لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
تأليف: مياسة شبع
أَسْبابُ الغَيْبَةِ
رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:
«إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابد منها، يرتاب فيها كل مبطل»، .. إلى أن قال: « إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلى وقت افتراقهما».[1]
تمهيد
إنّ قضية ظهور الإمام في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا ليست فكرة غامضة ولا اعتقادًا خاصًّا بطائفة معيّنة، بل هي حقيقة اتفقت عليها كلمة المسلمين، وأكّدتها النصوص القرآنية والروايات الشريفة، قال تعالى: [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ] [2]، وهو وعد إلهي بظهور الدين الحقّ على سائر الأديان.
كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا تقوم الساعة حتى تُملأ الأرض ظلمًا وجورًا، فيخرج رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا».[3]
ومن العقائد الثابتة عند الشيعة الإمامية أنّ الإمام المهدي عليه السلام موجود قبل ظهوره، لكنّه غائب عن الأنظار مدة من الزمن، وقد صرّح النبي صلى الله عليه وآله بذلك بقوله: «المهدي من ولدي، تكون له غيبة، فإذا ظهر ملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت جورًا وظلمًا».[4].
وعليه، فإنّ أصل الظهور ليس موضع إشكال، بل هو وعد إلهي ثابت. ولكن يبقى السؤال الأهم: إذا كان الإمام موجودًا، فلماذا غاب؟ ولماذا لم يظهر إلى يومنا هذا رغم ما يعانيه العالم من ظلمٍ وفساد؟
من هنا تنطلق أهمية هذه المحاضرة، ولا سيما ونحن نستحضر مناسبة عظيمة في تاريخ الأمة، وهي بداية الغيبة الكبرى في الرابع من شهر شوال سنة 329هـ، حين انتقل الإمام عليه السلام من مرحلة الغيبة الصغرى التي كان يتواصل فيها مع شيعته عبر السفراء الأربعة إلى الغيبة الكبرى التي انقطعت فيها السفارة، ولا تزال مستمرة حتى يأذن الله تعالى بظهوره المبارك.
المبحث الأول: حقيقة الغيبة وتطورها
المطلب الأول: الغيبة لا تعني عدم الوجود
عندما نتحدث عن غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، نجد أن بعض الناس يستغربون هذه القضية، بل ينكرها بعضهم، فقط لأنه لا يرى الإمام بعينه، ولا يعرف شخصه بشكل مباشر. وكأنهم يريدون أن يؤمنوا فقط بما تقع عليه أعينهم، مع أن كثيرًا من الحقائق في حياتنا لا تُرى ولكننا نرى آثارها فنوقن بوجودها دون تردد.
@ فنحن لا نرى الجاذبية، ولكننا نؤمن بها؛ لأننا نرى الأشياء تسقط إلى الأرض، ولا تطير في الهواء بلا سبب.
@ ولا نرى الهواء، ومع ذلك نعلم أنه موجود، لأننا نتنفسه، ونشعر به عندما تهبّ الرياح.
@ ولا نرى الكهرباء، لكننا نؤمن بها حين تضيء المصابيح، وتعمل الأجهزة من حولنا.
@ ولا نرى العقل، ومع ذلك نوقن بوجوده من خلال تفكير الإنسان وتمييزه.
@ ولا نرى المشاعر كالحب والخوف والفرح، لكنها موجودة بقوة، ونحس بها في داخلنا ونرى آثارها على سلوكنا.
@ ولا نرى الروح، ومع ذلك نؤمن بوجودها، لأن الإنسان إذا فقدها صار جسدًا بلا حياة.
@ ولا نرى الموجات التي تنقل الصوت والصورة في الهواتف، ومع ذلك نتحدث مع من هو بعيد عنا آلاف الكيلومترات.
@ بل إننا لا نرى الله تعالى، لكننا نؤمن به من خلال آثاره في خلقه؛ فدقّة الكون ونظامه وإتقان المخلوقات كلّها تدلّ على وجود خالق حكيم قادر
فإذا كنا نؤمن بكل هذه الأمور، رغم أننا لا نراها، فقط لأننا نرى آثارها، فكيف يُستغرب وجود الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف وهو له آثار وفوائد عظيمة سنشير إليها في المطلب التالي.
إذن، المشكلة ليست في عدم الرؤية، بل في طريقة التفكير. فليس كل ما لا يُرى يُنكر، بل العاقل يؤمن بما ثبت بالدليل، ولو لم تَرَه عيناه.
وهنا يأتي توجيه عظيم من أهل البيت عليهم السلام، يفتح لنا باب الفهم، ويزيل هذا الاستغراب من أساسه. فقد شبّه الإمام الصادق عليه السلام حال الإمام المهدي بحال نبي الله يوسف عليه السلام حينما قال لسدير الصيرفي:«إن في صاحب هذا الأمر لشبهًا من يوسف».
قال سدير: فقلت:فكأنك تخبرنا بغيبة أو حيرة؟
فقال عليه السلام: «ما ينكر هذا الخلق الملعون أشباه الخنازير من ذلك؟ إن إخوة يوسف كانوا عقلاء، ألبّاء[5]، أسباطًا[6]، أولاد أنبياء، دخلوا عليه فكلموه وخاطبوه وتاجروه وراودوه، وكانوا إخوته وهو أخوهم، لم يعرفوه حتّى عرَّفهم نفسه، وقال لهم: أنا يوسف، فعرفوه حينئذٍ، فما تنكر هذه الأُمَّة المتحيرة أن يكون الله (عزَّ وجلَّ) يريد في وقت من الأوقات أن يستر حجته عنهم، لقد كان يوسف النبي ملك مصر، وكان بينه وبين أبيه مسيرة ثمانية عشر يومًا، فلو أراد أن يُعلمه بمكانه لقدر على ذلك، والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيَّام من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الأُمَّة أن يكون الله يفعل بحجته ما فعل بيوسف، وأن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقه، صاحب هذا الأمر يتردد بينهم، ويمشي في أسواقهم، ويطأ فرشهم ولا يعرفونه، حتى يأذن الله له أن يعرِّفهم نفسه كما أذِن ليوسف حين قال له إخوته: ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ﴾[7]».[8]
تأملوا هذا المعنى جيدًا…
إخوة يوسف كانوا يرونه بأعينهم، يتحدثون معه، ويقفون أمامه، ومع ذلك لم يعرفوه. فهل كان يوسف غائبًا عنهم أم أن المشكلة كانت في عدم معرفتهم له؟
إذن، ليس كل ما لا نعرفه يكون غير موجود، وليس كل من لا نراه بوضوح يكون غائبًا عن الواقع.
وهنا نفهم أن غيبة الإمام ليست أمرًا غريبًا كما يتصور البعض، بل هي سنّة إلهية لها نظائر في حياة الأنبياء. فالإمام قد يكون بين الناس، يراهم ويعيش معهم، لكنهم لا يعرفونه، حتى يأتي اليوم الذي يأذن الله له فيه أن يُعرّف نفسه، كما عرّف يوسف نفسه لإخوته.
ومن هنا، فإن إنكار وجود الإمام فقط لأننا لا نراه أو لا نعرفه، ليس موقفًا علميًا ولا منطقيًا، بل هو تكرار لخطأ قديم وقع فيه من قبلنا، حين كانوا يرون الحق أمامهم ولم يدركوه.
فالغيبة إذن ليست غيابًا حقيقيًا، بل “اختفاء في الهوية لا في الوجود”، وهذا هو المعنى الأول للغيبة في الاصطلاح، وهي جزء من حكمة إلهية عميقة تحتاج إلى فهم وإيمان، لا إلى إنكار واستغراب.
وأما المعنى الثاني للغيبة فهو “خفاء الشخص وعدم رؤيته” أي أن الإمام موجود، لكنه غير مرئي للناس، فلا يُرى جسده أصلًا. ورد أنه سُئل أبو الحسن الرضا عليه السلام عن القائم عليه السلام فقال: «لا يرى جسمه، ولا يسمى اسمه».[9]
وأما المعنى الثالث فهو الجمع بين المعنيين، أي أن الغيبة قد تختلف بحسب الظروف، فقد يكون الإمام ظاهرًا غير معروف في بعض الأحيان، وقد يكون غير مرئي في أحيان أخرى، وبذلك يمكن الجمع بين الروايات المختلفة دون تعارض، دون الحاجة إلى ترجيح أحد المعنيين على الآخر.
المطلب الثاني: أسباب انتهاء الغيبة الصغرى وبداية الكبرى
مع أن موضوع المحاضرة هو أسباب الغيبة، إلا أنه لا بد أولًا من بيان أسباب انتهاء الغيبة الصغرى وبداية الكبرى؛ لأن المناسبة مختصة ببداية الغيبة الكبرى، فلا يكتمل الفهم إلا بتوضيح سبب الانتقال من الغيبة الصغرى إلى الكبرى. وأبرز هذه الأسباب هي الآتية:
أولًا: تحقق الهدف من الغيبة الصغرى.
الغيبة الصغرى كانت مرحلة تمهيدية، تعوّد فيها الناس على عدم رؤية الإمام مباشرة، والتواصل معه عبر السفراء. ومع مرور الوقت، أصبح الناس مستعدين نفسيًا لفكرة الغيبة الطويلة، فلم تعد الحاجة إلى هذه المرحلة موجودة.
ثانيًا: ازدياد الخطر على الإمام وأصحابه.
في تلك الفترة، كانت السلطات تراقب بشدة كل من له علاقة بالإمام، وتحاول الوصول إليه أو إلى أتباعه. وقد اشتد هذا الخطر جدًا، حتى إن السفير الرابع لم يستطع القيام بنشاط واضح، ولم تستمر سفارته إلا مدة قصيرة، مما يدل على صعوبة الوضع.
ثالثًا: صعوبة استمرار السرية مع طول الزمن.
كان خطّ السفارة قائمًا على سرية دقيقة للغاية، بحيث لم تُعرف طوال نحو سبعين سنة طريقة اتصال الإمام بالسفراء، ولا كيفية صدور التوقيعات، وهذا يدل على إحكام الكتمان. لكن مع مرور الزمن واشتداد المراقبة، أصبحت هذه السرية مهددة بالانكشاف تدريجيًا، فقد رُوي عن الحسين بن الحسن العلوي أنه قال: “انتهى إلى عبيد الله بن سليمان الوزير أن له ـ أي الإمام ـ وكلاء وأنه تجبى إليهم الأموال، وسموا الوكلاء في النواحي، فهمّ بالقبض عليهم، فقيل له: لا، ولكن دسوا لهم قوماً لا يعرفونهم بالأموال، فمن قبض منهم شيئًا قُبض عليه، فلم يشعر الوكلاء بشيء حتى خرج الأمر ـ أي من صاحب الزمان ـ أن لا يأخذوا من أحد شيئًا وأن يتجاهلوا بالأمر، وهم لا يعلمون ما السبب في ذلك، وامتنع الوكلاء كلهم لما كان تقدم إليهم، فلم يظفروا بأحد منهم ولم تتم الحيلة فيهم”.[10]
وهذا كلّه يوضّح أن السرية بلغت غاية الدقة، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية دون أن تتعرض لخطر الانكشاف، فكان الانتقال إلى الغيبة الكبرى هو الخيار الإلهي الأحكم.
وبذلك انتهت مرحلة الغيبة الصغرى، وبدأت الغيبة الكبرى، حيث انقطع الاتصال المباشر بين الإمام والناس، وبقيت المسؤولية على الأمة في الانتظار والاستعداد.
المبحث الثاني: دور الإمام بين الغيبة والظهور
المطلب الأول: شروط ظهور الإمام
إن معرفة شروط الظهور تبيّن لنا لماذا لم يظهر الإمام بعد، فتتحول أسباب الغيبة من أمرٍ غامض إلى نتيجة واضحة لعدم اكتمال الظروف المطلوبة للظهور.
ويمكن تلخيص شروط ظهور الإمام المهدي عليه السلام على النحو الآتي:
أولًا: وجود المنهج الإلهي الكامل للتغيير.
أي وجود شريعة إلهية متكاملة تبيّن للناس نظام الحياة العادلة، وتكون صالحة لتطبيقها في جميع الأزمنة والأمكنة. وهذا متحقق في الإسلام بالقرآن الكريم وسنّة محمد وآل محمد عليهم السلام، بوصفه الدين الخاتم الذي يقدّم نظامًا شاملًا يقود البشرية نحو إقامة العدل.
ثانيًا: وجود القائد المعصوم الجاهز.
وهو الإمام المهدي عليه السلام نفسه، فهو موجود حيّ ومعصوم، ومهيأ لقيادة العالم، لكنه في غيبة، وينتظر تحقق بقية الشروط ليباشر دوره في إقامة العدل.
ثالثًا: وجود الأنصار القادة والقاعدة الشعبية المخلصة.
أي وجود نخبة مميزة من الأنصار القادة عددهم: (313)، يتمتعون بإيمان عميق ووعي كامل وقدرة قيادية، يشكلون العمود الفقري لدولة الإمام ويقودون مشروع التغيير، إلى جانب وجود قاعدة شعبية واسعة مؤمنة وواعية، مخلصة للإمام ومستعدة لنصرته وعدم خذلانه. فالإمام لا يظهر بين أناس متخاذلين، بل يحتاج إلى قادة متميزين وجمهور صادق يثبت معه.
رابعًا: الإذن الإلهي بالظهور.
أي أن ظهور الإمام مرتبط بإرادة الله تعالى وحده، فلا يكفي توفر بقية الشروط ما لم يأذن الله بذلك في الوقت المناسب، لأن الظهور جزء من التخطيط الإلهي الدقيق.
خامسًا: وجود ظرف عالمي مناسب.
أي أن يصل العالم إلى حالة من الظلم والاضطراب وفشل الأنظمة البشرية، بحيث ييأس الناس من الحلول الأرضية، فيتهيأون لتقبل القيادة الإلهية والعدل الحقيقي.
وبذلك يتبين أن الظهور يحتاج إلى اجتماع هذه الشروط كلها، وليس مجرد تحقق علامة أو اثنتين.[11]
المطلب الثاني: فوائد الإمام الغائب
إن للإمام المهدي عليه السلام في غيبته آثارًا عديدة ينتفع بها الناس، كما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله حين سأله جابر بن عبد الله الأنصاري عن ذلك، فقال: “إي والذي بعثني بالنبوة، إنهم لينتفعون به، ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جللها السحاب”.[12]
ومعرفة هذه الفوائد أمر ضروري؛ لأنها تكشف أن وجوده ليس أمرًا شكليًا، بل له دور حقيقي ومؤثر حتى في حال الغيبة، وبذلك تُفهم الغيبة على أنها مرحلة فاعلة ضمن التدبير الإلهي، لا حالة غياب بلا أثر.
وقد تم تفصيل هذا الموضوع سابقًا[13]، ونشير هنا إلى أبرز هذه الفوائد باختصار:
1. الإمام أمان لأهل الأرض: وجود الإمام سبب لحفظ العالم من الهلاك، فهو أمان إلهي كما كانت النجوم أمانًا للسماء. قال الإمام الصادق عليه السلام: “لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت” [14].
2. إتمام الحجة على الخلق: وجود الإمام يقطع عذر الناس، فلا يقول أحد: لم نجد من يدلنا على الحق. قال تعالى:﴿ ر ُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾[15]، والإمام امتداد لهذه الحجة.
3. استمرار الهداية عبر العلماء: الإمام لم يترك الناس بلا طريق، بل وجّههم إلى الفقهاء العدول ليقودوهم في زمن الغيبة. قال عليه السلام: “وأمّا الحوادثُ الواقعةُ فارجعُوا فيهَا إلى رواةِ حديثِنَا، فإنّهُم حُجّتِي عليكُم وأنا حُجّةُ اللهِ”.[16]
4. رعاية المؤمنين والاطلاع على أحوالهم: الإمام يتابع شؤون الأمة ويعلم بما يصيبها، وهذه رعاية خفية تحفظها من الانهيار. قال عليه السلام: «فإنّا نحيط علماً بأنبائكم ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم».[17]
5. عرض أعمال الناس عليه: أعمال المؤمنين تُعرض على الإمام، فيكون شاهدًا عليهم وداعيًا لهم. قال تعالى:﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾[18]، وفسّرت الروايات “المؤمنون” بالأئمة عليهم السلام.
6. دعاؤه المستمر للمؤمنين: دعاء الإمام سبب لحفظ الأمة ودفع البلاء عنها، وإن لم نشعر بذلك مباشرة. رُوي عن صاحب الزمان عليه السلام: “… أنا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء – أي الشدائد – أو اصطلمكم الأعداء”[19]
7. حفظ الدين من التحريف: الإمام هو الضامن لبقاء الإسلام الصحيح، ولو خفي شخصه، فهدايته باقية. رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال:” إن الله لم يدع الأرض الا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان في الأرض فإذا زاد المؤمنون شيئًا ردهم وإذا نقصوا أكمله لهم فقال خذوه كاملا ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم ولم يفرقوا بين الحق والباطل “.[20]
8. تسديد العلماء وتصحيح المسار: العلماء وإن كانوا صالحين قد يخطئون، فيتدخل الإمام بتسديدهم حفظًا للدين. قال الإمام الهادي عليه السلام: «لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء… لما بقي أحد إلا ارتد عن دينه»[21].
9. مساعدته للمؤمنين في الشدائد: من آثار وجود الإمام المهدي عليه السلام أنه يعين المؤمنين في الشدائد بطرق خفية، ضمن التدبير الإلهي، قال تعالى:﴿ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾[22]. وقد ظهر هذا المعنى في الخضر عليه السلام حين قام بأعمال خفية لم تُعرف حكمتها إلا لاحقًا، كما في قصته مع موسى عليهما السلام.
فإذا كان هذا شأن عبد صالح، فكيف بحجة الله في أرضه؟ فلا يُستبعد أن تكون له عناية خاصة بالمؤمنين، يحفظهم ويعينهم من حيث لا يشعرون.
10. إعداد الأمة للظهور: زمن الغيبة هو زمن تربية وتمحيص، ليتميز الصادق من غيره ويتهيأ لنصرة الإمام. قال الإمام الباقر عليه السلام: «لتمحصن يا شيعة آل محمد تمحيص الكحل في العين».[23]
11. بعث الأمل في النفوس: الإيمان بالإمام يزرع الأمل بعدل قادم، فلا يستسلم المؤمن للظلم. قال تعالى:﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ… لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾.[24]
إذن الغيبة ليست غيابًا بلا فائدة، بل حضور خفيّ، ورحمة ممتدة، وتدبير إلهي مستمر.
المبحث الثالث: فلسفة الغيبة الكبرى (أسبابها)
بعد أن تبيّن لنا في المبحثين السابقين حقيقة الغيبة وتطورها، وشروط ظهور الإمام عليه السلام وأدواره في غيبته، ننتقل إلى سؤال جوهري يتبادر إلى أذهان كثير من الناس، ويحتاج إلى بيان واضح ومقنع:
ما الحكمة من غيبة الإمام المهدي عليه السلام كل هذه القرون الطويلة، رغم شدّة حاجة البشرية إلى حضوره المبارك لإقامة العدل ورفع الظلم؟ وما الحكمة والدوافع الإلهية التي اقتضت استمرار هذه الغيبة إلى هذا الزمن، مع ما يشهده العالم من انحراف واضطراب؟
حينما نتأمل في النصوص الشرعية، نجد أن أهل البيت عليهم السلام قد بيّنوا لنا إشارات واضحة إلى جملة من حكم الغيبة وأسبابها، إلا أن حقيقتها الكاملة تبقى أوسع وأعمق من أن تُدرك قبل تحققها في الواقع. وهذا المعنى قد صرّحت به الروايات، كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل»، .. إلى أن قال: « إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلى وقت افتراقهما».[25]
وعلى هذا الأساس، نستعرض في هذا المبحث أبرز ما كشفته النصوص من أسباب وحِكم غيبة الإمام المهدي عليه السلام، بقدر ما أُذن لنا بمعرفته، وهي كالآتي[26]:
السبب الأول للغيبة: الخوف من القتل لحفظ المشروع الإلهي
من أهم الأسباب التي ذكرتها النصوص لغيبة الإمام المهدي عليه السلام هو الخوف من القتل، كما كان الحال في زمن فرعون مع نبي الله موسى عليه السلام، حين شاع بين الناس أنّ مخلّصًا سيولد لبني إسرائيل لينهي ظلم الطغيان، فاستبدّ الخوف بفرعون، فراح يقتل أبناءهم الذكور ويستبقي نساءهم، في محاولة يائسة لإيقاف ما قدّره الله، قال تعالى:﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ﴾[27].
وبنفس الصورة، كانت الروايات المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله تؤكد أنّ الأئمة اثنا عشر، وأنّ الإمام الثاني عشر هو الذي سيقضي على دول الظلم ويُسقط عروش الطغاة. لذلك عاش حكّام بني العباس حالة ترقّب وقلق شديدين، ففرضوا رقابة صارمة على الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وحاصروه في بيته، وراقبوا نساءه بدقة، طمعًا في القضاء على المولود المنتظر منذ اللحظة الأولى.
لكنّ إرادة الله اقتضت أن يُخفى أمر هذا المولود، فلم يعلم بولادته إلا خواص الشيعة وثقات المؤمنين. ومع ذلك، تسربت بعض الأخبار إلى السلطة، فداهموا بيت الإمام مرارًا بحثًا عنه، إلا أنّ جميع محاولاتهم باءت بالفشل. حتى إنّ أمّه السيدة نرجس عليها السلام تعرضت للملاحقة والسجن، لكن الله حفظها وصرف عنهم كيدهم.
في ظل هذه الظروف القاسية، كانت الغيبة ضرورة حتمية لحفظ الإمام المهدي عليه السلام من القتل، فهو آخر الأئمة، وبقية حجج الله، والمكلّف بإقامة دولة العدل الإلهي في الأرض. فاقتضت الحكمة الإلهية أن يُحفظ وجوده بالغيبة، حتى يأتي الوقت الذي يأذن الله فيه بظهوره لإتمام مهمته الكبرى.
فقد روى الشيخ الطوسي، عن زرارة، قال: “إن للقائم غيبة قبل ظهوره، قلت: ولِمَ؟ قال: يخاف القتل”.[28]
وروى الشيخ الصدوق عن يونس بن عبد الرحمن قال: دخلت على موسى بن جعفر عليهما السلام فقلت له: يا بن رسول الله، أنت القائم بالحق؟ فقال: «أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله ويملأها عدلاً كما ملئت جورًا وظلمًا، هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفًا على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون…».[29]
وينبغي أن نثير حول هذا السبب جملة من التساؤلات المهمة، نذكر منها هذين السؤالين:
السؤال الأول: كيف يُنسب الخوف من القتل إلى الإمام المهدي عليه السلام، وهو الإمام المعصوم الشجاع الذي ينتظر إقامة العدل في الأرض؟ هل هو خوف الضعف، أم خوف المصلح الذي يحمل رسالة عظيمة؟
الجواب: إن الخوف نوعان؛ خوفٌ مذموم يُضعف الإنسان ويمنعه من أداء واجبه، فيسكت عن الحق ويتراجع أمام الباطل، وخوفٌ ممدوح يجعل الإنسان واعيًا بالمخاطر، فيحفظ دينه ويصون هدفه ويُحسن التصرّف حتى لا تضيع الرسالة.
وخوف الإمام المهدي عليه السلام ليس خوفًا على حياته الشخصية، فالإمام عليه السلام كحال آبائه وأجداده يتمنون الشهادة ويعدّونها فوزًا كما قال أمير المؤمنين عندما ضربه ابن ملجم: “فزت ورب الكعبة”… بل القضية أعمق من ذلك لأنه خوفٌ على الدين والمشروع الإلهي كله. فهو ليس فردًا عاديًا، بل هو آخر حجج الله، والقائد الذي سيُقيم دولة العدل الإلهي، فإذا قُتل قبل تحقق هذا المشروع، لانقطع طريق الحق، وضاع الهدف الذي لأجله وُجد.
وهذا المعنى ليس غريبًا، بل هو سنّة إلهية جرت على الأنبياء. فقد أخبرنا القرآن عن نبي الله موسى عليه السلام بقوله:﴿ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ﴾[30]، وقال أيضًا:﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾[31]، ولم يكن خوفه جبنًا، بل حفاظًا على الرسالة التي يحملها حتى يؤديها في وقتها المناسب.
وكذلك الإمام الحسين عليه السلام، حين خرج من المدينة، لم يكن خائفًا على نفسه، بل خاف على الدين أن يُطفأ، وأن يُقتل سرًا قبل أن يبيّن الحق للناس، فخرج ليحفظ الرسالة بدمه الطاهر، فأحيا الدين وأبقى نوره في القلوب.
ومن هنا يتضح أن غيبة الإمام المهدي عليه السلام ليست هروبًا، بل هي حفظٌ إلهي لمهمة عظيمة لم يحن وقتها بعد، كما صرّحت الروايات بأنه يخاف القتل، وهذا الخوف ليس ضعفًا، بل هو وعيٌ بحجم المسؤولية، وتقديرٌ دقيق لخطورة ضياع المشروع الإلهي لو تحقق قبل أوانه.
وإذا تأملنا واقع العالم اليوم، وجدنا أن الظلم ما زال منتشرًا، والدماء تُسفك، والحق يُحارب، فهل من الحكمة أن يظهر القائد الإلهي في بيئة لم تتهيأ لنصرته بعد؟ أم أن الحكمة تقتضي حفظه حتى تكتمل الظروف التي تضمن نجاح هذا المشروع العظيم؟
ولتقريب الصورة، فإن من يريد زرع أرضه قبل تهيئة ظروفها من تربةٍ صالحةٍ وماءٍ مناسبٍ ووقتٍ ملائم، فإن زرعه لا ينمو، بل قد يفسد قبل أن يؤتي ثماره. أما العاقل فإنه يهيّئ الأرض وينتظر الوقت المناسب، حتى يضمن نجاح الزرع وإثمارَه.
وكذلك هو حال الإمام المهدي عليه السلام؛ فإن غيبته ليست تأخيرًا بلا سبب، بل هي انتظارٌ لتحقق الظروف التي تضمن نجاح مشروعه الإلهي، فلا يظهر إلا حين تتهيأ الأرض لنصرته وإقامة العدل فيها.
السؤال الثاني: لماذا لا يتدخل الله مباشرة فيمنع الناس من قتل الإمام، فيحفظه دون حاجة إلى الغيبة؟
نجيب: إن الله تعالى قد أمر الناس بطاعة الإمام ونصرته، ونهى عن مخالفته، وهذا هو الأسلوب الذي ينسجم مع الاختبار الإلهي للإنسان، لأن الإنسان خُلق ليختار بين الطاعة والمعصية.
أما لو منعهم الله بالقوة من إيذائه، وجعلهم غير قادرين على قتله أصلًا، فإن هذا يُلغي الاختبار، ولا يبقى للإنسان اختيار حقيقي، فلا يستحق الثواب على الطاعة.
ولذلك، فإن الحكمة الإلهية تقتضي أن يبقى الإنسان قادرًا على الفعل والاختيار، مع توجيهه إلى الحق، لا أن يُجبر عليه.
السبب الثاني للغيبة: عدم توفّر الأنصار الحقيقيين المخلصين
من الأسباب العميقة لغيبة الإمام المهدي عليه السلام عدم توفّر الأنصار الذين يُعتمد عليهم في إقامة المشروع الإلهي. رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «أَمَا لَوْ كَمُلَتِ العِدَّةُ المَوْصُوفَةُ ثَلاثُمَائَةِ وَبِضْعَةَ عَشَرَ كَانَ الَّذِي تُرِيدُونَ، وَلكِنَّ شِيعَتَنَا مَن لا يَعْدُو صَوْتُهُ سَمْعَهُ وَلا شَحْنَاؤُهُ بَدَنَهُ، وَلا يَمْدَحُ بِنا مُعْلِناً، وَلا يُخَاصِمُ بِنَا قَالِياً، وَلا يُجَالِسُ لَنا عَايِباً، وَلا يُحَدِّثُ لَنا ثَالِباً، وَلا يُحِبُّ لَنَا مُبْغِضاً، وَلا يُبْغِضُ لَنا مُحِبّاً».[32]
وهذا النص يكشف بوضوح أن المشكلة ليست في غياب الإمام، بل في قلة الأنصار الحقيقيين الذين ينهض بهم أمر الحق.
قد يتساءل أحدهم: إذا كان الإمام المهدي عليه السلام معروفًا بين الناس، وله محبّون كثيرون في مختلف أنحاء العالم، بل وتذكر الروايات وجود (313) من أصحابه، فلماذا يُقال إن الأنصار غير متوفرين؟ أين الخلل إذن؟
الجواب: إن المشكلة ليست في العدد، بل في النوع. فليس كل من يقول: أنا من شيعة الإمام، يكون ناصرًا حقيقيًا له. فالنصرة ليست مجرد محبة أو انتماء، بل تحتاج إلى صفات عالية من الإيمان، والشجاعة، والثبات، والاستعداد للتضحية بكل شيء في سبيل الحق.
والإيمان الذي يريده الله ليس مجرد قول باللسان، بل هو طاعة كاملة وتسليم مطلق لأمر الله ورسوله وأهل بيته عليهم السلام. ولهذا قال تعالى:﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾[33]، فالآية الحاضرة تبيّن علائم الإيمان الواقعي الراسخ في ثلاث مراحل:
المرحلة الأُولى: أن يتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحكمه النابع من الحكم الإلهي فيما اختلفوا فيه، كبيراً كان أم صغيراً، لا إلى الطواغيت وحكّام الجور والباطل.
المرحلة الثانية: أن لا يشعروا بأيّ انزعاج أو حرج في نفوسهم تجاه أحكام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقضائه العادل التي هي ـ في الحقيقة ـ الأوامر الإلهية نفسها، ولا يسيئوا الظن بهذه الأحكام.
المرحلة الثالثة: أن يطبّقوا تلك الأحكام ـ في مرحلة تنفيذها ـ تطبيقاً كاملاً، ويسلّموا أمام الحقّ تسليماً مطلقاً، فالإنسان قد يسلّم في مقام النظر بالحكم الصادر من المولى أو رسوله، ولكنّه في مقام العمل لا يصدر منه أيّ شيءٍ.[34]
فقد يقبل الإنسان حكم الله ما دام موافقًا لهواه أو مصلحته، لكنّه إذا تعارض مع رغباته انقلب عليه، وهنا يظهر الخلل الحقيقي في الإيمان. وفي هذا المعنى يكشف الإمام الحسين عليه السلام حقيقة دقيقة حين يقول: “الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون”[35]، أي أنّ كثيرًا من الناس يتمسكون بالدين ما دام لا يكلّفهم تضحية، فإذا واجهوا الاختبار الحقيقي تراجعوا.
أما أنصار الإمام المهدي عليه السلام، فهم صنف آخر من الناس، بلغوا درجة عالية من المعرفة واليقين، حتى وصفهم أمير المؤمنين عليّ عليه السلام بقوله: “… رجال عرفوا الله حقّ معرفته، وهم أنصار المهدي آخر الزمان”[36]. والعارف الحقيقي لله هو من يتصف بالتسليم أي بقبول أمر الله وأمر أوليائه برضا واطمئنان، حتى لو لم يفهم الحكمة أو خالف ذلك رغباته.
وقد شددت الروايات على خطورة الاعتراض، حتى ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: “لَوْ أَنَّ قَوْماً عَبَدُوا الله وحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وأَقَامُوا الصَّلَاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ وحَجُّوا الْبَيْتَ وصَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَالُوا لِشَيْءٍ صَنَعَهُ الله أَوْ صَنَعَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أَلَّا صَنَعَ خِلَافَ الَّذِي صَنَعَ، أَوْ وجَدُوا ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ، لَكَانُوا بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمً﴾[37]، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام عَلَيْكُمْ بِالتَّسْلِيمِ”.[38]
ولهذا كان الأئمة عليهم السلام يربّون أصحابهم على هذا المعنى عمليًا، لا بالكلام فقط. فقد روى مأمون الرقي قال: “كنت عند سيدي الصادق عليه السلام، إذ دخل سهل بن حسن الخراساني، فسلّم عليه، ثمّ جلس فقال له: يا ابن رسول الله، لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حقٌّ تقعد عنه، وأنت تجد من شيعتك مئة ألف يضربون بين يديك بالسيف؟ فقال له عليه السلام: اجلس يا خراساني، رعى الله حقك! ثمّ قال: يا حنفية اسجري التنّور، فسجرته حتى صار كالجمرة وابيضّ علوه، ثمّ قال: يا خراساني، قم فاجلس في التنّور!. فقال الخراساني: يا سيدي، يا ابن رسول الله، لا تعذّبني بالنار، أقلني أقالك الله. قال عليه السلام: قد أقلتك. فبينما نحن كذلك، إذ أقبل هارون المكيّ، ونعله في سبابته، فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال له الصادق عليه السلام: ألق النعل من يدك. واجلس في التنّور قال: فألقى النعل من سبابته، ثمّ جلس في التنّور. وأقبل الإمام عليه السلام يحدّث الخراساني حديث خراسان حتى كأنّه شاهدٌ لها، ثمّ قال: قم يا خراساني، وانظر ما في التنّور. قال: فقمت إليه فرأيته متربّعاً، فخرج إلينا وسلّم علينا. فقال له الإمام عليه السلام: “كم تجد بخراسان مثل هذا؟” فقلت: والله، ولا واحداً! فقال عليه السلام: لا والله ولا واحداً، أما إنّا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت”.[39]
ومن هنا يتضح أن الأنصار الذين ينتظرهم الإمام ليسوا مجرد محبين أو متمنين، بل هم رجال بلغوا درجة عالية من الإيمان والطاعة والتسليم، يقدّمون أمر الإمام على أنفسهم، ويثبتون في الشدائد، ولا يتراجعون أمام التضحيات، وهؤلاء نادرون لم يكتمل عددهم.
السبب الثالث للغيبة: الامتحان والاختبار
من السنن الثابتة في منهج الله تعالى أنه لا يترك الإنسان يدّعي الإيمان دون أن يُختبر، لأنّ الإيمان الحقيقي لا يظهر بالكلام، بل يُكشف في مواقف الشدة والغياب والانتظار. قال تعالى:﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾[40]، فهذه الآية تضع قاعدة واضحة: لا بد من الامتحان ليُعرف الصادق في إيمانه من المدّعي.
ولكن ينبغي علينا ان نعلم أنّ الإيمان الحقيقي لا يُبنى على إدراك الحواس ولا بما تراه العيون، بل على يقين راسخ في القلب بالغيب الذي أخبرنا به الله والرسول وآله عليهم السلام، وهذا ما أشار إليه تعالى بقوله:﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾[41]، فكانت أول سمة للمؤمن هي إيمانه بالغيب أي تصديقه بما لا يُرى.
ومن أعظم الحقائق الغيبية الجنة والنار، فلو كانتا ظاهرتين للناس يرونهما بأعينهم، لما بقي مجال للاختيار، ولاندفع الجميع نحو الطاعة بدافع الخوف أو الطمع، لا بدافع الإيمان الصادق. عندها يزول التمييز بين من يعبد الله عن قناعة، ومن يعبده اضطرارًا.
لكن الله أخفى الجنة والنار، ليكون العمل لأجله قائمًا على الإيمان به، وحب طاعته، والخوف من عقابه، والرجاء في رحمته. وهنا يظهر المؤمن الحقيقي، الذي يثبت رغم أنه لا يرى الجزاء، ويُكشف المتردد الذي لا يتحرك إلا إذا شاهد النتيجة.
وهذا المعنى بعينه يتجلى في غيبة الإمام المهدي عليه السلام، إذ جعل الله حجته غائبًا عن الأنظار، ليكون الارتباط به قائمًا على الإيمان العميق، لا على المشاهدة. فليس كل من يدّعي الانتظار يكون صادقًا، بل المنتظر الحقيقي هو الذي يثبت على نهج الإمام، ويتمسك بدينه، ويزداد يقينًا رغم طول الغيبة وكثرة الفتن.
وقد بيّن أهل البيت عليهم السلام أن هذه الغيبة ليست إلا غربالًا دقيقًا، تُصفّى فيه القلوب، ويتميّز فيه الناس، كما قال الإمام الباقر عليه السلام: «والله لتميزن، والله لتمحصن، والله لتغربلن كما يُغربل الزؤان[42] من القمح».[43]
فليس الامتحان في القول، بل في الثبات عند الغياب، وليس في الادعاء، بل في الاستمرار رغم طول الطريق.
ولهذا قال عليه السلام أيضًا: «يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان»[44]، فالسعادة الحقيقية ليست في مجرد المعرفة، بل في الثبات عليها عند الامتحان.
وعليه، فإن الغيبة ليست فراغًا، بل ميدان امتحان عظيم، يُكشف فيه معدن الإنسان؛ فمنهم من يزداد إيمانًا وثباتًا، ومنهم من يتراجع ويتزلزل. وهكذا يُصنع في زمن الغيبة الأنصار الحقيقيون، الذين يؤمنون بالإمام إيمانًا حيًا، ويثبتون على طريقه رغم غيابه، فيكونون أهلًا لنصرته عند ظهوره عليه السلام.
السبب الرابع للغيبة: لئلا تكون في عنقه بيعةٌ لظالم
من الحقائق المهمة التي تكشف جانبًا من حكمة الغيبة أن الإمام المهدي عليه السلام لا يمكن أن يخضع لسلطان ظالم، ولا أن يكون مرتبطًا بأي بيعة لطاغية، لأن البيعة تعني في حقيقتها نوعًا من الإقرار والالتزام بالطاعة والنصرة، وهذا لا ينسجم مع مقام الإمام الذي هو حجة الله وخليفته في الأرض.
وقد بيّنت روايات أهل البيت عليهم السلام هذا المعنى بوضوح، فعن الإمام الصادق عليه السلام: «يقوم القائم وليس لأحد في عنقه بيعة».[45]
ورُوي لمّا صالح الحسن بن علي عليهما السلام معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس، فلامه بعضهم على بيعته، فقال عليه السلام: «ويحكم، ما تدرون ما عملت، والله، الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أنني إمامكم مفترض الطاعة عليكم وأحد سيّدي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله صلّى الله عليه وآله عليَّ»؟ قالوا: بلى، قال: «أما علمتم أن الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام، كان ذلك سخطًا لموسى بن عمران إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً؟ أما علمتم أنه ما منّا أحد إلّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلّا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم عليه السلام خلفه، فإن الله عزَّ وجلَّ يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير».[46]
في هذه الرواية يريد الإمام أن يرسّخ قاعدة وهي: إنّ قرارات الأئمة عليهم السلام ليست عشوائية، بل مبنية على حكمة إلهية، حتى لو خفيت علينا… أنتم اعترضتم على صلحي مع معاوية لأنكم لا ترون الحكمة الكاملة تمامًا كما اعترض موسى على الخضر لكن الحقيقة أن هذا الصلح فيه مصلحة عظيمة وحكمة إلهية بعيدة المدى.
سؤال: قد يُتوهم من هذه العبارة «ما منّا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه» أن الأئمة عليهم السلام بايعوا الظالمين بيعة حقيقية؟!
الجواب: هذا غير صحيح، بل المقصود يُفهم من خلال عدة وجوه:
1.قد يُراد بالبيعة عدم المواجهة العسكرية المباشرة، أي أن الإمام لا يدخل في صدام مسلح مع الحاكم لعدم توفر الظروف المناسبة، لا اعترافًا بشرعيته.
2.قد يُراد بها الاعتراف الظاهري فقط، تحت ضغط الواقع، دون قبول حقيقي بشرعية الظالم، بل من باب التقية ودفع الضرر.
3.قد يُراد بها المعاهدة أو الصلح، كما حصل في سيرة النبي صلى الله عليه وآله، أو في صلح الإمام الحسن عليه السلام، وكان الهدف حفظ الدين لا إقرار الظلم.
وعليه، فهذه “البيعة” ليست بيعة اختيار ورضا، بل تعامل حكيم مع واقع مفروض، بخلاف الإمام المهدي عليه السلام الذي يظهر دون أي ارتباط بسلطة ظالمة.
رُوي عن الإمام السجاد عليه السلام أنه قال: «القائم منّا، تخفى ولادته على الناس حتى يقولوا: لم يولد بعد، ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة».[47]
وهذه النصوص تؤكد أن الإمام المهدي عليه السلام يظهر حرًا مستقلًا، لا يرتبط بأي نظام ظالم، ولا يُحسب على أي سلطة منحرفة.
ولفهم هذه الفكرة بشكل أوضح، يمكن أن ننظر إلى واقع الأئمة السابقين عليهم السلام، حيث كانوا يعيشون تحت حكم دول ظالمة كالأمويين والعباسيين، ولم تكن الظروف مهيأة دائمًا للمواجهة العلنية، فكانوا يتعاملون مع الواقع بحكمة، إما بصبر أو هدنة أو تجنب للصدام، كما فعل الإمام الحسن عليه السلام حين صالح معاوية حفظًا للدين والدماء.
أما الإمام المهدي عليه السلام، فله دور مختلف تمامًا، فهو المكلّف بإسقاط جميع أنظمة الظلم وإقامة دولة العدل الإلهي، ولذلك لا يمكن أن يبدأ مشروعه وهو مرتبط بأي بيعة سابقة، لأن ذلك يقيّد حركته ويُفقد نهضته مشروعيتها الكاملة. ومن هنا اقتضت الحكمة الإلهية أن يُغيب، حتى لا يُجبر على بيعة ظاهرية أو يدخل تحت سلطة طاغية.
السبب الخامس للغيبة: أنّ الغيبة سر من أسرار الله تعالى
إنّ غيبة الإمام المهدي عليه السلام ليست من القضايا التي تُدرك جميع أسرارها بالعقل المحدود، بل هي من شؤون الغيب التي أمر الله تعالى بالإيمان بها، وإن خفيت علينا تفاصيل حكمتها. فهي سرٌّ إلهيٌّ مستور، جرت فيه السنن الربّانية على نحوٍ لا تنكشف حقيقته الكاملة في زمن الغيبة.
وقد دلّت الروايات المعتبرة على أنّ وجه الحكمة في هذه الغيبة ليس ممّا أُذن للناس بالإحاطة به، بل سيظهر انكشافه التامّ حين يأذن الله تعالى بظهوره عليه السلام، فتتجلّى آنذاك حقائق كانت خفيّة، وتتّضح أسرار لم يكن للعقول أن تدركها قبل ذلك. نذكر منها ما رواه الشيخ الصدوق عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال:
سمعت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل»، فقلت: ولمَ جعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم»؟ قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره، إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلى وقت افتراقهما.
يا بن الفضل: إن هذا الأمر أمر من (أمر) الله تعالى وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنه عزَّ وجلَّ حكيم صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف».[48]
إنّ الأئمّة عليهم السلام عندما وصفوا غيبة الإمام المهدي عليه السلام بأنّها “سرٌّ من أسرار الله”، لا يقصدون أنّها أمر غامض بلا معنى، بل يقصدون أنّ لها حكم كثيرة منها ما تدركه عقولنا كالتي ذُكرت، ومنها ما لا تدركه عقولنا الآن، كما أنّ الطالب في المراحل الأولى لا يستطيع فهم المسائل المعقّدة في الرياضيات أو علوم الفلك.
ويمكن أن نقرّب فهم غيبة الإمام المهدي عليه السلام بمثالٍ واضح: كما أنّ الله تعالى قادر على أن يجعل حياة الإنسان كلّها راحة بلا تعب، ومع ذلك لم يفعل، لأنّ الإنسان ينمو ويتكامل من خلال السعي والتعب، لا من خلال الراحة الدائمة.
وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله:﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾[49].
وكذلك الأمر في غيبة الإمام عليه السلام، فهي جزء من هذا النظام الإلهي، إذ يُمتحن الناس، ويُربّون، ويُهيّأون، حتى يأتي الوقت الذي يكون فيه العالم مستعدًّا لظهوره، فيقيم دولة العدل الإلهي، ويزول الظلم تمامًا.[50]
السبب السادس للغيبة: تأديب الأمة لترك الطاعة وعدم نصرة الحق
من سنن الله تعالى في تربية المجتمعات أنّ النعمة إذا لم تُصن، ولم يُدافع عنها، ولم يُقَم بحقّها، فإنّها قد تُسلب تأديبًا وتنبيهًا، لا ظلمًا ولا حرمانًا عبثيًّا، بل ليعود الناس إلى رشدهم ويُدركوا قيمة ما أُعطوه.
فقد وردَ في المأثورِ عن الإمامِ أبي الحسنِ عليِّ بنِ موسى الرضا عليه السلام أنَّه قال وهو يُوصي أحدَ شيعتِه: “يا عليُّ أحسِنوا جوارَ النِعَمِ فإنَّها وحشيَّةٌ، ما نأتْ عن قومٍ فعادتْ إليهم”.[51]
ولا شكّ أنّ من أعظم النِّعَم التي تفضّل الله تعالى بها على الإنسان نعمة وجود الإمام المعصوم، فهو دليل الهداية، وأمان الأرض، وباب النجاة. غير أنّ هذه النعمة الجليلة ليست مجرّد عطاءٍ يُمنح، بل أمانةٌ تحتاج إلى حفظٍ وشكرٍ عمليّ، وقد قصّر كثير من الناس في أداء حقّها. فإن لم تُصن هذه النعمة وتُؤدَّ حقوقها، سُلِبت آثارها وحُرم الناس بركاتها.
وقد حذّر أمير المؤمنين عليه السلام من ذلك، حين قال مستنكرًا: «ما بال أقوام غيَّروا سُنة رسول الله صلى الله عليه وآله وعدلوا عن وصيته؟ لا يتخوفون أن ينزل بهم العذاب» ثم تلا هذه الآية:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ﴾[52]، ثم قال: «نحن النعمة التي أنعم الله بها على عباده، وبنا يفوز من فاز يوم القيامة».[53]
ولا شكّ أنّ أعظم النِّعم هي وجود الإمام المعصوم، لكن النعمة الأتمّ التي تنتظرها البشرية هي ظهوره عليه السلام، لا مجرّد وجوده، فهو موجود أصلًا.
غير أنّ هذه النعمة لم تتحقّق؛ لأنّ الأمّة لم تشكرها، بل قصّرت وتجاوزت، ولذا غُيب الإمام وحُرمت الأمة من ظهوره المبارك، كما تُسلب النعم عند كفرانها.
وقد أشارت النصوص الشرعية لهذا المعنى، منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «واعلموا أن الأرض لا تخلو من حجة لله (عزَّ وجلَّ)، ولكن الله سيعمي خلقه عنها بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم، ولو خلت الأرض ساعة واحدة من حجة لله لساخت بأهلها، ولكن الحجة يعرف الناس ولا يعرفونه، كما كان يوسف يعرف الناس وهم له منكرون»، ثم تلا:﴿ يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ ﴾[54]».[55]
إذن المشكلة لم تكن في وجود الإمام، بل في موقف الأمّة نفسها. فقد منح الله الناس أئمّة هداة، لكنّهم لم يحفظوا حقّهم، بل تعرّضوا للقتل والظلم، وسكتت الأمّة عن ذلك، بل داهن كثيرٌ منهم أهل المعاصي والانحراف، فلم يُنكروا الظلم، ولم يقفوا موقفًا صادقًا في نصرة الحقّ.
لهذا حذّر الله تعالى بقوله:﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾[56]، أي أنّ البلاء لا يقتصر على الظالم وحده، بل يعمّ المجتمع إذا سكت عن الظلم ورضي به. رُوي عن الإمام أبي جعفر عليه السلام أوحى الله إلى شعيب النبيّ عليه السلام: “إنّي معذّب من قومك مئة ألف: أربعين الفاً من شرارهم وستّين ألفاً من خيارهم. فقال: يا ربّ هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: داهنوا أهل المعاصي، ولم يغضبوا لغضبي”.[57]
ولتقريب الفكرة: تخيّل مجتمعًا يعيش في ظلام، فأعطاهم قائدٌ رحيم مصباحًا يضيء لهم الطريق. لكن في هذا المجتمع لم يكن الجميع صالحين؛ كان فيهم أطفال يعبثون، ومنحرفون يعتدون، يكسّرون المصباح ويؤذون من حولهم. وكان بإمكان بقية الناس أن يمنعوا هذا العبث، وأن يحافظوا على النور، لكنّهم سكتوا، وخافوا، وداهنوا، ولم يتحرّكوا.
فكُسر المصباح الأوّل. ثم أُعطي لهم مصباحٌ آخر، فوقع له الشيء نفسه، لأنّ المشكلة لم تُعالج، وبقي السكوت والتهاون.
وتكرّر الأمر مرارًا، حتى أدرك القائد أنّ الخلل ليس في النور، بل في الناس الذين لم يحسنوا حفظه، ولم يواجهوا الفساد.
فأخفى آخر مصباح، لا بخلًا، بل رحمةً، حتى يتغيّر المجتمع، ويتعلّم كيف يحمي النور ويقف بوجه من يعتدي عليه.
وهكذا كان حال الأئمّة عليهم السلام، فقد كانوا نور الهداية، لكنّ الأمّة لم تحمهم، بل سكتت عن ظلمهم، وداهنت أهل الباطل، فكانت غيبة الإمام المهدي عليه السلام حفظًا له، وتأديبًا للأمّة، حتى تبلغ مرحلةً ترفض فيها الظلم، وتنصر الحقّ بصدق، فتكون مستحقّة لظهوره المبارك.[58]
السبب الثامن للغيبة: إتمام الحجة بأن تكون دولة أهل البيت آخر الدول
من سنن الله تعالى أن يترك للإنسان حرية الاختيار، ليجرب بنفسه المناهج التي يظنّ أنها تحقق له السعادة. ولهذا ظهرت عبر التاريخ مذاهب وأنظمة متعدّدة، كالرأسمالية، والليبرالية، والشيوعية، والاشتراكية، والعلمانية، وغيرها، وكلّها رفعت شعارات العدل والرفاه، لكنّ الواقع كشف عجزها عن إنقاذ الإنسان من الظلم والاضطراب.
وقد أشارت روايات أهل البيت عليهم السلام إلى أنّ دولة الحقّ لا تقوم إلا بعد أن تُمنح الفرصة لجميع هذه الاتجاهات، حتى لا يبقى لأحد حجّة يقول فيها: “لو تولّينا الحكم لحققنا العدل”. فعندئذٍ، وبعد أن تتكشّف محدودية التجارب البشرية وفشلها في إنقاذ الإنسان من الظلم والاضطراب، تصبح النفوس مهيّأة لتقبّل المشروع الإلهي.
فقد روى الشيخ الطوسي عن أبي جعفر عليه السلام قال: «دولتنا آخر الدول، ولن يبق أهل بيت لهم دولة إلّا ملكوا قبلنا، لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عزَّ وجلَّ:﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين ﴾[59]».[60]
ورُوي أيضًا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «ما يكون هذا الأمر حتّى لا يبقى صنف من الناس إلّا وقد ولوا على الناس حتّى لا يقول قائل: إنّا لو ولّينا لعدلنا، ثم يقوم القائم بالحق والعدل».[61]
ومن هنا كان تأخّر ظهور الإمام المهدي عليه السلام جزءًا من هذه الحكمة، إذ لا يظهر إلا بعد أن تصل البشرية إلى قناعة حقيقية بأنّ الحلّ ليس في أفكارها القاصرة، بل في منهج الله الكامل، فتستقبل دولته بالوعي والاستعداد، لا بالرفض والتجربة من جديد.
السبب التاسع للغيبة: عدم تهيّؤ الأرض والإنسان معًا لاستقبال دولته
إنّ دولة الإمام المهدي عليه السلام ليست تجربة محدودة أو إصلاحًا جزئيًا، بل هي مشروع عالمي لإقامة العدل الإلهي في الأرض كلّها. وهذا المشروع العظيم لا يمكن أن يقوم فجأة دون مقدّمات، بل يحتاج إلى تهيئة مزدوجة: (تهيئة في الواقع المادي، وتهيئة في الإنسان نفسه).
فمن جهة الواقع، لكي يقيم الإمام المهدي عليه السلام دولة العدل في العالم كلّه، لا بدّ من توفّر وسائل اتصال سريعة ومباشرة تمكّنه من إدارة شؤون الأرض بدقّة وفي وقتٍ قياسي. وهذا الأمر لم يكن ممكنًا قبل زمنٍ قريب، إذ لو أراد أحد ولاته في أقصى الأرض مراسلته بالوسائل القديمة كالجمال، لاستغرقت الرسالة أشهرًا، وربما تفاقمت المشكلة قبل وصولها. لذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يتأخّر الظهور حتى تبلغ البشرية مستوى متقدّمًا من العلم والتقنية، فيستفيد منها الإمام في إدارة دولته وتحقيق العدل بأفضل صورة.
وقد أشارت الروايات إلى هذا المعنى، كقول الإمام الصادق عليه السلام: «إن قائمنا إذا قام مدّ الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لا يكون بينهم وبينه بريد[62]».[63]
وعنه أيضًا بشأن خروج الإمام المهدي عليه السلام قال: “لا تراه عين في وقت ظهوره إلا رأته كل عين، فمن قال لكم غير هذا فكذبوه”.[64]
وهذا التعبير يكشف عن مستوى متقدّم من وسائل الاتصال والإعلام، بحيث يصل حضوره إلى جميع الناس في آنٍ واحد، وهو ما نشاهد نظائره اليوم عبر القنوات الفضائية وشبكات الإنترنت ووسائل التواصل الحديثة.
لكن الأهم من ذلك كلّه هو تهيّؤ الإنسان. فالإمام لا يأتي ليُجبر الناس على الطاعة أو يغيّرهم قهرًا، لأنّ سنّة الله قائمة على الاختيار، كما قال تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾[65]. ولهذا فإنّ الإمام يقود أناسًا مستعدّين للحق، لا يصنعهم بالإجبار.
وقد بيّنت الروايات أنّ حكمه سيكون على مستوى عالٍ من العدل، فعن الصادق عليه السلام قال: «لا تذهب الدنيا حتى يخرج رجل مني يحكم بحكومة آل داوود ولا يسأل البينة، يعطي كل نفس حقها».[66]
وهذا النوع من العدل لا يتحمّله إلا من بلغ درجة من الإيمان والتسليم، وإلا اعترض عليه الناس كما اعترض بنو إسرائيل على أنبيائهم.
ومن هنا نفهم أنّ هذا النقص لا يُعالج بمجرد الظهور، ولا يتحوّل الناس فجأة إلى صالحين بمعجزة؛ لأنّ المعجزة ليست منهجًا دائمًا لإدارة الحياة، بل تجري الأمور وفق السنن الطبيعية. ولو كان الإصلاح يتحقّق بالظهور وحده، لكان الأنبياء أولى بذلك، ومع ذلك قوبلوا بالرفض والخذلان.
لذلك لم يكن تأخّر الظهور بسبب غياب الإمام، بل بسبب عدم وجود القاعدة المؤهّلة. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام للخرساني: «ما نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا»[67]، فكيف بدولة عالمية تحتاج إلى أنصار واعين، مطيعين، مستعدين للتضحية؟
إذن، الظهور ليس بداية التهيئة، بل نتيجتها. فالغيبة في حقيقتها انتظارٌ لنضوج الأرض والإنسان معًا، حتى إذا تكاملت الوسائل، وتهيّأت النفوس، تحقق الشرط الإلهي، وظهر الإمام ليقيم دولة العدل على أساسٍ راسخ لا ينهار.[68]
هذه بعض الأسباب التي عُلّلت بها غيبة الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف، وأكبر الظن أن الله تعالى قد أخفى ظهور وليّه المصلح العظيم لأسباب أخرى لا نعلمها إلا بعد ظهوره.
وانطلاقًا من ذلك، وبعد أن تبيّن لنا أن الغيبة ليست غيابًا بلا هدف، بل هي جزء من تدبير إلهي عميق، فإن ذلك يضع على عاتقنا تكاليفًا واضحة تم ذكر تفاصيلها في محاضرة سابقة[69]؛ وهي أن نكون من المنتظرين الصادقين، لا بالاكتفاء بالقول، بل بالطاعة والالتزام، والاستعداد لنصرته في غيبته وظهوره.
ويتحقق هذا الانتظار الواعي بإحياء أمره عليه السلام، من خلال معرفته حق المعرفة، وكثرة ذكره، والدعاء له، والتصدّق عنه، وإهداء الأعمال الصالحة إليه، والعمل نيابةً عنه، ونشر قضيته، وإحياء الشعائر المهدوية بالكلمة الصادقة والموقف الواعي والقصائد التي تحيي الشوق في القلوب.
رحم الله الشاعر السيد رضا الهندي حينما قال:
| الدَّهْرُ جَارَ وَعَنَّا الْعَدْلُ قَدْ ظَعَنَا | وَكَمْ أرَتْنَا اللَّيَالِي دُونَكَ المِحَنَا | |
| تَاقَتْ إلَى صُبْحِكَ المَيْمُونِ أنْفُسُنَا | يَا صَاحِبَ العَصْرِ أدْرِكْنَا فَلَيْسَ لَنَا | |
| وِرْدٌ هَنِيءٌ وَلاَ عَيْشٌ لَنَا رَغَدُ | ||
| * * * | ||
| لَمْ يَبْقَ دُونَكَ يَامَوْلَايَ أيُّ أمَلْ | يُرْجَى لِصَبٍّ فَعُودُ الصَّبْرِ مِنْهُ نَحَلْ | |
| نُمْسِي وَنُصْبِحُ وَالْقَلْبُ اعْتَرَاهُ وَجَلْ | طَالَتْ عَلَيْنَا لَيَالِي الإنْتِظَارِ فَهَلْ | |
| يَا بْنَ الزَّكِيِّ لِلَيلِ الإنْتِظَارِ غَدُ | ||
| * * * | ||
| كَمْ غَابَ نَجْمٌ وَكَمْ بَدْرٌ لَكُمْ أفَلَا | وَكَمْ أسِيرٍ وَكَمْ قَرْمٍ لَكُمْ قُتِلَا | |
| أنْتَ الرَّجَاءُ وَلَا نَبْغِي بِكَ الْبَدَلَا | فَاكْحَلْ بَطَلْعَتِكَ الغَرَّا لَنَا مُقَلا | |
| يَكَادُ يأتي على إنسانِها الرَّمَدُ | ||
| * * * | ||
[1] كمال الدين وتمام النعمة-الشيخ الصدوق-ص٤٨١-٤٨٢.
[2] التوبة/33.
[3] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري-ج ٤ -ص٤٦٤ -٥٥۷.
[4] ينابيع المودة-القندوزي-ج 3 -ص 296.
[5] «ألبّاء» هو جمع لبيب، ومعناه: العقلاء الفُطَناء أصحاب اللبّ (العقل).
[6] الأسباط هم: ذرية الأنبياء أو جماعات من نسل يعقوب عليه السلام.
[7] يوسف/٩٠.
[8] الغيبة-النعماني-ص ١٦٧.
[9] الكافي-الشيخ الكليني-ج١-ص٣٣٣.
[10] الكافي-الكليني-ج 1 -ص 440 -ح 30.
[11][11] راجع: موسوعة الإمام المهدي (ع) — تاريخ الغيبة الكبرى — الفصل السابع-بتصرف.
[12] البحار-المجلسي-ج52 -ص93 -ح 8.
[13] راجع: زاد المبلغات-مياسة شبع-ج7-المحاضرة المعنونة بــ: الفائدة من غيبة الإمام المهدي عج”.
[14] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ١ -ص ١١٨.
[15] النساء/165.
[16] الاحتجاج -الشيخ الطبرسي -ج ٢-ص ٢٨٣.
[17] الاحتجاج -الشيخ الطبرسي -ج ٢ -ص ٣٢٣.
[18] التوبة/105.
[19] الاحتجاج –الشيخ الطبرسي-ج2-ص323.
[20] بصائر الدرجات -محمد بن الحسن الصفار -ص ٣٥١.
[21] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٢ -ص ٦.
[22] النازعات/5.
[23] الغيبة -محمد بن إبراهيم النعماني -ج ١ -ص ٢١٢.
[24] النور/ 55.
[25] كمال الدين وتمام النعمة-الشيخ الصدوق-ص٤٨١-٤٨٢.
[26] أغلب الأسباب مضمونها مأخوذ المصدر التالي: المكتبة المهدوية/ m-mahdi.net/ البحوث والمقالات/ أسباب غَيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) -بقلم: الشيخ علي الفياض-بتصرف.
والمصادر الأخرى سنشير إليها في الأسباب.
[27] البقرة/ 49.
[28] الغيبة-الشيخ الطوسي-ص ٣٣٢.
[29] كمال الدين وتمام النعمة-الشيخ الصدوق-ص٣٦١.
[30] الشعراء/ 21.
[31] القصص/21.
[32] فقه علائم الظهور-الشيخ محمد السند-ص59.
[33] النساء/65.
[34] وزدناهم هدى-إعداد مركز نون للتأليف والترجمة-ص44.
[35] بحار الأنوار-الشيخ محمد باقر المجلسي -ج 44 -ص 382.
[36] كنز العمال-المتقي الهندي-ج14-ص591.
[37] النساء/65.
[38] الشيخ الكليني-الكافي-ج1-ص390.
[39] بحار الأنوار-المجلسي-ج47-ص123.
[40] العنكبوت/2.
[41] البقرة/2.
[42] الزؤان: ما ينبت غالباً بين الحنطة.
[43] الغيبة-النعماني-ص ٢١٣.
[44] بحار الأنوار-المجلسي-ج52 ص 145.
[45] الإمامة والتبصرة- بن بابويه القمي-ص ١١٦.
[46] كمال الدين تمام النعمة-الشيخ الصدوق-ص ٣١٦.
[47] م.ن-ص٣٢٢.
[48] م.ن-ص٤٨١-٤٨٢.
[49] الشورى/27.
[50] شمس خلف السحاب-الشيخ الكوراني-ص30-بتصرف.
[51] تحف العقول عن آل الرسول (ص) -ابن شعبة الحراني-ص 448.
[52] إبراهيم/ ٢٨.
[53] الكافي-الشيخ الكليني-ج ١-ص٢١٧.
[54] يس/٣٠.
[55] الغيبة-الشيخ النعماني-ص١٤٤.
[56] الأنفال/25.
[57] وسائل الشيعة-الحرّ العاملي-ج 16-ص 146.
[58] نُسب مضمون مثال «المصابيح» إلى السيد الخوئي رحمه الله، وقيل إنه نُقل عن الشيخ محسن قراءتي حفظه الله.
[59] الأعراف/ ١٢٨.
[60] الغيبة-الشيخ الطوسي-ص٤٧٢.
[61] الغيبة-النعماني-ج١-ص٢٨٠-رقم الحديث٥٣.
[62] بريد: أي رسول يكلمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه.
[63] بحار الأنوار-المجلسي-ج52-ص336.
[64] مختصر بصائر الدرجات-ص181.
[65] الرعد/11.
[66] بحار الأنوار-المجلسي-ج52-ص339.
[67] مناقب آل أبي طالب-ابن شهراشوب-ج3-ص363.
[68] شمس خلف السحاب-ماهر آل شبر-ص53-67-بتصرف.
[69] راجع: زاد المبلغات-مياسة شبع-ج12-المحاضرة المعنونة بــ: “دور المكلفين في التمهيد للظهور”.
