرجني أهل أصفهان سنةً من السنين مع قومٍ آخرين فجئنا إلى باب المتوكل متظلّمين.
وكنّا بباب المتوكل يوماً إذ خرج الأمر بإحضار عليّ بن محمدٍ الرّضا عليه السلام. فقلت لبعض من حضر: من هذا الرجل الذي قد أمر بإحضاره»؟
فقيل: هذا رجل علويّ تقول الرافضة بإمامته. ثم قيل: ونقدّر أنّ المتوكل يحضره للقتل.
فقلت: لا أبرح من هاهنا حتى أنظر إلى هذا الرجل أيّ رجل هو.
فأقبل راكباً على فرسٍ وقد قام الناس صفّين يمنة الطريق ويسرَتها ينظرون إليه.
فلمّا رأيته وقفت فأبصرته، فوقع حبّه في قلبي، فجعلت أدعو له في نفسي بأن يدفع الله عنه شرّ المتوكل.
فأقبل يسير بين الناس وهو ينظر إلى عرف دابّته لا يلتفت يمنةً ولا يسرةً، وأنا أكرّر في نفسي الدعاء له .. فلمّا صار بإزائي أقبل بوجهه عليّ وقال: قد استجاب الله دعاءك، وطوّل عمرك، وكثّر مالك وولدك.
قال: فارتعدت من هيبته، ووقعت بين أصحابي ..
فسألوني: ما شأنك؟
قلت: خير .. ولم أخبرهم بذلك.
فانصرفنا بعد ذلك إلى أصفهان، ففتح الله عليّ وجوهاً من المال حتى أنّي اليوم أغلق بابي على ما قيمته ألف ألف درهم سوى مالي خارج داري !. ورزقت عشرةً من الأولاد، وقد بلغت الآن من عمري نيّفاً وسبعين سنةً، وأنا أقول بإمامة هذا الرجل الذي علم ما في قلبي، واستجاب الله دعاءه فيّ ولي» [54]
يا سيدي يا مولاي يا أَبا الحَسَنِ يا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ، أَيُّها الهادِي النَّقِي يا بْنَ رَسُولِ اللهِ يا حُجَّةَ اللهِ عَلى خَلْقِهِ يا سَيِّدَنا وَمَوْلاَنا، نحن خُدّامكم، ونحن لدينا حوائج نرجو أن تقضوها لنا، فأنتم دعائكم مستجاب، وأنتم أفضل وسيلة لنا عند الله ..فبحق هذا اليوم العظيم الذي ولدت فيه إنَّا تَوَجَّهْنا وَاسْتَشْفَعْنا وَتَوَسَّلْنا بِكَ إِلى اللهِ، وَقَدَّمْناكَ بَيْنَ يَدَيْ حاجاتِنا، يا وَجِيهاً عِنْدَ اللهِ اِشْفَعْ لَنا عِنْدَ اللهِ.
أبـــــوذيـــــات فـــــــــي مـولد الإمـام الـهادي (ع)[55]
فـرحـنا والـفـرح واجــب عــــــــلـــــــيـــــــنـــــــا
وعـلـى كــل الـبشر بـيهم عــــــــلـــــــيـــــــنـــــــا
يــلايــم مــولــد الــهـادي عــــــــلـــــــيـــــــنـــــــا
تـلوم ابـكيفك وانـا اشعليّه
***
يـا شـيـعة نـعـلـن الـفـرحة تــــــــــعـــــــــالـــــــــوا
إلــى الـلي عـالبشر كـلهم تــــــــــعـــــــــالـــــــــوا
ونـفـخـر بـالـسعد عـالـلي تــــــــــعــــــــــلّـــــــــوا
جـمعنا مولد الهادي سويه
هوسات [56]
علي الهادي املنه ويا فخرنه
هلا بميلادك التمّم فرحنه
فِرَح هاليوم وتْفاخر شعبنه
هالمولد نور وافراح
……………….
علي مولاي جيتك حاير بْهمي
حبيبي من ازورك يرتعش جسمي
لان حبك يسير وْ يجري وي دمي
يا لهادي بْجاهك تكفيني
[1] النساء/35.
[2] موقع الدكتور جاسم المطوع/ مقالات/ الطلاق/ مجموعة نسائية تحرض على الطلاق-بتصرف.
[3] الشيخ الصفار/ saffar.org /مقالات/ الخلافات الزوجية – قراءة اجتماعية في التصور الإسلامي.
[4] تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان -السيد محمد الحسيني الشيرازي-ج1، ص477.
[5] تدخل الأهل في حياة الزوجين وأثر ذلك في حدوث الطلاق-أيمن صالح-ص3.
[6] الحجرات/10.
[7] النساء/35.
[8] الكافي-الكليني- ج2- ص209.
[9] نهج البلاغة- شرح صبحي الصالح- ص421.
[10] الكافي-الكليني- ج2-ص209.
[11] خبَّب فلان -في اللغة-: أي خدعه وأفسده، غرَّر به، كحثه على طلب الطلاق ونحو ذلك، وهو من الذنوب العظيمة.
[12] صحيح أبي داود- الرقم: 2175.
[13] وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي – ج ١٢ – ص ٣٠٦.
[14] رواه الترمذي، الرقم (2509).
[15] يس/12.
[16] المبسوط-الطوسي-ج 5-ص 2- 3.
[17] م.ن.
[18] الشيخ الصفار/ saffar.org /مقالات/ الخلافات الزوجية – قراءة اجتماعية في التصور الإسلامي.
[19] ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ١ -ص ٧٠٢.
[20] أمالي الطوسي-ص ٩٩ / ١٥٢.
[21] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٧١ – ص٣١٢.
[22] موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) -الشيخ هادي النجفي – ج ٦ – ص ٢٥١.
[23] موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/ الاستفتاءات/ عقوق الوالدين-سؤال رقم(2).
[24] الشيخ الصفار/ saffar.org / دروس/ من فقه الأسرة/ التحكيم والإصلاح في الخلافات الزوجية.
[25] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ناصر مكارم الشيرازي -ج 3 -ص 225-226-بتصرف.
[26] مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/ الاستفتاءات/الأحكام الشرعية-سؤال رقم(4).
[27] منهاج الصالحين-السيد علي السيستاني-ج 3 -مسألة 366-ص 111.
[28] الإسراء/84.
[29] التوبة/78.
[30][30] موقع الدكتور جاسم المطوع/ مقالات/ الطلاق/ مجموعة نسائية تحرض على الطلاق-بتصرف.
[31] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج ٢ -ص ١٢١ / ٣٥ و ح ٣٦.
[32] روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله، لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه. ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ – ص ٢٣٧٢.
[33] النساء/135.
[34] مركز الإشعاع الإسلامي/islam4u.com/ مقالات و دراسات/ العصبية والتعصب-بقلم الشيخ محمد توفيق المقداد.
[35] موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) – الشيخ هادي النجفي – ج ٧ – ص١٧٥.
[36] موقع حلوها/ hellooha.com/ تحديات الحياة الزوجية/ قضايا اسرية/ أسباب تدخل الأهل بين الزوجين وتأثير الأهل على الحياة الزوجية-بتصرف.
[37] الحجرات/12.
[38] تدخل الأهل في حياة الزوجين وأثر ذلك في حدوث الطلاق-أيمن صالح-ص12-13.
[39] مجلة فرحة-العدد (٥)- يناير/فبراير- ١٩٩٧ م، ص ٢٤.
[40] تدخل الأهل في حياة الزوجين وأثر ذلك في حدوث الطلاق-أيمن صالح-ص14-15.
[41] وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج ١٢ – ص ٢٥٢.
[42] الكافي-الكليني- ج2-ص21- ح7.
[43] كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
[44] حلوها/ hellooha.com / تحديات الحياة الزوجية/ قضايا اسرية/ حل مشكلة تدخل الأهل بين الزوجين ووضع حدود لأهل الزوج والزوجة-بتصرف.
[45] الوطن/ alwatannews.net/ صفحات متخصصة/ مختصون: تدخلات الأهل في الحياة الزوجية للأبناء خطوة نحو الطلاق-بتصرف.
[46] لا يشترط في علاج الشخصية الحساسة تعاطي الأدوية بل هناك العلاج المعرفي السلوكي، والشريعة اختصرت العلاج بالتخلص من سوء الظن بالآخرين، واستبداله بحسن الظن، روي عن قال أمير المؤمنين: عليه السلام: اطلب لأخيك عذرا فإن لم تجد له عذرا فالتمس له عذرا. بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٦٥ – الصفحة ٢٠٠.
[47] فلقد روي عن علي عليه السلام قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة جالسة عند القدر وأنا أنقي العدس قال: يا أبا الحسن، قلت: لبيك يا رسول الله قال: اسمع مني وما أقول إلا من أمر ربي ما من رجل يعين امرأته في بيتها إلا كان له بكل شعرة على بدنه عبادة سنة، صيام نهارها وقيام ليلها وأعطاه الله من الثواب مثل ما أعطاه الصابرين داود النبي ويعقوب وعيسى عليهم السلام، …إلى نهاية الحديث. بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ١٠١ – ص ١٣٢.
[48] تدخل الأهل في حياة الزوجين وأثر ذلك في حدوث الطلاق-أيمن صالح-ص12-13.
[49] جاسم المطوع/ drjasem.com / مقالات / فهم الرجل والمرأة / تدخل الأب في هذه الحالات خطأ ؟-بتصرف.
[50] الشورى/38.
[51] مركز الكفيل الأسري/ family-guidance.net/ تدخل الأهل بين الأزواج-من برنامج مساكن طيبة- الحلقة الثانية عشرة – الدورة البرامجية32.
[52] التغابن/4.
[53] التوبة/105.
[54] كشف الغمة-أبو الحسن الإربلي- ج ۳ -ص ۱۸۹ ـ ۱۸۰، وبحار الأنوار-المجلسي- ج ٥۰ -ص ۱٤۲.
[55] للشاعر أحمد الحداد.
[56] للشاعر سعيد الفتلاوي الطويرجاوي.
