
لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
يَوْم 25 رَجَبٍ: شَهَادَةُ الإِمَامِ الكَاظِمِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
عنوان المحاضرة: موقف الشهادة يوم القيامة
بسم الله الرحمن الرحيم
[حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ].[3]
من المعلوم أن الله تعالى لم يخلق الإنسان عبثا من أجل اللهو واللعب، والرقص وسماع الأغاني، والتعري، ولارتكاب الفواحش، قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [4]، بل أن الله خلقنا من أجل هدف وغاية تجسّدت بقوله تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] . [5]، والعبادة تعني الطاعة المطلقة لله تعالى، لأنها سر السعادة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ]. [6]
أي أننا في هذه الحياة الدنيا لمدة مؤقتة من أجل أداء الامتحان، قال تعالى: [خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ]. [7]
وبعد انتهاء الامتحان سنرحل من الحياة الدنيا بالموت، لتبدأ بعد ذلك الحياة البرزخية في القبر، وحينما يأمر الله بقيام الساعة لنبعث ليوم القيامة، فهذا معناه نهاية الدنيا، حيث يأمر الله عز وجل الملك إسرافيل أن يُنفخ في الصور نفختان:
النفخة الأولى، وتسمى: نفخة الصعق والإماتة، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ﴾ [8]، وبسماع هذه النفخة يموت كلُّ من في السموات والأرض إلاَّ من شاء الله أن يبقيه، وتأتي هذه الصيحة على حين غفلة من الناس وانشغال بالدنيا، وأما النفخة الثانية، هي نفخة البعث والإحياء [9] ، وهي المذكورة في قوله تعالى:﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [10]، وهي صيحةٌ توقظ الأموات ممّا هم فيه، ثم يحشرون بعدها إلى أرض المحشر [11]، للحساب والجزاء، فإما إلى النار، وإما إلى الجنة، حيث الخلود الأبدي بلا موت، ولا انقطاع.
وفي يوم القيامة حينما نحشر جميعا على أرض المحشر سوف نمر بخمسين موقفًا، ومنها موقف الميزان، والصراط، والحساب، والشفاعة، والشهادة، ..إلخ
فقد ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: أنَّ للقيامة خمسين موقفا ويستغرق عبور كل موقف ألف سنة. [12]وهو مقدار يوم القيامة الذي ذكره الله تعالى بقوله: [فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ] .[13]
ونريد في هذه المحاضرة أن نقف على موقف (الشهادة) في محكمة العدل الإلهي.
المبحث الأول: موقف الشهادة
إن الشهادة حقيقة قرآنية تكررت في كثير من الآيات الكريمة وكذلك الأشهاد والشهود والشهداء. كقوله تعالى:﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ [14]، وقوله تعالى:﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء ﴾[15] ، وقوله تعالى:﴿ كُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾[16]…إلخ
وحينما ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم، فلا يقصد به الشهداء الذين يقتلون في سبيل الله تعالى، وإنما يقصد به الشهادة على الأعمال والحقائق من الشاهد الذي يشهد في المحكمة مثلاً أو في التقاضي. أي أن الشاهد أو الشهيد والأشهاد والشهود والشهداء، كل هذه الألفاظ يقصد بها أن هناك إنساناً قد ميزه الله تبارك وتعالى، عن بقية خلقه واصطفاه واتخذه شهيداً، وأن هذا الإنسان قد كشف الله تعالى له، عن بصيرته وقلبه ونفسه وأعطاه القابلية التي يتمكن بها من أداء الشهادة أمام الله تعالى ويوم القيامة على الناس الذين كلّف بالشهادة عليهم.
ومن خصائص الشهادة يوم القيامة أن الشهادة على الأعمال ليست على الأعمال الظاهرية المحسوسة فحسب-كما هو الحال مع شهود الدنيا-، بل تتعدى ذلك إلى الأعمال المعنوية كأعمال القلوب من حب وبغض، نفاق، حسد، حسن ظن، وسوء ظن… الخ، لأنّ الله تبارك وتعالى يؤاخذ الناس بما كسبت قلوبهم، وهذه الأعمال هي من أعمال القلوب، قضايا المعرفة، العقائد، كل ذلك مما تكتسبه قلوب من يشهد عليه. [17]
إن مشهد الشهادة في محكمة العدل الإلهي (مشهد مروّعٌ للقلوب ومقطّعٌ للأرواح، إنّه مشهد القضاء على الناس بشهود لا يتطرق إلى شهادتهم ريب ولا يتّهمون بكذب. وهم بين شاهد خارجي كالله سبحانه، والأنبياء، والملائكة، والأرض، وداخلي كالأعضاء والجوارح حتى جلد البدن. وهناك نوع آخر من الشهود لا يشابه القسمين، وهو تجسّم أعمال الإنسان.
وبذلك لا يجد المجرم لنفسه إلا الاعتراف بالذنب والتقصير والجرأة، لثبوت الجرم عليه بوجه لا يقبل الإنكار، وإليك عرض هؤلاء الشهود في ضوء آيات القرآن الكريم). [18]
قد يسأل أحدنا: لا شك أن الله تبارك وتعالى علاّم الغيوب، يعلم السر وأخفى، إذن ما الحاجة إلى شهادة كل هذه الشهود؟
الجواب: ذلك يرجع لأسباب منها: لإظهار عدله أمام الخلائق، فأن الناس حينما ترى يوم القيامة في محكمة العدل الإلهي بأن الله قد حكم على فلان بالجنة والآخر بدخول النار على أساس شهادته تعالى وحده، فسوف يعترض أكثرهم على حكمه، ويعتقدون أنه خلاف العدل، لأن الإنسان خُلق وفيه خاصية الجدل﴿ وَكَانَ الإنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾[19] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾[20]
ولذا فشهادة الشهود المتعددة ستكون حجة عليهم، وبذلك سيظهر عدل الله أمام كل الخلائق، قال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا .[21]
(إذن فالشهادة لإلقاء الحجة على هذا المخلوق الضعيف المجادل وهو الإنسان. كما أنها كرامة من الله تعالى للشهداء الذين يصطفيهم ويختارهم من خلقه بسابق علمه، فالشهداء ليس بذاتهم ولا باختيار الناس كانوا شهداء، ولكن الله تعالى هو الذي يتخذ من الناس شهداء﴿ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء ﴾[22]).[23]
المبحث الثاني: الشهود يوم القيامة
إنّ النصوص الشرعية تخبر عن وجود شهود، يشهدون على عمل الإنسان خيره وشرَّه، والشهود هم كالآتي:
الشاهد الأول: الله سبحانه
المتعارف في المحاكم الدنيوية أن الحاكم والقاضي غير الشاهد، بينما في محكمة العدل الإلهي في يوم القيامة فأن الحاكم الذي يحكم على العباد يوم القيامة هو أكبر وأصدق شاهدٍ على عمل الإنسان، وهو خالقه: الله سبحانه وتعالى؛ لإحاطته به منذ نشوئه إلى موته، قال سبحانه:﴿ إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌ﴾[24]، روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: اتقوا معاصي الله في الخلوات، فإن الشاهد هو الحاكم.[25]
الشاهد الثاني: أنبياء الله تبارك وتعالى، يقول سبحانه: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ) [26]
والآية تتضمن أمرين:
الأوّل: انّ لكلّ أُمّة شهيداً، وأمّا من هو؟ فالآية ساكتة عنه، ويمكن استظهار أنّ المراد من الشهيد هو نبي كلّ أُمّة، بشهادة انّه سبحانه صرّح بأنّ المسيح عليه السلام يكون شهيداً على أُمّته، قال سبحانه: (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا). [27]
الثاني: أنّ النبي الخاتم محمد ص بحكم الآية الأُولى شهيد علىٰ هؤلاء.
حيث يظهر من غير واحدة من الروايات أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الخاتم شاهد على أعمال أُمّته، وقد ورد في ذلك غير واحد من الآيات، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)[28] ، والمراد شهادته على كل أعمال أُمّته من خير وشر وصلاح وفساد.
ولكن الأصل في الشهادة أن تكون عن مشاهدة وعلم، لقوله تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. [29]، ولا تصح الشهادة بالظن، قال تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا. [30]
فكيف أحاط كل نبي عِلْماً بما صدر من أمته من الأعمال والأفعال؟، وكيف أحاط النبي الخاتم ص علماً بالظواهر والبواطن، والحقائق لأمته، وللأمم السابقة؟
لا شك ولا ريب أن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يتخذ منهم شهوداً يمدّهم بالعلم الكافي في عالم الشهادة حتى يقفوا علىٰ ما يجري في أذهانهم ونفوسهم من الأفكار والآراء الصحيحة والباطلة، قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ)[31]
إن الروايات الواردة عن علم النبي محمد ص وعرض الأعمال عليه، بلغت حد التواتر، وهذا الأمر يشمل حتى الأئمة (عليهم السلام)، ونذكر منها الآتي:
#عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل علي (عليه السلام) عن علم النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: علم النبي علم جميع النبيين، وعلم ما كان وعلم ما هو كائن إلى قيام الساعة، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأعلم علم النبي (صلى الله عليه وآله) وعلم ما كان وعلم ما هو كائن فيما بيني وبين قيام الساعة. [32]
#روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: ” تعرض الأعمال على رسول الله أعمال العباد كل صباح، أبرارها وفجّارها، فاحذروها، وهو قول الله عز وجل: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله وسكت. [33]
# عن بريد العجلي قال قلت لأبي جعفر عليه السلام في قول الله: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)، فقال: ما من مؤمن يموت ولا كافر يوضع في قبره حتى يعرض عمله على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام فهلم جرا إلى آخر من فرض الله طاعته. [34]
الشاهد الثالث: شهادة الأئمة الأطهار عليهم السلام
قال سبحانه: ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) [35]، يرى بعض المفسرين أن امة محمّد (صلّى الله عليه وآله) بأسرها تشهد على الناس. فهل هذا الرأي ينطبق على الحقيقة؟ أمة محمّد (صلّى الله عليه وآله) ببرّها وفاجرها، بمؤمنها وطاغوتها، كل هؤلاء يشهدون على الناس؟، نحن نعرف أن الفاسق لا تقبل شهادته في الدنيا، فكيف تقبل في الآخرة؟
يقول الإمام الصادق عليه السلام: فإن ظننت أنّ الله عنىٰ بهذه الآية جميعَ أهل القبلة من الموحدين، أفترىٰ أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا علىٰ صاع من تمر، يطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية ؟! كلا لم يعنِ الله مثل هذا في خلقه.[36]
وإذا المؤمنون الآن لا يعلمون بالأشياء الغائبة عنهم حتى يشهدوا بها، كجهلي بما يفعله أقرب الناس، فكيف يتسنى لي أن أشهد على غيره؟
فلا محيص عن كون المراد من (الأمة) في هذه الآية هو (بعض الأُمّة) لا جميعهم، وليس هذا البعض إلّا من اختارهم الله سبحانه أئمّة على الأُمّة وحكّاماً على البلاد وهم محمد وآل محمد عليهم السلام.[37]
ويبقى ثمة سؤال، وهو انّه إذا كان المراد بعض الأُمّة الذين شملتهم العناية الإلهية وجعلتهم صفوة عباده، فلماذا ينسب الحكم إلى الجميع؟
والجواب: انّ ذلك ليس بغريب، فقد ورد نظير ذلك في الذكر الحكيم حيث وصف جميع بني إسرائيل بجعلهم ملوكاً مع أنّ البعض القليل منهم قد تصدّوا لمنصة الحكم كداود وسليمان وغيرهما، يقول سبحانه: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا) [38]وهذا يدل على أنّه تصحّ نسبة الحكم إلى الجميع وإن كان الحكم خاصّاً ببعضهم. والقدر المتيقن من شهداء الأُمة الذي يخبر عنه قوله سبحانه: ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) [39]، هم الأئمّة المعصومون قرناء الكتاب وأعداله بنصِّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».[40]
الشاهد الرابع: الملائكة
إنّ للإنسان حفظة يصحبونه منذ بلوغه التكليف فيسجّلون أعماله خيرها وشرّها، وهذا قوله سبحانه:﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْل إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [41]
وهذا الرقيب العتيد يشهد أعمال من وكّل به يوم القيامة، عندما يرد الإنسان صعيد الحساب مع سائقه، كما يقول سبحانه:﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْس مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾[42] فأحد الملائكة يسوق الإنسان، وآخر يشهد على أعماله. [43]
الشاهد الخامس: الأرض
أخبر سبحانه بأنّ الأرض تحدّث أخبارها عند قيام القيامة، يقول سبحانه: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا )[44]
وقد روي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أخبارها أن تشهد على كلّ عبد وانّه بما عمل علىٰ ظهرها تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، وهذا أخبارها». [45]
قد يرد سؤال: كيف تتحمل الأرض تلك الشهادة وتؤدّيها يوم القيامة وهي جماد؟ باختصار: إنّ كلّ موجود -من إنسان وحيوان ونبات وجماد-وإن بلغ من الضعف بمكان كالجماد، له نصيب من العلم والإدراك، قال سبحانه: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [46].[47]
روي عن الإمام علي عليه السلام: ” … أخذ-الرسول ص-يوم حنين حجراً فسمعنا للحجر تسبيحاً وتقديساً، ثمّ قال للحجر: اِنفلقْ، فانفلق ثلاث فلق نسمع لكلّ فلقة تسبيحاً لا يُسمع للأُخرى”.[48]
ولكن يمكن أن نستعين على تقريبها بالأمور المحسوسة ببيان أنّ المجرم والمحسن يتركان بعد العمل آثاراً يستدل ّبها على كيفية عمله.
هذا وإن الخبراء يستدلّون بالمستندات الحفرية، على كيفية حياة الماضين وحضارتهم وعلومهم، وسائر شؤون حياتهم، وقد ورد عن النبي أنّه لم يرتحل من منزل إلاّ صلى فيه ركعتين وقال: “حتى يشهد عليّ بالصلاة” [49]
روى الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله، في وصيته له: “يا أباذر، ما من رجل يجعل جبهته في بقعة من بقاع الأرض، إلاّ شهدت له بها يوم القيامة”[50].[51]
الشاهد السادس: الزمان
إذا كانت الأرض تحدّث أخبارها يوم القيامة، فهكذا الزمان يشهد على ما عمل به الإنسان، روى الكليني في الكافي بإسناده أنّ أبا عبد الله عليه السلام، قال: «إنّ النهار إذا جاء قال يابن آدم اعمل في يومك هذا خيراً أشهد لك به عند ربّك يوم القيامة، فانّي لم آتك فيما مضى ولا آتك فيما بقي، وإذا جاء الليل قال مثل ذلك».[52]
روي عن رسول الله ص : ” … وينادي منادٍ-في يوم القيامة-: يا رجب ويا شعبان ويا شهر رمضان: كيف عمل هذا العبد فيكم؟ وكيف كانت طاعته لله عز وجل؟ فيقول رجب وشعبان وشهر رمضان: يا ربنا ما تزود منا إلا استعانة على طاعتك واستعداداً لمواد فضلك ولقد تعرض بجهده لرضاك وطلب بطاقته محبتك “.[53]
وأما إذا كان العبد عاصياً لله تعالى فسوف تشهد عليه لا له. وهكذا الحال مع كل الأزمنة.
الشاهد السابع: القرآن
تدلّ بعض الآيات على أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يشتكي من أُمّته لهجرهم القرآن (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [54]، روي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: «… انّه سبحانه يخاطب القرآن الكريم، ويقول: يا حجتي في الأرض … كيف رأيت عبادي؟ فيقول: منهم من صانني وحافظ عليَّ ولم يضيع شيئاً، ومنهم من ضيّعني واستخف بحقّي وكذب، وأنا حجتك على جميع خلقك، فيقول الله تبارك وتعالى: وعزَّتي وجلالي وارتفاع مكاني لأُثيبنَّ عليك اليوم أحسن الثواب ولأُعاقبنّ عليك اليوم أليم العقاب». [55]. [56]
المقصود من قوله: (ومنهم من ضيّعني واستخف بحقّي وكذب)، مصداقه الأكبر من لم يحكم بما أنزل الله من آيات، فالقرآن يقول: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. [57]، في حين نجد بعض النساء يخالفن القرآن بالتبرج، والاستخفاف بالصلاة، وترك الخمس والزكاة، وترك طاعة الله ورسوله بارتكاب المحرمات، لذا حتما سوف يشهد عليهن القرآن، وسيعاقبن.
الشاهد الثامن: صحيفة الأعمال
إنّ من الشهود: الصحف التي تكتبها الملائكة الموكّلون على أعمال الإنسان ليلاً ونهاراً فلا يفترون عن كتابة كلّ صغير وكبير، قال تعالى: ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) [58]
ويستفاد من بعض الآيات أنّ صحيفة الأعمال تُعلَّق على عنق الإنسان بعد موته، يقول سبحانه: ( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ) [59]
حيث يطلب منه الله تعالى في يوم القيامة أن يقرأ الكتاب في محكمة العدل الإلهي، يقول سبحانه: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) [60]، فلما يقرأ الكتاب يستغرب فزعاً قائلاً: ( مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ) [61]. [62]
الشاهد التاسع: تجسّم الأعمال
إنّ تجسم الأعمال بمعنى: أنّ كل عمل يقوم به الإنسان سواء كان حسناً أو سيئاً، له صورتان، الأولى دنيوية، والثانية أخروية، وتكمن هاتان الصورتان في جوف وداخل العمل، وفي يوم الحشر وبعد التحولات والتطورات التي تحصل فيها، فإنّ العمل يترك صورته الدنيوية ويتجلّى ويتمثّل، ويظهر في صورته الأخروية الواقعية، وبها ينعم الإنسان ويتلذذ، أو يخسر ويتأذى، (وهذا نظير عرض صور الجريمة ووقائعها التي التقطت عند ارتكاب المجرم لها، أو بثّ الشريط الّذي سجل فيه كلام المعتدي بالسبّ والوقيعة، وإن كان هناك فرق بين الممثّل والممثّل له)[63]، قال تعالى:﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [64]، وقال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ. [65]
فالعمل الصالح يتجسد بهيئة جميلة جدا، قال الإمام الصادق عليه السلام في حديثٍ طويل: «إذا بُعِثَ المؤمن من قبره خرج معه مِثالٌ يَقدُمُ أمامه … فيقول من أنت: فيقول: أنا السّرور الذي كنت أدخلت على أخيك المؤمن في الدنيا، خلقني الله عزّ وجلّ منه لأبشرك» [66]. [67]
بينما العمل السيء يتجسد بهيئة قبيحة مؤذية، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يحشر صاحب الطنبور يوم القيامة وهو أسود الوجه وبيده طنبور من النار، وفوق رأسه سبعون ألف ملك، بيد كل ملك مقمعة يضربون رأسه ووجهه، ويحشر صاحب الغناء من قبره أعمى وأخرس وأبكم، ويحشر الزاني مثل ذلك، وصاحب المزمار مثل ذلك، وصاحب الدف مثل ذلك.[68] ، وأما الشهادة العاشرة فسنطرحها في المبحث الآتي:
المبحث الثالث: شهادة الجوارح والأعضاء
في هذا المبحث سنقف على شهادة الجوارح والأعضاء والذي سيتضح عند تفسير الآية محل البحث، وهو قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) [69]
# قوله تعالى: حَتّٰى إِذٰا مٰا جٰاؤُهٰا أي ووقفوا عندها أو قريبا منها ليسمعوا الحكم الحاسم الذي ينطلق من الحجة القاطعة على جرائمهم ومعاصيهم. [70]
يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: فهذه الآية تبيّن أنّ شهادة أعضاء الإنسان تتمّ في محكمة النّار، فهل مفهوم ذلك أنّ الشهادة تتمّ في النّار، في حين أنّ النّار هي نهاية المطاف، أم أنّ المحكمة تنعقد بالقرب من النّار؟ الاحتمال الثّاني هو الأقرب كما يظهر.[71]
# قوله تعالى: «شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصٰارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ» أي شهد عليهم سمعهم بما قرعه من الدعاء إلى الحق فأعرضوا عنه ولم يقبلوه، وأبصارهم بما رأوا من الآيات الدالة على وحدانية الله فلم يؤمنوا، وسائر جلودهم بما باشروه من المعاصي والأفعال القبيحة. [72]
#قوله تعالى: وَقٰالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنٰا . يقول صاحب تفسير الأمثل: أي المجرمون يستغربون هذه الظاهرة، لسان حالهم يقول: لقد كنّا لسنين مديدة نحافظ عليكم من الحر والبرد ونعتني بنظافتكم، فلماذا أنتم هكذا؟، و في الجواب يقولون: قٰالُوا أَنْطَقَنَا اَللّٰهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ . أي قالت الجلود: لقد أعطانا اللّه مهمّة القيام بالشهادة على أعمالكم في هذه المحكمة العظيمة، ولا نملك نحن سوى الطاعة، فالذي أعطى غيرنا من الكائنات قابلية النطق أعطانا أيضا هذه القابلية.
والطريف هنا أن أولئك يسألون جلودهم دون باقي الأعضاء من الشهود كالعين والأذن. قد يكون السبب في ذلك أنّ شهادة الجلود هي أغرب وأعجب من جميع الأعضاء الأخرى، وأوسع منها جميعا، فتلك الجلود التي يجب عليها أن تذوق طعم العذاب الإلهي قبل غيرها من الأعضاء تقوم بمثل هذه الشهادة، وهذا الأمر محيّر حقّا![73]
ثمّ ما هو المقصود من (جلود) بصيغة الجمع؟
الظاهر أنّ المقصود بذلك هو جلود الأعضاء المختلفة للجسم، جلد اليد والرجل والوجه وغير ذلك. [74]
وقيل: المراد بالجلود الفروج وقد كني بها عنها تأدبا. [75]
فقد ورد في «تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ» وفي كتاب «من لا يحضره الفقيه» أنّ الإمام الصادق عليه السلام سئل عن قوله تعالى: شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ … إلى آخر الآية، فقال عليه السلام: يَعْنِي بِالجُلُودِ الفُرُوجَ وَ الأفْخَاذَ. [76]
إن هذه الروايات التي تفسّر ذلك ب «الفروج» فهي في الحقيقة من باب بيان المصداق، وليس حصر مفهوم الجلود في ذلك).[77]
بعد تفسير الآيتين، سنذكر أهم الأسئلة المتعلقة بهما:
سؤال(1): هل شهادة الأعضاء مقصورة على السمع والبصر والجلود، المذكورة في هاتين الآيتين-محل البحث-، أم أن هناك أعضاءً أخرى ستشهد عليه يوم القيامة؟
الجواب: عندما نستقرئ النصوص الشرعية (يتضح أنّ هناك أعضاء أخرى تقوم بالإدلاء بالشهادة، إلا أنّ ما تذكره الآية التي بين أيدينا من أعضاء (السمع والبصر والجلود) تُعد في الدرجة الأولى، لأنّ معظم أعمال الإنسان تتم بمساعدة العين والأذن، وإنّ الجلود هي أول من يقوم بملامسة الأعمال.
ومن تلك الأعضاء الأخرى نذكر:
# الأيدي والأرجل، قال تعالى: وَتُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ .[78]
# الألسن، قال تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ . [79]
#الفؤاد، قال تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا. [80]
# بل يبدو حتى (رمش العين) له حظ من الشهادة، فقد روي في تفسير النيسابوري عند قوله تعالى: ” اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم ” ما صورته: وفي بعض الأخبار المروية المسندة تشهد عليه أعضاؤه بالزلة فتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن في الشهادة له فيقول الحق تعالي تكلمي يا شعرة عينه واحتجي لعبدي فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد هذا عتيق الله بشعرة. [81]
سؤال(2): كيف نفسّر شهادة الجوارح والأعضاء يوم القيامة؟
أجاب المفسرون عن هذا السؤال بعدة احتمالات، نذكر أبرزها:
أولاً: إن الأعضاء والجوارح التي خلقها الله لها قدرة الإحساس والإدراك والشعور، ولذا فهي تتحمل الشهادة، بمعنى الإحاطة بما سيطلب منه الشهادة. وهذا الرأي هو الأرجح والأقوى، يقول صاحب تفسير الميزان: وشهادة الأعضاء أو القوى يوم القيامة ذكرها وإخبارها ما تحملته في الدنيا من معصية صاحبه، فهي شهادة أداء لما تحملته، ولولا التحمل في الدنيا حين العمل لم يصدق عليه الشهادة، و لا تمت بذلك على العبد المنكر حجة و هو ظاهر.[82]
وحينما نأتي إلى الأبحاث والدراسات الحديثة نجدها تثبت هذه الحقيقة، فقد لاحظ العلماء في السنوات القليلة الماضية ومنهم (الدكتور كلارك أوتلي) أن هنالك ذاكرة طويلة لهذا الجلد، حيث قال هذا العالم: ربما يكون أكثر أجزاء الجسم الذي تملك ذاكرة طويلة هو الجلد، فالأحداث التي تمرّ على الإنسان والأشياء التي يقوم بها الإنسان جميعها تختزن في سجلات خاصة داخل خلايا جلد الإنسان، لأن هذا الجهاز (جهاز الجلد) يغطي تقريباً كل مساحة جسم الإنسان، لذلك فهو مثل الرادار يستقبل هذه المعلومات (يستقبل البيانات) ويخزنها، حتى إن الإنسان يموت وتبقى هذه الذاكرة موجودة في خلايا جلده.
وعندما حلل العلماء هذا الجلد وجدوا أنه يتألف من طبقات، وأن من مهام طبقات الجلد وخلايا الجلد ليس مجرد الحفاظ على الجسد، أو التعرق أو حماية الجسم من المؤثرات الخارجية.. لا.. هنالك عمل آخر وهو أن هذا الجلد يقوم بتخزين هذه المعلومات وإبقاءها لفترات طويلة، ووجدوا أيضاً أن هذه الخلايا تتأثر بالترددات الصوتية، بل إن خلايا الجلد تصدر ترددات صوتية أيضاً، ولكن هذه الترددات لا نسمعها، لأنها تحتاج إلى أجهزة حساسة جداً لالتقاط هذه الذبذبات الصوتية.[83]
أقول: ربما هذه الترددات الصوتية التي لا نسمعها في الدنيا، ربما هي شهادتها التي سنسمعها في الآخرة لكون إدراك حواسنا محدود بنطاق في الدنيا، ولكن لما ننتقل لعالم الآخرة سيكون إدراكها أقوى بكثير مما هي عليه في الحياة الدنيا، كما هو الحال في البصر، قال تعالى:﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [84]
ثانياً: إنّ الأمر يكون كما في حال الشجرة التي أوجد اللّه تعالى فيها الصوت وأسمعه موسى عليه السّلام. ولكن بعض المفسرين ضعّفوا هذا الاحتمال، ومنهم صاحب تفسير الأمثل الذي قال: إن احتمال أن تنطق الأعضاء بإذن اللّه تعالى دون أن يكون لها شعور بذلك أو يظهر منها أثر تكويني بعيد ظاهرا، لأنّه في مثل هذه الحالة لا تعتبر الحالة مصداقا للشهادة التشريعية ولا مصداقا للشهادة التكوينية، فلا عقل هناك ولا شعور، ولا الأثر الطبيعي للعمل، وسوف تفقد قيمة الشهادة في المحكمة الإلهية الكبرى. [85]
ثالثاً: شهادتها تتجسد بتمثيل الأعمال التي ارتكبتها. مثال ذلك: ظالم قتل شخصا بطعنة سكين، فيوم القيامة سوف تشهد يده على جريمته بأن تعيد تمثيل نفس الحركة والعمل.
يقول السيد الطهراني في كتابه معرفة المعاد، معقبا على قوله تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. ما نصه: ولا يعني ذلك -بطبيعة الحال-أنّ الأيدي والأرجل سيصبح لها لسان كلساننا فتُحدث صوتاً ونطقاً، بل شهادتها هي إظهارها للوجود وجعلها تمثّل الأعمال التي اجترحتها حين كانت هذه الأعضاء حيّة ومتحرّكة. [86]
سؤال(3): ألا يمكن للإنسان أن ينكر ارتكابه للمعصية يوم القيامة، ليفلت من العقاب؟
الجواب: لا مجال للإنكار، لأن الشهود كثر، ولو افترضنا أن الشهادة الوحيدة هي الأعضاء، فهي تكفي؛ لأن بمجرد الأنكار سوف يختم الله على فمه، وسوف تشهد بالحقيقة بقية الأعضاء، قال تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. [87]
مثال ذلك: لو أنكرت المتبرجة تبرجها وسفورها، فسوف يختم الله على فمها، وسوف تشهد الأعضاء بأنها عصت الله بالتبرج من أجل جذب انتباه الرجال الأجانب وإغراءهم… فسيشهد الجلد أنه تم صبغه بمساحيق التجميل، والشفاه بأنه تم تكبيرها، والجلد بأنه لم يستر بثوب فضفاض بل بثوب ضيق يبرز مفاتنه. وأصابع اليد على تركيب الأظافر وصبغها، والأرجل على عدم ارتداء الجورب السميك أمام الرجال الأجانب.
وإذا كانت المرأة غير عفيفة ولها علاقات غير شرعية، فسيشهد الجلد والفرج على ذلك، وأصابع اليد بالمصافحة واللمس، بل حتى بالكتابة المحرمة.
وأرجلها ستشهد بالخطوات التي سعتها من أجل الخروج للقاء الرجل الفاسق.
وبعد شهادة كل الأعضاء عليها، يسمح لها بالكلام، فلا تملك جواباً، فتدخل النار.
وإذا حاولت الاحتجاج وقالت: (بأنني معذورة لأنك خلقتني جميلة)، فسيحتج الله عليها بالمؤمنات العفيفات الجميلات مثل: مريم بنت عمران عليها السلام، وإذا احتج رجل فاسق على الله بجماله وانجذاب النساء إليه، فيكسر الله حجته بنبي الله يوسف عليه السلام، الذي لجماله قَطَّعتِ النسوة أَيْدِيَهُنَّ، ولكن حينما رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ .[88]
وإذا حاول أحد إنقاذ نفسه بحجة أنه جاهل بالحكم، فسوف يحتج الله عليه لتقصيره في التعلّم، فقد روي عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) وقد سئل عن قوله (تعالى): ” فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ” [89]فقال: إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالما؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلا، قال له: أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصمه، فتلك الحجة البالغة. [90]
إذن لا مفرّ من إتمام الحجة علينا، ومن الفضيحة.
تخيلوا لو أن أحدنا كان يعصي الله سراً، فإذا أنكشف سره أمام أهله سيخجل ويطأطئ رأسه ويحاول أن يتوارى عنهم، فكيف إذا فُضِح أمام عشيرته ومجتمعه؟
أقول: فكيف به حين يفتضح يوم القيامة أمام كل الخلائق من الجن والأنس؟! …
أعاذنا الله وإياكم من ارتكاب المعاصي، ومن الإصرار عليها، ومن الفضيحة.
لذا هلموا بنا لنفتح صفحة جديدة … ونتقي الله، ونستثمر أيام حياتنا بالاستغفار والتوبة النصوح كي لا تشهد علينا الأعضاء والجوارح ولا بقية الشهود ولا نُفتضح.
قد يقول أحدكم: وهل التوبة النصوح قادرة على إيقاف شهادة الشهود يوم القيامة؟
الجواب: نعم، فقد روي عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا تاب العبد المؤمن توبة نصوحا أحبه الله فستر عليه في الدنيا والآخرة قلت وكيف يستر عليه؟ قال: يُنسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، وأوحى الله إلى جوارحه اكتمي عليه ذنوبه، وأوحى إلى بقاع الأرض اكتمي عليه ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بالذنوب. [91]
حتماً سيسأل أحدكم عن التوبة النصوح!
أقول: يذكر العلماء بأن التوبة النصوح يجب أن تتوفر فيها أربعة شروط: الندم الداخلي، الاستغفار باللسان، ترك الذنب، والتصميم على الاجتناب في المستقبل [92]، قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): ما التوبة النصوح؟ فقال (عليه السلام): (ندم بالقلب واستغفار باللسان والقصد على أن لا تعود). [93]
وأما إذا لم نتب، وتمادينا في المعاصي فسنفتضح أمام الخلائق، وسيكون مصيرنا مصير الطواغيت الجبابرة، يقول علي بن إبراهيم القمي في تفسيره معقبا على هذه الآية الكريمة: «حَتّٰى إِذٰا مٰا جٰاؤُهٰا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصٰارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»[94]، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالُهُمْ فَيُنْكِرُونَهَا فَيَقُولُونَ مَا عَمِلْنَا مِنْهَا شَيْئاً، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاَئِكَةُ اَلَّذِينَ كَتَبُوا عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ، فَقَالَ اَلصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : فَيَقُولُونَ لِلَّهِ: يَا رَبِّ هَؤُلاَءِ مَلاَئِكَتُكَ يَشْهَدُونَ لَكَ ثُمَّ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَ هُوَ قَوْلُ اَللَّهِ: «يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللّٰهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمٰا يَحْلِفُونَ لَكُمْ»[95] وَ هُمُ اَلَّذِينَ غَصَبُوا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْتِمُ اَللَّهُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَ يُنْطِقُ جَوَارِحَهُمْ فَيَشْهَدُ اَلسَّمْعُ بِمَا سَمِعَ مِمَّا حَرَّمَ اَللَّهُ وَ يَشْهَدُ اَلْبَصَرُ بِمَا نَظَرَ بِهِ إِلَى مَا حَرَّمَ اَللَّهُ وَ تَشْهَدُ اَلْيَدَانِ بِمَا أَخَذَتَا وَ تَشْهَدُ اَلرِّجْلاَنِ بِمَا سَعَتَا فِيمَا حَرَّمَ اَللَّهُ وَ يَشْهَدُ اَلْفَرْجُ بِمَا اِرْتَكَبَ مِمَّا حَرَّمَ اَللَّهُ …” [96]
ومن هؤلاء الذين سيفضحهم الله على رؤوس الأشهاد هم الطواغيت الجبابرة الظلمة، أعداء آل محمد ومنهم هارون اللارشيد (لعنه الله) ظالم وقاتل صاحب الذكرى الإمام السابع موسى بن جعفر عليه السلام، الذي ستشهد عليه كل الشهود من شهادة الأرض والزمان والملائكة والصحف والأعضاء والجوارح والنبي محمد ص، وأيضا سيشهد عليه بنفسه الإمام موسى الكاظم عليه السلام على الظلامات العديدة المفجعة…يا ترى على ماذا سيشهد عليه الإمام عليه السلام؟
# سيشهد عليه حينما أصدر اللعين حكمه إلى الشّرطة باعتقاله، فجاؤوا يبحثون عن الإمام أين هو؟ فوجدوه قائماً يصلّي عند قبر جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقطعوا عليه صلاته، ولم يمهلوه من إتمامه، وحُمل عليه السلام من هناك إلى سجن البصرة مقيّداً بالحديد، وعيناه تسيلان دموعاً، وهو يقول: إليك أشكو يا رسول الله.
# سيشهد عليه السلام بما جرى عليه في سجن البصرة عند عيسى بن جعفر، مقفلاً عليه السّجن، لا يفتح له إلّا للطّهور، وإدخال الطّعام. وكان عليه السلام يقضي أوقاته في السجن بالعبادة والتضرع إلى الله وسمع يقول: اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرّغني لعبادتك اللهم فلقد فعلت فلك الحمد.
وبعد مدّة، طلب عيسى بن أبي جعفر من اللارّشيد نقل الإمام إليه، وإلّا أطلق سراحه، لأنّه ما رأى من الإمام إلّا العبادة والبكاء من خشية الله، فقبل الطّاغية قول عيسى، ونقل الإمام إلى بغداد مقيّداً، تحفّ به الشّرطة والحراس، حتّى أوصلوه إلى بغداد، فأودع في سجن الفضل بن الرّبيع.
وكان الطّاغية يطلب بين الحين والآخر من الفضل أن يفتك بالإمام موسى بن جعفر، والفضل لم يجبه إلى ذلك.
ثم أمر هارون الملعون بنقل الإمام إلى سجن السّنديّ بن شاهك في بغداد
(نصاري)
| امن البصره السجن بغداد جابه | ابحديد او گيد ويدوّر ذهابه | |
| ذبَّه ابسجن مظلم غلگ بابه | او نهه السجان يمّه الناس يصلون |
(مجردات)
| عجيبه امصيبته والله عجيبه | من سجن السجن ظالم يجيبه | |
| او كبده امن الولم زايد لهيبه | ||
وكان السّنديّ عدوّاً لآل محمّد، ناصبيّاً قاسي القلب، ومع ذلك أمر هارون السندي بالتّضييق على الإمام، وتقييده بثلاثين رطلاً من الحديد، وأن يقفل عليه الأبواب، ولا يدعه يخرج. فامتثل السّنديّ أمر الطّاغية هارون، فوضعه في طامورة لا يعرف فيها اللّيل من النّهار، وأوثقه بالحديد حتّى أثّر ذلك الحديد في جسده الشّريف. لذا ورد في زيارته: وصلّ على موسى بن جعفر، المعذّب في قعر السّجون، وظلم الطّوامير، ذي السّاق المرضوض بحلق القيود.
#سيشهد الإمام عليه السلام على أشدّ الآلام والأذى الذي عاناه في حبس السّنديّ، لدرجة إذا ضاق نفس الإمام، لضيق الطّامورة، يأتي إلى بابها يستنشق الهواء، فإذا رآه السّنديّ لطم الإمام على وجهه، وأرجعه إلى داخل الطّامورة.
| أَفِي أَيِّ كَفٍّ يَلْطِمُ الرِّجْسُ وَجْـهــَه | وَمــا هِــيَ إلَّا فَــرْعُ لَطْـمَةِ فاطمِ |
قيل: إِنَّ عليّ بن سويد اتصل بالإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وهو في طامورة السّنديّ بن شاهك، فسأله: سيّدي متى الفرج؟! لقد ضاقت صدورنا، قال له الإمام: الفرج قريب يا ابن سويد. قال: متى سيّدي؟ قال: يوم الجمعة ضحىً على الجسر ببغداد. فظنّ أنّ الإمام سيفرج عنه يوم الجمعة، ولكن ما مضت تلك اللّيالي، حتّى بعث الطّاغية هارون إلى السّنديّ رطباً مسموما، وأمره أن يقدّمه إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، فامتثل أمر طاغيته، وقدّم الرّطب إلى الإمام، وأجبره على أكله، فرفع باب الحوائج يده إلى السّماء، وقال: يا ربّ، إنّك تعلم أنّي لو أكلت قبل اليوم، كنت قد أعنت على نفسي. ثمّ تناول سبع رطبات فأكله، وقيل عشر، ثمّ امتنع. فقال له السّنديّ: زد على ذلك. فرمقه الإمام بطرفه، وقال: حسبك، قد بلغت ما تحتاج إليه.
بعد ذلك أخذ السّمّ يسري في بدنه، والإمام يعاني أشدّ الآلام في تلك الطّامورة، وأحاط به الأسى والحزن، حيث لا أحد من أهله وأحبّته عنده.
| يا گلبي على الكاظـــم تلــجـــم | يعيني اعليه سحيّ الدّمع من دم | |
| غريب أو بالحبس ويلوج بالسّم | يـتـگلب يــسار أو نــوبــه ايمين |
بقي الإمام على هذه الحالة ثلاثة أيّام، وبينما هو يسمع أخشن الكلام وأغلظه من السّنديّ بن شاهك، وهو في تلك الحالة، حتّى دعا بشربة فشربه، ثمّ تغيّر وجه الإمام من لون إلى آخر، وعرق جبينه، وسكن أنينه، ومدّ يديه ورجليه، وفارقت روحه الدّنيا…
رحم الله من نادى: وا إماماه، وا سيّداه، أي وا مسموماه.
(مجردات)
| هلن دمه ابدال الدمع يعيون | على الگوَّض غريب ابسجن هارون | |
| امگيد بالحديد او زرگ المتون | چاوين هاشم ما يحضرون | |
| الجثة الكاظم خل يشيعون | ||
وفي رواية أنّهم لفّوه في بساط وأُمر الفرّاشون أن يقعدوا عليه حتّى قضى..
| ايلوج وحده بالحبس ويلي عليه | امن الخلق ما حد گرب وادنى اليه | |
| غمض اعيونه اومد رجله وايديه | ومن الألم جسمه نحل والقلب ذاب |
وقام الإمام الرضا عليه السلام بتغسيله وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه من حيث يخفى على الناس ذلك، وأمر السنديّ بن شاهك أن يخرجوه على نعش ويضعوه على جسر الرصافة ببغداد، وينادوا عليه: هذا إمام الرافضة فاعرفوه..
وأقام أربعة أشخاص أن ينادوا عليه-بعكس هذا النداء-: ألا من أراد أن ينظر إلى (الطيّب بن الطيّب) موسى بن جعفر فليخرج.. وفي رواية أنّه تُرك على الطريق ثلاثة أيّام يأتي من يأتي فينظر إليه..
| ويح قلبي للذي أمسى وحيد | بالحبس لمن قضى ابسم الرشيد | |
| بالعبا ملفوف مسلوب الثياب | على الجسر جابوه وبرجله الحديد | |
| ***** | ||
| بالحبس قضّى العمر لـمّن قضى | طاح ركن الدين واسودّ الفضا | |
| يوم نادوا ذا إمام الرافضه | والعجب كل العجب منع العذاب | |
(أبوذية)
| چف الدهر ريته اليوم ينشال | جرح گلبي ولا اظن بعد ينشال | |
| نعش موسى عله احماميل ينشال | او يظل فوگ الجسر ثاوي رميه |
إلى أن خرج سليمان بن أبي جعفر عمّ هارون اللارشيد، وأخذ الجنازة منهم ووضعها على مفرق أربعة طرق وأقام من ينادي عليها: من أراد أن ينظر إلى الطيّب بن الطيّب موسى بن جعفر فليخرج.
| وَقَبْرٍ بِبَغْدَادَ لِنَفْسٍ زَكِيَّةٍ | تَضَمَّنَهَا الرَّحْمَنُ فِيْ الْغُرُفَاتِ |
نعم هذا الحدث حصل في الموعد المحدّد يوم الجمعة، وعليّ بن سويد ينتظر مع باقي الشّيعة، وإذا بجنازة قد بدا منها قيد الحديد.
يقول عليّ بن سويد: جئت في ذلك اليوم إلى جسر الرّصافة، وإذا بجنازة مطروحة، والمنادي ينادي: هذا إمام الرّافضة، قد مات حتف أنفه، فانظروا إليه، فجعل النّاس يتفرّسون في وجهه، يقول عليّ بن سويد: جئت لأنظر إليه، وإذا به سيّدي ومولاي موسى بن جعفر عليه السلام وا إماماه، وا كاظماه، وا سيّداه.
| يهاشم لا حله بعيونـكم نـوم | يحگلي اعتب عليكم واكثر اللّوم | |
| من بغداد ما وصلتكم اعلوم | تـخـبركم الكــاظم راح مسموم |
فأخذ عليّ بن سويد بالبكاء والنّحيب عند رأس الإمام، فبينما هو كذلك، إذ مرّ به طبيب نصرانيّ، كانت بينهما صحبة، فقال له ابن سويد: أقسمت عليك بالمسيح إلّا ما رأيت سبب موت هذا المسجّى، قال: اكشف لي عن باطن كفّه، فكشف له عن باطن كفّ الإمام، فأخذ ينظر فيها ويهزّ رأسه، قال ابن سويد: أخبرني ما رأيت؟ قال: يا ابن سويد، هل لهذا الرّجل من عشيرة؟ قال: بلى، هذا موسى بن جعفر سيّد بني هاشم، قال: يا ابن سويد، ابعث إلى أهله فليحضروا، وليطلبوا بدمه، فإنّه مات مسموماً.[97]
(نصاري)
| ألف يا حيف ألف واكثر وسافه | يظل نعشك على جسر الرصافه | |
| وطبيب الگلب ابچفك وشافه | ايگول اولا عشيره الهاذ تظهر |
(مجردات)
| يا عين سيلي الدمع غدران | او يا گلب ذوب ابنار الأحزان | |
| الباب الحوايج سر الأكوان | وسافه اعله موسى ماله اعوان | |
| محبوس گضه العمر ما بان | من حبس ابن شاهك السجان | |
| لَمن سمه او چبده صار نيران | وخلّاه يلوج اوحيد نحلان |
لمن گضه والچبد خلصان
(أبوذية)
| الكاظم من حضر يمّه وشاله | على السمَّه انمرد چبده وشاله | |
| على الماضلّت ابعيني وشاله | او صاحوا خل تشيعه الرافضيه |
***
| حتى إليه دس سُما قاتلا | فأصاب أقصى منيةٍ ومراد[98] |
[1] شعراء القطيف-الشيخ علي بن منصور ص236.
[2] مجمع مصائب أهل البيت عليهم السلام-الشيخ الهنداوي-ج4-ص243-244.
[3] فصلت/20-21.
[4] المؤمنون/ 115.
[5] الذاريات/56
[6] الأعراف/69.
[7] الملك/2.
[8] الزمر/68.
[9] مفاهيم القرآن-جعفر سبحاني- ج 8- ص 207.
[10] الزمر/68.
[11] ويكي شيعة. الموسوعة الإلكترونية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام/ ar.wikishia.net/ مقالة عن النفخ في الصور.
[12] الكافي-الشيخ الكليني-ج 8- ص 143.
[13] المعارج/4.
[14] النحل/89.
[15][15] الزمر/69.
[16] المائدة/117.
[17] الشهادة والإشهاد في إمامة أهل البيت عليهم السلام-الدكتور حميد النجدي-ص6-7. بتصرف.
[18] الإلهيات-آية الله جعفر السبحاني-ج4-ص255.
[19] الكهف/54.
[20] النحل/111.
[21] النساء/165.
[22] آل عمران/140.
[23] الشهادة والإشهاد في إمامة أهل البيت عليهم السلام-الدكتور حميد النجدي-ص9.
[24] الحج/17.
[25] شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد – ج ١٩-ص236.
[26] النساء / 41.
[27] النساء / 159.
[28] الأحزاب / 45.
[29] الزُّخرف/86.
[30] يونس/36.
[31] الجن/26.
[32] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٢٦ – ص ١١٠.
[33] أصول الكافي-الكليني- ج 1- ص 171- باب عرض الأعمال.
[34] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٢٣ – الصفحة ٣٥١.
[35] البقرة/143.
[36] تفسير البرهان : 1 / 160.
[37] الشهادة والإشهاد-عبد الحميد النجدي-ص10-بتصرف.
[38] المائدة /20.
[39] البقرة / 143.
[40] وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج ٢٧ – ص ٣٤.
[41] ق/18.
[42] ق/21.
[43] الإلهيات-آية الله جعفر السبحاني – ج4-ص253.
[44] الزلزلة/4-5.
[45] مجمع البيان –الشيخ الطبرسي-ج 9 -10 / 798، تفسير سورة الزلزلة.
[46] الإسراء / 44.
[47] مفاهيم القرآن-جعفر سبحاني-ج8-ص260 -273.
[48] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ١٠ – ص ٤٨.
[49] نقلاً عن تفسير الميزان-السيد الطباطبائي-ج6-ص337.
[50] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج4-ص474-الحديث9 .
[51] الإلهيات-آية الله جعفر السبحاني – ج4-ص253.
[52] بحار الأنوار –المجلسي-ج 7 -ص 325 ، الباب 16.
[53] بحار الأنوار-المجلسي-ج 7 -ص 316.
[54] الفرقان / 30.
[55] بحار الأنوار –المجلسي-ج 7 -ص 319 ـ 320، الباب 16.
[56] مفاهيم القرآن-جعفر سبحاني-ج8-ص260 -273.
[57] الأحزاب/33.
[58] الزخرف/80.
[59] الإسراء / 13.
[60] الإسراء / 14.
[61] الكهف/49.
[62] مفاهيم القرآن-جعفر سبحاني-ج8-ص260 -273.
[63] الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل –ج4-ص255.
[64] الزلزلة/6.
[65] آل عمران/30.
[66] ثواب الأعمال -الشيخ الصدوق -ص١٥٠.
[67] الإلهيات-آية الله جعفر السبحاني – ج4-ص253.
[68] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٧٦ – الصفحة ٢٥٣.
[69] فصلت/20-21.
[70] من وحي القرآن السيد محمد حسين فضل الله -ج 20 -ص 108.
[71] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ناصر مكارم الشيرازي –ج15-ص 380.
[72] مجمع البيان في تفسير القرآن الفضل بن الحسن الطبرسي-ج9-ص12.
[73] الأمثل- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – ج ١٥ – ص ٣٨٥.
[74] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل – الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – ج ١٥ – ص٣٨٣.
[75] الميزان في تفسير القرآن السید محمد حسین الطباطبائی ، الجزء 17 ، ص 378.
[76] المعاد- العلّامة الطباطبائي مدّ ظلّه، نسخة خطّيّة، ص ٤٥.
[77] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ناصر مكارم الشيرازي –ج15-ص 383.
[78] يس/65.
[79] النور/24.
[80] الإسراء/36.
[81] الكشكول-الشيخ البهائي-ج1-ص41.
[82] الميزان في تفسير القرآن-السید محمد حسین الطباطبائي –ج17-ص378 .
[83] موقع النجاح/annajah.net/مهارات النجاح/ التعليم والتدريب/ تدريب الذاكرة/ ذاكرة الجسد: حقيقة علمية!!
[84] ق/22.
[85] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ناصر مكارم الشيرازي –ج15-ص 382.
[86] معرفة المعاد-الطهراني0ج7-ص122.
[87] يس/65.
[88] يوسف/23.
[89] الأنعام/149.
[90] الأمالي – الشيخ الطوسي – ص ٩.
[91] ثواب الأعمال -الشيخ الصدوق – ص١٧١.
[92] تفسير الأمثل-ناصر مكارم الشيرازي- ج18 -ص407.
[93] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ – ص ٣٤٤.
[94] فصلت/20.
[95] المجادلة/18.
[96] تفسير القمي علي بن إبراهيم القمي-ج2-ص 264.
[97] مجالس الأئمة المعصومين(ع)-سلسلة مجالس العترة، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية-ص83.
[98] مجمع مصائب أهل البيت عليهم السلام-الشيخ الهنداوي-ج4-ص249.
