لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
الفَرَحُ فِي الإِسْلامِ بَيْنَ الهِدايَةِ وَالِانْحِرافِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾.[1]
في هذه المحاضرة نتعرّف على الفرح في الإسلام: هل هو مطلق أم منضبط؟ فالإسلام لم يأتِ بأوامر فقط، بل جاء ليبني الإنسان فكرًا ومشاعر وسلوكًا، ليصل إلى القرب من الله تعالى، كما قال تعالى:﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[2].
ولم يقتصر على تنظيم الأفعال، بل وجّه المشاعر؛ لأن السلوك ينبع من الداخل، فأمر بمحبة الله ومحمد وآله، لتبقى القلوب على الطريق الصحيح.
ومن أهم هذه المشاعر: الفرح، فهو فطري، لكن ليس بلا حدود، بل يحتاج إلى ضبط حتى لا يتحول إلى غفلة أو معصية. فالإسلام لا يمنع الفرح، بل يوجّهه ليكون بطاعة الله، لا بعيدًا عنه.
ومن هنا نسعى إلى فهم حقيقة الفرح وحدوده، ليكون طريقًا يقود إلى رضا الله تعالى.
المبحث الأول: الفرح في المنظور الإسلامي
المطلب الأول: موقف الإسلام من الفرح
الفرح هو انشراح النفس وسرورها عند حصول محبوب، أو توقع نفع، أو إدراك نعمة، أو الظفر بمطلوب. وهو في نفسه ليس ممدوحًا على الإطلاق، ولا مذمومًا على الإطلاق، بل حكمه يدور مع متعلقه، وسببه، وطريقة التعبير عنه، والآثار المترتبة عليه.
إنّ الفرح في الشريعة ليس شيئًا مستقلًا عن الإيمان والسلوك، بل هو مندرج ضمن منظومة العبودية لله تعالى، ولهذا ينبغي أن يكون للمؤمن ميزان يزن به أفراحه كلها: لماذا أفرح؟ وبماذا أفرح؟ وكيف أعبّر عن فرحي؟ وهل يقربني هذا الفرح إلى الله أم يبعدني عنه؟
رُبَّ تساؤلٍ يرد: هل الإسلام يمنع الفرح أم يدعو إليه؟
الجواب:
إن الإسلام لا يمنع الفرح، بل يدعو إلى الفرح الحقيقي الذي يحقق للإنسان سعادته الدائمة، لا المؤقتة الزائفة. وقد دلّ على ذلك أمر الله تعالى بالفرح في كتابه، حيث قال: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾[3]. أي أن الفضل والرحمة يشملان كل ما يمنّ الله به على عباده من نعم مادية ومعنوية، في الدنيا والآخرة، مما يهديهم ويسعدهم، ولذلك أُمروا أن يفرحوا بها دون غيرها[4].
فالمؤمن الحقيقي يفرح إذا وُفّق للصلاة، ويفرح إذا ختم القرآن، ويفرح إذا تاب بعد زلة، ويفرح إذا هداه الله إلى طريق مستقيم، ويفرح إذا أُصلح قلبه، ويفرح إذا عاش في ظل ولاية أهل البيت عليهم السلام، لأن هذه النعم ليست عابرة، بل هي زاد الدنيا والآخرة. وهذا النوع من الفرح يرفع الإنسان، ولا يهبط به. يطهّر القلب ولا يفسده، يربطه بالله ولا يقطعه عنه.
ودلّت العديد من النصوص الروائية على مشروعية الفرح، ولا سيما ما حثّ على إدخال السرور على قلوب المؤمنين، وجعل له أجرًا عظيمًا عند الله تعالى؛ فقد جاء في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سأل أحد أصحابه: “كيف مداعبة بعضكم بعضاً؟ قلت: قليل، قال عليه السلام: هلاّ تفعلوا! فإن المداعبة من حسن الخلق وإنك لتدخل بها السرور على أخيك ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يداعب الرجل يريد أن يسره”[5].
وفي رواية أخرى عنه عليه السلام: ” قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: “من سرّ مؤمنا فقد سرّني، ومن سرّني فقد سرّ اللّه “[6].
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: “في ما ناجى الله موسى عليه السلام أن قال: “إن لي عباداً أبيحهم جنتي وأحكمهم فيها، قال موسى عليه السلام: من هؤلاء الذين أبحتهم جنتك وتحكمهم فيها؟ قال: من أدخل على مؤمن سرورًا”[7].
فهذه النصوص تدل بوضوح على أن الإسلام يريد من المجتمع المؤمن أن يكون مجتمعًا فيه بشاشة، ومودة، ورحمة، وسرور مشروع، لا مجتمعًا كئيبًا غليظًا يضيّق على الناس في كل شيء.
المطلب الثاني: أقسام الفرح في الإسلام
عند التأمل في القرآن الكريم نجد أن الفرح ذُكر على أنحاء متعددة. فتارة يمدحه القرآن، وتارة يذمه، وتارة يذكره في مقام التحذير من الإفراط والاغترار.
لذا يمكن تقسيم الفرح إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الفرح الممدوح
الفرح الممدوح هو سرورٌ قلبيٌّ ينشأ من إدراك نعمةٍ إلهية أو توفيقٍ للطاعة أو ظهورٍ للحق، ويكون هذا الفرح منضبطًا برضا الله تعالى، دافعًا للإنسان إلى مزيدٍ من القرب منه، لا إلى الغفلة عنه أو التجرؤ على معصيته. فهو فرحٌ يرتبط بالله سببًا وغايةً.
ويتجلّى هذا الفرح في صورٍ متعددة، من أبرزها ما يأتي:
1. الفرح بفضل الله ورحمته
قال تعالى:﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾[8]. أي الفرح الحقيقي يكون بالهداية والإيمان والتوفيق للطاعة، لأنه يقرب الإنسان من الله ويحقق له النجاة.
2. الفرح بالطاعة
إن الفرح بالطاعة مطلوب، وهو يدفع الإنسان للاستمرار في الخير ويشعره بحلاوة العبادة. رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه»[9]. ففرحة الإفطار ليست مجرد فرحة بطعام وشراب، بل هي أيضًا فرحة بالتوفيق لإتمام عبادة عظيمة.
3. الفرح بنصر الله
إنّ الفرح بانتصار الحق، أو الانتصار على النفس، من أعلى أنواع الفرح لأنه ليس فرحًا أنانيًا شخصيًا، بل فرحٌ بقيمة عظيمة يحبها الله. قال تعالى:﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾[10].
4. الفرح بالمناسبات الدينية
الفرح بالمناسبات الدينية كالفرح بمواليد النبي وآله عليهم السلام، وبالأعياد كعيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الغدير، رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال عن عيد الغدير: “.. إنه يوم عيد وفرح وسرور ويوم صوم شكرا لله تعالى..”. [11]
وهو فرح مشروع؛ لأنه مرتبط بنعمة الهداية والولاية، وليس مجرد مظاهر، بل هو تعبير عن الشكر وتجديد الصلة بالله وأوليائه عليهم السلام.
5. الفرح بإدخال السرور على المؤمنين
من أجمل صور الفرح في الإسلام أن يفرح الإنسان لأنه أدخل السرور على قلب مؤمن. كأن يواسي فقيرًا، أو يعين محتاجًا، أو يصلح بين متخاصمين، أو يهنئ بصدق، أو يخفف همًّا، أو يزور مريضًا، أو يفرّج كربة.
رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: “من سر مؤمناً فقد سرني، ومن سرني فقد سر الله عز وجل”[12].
القسم الثاني: الفرح المذموم
الفرح المذموم هو سرورٌ قلبيٌّ ينشأ من أمرٍ يُخالف رضا الله تعالى، أو يجرّ إلى معصيته، أو يوقع الإنسان في الغفلة والكِبر، فيتحول هذا الفرح إلى سببٍ لبعده عن الله لا قربه منه. فهو فرحٌ يرتبط بالباطل سببًا وأثرًا. ويتجلّى هذا الفرح في صورٍ متعددة، من أبرزها ما يأتي:
1. الفرح بالمعصية
هذا من أخطر أنواع الفرح؛ لأن صاحبه لا يكتفي بارتكاب الذنب، بل يفرح به، ويأنس له، ويستحليه، ويتفاخر به أمام أصدقائه وربما دعاهم إليه، أو ضحك عند فعله، أو تفاخر به كالمرأة التي تفرح بتبرجها أمام الأجانب. وقد رُوي عن الإمام زين العابدين عليه السلام: “إياك والابتهاج بالذنب، فإن الابتهاج به أعظم من ركوبه”[13].
أي احذر أن تفرح بالذنب، لأن الفرح به أخطر من فعله. فالذي يعصي الله ثم يتألم ويندم، ليس كمن يعصي ويضحك ويفرح. الأول ما زال في قلبه بقية حياة، أما الثاني فقد دخل في مرحلة خطيرة من التبلد والقسوة والاستهانة بحرمات الله.
2. الفرح بالدنيا على وجه الكبر
ليس المال في نفسه مذمومًا، ولا البيت، ولا الثوب الجديد، ولا النعمة، لكن المذموم هو أن يفرح الإنسان بها فرح الغافل المغرور المتكبر، الذي ينسى الآخرة، وينسى حقوق الله، وينسى أن النعمة امتحان لا تشريف مطلق.
ولهذا قال تعالى في قصة قارون:﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾[14]؛ لأن قارون لم يكن فرحه فرح شاكر، وإنما فرح مختال متكبر، نسب النعمة إلى نفسه، وطغى بها على الناس.
وقد يبتلى بعض الناس بهذا اللون من الفرح في المناسبات، فيتحول الفرح إلى استعراض، والتزين إلى كِبر، والوليمة إلى مباهاة، والمال إلى باب لإذلال الآخرين أو إثقال كاهل الزوج أو الأسرة. وهذا كله انحراف عن مقصود الشرع.
3. الفرح بإيذاء الناس والشماتة بهم
من أسوأ صور الفرح المذموم أن يفرح الإنسان بمصيبة غيره، أو يتلذذ بأذية الناس، أو يسرّ لتعثرهم، أو يسعد بإحراجهم، أو يجعل مناسبة الفرح وسيلة لتعطيل الطرق وإزعاج العوائل ورفع الأصوات وإطلاق ما يؤذي الناس.
وقد ذم الله هذا المسلك في قوله تعالى:﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾.[15] فهذا فرح المنافقين ومرضى القلوب، لا فرح المؤمنين.
4. الفرح الذي يُنسي الهدف من الحياة
من الناس من يعيش للفرح الدنيوي فقط، وكأن خُلق ليأكل، ويلهو، ويُمتع نفسه، ويملأ أيامه بالضجيج، فإذا قيل له: اتق الله، قال: نريد أن نفرح. وإذا قيل له: لا يجوز، قال: العمر مرة واحدة. وإذا قيل له: هذا حرام، قال: قليل لن يضر. ويعبّر بعضهم عن هذا المعنى بقوله: «ساعة لربك وساعة لنفسك».
وهذه العبارة إن كان المقصود بها التوازن بين الطاعة والمباح فلا إشكال فيها، أما إذا أُريد بها تخصيص الساعة التي لنفسك بالمعصية، فهذا تفكير خطير؛ لأنه يجعل الإنسان يقسّم نفسه بين طاعة الله ومخالفة أمره، فيتحول من عبدٍ لله إلى تابع لهواه.
وقد رسم القرآن الطريق الصحيح بقوله تعالى:﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[16]، أي إن حياة المؤمن كلّها لله، يفرح بالمباح، لكنه لا يجعل الفرح سببًا لمخالفة أمر الله.
القسم الثالث: الفرح المباح
وهو الفرح بالأمور الدنيوية المباحة في أصلها، كفرح الإنسان ببيت، أو مال، أو زوج صالح، أو ولد، أو نجاح، أو شفاء، أو مناسبة سعيدة، وبغير ذلك من النعم، بل هذا من مقتضى الفطرة. قال تعالى:﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾[17]، هذه الآية تدل على أن الانتفاع بنعم الدنيا والفرح بها في أصلها أمر مباح، بل هو من نعم الله التي أباحها لعباده، لكن هذا الفرح يحتاج إلى ثلاثة أمور:
أولها: أن يعتقد أن النعمة من الله تعالى، لا من حوله وقوته.
ثانيها: أن يشكر الله عليها، وأن لا يستعملها في الحرام أو يجعلها وسيلة لمعصيته.
ثالثها: أن لا تتعلق بها نفسه تعلقًا يلهيه عن الله أو يشغله عن الآخرة.
فإذا وُجدت هذه المعاني، صار الفرح المباح بابًا من أبواب القرب إلى الله، أما إذا غابت، انقلب الفرح المباح إلى مذموم.
المبحث الثاني: الضوابط الشرعية لمجالس الفرح
بعد بيان أقسام الفرح، يتضح أن الإسلام أباح الفرح الممدوح والمباح، وحذّر من الفرح المذموم لما له من آثار سلبية.
لكن المهم أن الحكم لا يتعلق بنوع الفرح فقط، بل بالوسائل التي يُعبَّر بها عنه؛ فقد يكون الفرح جائزًا في أصله، لكنه يتحول إلى حرام بسبب طريقة التعبير.
لذلك كان من الضروري الالتزام بالضوابط الشرعية في الفرح، لننال رضا الله تعالى، ونفرح بطاعته وفق ما يرضيه، ومن أبرز هذه الضوابط:
1. اجتناب الاختلاط
من الضوابط المهمة في مجالس الفرح أن يُجتنب الاختلاط المفضي إلى النظر المحرّم أو الفتنة أو تليين القلوب لما لا يرضي الله.
والاختلاط ليس أمرًا شكليًا بسيطًا، بل قد يكون بابًا واسعًا للانزلاق، خصوصًا إذا اقترن بأجواء الزينة والانبساط وارتفاع الأصوات وضعف المراقبة. ولهذا فإن الفصل بين الرجال والنساء في المناسبات من أسباب حفظ الكرامة والطهارة وسلامة القلوب.
ولا يكفي أن يقال: نحن أهل، أو نحن نعرف بعضنا. فكم من الحرام يبدأ من باب التساهل، وكم من الفتنة تولد من لحظة ظن الناس أنها آمنة.
وإليكم نموذجًا من الأسئلة الفقهية الواردة في هذا المجال، والموجّهة إلى مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله:
السؤال: هل يجوز إقامة عقد قران مختلط بوجود رجال ونساء في مكان واحد مع مراعاة الحجاب؟
الجواب: لا يجوز الاختلاط المثير، والإثارة أمر طبيعي في مجالس العرس فلا بدّ من التفريق بين الرجال والنساء.[18]
2. لباس الحضور
مجالس الفرح ليست مبرّرًا للتساهل في اللباس، بل يبقى الالتزام الشرعي حاضرًا حتى في لحظات السرور. فإذا وُجد اختلاط أو احتمال دخول رجال أجانب، فلا يجوز للمرأة أن ترتدي ما يلفت الأنظار أو يُظهر مفاتنها، كالثياب الضيقة أو الشفافة أو المزينة، بل يجب أن يكون لباسها ساترًا، واسعًا، غير واصف ولا مثير، لأن المؤمن يحافظ على وقاره في كل حال، ولا يجعل فرحه سببًا لتجاوز حدود الله.
وفيما يأتي مثال لسؤال وُجّه إلى مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله:
السؤال: ما حكم دخول الرجال الذين لهم صلة قرابة بالعروس كأبيها وأخيها وخالها وعمها على النساء في المكان الذي يقام فيه الزواج لفترة معينة؟
الجواب: يجوز مع التحفظ والحجاب، وأمّا إذا ترتبت عليه مفسدة فلا يجوز. [19]
أما إذا كان المجلس خاصًا بالنساء، فيجوز لها أن تلبس ما تشاء وتتزين بما تحب، لكن ضمن حدٍّ معقول، بحيث يكون ساترًا للعورة وغير مثير، كما ورد في جواب مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله:
السؤال: ما حكم لبس النساء ملابس غير محتشمة في مجالس الأعراس النسائية؟
الجواب: لا يجوز إذا كان موجباً للإثارة أو كان بقصدها ولو كان الناظر مماثلاً.[20]
فالجمال في الإسلام ليس مرفوضًا، لكنه جمال منضبط، تُقدّمه المؤمنة في موضعه الصحيح، دون إفراط أو تجاوز، ليبقى فرحها نقيًا مقبولًا عند الله.
3.التبرّج
من الظواهر السلبية المنتشرة في أغلب مجالس الفرح هو تهاون بعض النساء في مسألة التبرّج أمام الرجال الأجانب، بإظهار الزينة ومساحيق التجميل وكأن الفرح لا يكتمل إلا بذلك، مع أن الله تعالى نهى عن هذا السلوك بقوله:﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ﴾[21]، وقوله:﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾[22]، بل قد تكتفي المرأة بستر شعرها عند دخول الرجال، مع بقاء الزينة ظاهرة من لباسٍ ضيق أو مساحيق ملفتة للنظر، وتغفل أنه من التبرّج المحرّم.
وإليكم نموذجًا من الأسئلة الفقهية في هذا المجال، الموجّهة إلى مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله:
السؤال: ما حكم وضع النساء والفتيات المكياج بغض النظر عن كميته أو نوعه على الوجه أمام الرجال الأجانب؟
الجواب: لا يجوز الظهور به أمام الأجانب.[23]
في حين يجوز لها التزيّن والتبرّج إذا كان المجلس خاصًا بالنساء، ولا يحضره رجال أجانب ولا حتى الأطفال المميّزون.
ومن صور الخلل أيضًا أن تبالغ المرأة في إظهار جمالها في المناسبات، بينما تُهمل التزيّن لزوجها في حياتها اليومية، مع أن الشريعة أكّدت على عكس ذلك، فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: «وعليها أن تتطيب بأطيب طيبها وتلبس أحسن ثيابها وتتزّين بأحسن زينتها وتعرض نفسها عليه غدوة وعشيّة».[24]
وقد ساهم الإعلام في ترسيخ هذا المفهوم الخاطئ، حين جعل قيمة المرأة في إظهار جمالها أمام الآخرين، فصار الاهتمام بالمناسبات يفوق الاهتمام بالحياة الزوجية.
4. تصوير مجالس الفرح
الأصل في التصوير أنه جائز، لكنّه يتحول إلى محرّم إذا استلزم أمرًا مخالفًا للشرع، مثال ذلك:
ـ لا يجوز نسخ وتوزيع صور الأشخاص من دون إجازتهم إذا استوجب ذلك أذيتهم.
ـ لا يجوز إنتاج ونسخ وتوزيع الصور المفسدة والمحركة للشهوات.
ـ لا يجوز عرض الصور التي لا يراعى فيها الحجاب لغير المحارم، حتى لو كانوا من الأقارب.[25]
وفي مجالس النساء خاصةً، يشتدّ الخطر؛ لأن المرأة قد تكون في حال من الزينة واللباس لا يجوز إظهاره لغير المحارم، ومع انتشار الهواتف وسهولة التصوير، قد تُلتقط صور تُنقل لاحقًا إلى من لا يحلّ له رؤيتها، فتقع المخالفة من حيث لا يُلتفت إليها في البداية.
ولهذا، فإن الحذر في هذا الباب ضرورة، فليس كل ما يُمكن تصويره يجوز، ولا كل لحظة تستحق أن تُحفظ إذا كان ثمنها كشف الستر أو تعريض الآخرين للحرج. ومن هنا، ينبغي تنظيم هذا الأمر داخل المجلس، ووضع ضوابط واضحة تحفظ خصوصية الحاضرات، ليبقى الفرح في حدوده المشروعة، بعيدًا عن الندم والمفسدة.
5. اجتناب الإسراف والتبذير
من أبرز الأخطاء التي وقعت فيها بعض مجالس الفرح في زماننا، تحويل المناسبة إلى ميدان للمبالغة في الإنفاق، حتى صار الفرح يُقاس بكثرة المصاريف لا ببركته… قاعات باهظة، وملابس تُلبس مرة أو مرتين، ونفقات زائدة في الكماليات، ثم تنتهي المناسبة بديون تثقل كاهل الأسرة وتفقد الفرح معناه الحقيقي.
وقد نهى الله تعالى عن هذا المسلك بوضوح، فقال:﴿ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾[26]، وقال:﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾[27]، فالمطلوب هو الاعتدال، لأن البركة في رضا الله لا في كثرة الإنفاق.
ومن صور الإسراف الشائعة، الإصرار على التكاليف الزائدة كاستئجار القاعات المكلفة أو شراء ملابس جديدة لكل مناسبة تُستعمل مرة واحدة، مع أن ذلك لا يُعدّ من النفقة الواجبة على الزوج. وقد بيّن الفقهاء ذلك في الرسائل العملية، ومنهم سماحة السيد السيستاني دام ظله في كتاب منهاج الصالحين ما نصه:
“لا تقدير للنفقة شرعاً، بل الضابط القيام بما تحتاج إليه الزوجة في معيشتها من الطعام والإدام والكسوة والفراش والغطاء والمسكن والخدم وآلات التدفئة والتبريد وأثاث المنزل وغير ذلك ممّا يليق بشأنها بالقياس إلى زوجها، …. (إلى أن يقول سماحته) … نعم ما تعارف عند بعض النساء من تكثير الألبسة النفيسة خارج عن النفقة الواجبة، فضلاً عمّا تعارف عند جمع منهنّ من لبس بعض الألبسة مرّة أو مرّتين في بعض المناسبات ثُمَّ استبداله بآخر مختلف عنه نوعاً أو هيئة في المناسبات الأُخرى”.[28]
وقد أكدت النصوص الشرعية هذا المعنى، قال تعالى:﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ… لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ﴾[29]، ورُوي عن النبي صلى الله عليه وآله: «أيّما امرأة أدخلت على زوجها في أمر النفقة وكلّفته ما لا يطيق، لا يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً إلاّ أن تتوب وترجع وتطلب منه طاقته»[30].
كما أن الإسراف ممّا يبغضه الله، قال تعالى:﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾[31]، وهو سبب للضيق والمشاكل، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «إن السرف يورث الفقر، وإن القصد يورث الغنى»[32].
فالمؤمنة الواعية تضبط فرحها بالاعتدال، ولا تجعله بابًا للإسراف أو التكلّف، بل تقدّم رضا الله على مظاهر الناس، لتبقى مناسبتها مباركة، خالية من الديون، مليئة بالطمأنينة والبركة.
6.الرقص
ومن الضوابط الشرعية التي ينبغي مراعاتها في الفرح ترك الرقص، لأن الفرح في الإسلام ليس فوضى سلوكية، ولا انفلاتًا من حدود الحياء والوقار، بل هو فرح منضبط بأحكام الشرع وآداب العفة. فرُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: “أنهى أمتي عن الزفن…”[33]، والزفن هو الرقص.
ومن المؤسف أنه شاع في بعض البيئات التساهل في هذا الأمر، حتى صار الرجل يرقص أمام النساء من غير خجل ولا حياء، أو ترقص المرأة أمام إخوتها ومحارمها، أو أمام الأجانب، أو حتى أمام النساء في بعض الصور المحرّمة، مع أن الشريعة المقدسة لم تترك هذا الباب من دون بيان. وإليكم أبرز أحكام الرقص وفق فتاوى سماحة السيد السيستاني دام ظله:
أولاً: الرقص أمام الجنس المماثل
الحكم: لا يجوز على الأحوط لزومًا رقص الرجل أمام الرجل. وأما رقص المرأة أمام النساء ففيه صورتان:
1. أن يكون الرقص مثيراً للشهوة أي يكون الرقص ماجنًا وغير مهذب بحيث يثير النساء فهذا القسم حرام مطلقاً.
2. أن يكون الرقص غير مثير للشهوة، فحكمه على رأي السيد الخوئي (قد) الجواز وأما السيستاني فيحرمه على الأحوط وجوبًا[34].
ثانيًا: الرقص أمام الجنس المخالف
الحكم: لا يجوز للرجل أن يرقص أمام النساء ولو كن محارمه. ولا يجوز للمرأة أن ترقص أمام محارمها فضلاً عن الأجانب من غير المحارم.
نعم يجوز للزوجة ان ترقص لزوجها بعيداً عن أنظار الآخرين، بل يستحب إذا كان به إدخالاً للسرور على قلب الزوج وإيناساً له. ولكن لا يجوز سماع الغناء[35].
ثالثًا: رقص الشخص لنفسه
الحكم: الأحوط لزوماً ترك رقص الشخص لنفسه سواء كان أمام المرآة أم لا، وسواء قصد به الرياضة أم لا[36].
7.الغناء والموسيقى
ومن الضوابط الشرعية التي ينبغي التأكيد عليها في مجالس الفرح، أن تخلو من الغناء والموسيقى المحرّم.
إلا أن المؤسف في واقعنا أن كثيرًا من الناس ما زالوا يقعون في هذا الانحراف، فيُظهرون الفرح بالغناء والموسيقى، مع أن البدائل المشروعة المفرِحة متوفرة، ويمكن أن تُقيم الفرح في إطارٍ يرضي الله ولا يُغضبه.
@ فأما ما يتعلق بالموسيقى فهي فن من الفنون الإنسانية كثر انتشارها هذه الأيام، وهي على نوعين:
1.الموسيقى المحلّلة: هي الموسيقى غير المناسبة لمجالس اللهو واللعب، ويجوز الاستماع لهذا النوع كالموسيقى العسكريّة والجنائزيّة والأحوط الأولى الاجتناب عنها.[37]
2.الموسيقى المحرّمة هي الموسيقى المناسبة لمجالس اللهو واللعب. ولا يجوز الاستماع لها.
ملاحظة: ليس المقصود من عبارة (مناسبة الموسيقى لمجالس اللهو واللعب) هو كون الموسيقى أو اللحن الغنائي موجباً لترويح النفس، أو تغيير الجو النفسي، فإنَّ ذلك جيد، بل المقصود بها أن السامع للموسيقى أو للحن الغنائي -خصوصا إذا كان خبيراً بهذه الأمور -يميِّز أن هذا اللحن مستعمل في مجالس اللهو واللعب، أو أنه مشابه للألحان المستعملة فيها.[38]
وإذا كانت الآلات الموسيقية تنبعث منها الموسيقى المناسبة لمجالس اللهو واللعب، لم يجز التعامل بها، ولا استعمالها من قبل المكلفين[39].
ويُستفاد من بعض الأحاديث أن أول من استعمل المعازف لأجل اللهو هو إبليس لعنه الله، فقد رُوي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال: ” لَمَّا مَاتَ آدَمُ عليه السلام وَشَمِتَ بِهِ إِبْلِيسُ وَقَابِيلُ فَاجْتَمَعَا فِي الْأَرْضِ فَجَعَلَ إِبْلِيسُ وَقَابِيلُ الْمَعَازِفَ وَالْمَلَاهِيَ شَمَاتَةً بِآدَمَ عليه السلام، فَكُلُّ مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ الَّذِي يَتَلَذَّذُ بِهِ النَّاسُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ذَاكَ “[40].
@ وأما فيما يتعلق بالغناء، فنظرًا لانتشار هذه الظاهرة وخطورتها، فإن الأمر يقتضي بيان حقيقتها وأحكامها بصورة أوضح، والوقوف على أبرز أضرارها، وذلك ما سيتم عرضه في المبحث الآتي:
المبحث الثالث: الغناء في مجالس الفرح
المطلب الأول: تعريف الغناء وأدلّة حرمته
الغناء في المعنى الاصطلاحي هو الكلام اللهوي الذي يُؤدّى بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، والعبرة بالصدق العرفي[41].
وهو من الكبائر التي يترتب عليها دخول النار، فقد رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام: ” الغناء مما أوعد الله عليه النار”[42].
الحكم الشرعي: الغناء حرام فعله واستماعه والتكسب به[43].
لقد استدلّ الفقهاء على حرمة الغناء بالآيات القرآنية الكريمة والسنة الشريفة، ونذكر منها الآتي:
1.قوله تعالى:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾[44].
وقد ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام أن (لهو الحديث) يشمل الغناء، فقد رُوي عن الوشّاء قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: سُئل أبو عبد الله عليه السلام عن الغناء؟ فقال: «هو قول الله: ومن الناس من يشتري لهو الحديث…»[45].
ولهو الحديث هو كل كلامٍ يلهي الإنسان ويصرفه عن الحق، كالغناء وسائر ما يجرّ إلى اللهو والفساد، فيمنعه من تدبّر القرآن والعمل به، ويقوده إلى الغفلة والإعراض عن هدى الله.
2. قوله تعالى:﴿ فَاجتَنِبُوا الرِجسَ مِنَ الآوثانِ وَاجتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ ﴾[46].
وقد فُسِّر (قول الزور) في روايات أهل البيت عليهم السلام بالغناء، فقد رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى﴿ وَاجتَنِبُوا قَولَ الزُّور ﴾قال: قول الزور الغناء[47].
3. قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾[48]. وقد فُسِّر (اللغو) في روايات أهل البيت عليهم السلام بالغناء، فقد رُوي عن محمد بن أبي عمار -وكان مشتهراً بالسماع وبشرب النبيذ-قال: سألت الإمام الرضا عليه السلام عن السماع؟ فقال: لأهل الحجاز رأي فيه، وهو في حيّز الباطل واللهو، أما سمعت الله عز وجل يقول (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)![49]
4. رُوي أن الغناء سنّة شيطانية، فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “كان اِبليسُ اَوّلَ مَن تَغَنّي”[50].
المطلب الثاني: الغناء في الأعراس
اختلف الفقهاء في جواز الغناء في الأعراس، فمنهم من حرّم ذلك على الأحوط وجوباً كسماحة السيد السيستاني (حفظه الله).
وإليكم جواب مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله على السؤال الآتي:
السؤال: ما حكم الاحتفال في الأعراس بالأغاني واستخدام الطبول وغيرها كالدبّة وما شاكل ذلك؟
الجواب: لا يجوز للنساء الغناء في الأعراس على الأحوط، وأما الضرب بالآت الموسيقى فإن لم يكن بنحوٍ يناسب مجالس اللهو واللعب فلا مانع منه، وكذا لا مانع من الضرب بالأواني ونحوها.[51]
ومن الفقهاء[52] من أجاز الغناء في الأعراس بشرط مراعاة عدد من الأمور:
1 ـ أن يكون العرس للزفاف أي ما يسمّى في عرفنا “النّقلة”، ففي غير هذه المناسبة لا يجوز الغناء مطلقًا.
2 ـ أن يكون التَغنّي خاصاً بالنساء فقط.
3 ـ أن لا يسمع أصواتهنّ الرجال.
4 ـ أن لا يتسبّب الغناء في مفاسد أخرى كحصول الرقص الخليع المثير للشّهوات.
ولا يجوز استماع الأغاني والموسيقى اللهوية من خلال الأشرطة المسجلة حتى في الأعراس[53].
المطلب الثالث: أضرار الغناء وآثاره في حياة الإنسان
ومن الأسئلة التي تُطرح في هذا المقام: لماذا حرّم الله تعالى الغناء؟ وهل هو مجرد تقييد، أم أن وراءه أضرارًا حقيقية تمسّ الإنسان في دنياه وآخرته؟
الجواب:
لقد بيّنّا أنّ الإسلام لا يُحارب الفرح بإطلاق، بل يُفرّق بين الفرح المذموم فيحرّمه، والفرح الممدوح فيحثّ عليه، ويُجيز الفرح المباح، على أن تكون وسائل التعبير عن جميع ذلك خالية من المحرّمات. فالإسلام دين يهدف إلى إدخال السرور على النفوس ورسم البسمة على الوجوه، لكنّه في المقابل يحرّم الفرح المذموم كالفرح بالمعصية، ويحرّم الوسائل التي تُفسد النفس وتُبعد الإنسان عن الله، ومنها الغناء، لأنّ الله تعالى لا يحرّم شيئًا عبثًا، بل لحكمة تقوم على جلب الخير ودفع الضرر، وأن لم تدركها عقولنا، قال تعالى:﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[54].
قد يظنّ أحدكم أنّ الغناء يريحه، لكن هذا الارتياح مؤقت ومخادع، وقد بيّن الإمام الصادق عليه السلام موقفًا واضحًا حين قال: «لا خير فيه، لا تفعلوا»[55]. وهذا يدلّ على أن أي منفعة متوهمة لا تُقارن بما فيه من أضرار. وقد أشار القرآن إلى هذا الميزان في الخمر بقوله:﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾[56]، أي إنّ غلبة الضرر كافية للحكم بالتحريم.
وبالتأمل في النصوص الشرعية يتبيّن بوضوح أنّ لسماع الأغاني آثارًا خطيرة على نفس الإنسان وسلوكه وحياته وصحته، وقد تم بيانها في كتاب “زاد المبلغات” الجزء الرابع[57]، ويمكن اختصار هذه الأضرار كما يأتي:
أولًا: الأضرار الدنيوية الظاهرة
تشمل ما ينعكس على الجسد والسلوك. فقد اثبتت الدراسات أن الغناء يؤثر سلبًا على الأعصاب ويزيد التوتر، ويسبب الصداع واضطراب الضغط، كما يضعف الإرادة ويجعل الإنسان أقل قدرة على ضبط نفسه. كما يؤدّي إلى الخمول والكسل عن تحمّل المسؤولية وأداء الواجبات، كالصلاة، نتيجة تراكم الذنوب على القلب؛ فيثقل ويضعف، حتى يصبح كالأغلال التي تقيّد الإنسان وتمنعه من أداء الحق، وكالسدّ الذي يحول بينه وبين رؤية الحق، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: [إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ *وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ][58].
ومن أخطر آثاره الأخلاقية أنّه يفتح باب الانحراف، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: «الغناء رقية الزنا»[59]، أي أنّه طريق يهيّئ الإنسان للوقوع في الفاحشة، إذ يثير الشهوات ويُضعف الضبط النفسي.
يقول السيد عبد الحسين دستغيب في كتابه: “الذنوب الكبيرة”: “وحيث إن الغناء هو صوت لهوي ينبع من الشهوة واللذة الحيوانية، لذا فإن من آثاره السيئة تحريك شهوة القارئ والسامع، فيغفلان عن ذكر الله بنحو يهيئهما لارتكاب الفحشاء”[60].
ثانيًا: الأضرار الباطنية (الروحية)
وهي أخطر؛ لأنها تُصيب القلب دون أن يشعر الإنسان. فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: «استماع اللهو والغناء يُنبت النفاق كما يُنبت الماء الزرع»[61]، أي إنّ الإنسان يُظهر الإيمان، لكن سلوكه يكشف خلاف ذلك؛ لتعارضه مع تعاليم الشريعة، كالتهاون بالصلاة وعدم الالتزام بالحجاب الشرعي الكامل.
كما يورث قسوة القلب، ويمنع استجابة الدعاء، ويُبعد الملائكة، ويزيل البركة من البيت، حتى يصبح الإنسان محرومًا من التوفيق الإلهي. وأيضًا يجلب الفجيعة، فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: «بيت الغناء لا تُؤمن فيه الفجيعة». [62]
ثالثًا: الأضرار الأخروية
وهي نتيجة طبيعية للإصرار على هذا الذنب، فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام: «الغِناءُ مِمّا وَعَدَ اللهُ عليه النارَ»[63]، وُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «مَنِ استمعَ إلى اللَّهو يُذابُ في اُذُنهِ الآنُك». [64]
الخلاصة: الغناء ليس مجرد صوت، بل طريق يؤثر في القلب والعقل والسلوك، ويقود الإنسان تدريجيًا إلى الانحراف والبعد عن الله. وما يبدو راحةً هو في الحقيقة ضررٌ متراكم، ولذلك كان تركه حمايةً للإنسان في دنياه وآخرته.
المبحث الرابع: الوقاية من الفرح المذموم ومعالجته
المطلب الأول: الوقاية من الفرح المذموم
لمّا كانت الوقاية خيرًا من العلاج، كان من المهم بيان أهم الوسائل التي تحفظ وتحمي الإنسان من الوقوع في الفرح المذموم، وإليكم أبرز تلك النقاط:
1.تصحيح مفهوم الفرح
من أهم خطوات الوقاية أن يدرك الإنسان أن الفرح في الإسلام ليس متروكًا بلا ضوابط، بل هو شعور منضبط بما يرضي الله. فليس كل ما يُفرح النفس جائزًا، ولا كل ما اعتاده الناس في مناسباتهم صحيحًا.
فالفرح الحقيقي هو ما كان في طاعة الله أو في المباح المنضبط، أما ما اقترن بالغناء، أو التبرّج، أو الاختلاط المحرّم، أو الإسراف، أو إيذاء الآخرين، فليس فرحًا محمودًا، ولو اعتاده الناس أو زيّنوه بالمجاملات.
وكثيرًا ما يظن الإنسان أن نجاح المناسبة يكون بهذه الأمور، لكنها قد تنتهي بمشكلات أو ندم أو آثار سلبية تبقى في القلب زمنًا طويلًا.
2.تذكّر نظر الله تعالى وعاقبة المعصية
من أهم وسائل الوقاية أن يستحضر الإنسان أن الله يراه في كل لحظة، حتى في لحظات الفرح، قال تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾[65]. فهذا الشعور يضبط السلوك ويمنع الانفلات. كما ينبغي أن يتذكّر عاقبة الفرح المذموم، وما يترتب عليه من غضب الله وآثار مؤلمة في الدنيا والآخرة. وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله: «إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن يك رشدًا فأمضه، وإن يك غيًا فانته»[66].
فوسائل الفرح المحرّمة كالغناء ونحوه ليست مجرد لحظة عابرة، بل لها أضرار سبق بيانها، وقد تتحول إلى عادة يصعب تركها. وكم من فرح قصير أورث ندمًا طويلًا، أو أدخل الإنسان في معصية بقي أثرها في قلبه وحياته.
3. تجنّب مجالس الفرح المشتملة على المعصية
من أهم وسائل الوقاية من الفرح المذموم أن يحرص المؤمن على تجنّب الأماكن التي يُعصى الله فيها، حتى لو كانت مجالس فرح كالأعراس؛ لأن حضور هذه المجالس قد يعرّضه للوقوع في الحرام، أو يضعف إنكاره، أو يجعله جزءًا من بيئة تُشجّع على المعصية.
فإذا علم أن المجلس يشتمل على محرّم، كالغناء أو غيره، فالأصل أن يبتعد عنه حفاظًا على دينه وقلبه، لأن السلامة لا يعدلها شيء. فلو علم الإنسان بوجود مرضٍ معدٍ في مجلس، لتجنّب الحضور حرصًا على صحته، فكيف يعرّض قلبه وإيمانه لمواطن المعصية؟
وإن تمكن من النصح أو الإنكار بالأسلوب المناسب كان ذلك أولى؛ لأن السكوت قد يُفهم منه الرضا أو التشجيع. وقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: «لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلسًا يُعصى الله فيه، ولا يقدر على تغييره»[67].
فإن استجابوا فذلك خير، وإلا إذا لم يكن متمكنًا من إبداء التذمّر والانزعاج، أو تأجيل المباركة لوقت آخر، واضطر إلى الحضور، فعليه أن يقتصر على الحد الأدنى، بأن يؤدي واجب الحضور في التهنئة، مع اجتناب الاستماع، أي أن لا يتعمّد الإصغاء إلى الحرام، وأن لا ينسجم مع أجواء المعصية. أما مجرد السماع من دون توجّهٍ وإصغاء فلا يكون محرّمًا.
وفيما يأتي مثال لسؤال وُجّه إلى مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله:
السؤال: هل يجوز الحضور في واحدة من تلك الحفلات مع العلم المسبق بوجود اغان وموسيقي، وما الوظيفة الشرعية ان فوجئ الحاضر بعد حضوره بوجود مثل ذلك؟
الجواب: الحضور في تلكم المجالس مع السكوت عما يجري فيها من المنكرات ربما يعدّ نحو امضاء لها بل ونوع تشجيع على ارتكابها، بالإضافة الى ان مقتضي وجوب النهي عن المنكر في ظرف تحقق شروطه هو القيام بما يوجب الردع عنها، وإذا فوجئ الحاضر باشتمال الحفل على شيء من المحرّمات لزمه النهي عن المنكر مع توفر شروط وجوبه المذكورة في الرسالة العملية[68].
4.ضبط البيئة المحيطة بالمناسبة
غالبًا ما يكون الفرح المذموم نتيجة تأثير البيئة لا اختيار الفرد وحده، فحين تُشجّع الأجواء على الحرام وتُهوّنه، يضعف الإنسان أمامها. لذلك من المهم ضبط البيئة مسبقًا، بوضع حدود واضحة تمنع الانحراف، ليبقى الفرح ضمن الإطار المشروع.
ومن التطبيقات الواقعية النافعة: أن تُبلغ الأسرة المدعوين مسبقًا أن المجلس خال من التصوير، وخال من الموسيقى اللهوية، وأن اللباس ينبغي أن يكون منضبطًا، وأنه لا مجال لاختلاط يوقع في الحرام. فهذا الوضوح من البداية يرفع الحرج، ويمنع الفوضى، ويعطي المناسبة طابعًا محترمًا نظيفًا، ويجعلها نموذجًا يُحتذى به.
5.البعد عن رفقة السوء
من أقوى أسباب الفرح المذموم ضغط الأصدقاء والقرناء؛ لأن الإنسان قد يكون في نفسه مترددًا، لكن رفقة السوء تزين له المخالفة، وتجعله يستحيي من الالتزام، وتصور له المعصية على أنها ذوق وانفتاح. ولهذا فإن من وسائل الوقاية المهمة أن يختار الإنسان من يعينه على الطاعة، لا من يجرّه إلى التهاون.
ومن النماذج الواقعية: شاب لا يريد أن يجعل فرحه مشتملًا على حرام، لكن أصدقاءه يسخرون منه، أو يقولون له: لا تعقد الأمور، أو هذه مجرد ليلة. وفتاة تريد الالتزام باللباس الشرعي في مناسبة، فتضغط عليها صديقاتها بحجة أن المناسبة لا تتكرر. فهنا يتبين أثر الصحبة في تثبيت الخير أو جرّ الإنسان إلى الانحراف.
المطلب الثاني: علاج الفرح المذموم
لما كان أغلب الناس قد وقع في الفرح المذموم، فإن تكليفهم يحتم عليهم السعي إلى علاجه وتصحيح مسارهم، وفيما يلي أهم النقاط التي ينبغي مراعاتها في علاج الفرح المذموم:
1. القناعة بالخطأ شرط العلاج
إنّ نجاح علاج الفرح المذموم لا يتحقق إلا بتوفر شرطين أساسيين في نفس الإنسان، أولهما: القناعة الجازمة بأنه واقع في خطأ يحتاج إلى تصحيح، وثانيهما: وجود إرادة صادقة وسعي حقيقي لتغيير النفس. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ][69]، ما يدل على أن بداية الإصلاح تنطلق من الداخل، من وعي الإنسان بحاله واستعداده للتغيير.
فإنّ من يعتقد أنه على صواب، مع كونه واقعًا في الباطل، لن يُقبل على تطبيق أي توجيه علاجي، ولن ينتفع بأي نصيحة تُقدَّم له؛ لأنه لا يرى في نفسه خللًا يحتاج إلى معالجة. ومثله كمثل المريض الذي يظن نفسه سليمًا، فإذا قصد الطبيب وأُرشد إلى تناول الدواء واتباع التعليمات، لم يلتزم بها، فلا يُرجى له شفاء.
ومن هنا، فإن الخطوة الأولى في علاج الفرح المذموم تتمثل في توجيه الإنسان بلطف وحكمة، وإقناعه بموضع الخطأ الذي وقع فيه، حتى يتهيأ نفسيًا لتقبل العلاج والسير في طريق الإصلاح بثبات ووعي.
2. تصحيح الأفكار المنحرفة
يُعدّ تصحيح الأفكار من أهم وسائل علاج الفرح المذموم؛ لأن مشاعر الإنسان، من فرح أو حزن أو غيرهما، لا تنشأ من فراغ، بل تتكوّن غالبًا من أفكار راسخة في داخله تُوجّه نظرته إلى الأحداث والناس.
ولتوضيح ذلك: قد يرى الإنسان شخصًا متميزًا متفوّقًا عليه، وقد اتجهت إليه الأنظار بالإعجاب والتقدير، فيتولد في نفسه شعور بالغيرة والحسد، فينظر إليه نظرة سلبية، ويتمنى زوال نعمته، فإذا أصابه مكروه فرح بذلك، وهذا من الفرح المذموم.
أما إذا صحّح فكره، ونظر بعين الحق، فأدرك أن ما عند ذلك الشخص نعمة من الله، وأنه جدير بالاحترام لما وهبه الله من فضل، وأن المؤمن ينبغي أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإنه سيندم ويتوب، وتتبدل مشاعره، ويزول ما في قلبه من ضيق أو حقد، بل قد تتحول إلى محبة صادقة ودعاء له بالخير.
ومن هنا يتبيّن أن تهذيب الفكر هو الأساس في تهذيب المشاعر؛ لأن الفكرة إذا استقامت استقامت آثارها. ولذلك ينبغي للمؤمن أن يبني أفكاره على الحق المستمد من علوم محمد وآل محمد عليهم السلام، لا على الباطل، وللتمييز بين كون أفكاره حقًا أو باطلًا، ينبغي عليه سؤال مرجع تقليده الجامع للشرائط.
3.التوبة والتوقف الفوري عن الوسيلة المحرّمة
ينبغي عدم الاستخفاف بالغناء، فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أن رجلًا كان يسمع صوت غناء الجوارِي من بيت جيرانه صدفةً، فاستأنس به وأطال الاستماع، فنهاه الإمام عن ذلك وبيّن له مسؤوليته عن سمعه. ثم قال الإمام عليه السلام: ” قم فاغتسل وسل ما بذا لك فإنك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك احمد الله وسله التوبة من كل ما يكره فإنه لا يكره إلا كل قبيح والقبيح دعه لأهله فإن لكلٍ أهلًا”[70].
إن التوبة ليست كلمة تُقال باللسان فقط، بل هي رجوع القلب إلى الله تعالى مع ندم صادق على المعصية. وقد رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»[71].
ولكن الندم الصادق والحقيقي يستلزم الإصلاح، فقد قال تعالى: [فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ][72].
فمن عبّر عن فرحه في مجلس مختلط بوسائل محرّمة كالتبرّج، أو لباس غير شرعي، أو سماع الأغاني، أو الرقص، فإن أول العلاج هو إيقاف الخطأ والوسيلة المحرّمة فورًا، لا تبريرها ولا تأجيلها. فالتوبة لا تبدأ من الندم فقط، بل من ترك الذنب في الحال.
ومن عبّر عن فرحه المذموم بنشر صورٍ أو مقاطع أو شجّع على أمر محرّم في مناسبة، لا يكفي أن يستغفر سرًا، بل ينبغي أن يسعى أيضًا لإزالة ما نشره، والاعتذار إن ترتب على فعله أذى للآخرين، وأن يعزم على عدم تكرار ما فعل.
4.إعادة بناء الذوق الإيماني
أحيانًا يعتاد الإنسان على نوعٍ من الفرح الخاطئ، فيصبح هذا الفرح عنده هو الشيء الطبيعي، حتى لو كان فيه معصية. ومع مرور الوقت، قد يشعر أن الفرح الشرعي ممل، ويظن أن الطاعة لا فيها متعة، وأن السعادة لا تكون إلا فيما اعتاد عليه من سماع الأغاني والاختلاط المحرّم والرقص وما شابه ذلك. وهذا في الحقيقة علامة على أن ذوقه الإيماني-أي إحساسه الداخلي الذي يجعله يحب ما يرضي الله ويكره ما يغضبه-قد تأثر بكثرة الاعتياد على المعصية، وأصبح بحاجة إلى إصلاح.
ولذلك، فإن من أهم خطوات العلاج أن نُعيد تربية هذا الذوق، فنُعلّم القلب أن يفرح بما يُرضي الله، وأن ينفر مما يُغضبه. وهذا لا يحدث في يومٍ واحد، بل يحتاج إلى صبر واستمرار.
فكلما أكثر الإنسان من ذكر الله، وقراءة القرآن، والجلوس مع أهل الخير، وحضور المجالس النافعة، والتفكر في سيرة أهل البيت عليهم السلام، بدأ قلبه يتغيّر شيئًا فشيئًا، وأصبح يشعر بلذة الطاعة، ويأنس بالفرح الحلال، حتى يصبح أحبّ إليه من الفرح المحرّم.
5.استبدال الفرح المحرّم ببدائل مباحة
من أهم أبواب العلاج أن لا يُترك فراغ في النفس؛ لأن النفس إذا مُنعت من شيء كانت تميل إلى بديل. فإذا لم نوفر لها البديل المباح، رجعت إلى البديل المحرّم. ولهذا ينبغي أن يوجَّه الإنسان إلى صور الفرح المشروعة التي تحقق له السرور من دون مخالفة.
وإليكم بدائل متعددة، مشروعة، ومجرّبة تربويًا، وموافقة لمنهج أهل البيت عليهم السلام:
أولًا: الفرح بالطاعة والإنجاز الروحي.
أن يربط الإنسان فرحه بأعمال تقرّبه من الله، كإتمام صلاة بخشوع، أو صيام يوم، أو قراءة جزء من القرآن. هذا الفرح عميق وثابت، بخلاف الفرح المحرّم الذي يزول سريعًا ويترك أثرًا سلبيًا.
ثانيًا: الفرح بصناعة الخير للآخرين.
مثل إدخال السرور على قلب إنسان، أو مساعدة محتاج، أو قضاء حاجة مؤمن. وقد ورد عن أهل البيت عليهم السلام التأكيد على عظيم أثر إدخال السرور في القلوب، وهو من أرقى مصادر الفرح النقي.
ثالثًا: الفرح بالمناسبات الدينية بأسلوب مشروع.
كإحياء الأعياد الدينية، أو المناسبات المرتبطة بالنبي وآله عليهم السلام، من خلال الإنشاد الهادف، أو إحياء المجالس الحسينية، أو البرامج العائلية الهادئة التي تخلو من المحرّمات.
رابعًا: الفرح بالاجتماع العائلي النظيف.
كالجلوس مع العائلة أو الأصدقاء في أجواء محترمة، مع أحاديث لطيفة، أو مسابقات مفيدة، أو ألعاب مباحة، مما يحقق الأنس دون الوقوع في الحرام.
خامسًا: الفرح بالإنجازات الشخصية.
كأن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا بسيطة فيحققها، أو ينجز أمرًا نافعًا كالتفوق في دراسته أو تعلم مهارة جديدة، فيفرح بذلك ويكافئ نفسه بطريقة مباحة، مما يعزز ثقته بنفسه ويعوده على الفرح المنضبط.
سادسًا: الفرح بالجمال المباح في الحياة.
كالخروج إلى الطبيعة، أو التأمل في خلق الله، أو ممارسة رياضة مباحة. هذه الأمور تريح النفس وتمنحها سعادة هادئة.
سابعًا: الفرح بالفنون المباحة.
كالأناشيد الهادفة الخالية من المحرّمات، أو الكتابة، أو الرسم، أو التصوير المباح. فهي تعطي الإنسان متنفسًا جميلًا دون مخالفة شرعية.
ثامنًا: الفرح بالتقرّب من سيرة أهل البيت عليهم السلام.
كقراءة قصصهم، أو حضور مجالسهم، أو تمثيل مواقف من حياتهم بأسلوب تربوي، مما يربط الفرح بالقدوة الصالحة.
تاسعًا: الفرح بالمشاركة في أعمال جماعية نافعة.
كالمشاركة في نشاط تطوعي، أو حملة خيرية، أو تنظيم برنامج نافع، حيث يشعر الإنسان بقيمته وتأثيره.
عاشرًا: استبدال الغناء بالأناشيد والقصائد الهادفة.
من البدائل المهمة لعلاج الفرح المذموم أن يستبدل الإنسان سماع الغناء بالأناشيد والقصائد الدينية أو الحماسية، كالأناشيد والمدائح التي تُحيي سيرة أهل البيت عليهم السلام أو تُعبّر عن القيم النبيلة وحب الوطن، بشرط أن تُؤدّى بأسلوب خالٍ من الألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب على الأحوط.
وأيضًا لا يجوز ان يقرأ القرآن المجيد والادعية والاذكار ونحوها بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، فقد رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: “اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها، وإيّاكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر، فإنّه سيجيء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبُهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم”[73].
وبهذا يكون الإنسان قد حافظ على بهجته، لكن في إطارٍ نقيٍّ يقرّبه إلى الله بدل أن يبعده عنه.
6.إصلاح تربية الأسرة على الفرح المشروع.
من أهم خطوات علاج الفرح المذموم إصلاح بيئة الأسرة، لأن المشكلة لا تُعالج فرديًا إذا كان البيت نفسه يُشجّع على الفرح الخاطئ. فلابد أن يُربّى الأبناء على أن الفرح لا يعني التفلّت، وأن المناسبة لا تُبيح الحرام، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾[74].
فالأسرة التي تعوّد أبناءها على الفرح النظيف في حياتهم اليومية تكون أقدر على ضبطهم عند المناسبات، بخلاف من يتركهم يعتادون صور الفرح الفاسد ثم يستغرب سلوكهم لاحقًا.
ومن هنا، فإن من أهم معالم الإصلاح أن يحرص المربي على توجيه الأبناء وتعريفهم بحقيقة الفرح الممدوح، خاصة في المناسبات الدينية كالأعياد، كعيد الفطر الذي يحلّ في اليوم الأول من شهر شوال بعد انقضاء شهر رمضان مباشرة.
فيُربَّون على أن العيد ليس مجرد مظاهر وزينة، ولا هو في الأكل والهدايا، بل هو يوم شكرٍ لله على التوفيق للطاعة، ورجاءٍ لقبول الأعمال، والابتعاد عن المعصية. فالعيد الحقيقي هو صفاء القلب وأمان من غضب الله، كما قيل: “ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن أمن الوعيد”. فالسعيد حقًا هو من نال رضا الله، لا من اكتفى بالمظهر الخارجي للفرح.
وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: “إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه، وشكر قيامه، وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو يوم عيد”[75].
إن يوم العيد يوم فطر[76]، ويوم زكاة، ويوم رغبة الى الله وإلى ما يرضيه، فهو يوم اجتماع على طاعة الله، يوم تحميد الله وتمجيده، يوم عبادة وتضرع ودعاء، يوم الجوائز الكبرى، يوم اتحاد المسلمين وإظهار شوكة الإسلام.
هو يوم إدخال السرور على الفقراء والمساكين، ويوم التآخي ونبذ الخلافات، يوم المحبة والإحسان، يوم الشكر والدعاء، يوم صلة الأرحام، ويوم الشفقة على الأيتام الذين يفتقرون لحنان الأمهات ولحماية الآباء.
وبكلمة، إن يوم العيد هو يوم الله فلنرضي الله فيه.
ونستطيع أن نفرح يوميًا فرحًا ممدوحًا حينما نتورع عن محارم الله، فقد رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه قال: “اليوم لنا عيد، وغدا لنا عيد، وكل يوم لا نعصي الله فيه فهو لنا عيد”[77].
وصدق الشاعر[78] حينما قال:
| ها هـو العـيـدُ بالرجاءِ يـعـودُ | كـلّ عامٍ ونحـن للـدهـر عـيـدُ | |
| كلّ عامٍ ونحن في ألـف خـيـرٍ | والـعـطايـا للصائـمـيـن تـزيـدُ | |
| كـلّ عـامٍ ونـحـن نـَرفـع للهِ | الأيـادي ونـرتـجـي فَــيَـجــودُ | |
| يـولَـدُ الفـجـرُ بَـعدَ ألفٍ عجافٍ | مـا لِلـيـلٍ مهما استـطال خـلـودُ | |
| إنّـه الـعـيـد فـلـتـكونـوا بـخـيـرٍ | رغم كُلِّ الخُطوب.. عيـدٌ سعيـدُ |
وإن كان العيد يوم فرحٍ للمؤمنين، فإن فرحة أهل البيت عليهم السلام لا تكتمل فيه، لما يرونه من ضياع حقهم وابتعاد الأمة عن نهجهم. فقد رُوي عن عبد اللَّه بن دينار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: “يا عبد الله ما من عيد للمسلمين أضحى ولا فطر إلا وهو يجدد لآل محمد فيه حزنا، قلت: ولم ذاك؟ قال: لأنهم يرون حقهم في يد غيرهم”[79].
فكيف تكتمل فرحتهم وحقهم مسلوب، وإمامهم غائب، وآلامهم تتجدد؟! وكيف تكتمل فرحتنا ونحن نعيش حزنهم وننتظر فرجهم؟!
إن الموالي الحقيقي، كلما مرّ عليه عيد الفطر، استحضر عيد سنة 40 هـ، حين فُجع الحسنان وزينب وأم كلثوم عليهم السلام بمصاب أمير المؤمنين عليه السلام، فصار العيد عندهم دمعةً مكتومة، وجرحًا نازفًا، وأنينًا يسبق كل فرح…
فكيف كان حالهم بعد ضربة التاسع عشر، وكيف انقضى يوم العشرين وهم يرون أباهم بين الألم والرحيل؟!
قال الراوي: لما حملوه عليه السلام إلى البيت كان الحسين يبكي ويقول يا أبتاه من لنا بعدك ولا يوم كيومك إلا يوم رسول الله صلى الله عليه وآله من أجلك تعلّمت البكاء يعز والله عليّ أن أراك هكذا.
فناداه أمير المؤمنين يا حسين يا أبا عبد الله ادنُ مني، فدنا وقد خرجت أجفان عينيه من البكاء فمسح الدموع من عينيه ووضع يده على قلبه وقال يا بني ربط الله على قلبك وأجزل لك ولأخوتك عظيم الأجر فسكّن روعتك واهدأ من بكائك فإن الله قد آجرك على عظيم مصابك ثم أدخل في حجرته فأقبلت زينب وأم كلثوم حتى جلستا معه على فراشه وهما تندبان وتقولان يا أبتاه من للصغير حتى يكبر ومن للكبير بين اللئام يا أبتاه حزننا عليك طويل وعبرتنا لا ترقأ[80].
(مجردات)
| (ابو احسين ما تمم اصيامه | لفه العيد وولاده يتامه) | |
| او صاحت زينب او لطمت الهامه | فگدك صعب يا راعي الشهامه | |
| الله اوياك يا حلو الجهامه | عزنه راح من راحت أيامه |
| ابعيد البله يا حارس الدين | يملفه الأرامل والمساكين | |
| عگبك يبويه اوجوهنه وين | يا عيد الاگشر علمسلمين |
وأما بناته فإنهن ألقين بأنفسهن عليه ونادين وا أبتاه وا علياه[81].
(مجردات)
| اجه العيد ريته لا اجانه | اولا بيَّن اهلاله ابسمانه | |
| احنه ابمياتمنه او بچانه | من المصاب اللي دهانه |
البيه انفگد منه حمانه
[1] يونس/ 58.
[2] الأنعام/ 162.
[3] يونس/ 58.
[4] تفسير القمي-علي بن إبراهيم القمي-ج ١-ص ٣١٣.
[5] الكافي-الشيخ الكليني-ج2-ص366.
[6] سفينة البحار-الشيخ عباس القمي-ج4-ص125.
[7] بحار الأنوار –المجلسي-ج31-ص 653.
[8] يونس/ 58.
[9] الكافي-الكليني-ج 4 -ص 65.
[10] الروم/4.
[11] مصباح المتهجد-الشيخ الطوسي-ص 737.
[12] الكافي-الكليني-ج2-ص 188-ح1.
[13] نزهة الناظر وتنبيه الخاطر-حسين بن محمد الحلواني -ص 92.
[14] القصص/76.
[15] آل عمران/ 120.
[16] الأنعام/ 162.
[17] الأعراف/ 32.
[18] مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/ الاستفتاءات/ الاختلاط.
[19][19] مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/ الاستفتاءات/ مجالس الأعراس.
[20] مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/ الاستفتاءات/ مجالس الأعراس.
[21] الأحزاب/ 33.
[22] النور/ 31.
[23] مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/ الاستفتاءات/ الزينة-بتصرف.
[24] الكافي-الكليني-ج5-ص507.
[25] مجالس الأفراح-مركز نون للتأليف والترجمة-ص54.
[26] الإسراء/ 26-27.
[27] الفرقان/ 67.
[28] منهاج الصالحين-السيد السيستاني-ج3-مسألة 420.
[29] الطلاق/ 7.
[30] آداب الاسرة في الإسلام-إصدار مركز الرسالة-ص64. نقلا عن مكارم الاخلاق: 202.
[31] الأنعام/.141
[32] الكافي-الكليني-ج4-ص53.
[33] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج17-ص314.
[34] مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/ الاستفتاءات/ الرقص.
[35] م.ن.
[36] م.ن.
[37] مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/ الاستفتاءات/ الغناء.
[38] فقه المغتربين وفق فتاوى السيد السيستاني-عبد الهادي الحكيم-أحكام الموسيقى والغناء والرقص-م 539-م 540-م541.
[39] م.ن-أحكام الموسيقى والغناء والرقص-م ـ 561.
[40] الكافي-الكليني-ج 6 -ص 431.
[41] فقه المغتربين وفق فتاوى السيد السيستاني-عبد الهادي الحكيم-أحكام الموسيقى والغناء والرقص-م 545.
[42] من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج4-ص58.
[43] فقه المغتربين وفق فتاوى السيد السيستاني-عبد الهادي الحكيم-أحكام الموسيقى والغناء والرقص-م 545.
[44] لقمان / 6.
[45] الكافي-الكليني-ج6-ص432.
[46] الحج/30.
[47] الوسائل-الحر العاملي-ج 12-ص 227 ح 8.
[48] الفرقان/72.
[49] عيون أخبار الرضا-الشيخ الصدوق-ج2-ص128.
[50] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 12-ص 231.
[51] مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/ الاستفتاءات/ مجالس الأعراس.
[52] كسماحة السيد الخوئي وسماحة السيد الخامنئي قدس الله سرهما.
[53]مجالس الأفراح-مركز نون للتأليف والترجمة-ص34-نقلاً عن أجوبة الاستفتاءات، الإمام علي الخامنئي-ج2-ص 22.
[54] الإسراء/85.
[55] الكافي-الشيخ الكليني-ج6-ص431.
[56] البقرة/ 219.
[57] زاد المبلغات-مياسة شبع-ج4-المحاضرة الأولى بعنوان: “الغناء سعادة أم شقاء”.
[58] يس/ 8-9.
[59] بحار الأنوار-المجلسي-ج79-ص247.
[60] الذنوب الكبيرة-عبد الحسين دستغيب-ج1-ص276.
[61] الكافي-الشيخ الكليني-ج6-ص431.
[62] الكافي-الشيخ الكليني-ج6-ص433.
[63] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 12-ص 226.
[64] دعائم الإسلام-القاضي نعمان-ج 2-ص 210.
[65] النساء/ 1.
[66] جامع السعادات-الملا مهدي النراقي-ج 3-ص 75.
[67] الكافي-الشيخ الكليني-ج 2-ص 374.
[68] مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/ الاستفتاءات/ الغناء.
[69] الرعد/ 11.
[70] الكافي-الكليني-ج6-ص432.
[71] الكافي-الشيخ الكليني-ج 2-ص 435.
[72] المائدة/ 39.
[73] الكافي-الكليني-ج2-ص614.
[74] التحريم/ 6.
[75] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري-ج6-ص 149.
[76] الفِطر: هو الإفطار بعد الصيام، أي الانتهاء من الصوم والرجوع إلى الأكل.
[77] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري-ج6-ص 154.
[78] الشاعر هو مثنى ابراهيم دهام.
[79] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٤ -ص ١٧٠.
[80] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج4-ص141.
[81] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج4-ص141.
