الحِجابُ وَكَرَامَةُ الْمَرْأَةِ

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

الحِجابُ وَكَرَامَةُ الْمَرْأَةِ

تأليف: مياسة شبع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

[إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ‌]. [1]

المبحث الأول: الكرامة في ميزان الإسلام

موضوع الكرامة من الموضوعات العميقة التي يحتاجها كل إنسان، ولا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه وسائل الإغراء، وتنوعت فيه صور امتهان النفس، حتى صار الإنسان أحيانًا يسيء إلى نفسه بيده، ويحسب أنه يحسن صنعًا. فالحديث عن الكرامة ليس ترفًا فكريًا، ولا بحثًا نظريًا مجردًا، بل هو حديث عن أصل من أصول بناء الشخصية المؤمنة، وعن الحصن الداخلي الذي إذا ضعف، سهل على الإنسان أن يبيع نفسه بأبخس الأثمان.

ولو تأملنا واقع الناس اليوم، لرأينا أن كثيرًا من صور السقوط ترجع في حقيقتها إلى ضعف الإحساس بالكرامة. فهناك من يذل نفسه من أجل مال، وهناك من يذل نفسه من أجل منصب، وهناك من يذل نفسه من أجل لذة عابرة، وهناك من يذل نفسه من أجل إعجاب الناس، أو ثناء المتابعين، أو شهرة زائفة لا تبقى له إلا الحسرة بعد انقضائها. وكأن المشكلة الكبرى عند بعض الناس أنهم لم يعرفوا حقيقة أنفسهم، ولم يدركوا قدرها عند الله، فهان عليهم أن يعرضوها للإهانة، أو يضعوها في مواضع الاستخفاف.

ولقد كشفت وسائل التواصل الاجتماعي في هذا العصر عن صور كثيرة من امتهان النفس، حتى صار بعض الناس يرضى أن يُضحك العالم كله عليه في مقابل دقائق من الشهرة، أو أرقام من المتابعات، أو كلمات من الإعجاب. فنرى من يتعمد الكلام الساقط، أو الحركات التافهة، أو المواقف المذلة، أو عرض نفسه بصورة تثير السخرية أو الشهوة أو الاستخفاف. وكل هذا ليس حرية حقيقية، ولا شجاعة، ولا نجاحًا، بل هو في حقيقته ضعف في معرفة الإنسان بكرامة نفسه.

وهكذا الحال في باب المرأة أيضًا، فإن من أخطر ما أصاب كثيرًا من النساء في هذا الزمان أن بعضهن صِرن يُربَّيْن على أن قيمة المرأة تقاس بمدى جاذبيتها، أو بمقدار ما تكشفه من مفاتنها، أو بعدد من يلتفت إليها، أو بمقدار ما تناله من عبارات الإعجاب. وهنا تبدأ الكرامة بالانهيار شيئًا فشيئًا، لأن المرأة في هذه الحال لا تعود تبحث عن قيمتها في عقلها، ولا في إيمانها، ولا في طهارتها، ولا في أخلاقها، بل تبحث عنها في خارجها، وفي ردود أفعال الآخرين عليها. وهذه خسارة عظيمة.

السؤال الذي ينبغي طرحه في هذا المبحث هو:

ما معنى الكرامة في المنظور الإسلامي؟ وما معيارها الحقيقي؟

الجواب:

الكرامة في أصل معناها هي (امتلاك الإنسان -بما هو إنسان-للشرف والعِزَّة والتوقير).[2] فالإنسان ليس كائنًا مهملًا في هذا الوجود، ولا مخلوقًا رخيصًا يجوز له أن يستهين بنفسه، بل هو مخلوق كرّمه الله ورفعه، ومنحه من الخصائص ما يجعله جديرًا بالتوقير والاحترام. قال تعالى:﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[3]، وهذا التكريم يشمل الرجل والمرأة معًا، لأنهما يشتركان في أصل الإنسانية، ويشتركان في أصل هذا التشريف الإلهي. وليس في القرآن ما يدل على أن المرأة أقل إنسانية من الرجل، أو أقل أهلية للكرامة منه، بل الميزان الذي تُقاس به كرامة الإنسان، أو الأساس الذي يُحدَّد من خلاله مقدار الشيء وقيمته هو (التقوى) لقوله تعالى:﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[4].

أي أن هذه الكرامة تزداد أو تضعف بحسب قرب الإنسان من الله أو بعده عنه. فالإنسان مكرّم في أصل خلقته، لكن كمال كرامته يكون بالتقوى، أي بالملكة المانعة من ارتكاب المعاصي… بطاعة الله وترك المعاصي، ولذا فللمؤمن المتقي الأولوية في حفظ كرامته والاتصاف بالعزة والرفعة والشرف، قال تعالى: [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]. [5]

ولذلك لم يجعل الإسلام معيار الكرامة الجمال أو المال أو الشهرة أو السلطة أو الحسب والنسب، بل التقوى.    رُوي  عن أمير المؤمنين عليه السلام: “لا كرم كالتقوى”. [6]

فالإنسان الذي يكون عبدًا لشهواته ولهواه ولشيطانه وللنفس الأمّارة بالسوء لا كرامة له، قَالَ أمير المؤمنين عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: “مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهَوَاتُهُ”. [7]

وقد عبّر أمير المؤمنين عليه السلام عن قيمة النفس بقوله: «إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها»[8]، أي أن من عرف قدر نفسه لم يرضَ أن يذلها بمعصية أو شهوة أو طلب إعجاب الناس.

ولتقريب المعنى، لو أن إنسانًا كان يحمل في يده جوهرة ثمينة جدًا، وفي يده الأخرى شيئًا لا قيمة له، ثم دخل مكانًا مزدحمًا، فهل سيتعامل معهما بالدرجة نفسها من الحرص؟ بالطبع لا. بل سيتعلق قلبه بالجوهرة، ويشتد حرصه عليها، لأنه يعرف قيمتها. أما الشيء التافه، فإنه لا يحمله الهم نفسه تجاهه. وكذلك النفس الإنسانية، فمن عرف قيمتها، لم يرض أن يلقي بها في مواطن الهوان، ولم يسمح للشهوة أن تقوده، ولم يبع نفسه بلذة عابرة أو إعجاب زائف.

ولهذا قال عليه السلام: “مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهَوَاتُهُ”. [9]لأن من أدرك قيمة نفسه لم تستعبده المغريات.

وعليه، فالكـرامة وعيٌ بقيمة النفس يدفع الإنسان إلى حفظها من الابتذال، وعدم التفريط بها في سبيل أي هوى، وهذا هو الأساس لفهم علاقة الحجاب بكرامة المرأة.

المبحث الثاني: الكرامة بين الظاهر والباطن

بعد أن اتضح لنا أن الكرامة الحقيقية في الإسلام مرتبطة بالتقوى، وأن التقوى ليست كلمة تقال باللسان، بل حالة عملية تظهر في سلوك الإنسان واختياراته، نصل إلى نتيجة مهمة، وهي أن الحجاب الشرعي للمرأة ليس أمرًا منفصلًا عن الكرامة، بل هو من أبرز مظاهرها العملية؛ لأنه يعكس طاعة المرأة لأمر الله تعالى.

فالحجاب واجب شرعي ثابت أكد عليه فقهاء المسلمين، بوجوب ستر المرأة بدنها عن الأجنبي عدا الوجه والكفّين بشروط. قال تعالى:﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [10]، وقال تعالى:﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ [11].

 أما التبرج والسفور فهما معصية محرّمة، بل من الكبائر لما فيهما من مخالفة صريحة للحكم الإلهي وإشاعة الفتنة في المجتمع.

وعليه، فإن المقصّرة في الحجاب لا تُعدّ متقية، لأن التقوى تعني الالتزام بأوامر الله وترك نواهيه. فالحجاب ليس مجرد مظهر خارجي، بل هو دليل على تقوى الباطن، والتفريط فيه يكشف خللًا في هذا الميزان.

فالإسلام لا يريد للمرأة أن تعيش عفيفة في قلبها فقط، ثم تُظهر أمام الأجانب ما يناقض هذه العفة في ظاهرها، بل يريد أن تكون العفة ظاهرة في باطنها وظاهرها، في نيتها ولباسها، في قلبها وسلوكها، في كلمتها ومشيتها وحضورها.

ولهذا لا ينبغي أن يُنظر إلى الحجاب على أنه مجرّد غطاء للرأس، أو زي اجتماعي، أو عادة موروثة، بل هو عنوان لطاعة الله، ومظهر من مظاهر احترام المرأة لنفسها، وإعلان واضح بأنها لا تقبل أن تكون موضع عبث، ولا ساحة لتقلب الشهوات، ولا وسيلة لإثارة انتباه الرجال الأجانب. والحجاب بهذا المعنى ليس شيئًا ثانويًا في حياة المرأة المؤمنة، بل هو جزء من شخصيتها الإيمانية، ووجه من وجوه صيانتها ورفعتها.

وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «من أُتحف العفّة والقناعة حالفه العزّ»[12]. وهذه الكلمة على اختصارها عظيمة المعنى؛ لأنها تربط العفة بالعز، والعز من أوضح معاني الكرامة. فالمرأة كلما ازدادت عفة، ازدادت عزًا وسموًا ورفعة، لأن العفة تحفظها من أن تُستدرج إلى ما يذلها، أو يُنقص من قدرها، أو يجعلها أسيرة لنظر الناس وكلماتهم. ومن هنا نفهم أن الحجاب، بصفته مظهرًا من مظاهر العفة، ليس تقييدًا للمرأة، بل تحالفًا مع عزتها.

وقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: ” إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا وَلَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِيلًا أَمَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ وَ (لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) فَالْمُؤْمِنُ يَكُونُ عَزِيزاً وَلَا يَكُونُ ذَلِيلًا ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَعَزُّ مِنَ الْجَبَلِ إِنَّ الْجَبَلَ يُسْتَقَلُّ مِنْهُ بِالْمَعَاوِلِ وَالْمُؤْمِنَ لَا يُسْتَقَلُّ مِنْ دِينِهِ شَيْ‏ءٌ “.[13]

رب تساؤل يرد من امرأة: ما علاقة الكرامة بستر جسد المرأة ومفاتنها عن الرجال الأجانب، فالكرامة كما ذكرتم هي (امتلاك الإنسان بما هو إنسان للشرف والعِزَّة والتوقير)، وهذا الأمر متحقق في نفسي وروحي، ولا علاقة له بجسدي؟

وللإجابة عن هذا التساؤل بصورة واضحة ومتكاملة، لا بد من بيان ذلك عبر مطالب متتابعة تُجلي المعنى وتدفع الإشكال. ونذكر منها الآتي:

المطلب الأول: شمول الكرامة للظاهر والباطن

الجواب الأول لمن يدّعي: أن الكرامة تقتصر على القلب والروح، وأنها تعني الشرف والعزة والتوقير في الداخل فقط، ولا علاقة لها بالجسد أو السلوك الظاهر!!

 إنّ هذا الفهم غير صحيح؛ لأن الكرامة تتعلق بالظاهر والباطن معًا، قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ..][14]، فهذه الآية جمعت بين الإيمان وهو عمل قلبي باطني، والعمل الصالح سلوك ظاهري، وهذا يدل بوضوح على أن الكمال في الإسلام لا يتحقق بأحدهما دون الآخر، بل لا بد من اجتماع صلاح الباطن مع صلاح الظاهر.

 و  رُوي  عن النبي صلى الله عليه وآله: «إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»[15]، فالحديث نفسه يبيّن أن الله ينظر إلى القلوب والأعمال معًا، لا إلى القلب فقط. وهذا يكشف أن الكرامة في الإسلام ليست باطنًا مجردًا، ولا مظهرًا شكليًا، بل هي حقيقة متكاملة تشمل الروح والجسد، والباطن والظاهر.

فالإنسان في الإسلام ليس روحًا وحدها، ولا جسدًا وحده، بل هو كيان واحد متكامل، فيه قلب وعقل، وروح وجسد، وسلوك ومظهر. ولا يمكن أن نفصل بين ما في الداخل وما يظهر في الخارج، لأن كل واحد منهما يؤثر في الآخر.

ولهذا شرع الله تعالى أحكامًا تتعلق بالقلب، فأمرنا بالإيمان والإخلاص وحب الله ونهانا عن الحسد وسوء الظن والرياء، وشرع أيضًا أحكامًا تتعلق بالجوارح، كالصلاة والصيام والحجاب، ونهانا عن السرقة والزنا والتبرج والسفور. لأن الظاهر ليس أمرًا ثانويًا، بل هو جزء من بناء الإنسان وصلاحه.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بوضوح في قوله تعالى:﴿ إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [16]، فالله سبحانه ربط بين الحجاب — وهو أمر ظاهري — وبين طهارة القلوب، مما يدل على أن السلوك الظاهري يؤثر مباشرة في صفاء الباطن.

ومن هنا نفهم أن حفظ الجسد وصيانته ليس أمرًا منفصلًا عن الكرامة، بل هو جزء منها؛ لأن الجسد أمانة من الله، وله حرمة، ولا يجوز أن يُجعل وسيلة لإثارة الشهوات أو جذب الأنظار أو العبث به.

فحين نقول إن الحجاب يحفظ كرامة المرأة، لا نعني أن المرأة جسد فقط، بل نعني أن جسدها جزء من كيانها، وأن صيانته من الابتذال هو في الحقيقة صيانة لكرامتها الإنسانية.

وعليه، فمن الخطأ أن يُقال: ما دام القلب طيبًا فلا يهم الظاهر؛ لأن هذا القول يفتح باب التناقض، إذ يلزم منه تبرير أفعال المنحرفين كالسارق والقاتل والمعتدي بحجة صفاء قلوبهم، وهذا ما لا يقبله عقل ولا شرع. فالإسلام لا يفصل بين الداخل والخارج، بل يربط بينهما ربطًا وثيقًا؛ فصلاح الظاهر دليل على صلاح الباطن، وفساده يؤثر فيه ويقوده إلى الانحراف.

المطلب الثاني: دفع الأذى أساس كرامة المرأة والحجاب وسيلته

الجواب الثاني لمن يدّعي: إن الكرامة أمر قلبي لا علاقة له بالجسد، فلا حاجة لستر الجسد بالحجاب!!

إن الكرامة لا تتحقق بمجرد الشعور الداخلي، بل من أهم مظاهرها أن يُصان الإنسان عن الأذى والابتذال. ومعلوم أن تعريض النفس للأذى ينافي الكرامة، وأن حفظها منه جزء أساسي من كمالها.

ومن هنا شرع الله تعالى الحجاب؛ لأنه وسيلة لحفظ المرأة من الأذى. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ[17]. والأذى ليس نوعًا واحدًا، بل أشكال متعددة نراها بوضوح في واقعنا، مثل: النظرات الجارحة التي تلاحق المرأة في الطريق، أو الكلمات غير اللائقة التي تُقال لها، أو التحرش الجسدي الذي تتعرض له، أو حتى أن تُعامل كجسد يُنظر إليه لا كإنسانة تُحترم.

ولو تأملنا قليلًا، نجد أن المرأة حين تُظهر زينتها أمام الناس، فإنها ـ ولو لم تقصد ـ تفتح بابًا لنظرات الطامعين وكلام العابثين. فترين مثلًا فتاة تمشي في الشارع، فيلتفت إليها كل من يمر، ويبدأ البعض بالتعليق أو المضايقة، فتشعر بالضيق وعدم الأمان. هذا لون من الأذى.

وفي مثال آخر، قد تُنشر صور امرأة متبرجة في وسائل التواصل، فتُصبح محلّ تعليقات الناس، بين إعجاب وسخرية وابتذال، فتتحول من إنسانة محترمة إلى مادة للنظر والتقييم. وهذا أيضًا أذى، لكنه أذىً لكرامتها قبل أي شيء آخر.

وهنا نؤكد أمرًا مهمًا: أن الخطأ لا يقع على المرأة، بل على من يعتدي أو ينظر أو يسيء، فهو المسؤول أمام الله. لكن الإسلام، وهو دينٌ حكيم، لا يكتفي بعلاج الخطأ بعد وقوعه، بل يضع وسائل وقاية تحمي الإنسان من الوقوع في الأذى، ومن أهم هذه الوسائل الحجاب.

فالحجاب ليس تبريرًا لخطأ الآخرين، بل هو حماية للمرأة من أن تُوضع في موضع الابتذال، ومن أن تُعامل كوسيلة إثارة. وهو في الحقيقة يحفظ لها هيبتها، ويجعل الناس ينظرون إليها باحترام، لا بشهوة.

ولو نظرنا إلى واقع الحياة، لوجدنا أن كثيرًا من النساء يعشن تحت ضغط كبير بسبب مظهرهن، فتسعى إحداهن لتكون الأجمل، وتخاف من النقد، وتفرح بالإعجاب، وتحزن إذا لم تُلاحظ، وكأن قيمتها مرتبطة بنظرات الناس. وهذا في حقيقته نوع من فقدان الكرامة، لأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون بيد الناس.

أما الحجاب، فإنه يحرر المرأة من هذا كله ومن هوس التجميل، ويعيد لها قيمتها الحقيقية، فلا تُقاس بجسدها، بل بعقلها ودينها وأخلاقها. ولهذا فإن المرأة حين تلتزم بالحجاب تقول بلسان حالها: أنا إنسانة مكرّمة، لا أحتاج أن أعرض نفسي لأثبت قيمتي.

فالحجاب إذن ليس قيدًا، بل حماية، وليس حرمانًا، بل كرامة، لأنه يصون المرأة من الأذى، ويحفظ لها احترامها، ويمنع أن تتحول إلى مادة للنظر أو وسيلة للابتذال.

المطلب الثالث: الحجاب حفظ لحرمة جسد المرأة

الجواب الثالث لمن يقول: ما علاقة الحجاب بكرامة المرأة، مع أن الكرامة أمر يتعلق بالقلب؟

إن هذا الفهم غير دقيق؛ لأن الإسلام لم يحصر الكرامة في الباطن فقط، بل جعل لها امتدادًا في الظاهر أيضًا. ومن هنا جعل لجسد المرأة حرمة عظيمة، فهو ليس أمرًا عاديًا، بل له مكانة من الاحترام والتقدير، فلا يُبتذل ولا يُتلاعب به، ولتحقيق ذلك فرض عليها الستر والحجاب.

فمن الناحية الشرعية، جسد المرأة ليس مباحًا لكل نظر أو لمس، بل هو مصون، لا يجوز للرجل الأجنبي أن يلمسه حتى بالمصافحة، ولا أن ينظر إلى مفاتنه بشهوة وريبة. وهذا يدل على أن هذا الجسد محفوظ ضمن حدود تحفظ كرامتها.

وقد بيّن الإسلام عظمة حرمة الإنسان، حيث رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: «المؤمن أعظم حرمة من الكعبة»[18]، وهذا يدل على أن للإنسان مكانة عالية تستوجب صيانته، والمرأة داخلة في هذا التكريم.

ولأجل تقريب هذا المعنى، فإن الإسلام أوجب احترام ما له قيمة، فحرّم لمس القرآن إلا بطهارة، وفرض شروطًا لدخول بعض الأماكن المقدسة، وهذا يدل على أن ما له شأن يُصان ويُحفظ. وكذلك جسد المرأة، فقد جعله الله موضع احترام، فلا يُترك للعبث أو الابتذال، مع الالتفات إلى أن هذا من باب التقريب لا المساواة.

ولهذا لم يترك الإسلام العلاقة بين الرجل والمرأة بلا ضابط، بل جعل لها إطارًا يحفظ الكرامة، وهو العقد الشرعي، حيث يكون النظر واللمس في موضعهما الصحيح، بعيدًا عن الفوضى والانفلات.

ومن هنا جاء الحجاب ليكون وسيلة عملية لحفظ هذه الحرمة، فيمنع أن يتحول جسد المرأة إلى وسيلة لإثارة الشهوات أو لفت الأنظار، ويحفظ لها مكانتها وهيبتها.

وهذه الحرمة التي منحها الله للمرأة تدل على قيمتها العالية، وأنها موقّرة وعزيزة، فيجب عليها أن تعرف قدر نفسها، وأن تحافظ على كرامتها بالالتزام بأحكام الله، وألا تُنقص منها بالمعصية.

ولتقريب الصورة: الفواكه في الأسواق تُعرض وتُلمس بلا تشدد، أما الذهب فيُحفظ داخل صناديق زجاجية وتحت المراقبة لشدة قيمته. كذلك المرأة؛ فصيانتها بالحجاب دليل على غلائها وكرامتها، لا تقييدًا لها.

وهذا المعنى تؤكده حتى بعض الأعراف البشرية، فقد ذكرت المصادر ومنها موقع “برايد سايت” الأمريكي، أن هناك أسرارًا خاصة بالطقوس الملكية في بريطانيا، ومنها أنه لا يُسمح للناس العاديين بلمس الملكة حتى أثناء السلام عليها، وذلك من باب التقدير والاحترام والتوقير. ولكن الإسلام لا يحصر هذا التقدير بالملكات، بل يرى أن كل امرأة تستحق هذا التكريم، ولذلك حرّم على الرجال الأجانب لمسها أو مصافحتها، إلا ضمن الإطار الشرعي كالزوج والمحارم.

المطلب الرابع: المرأة الغالية لا تُبتذل

الجواب الرابع لمن يدّعي: إن الكرامة أمر قلبي لا علاقة له بالجسد، فلا حاجة لستر الجسد بالحجاب!!

إنّ الإسلام لا ينظر إلى المرأة نظرة عادية، بل يراها كائنًا غاليًا وثمينًا، لا يجوز أن يُترك عُرضة للعبث أو الابتذال.

فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «من كانت له ابنة واحدة كانت خيرًا من ألف حجة، وألف غزوة، وألف بدنة، وألف ضيافة»[19]، وهذا التعبير يدل على عظمة قيمة المرأة، وأنها ليست شيئًا يُقدّر بالمقاييس المادية، بل هي أعظم من ذلك بكثير، لا تُقدّر بثمن.

ولهذا وصف القرآن المرأة العفيفة بأنها:﴿ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ[20]، أي اللؤلؤ المصون المحفوظ، الذي لا يُترك معرضًا لكل أحد. كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنّما المرأة قلادة فانظر ما تتقلّد، وليس للمرأة خطر، لا لصالحتهنَّ ولا لطالحتهنَّ: فأما صالحتهنَّ-كالعفيفة المحتشمة-فليس خطرها الذّهب والفضة، هي خير من الذهب والفضة، وأما طالحتهن-كالمتبرجة والسافرة-فليس خطرها التراب، التراب خير منها»[21]، وهذا يعني أن المرأة جوهرة ثمينة، لها قدر عظيم، فيجب أن تُحفظ وتصان.

ومن هنا نفهم أن المرأة إذا عرفت قيمتها الحقيقية، فإنها لن ترضى أن تُجعل موضع نظر كل أحد، ولا أن تكون وسيلة لفت الأنظار أو إثارة الشهوات، بل تحرص على حفظ نفسها بالالتزام بأحكام العفة والحجاب.

ولتقريب الصورة، فإن الأشياء العادية تُعرض في متناول الجميع، أما الأشياء الثمينة كالمجوهرات فتُحفظ في صناديق زجاجية وتحت رقابة مشددة، لشدة قيمتها. وكذلك المرأة، فإن صيانتها ليست تقييدًا لها، بل دليل على غلائها وكرامتها.

ومن هنا كان الحجاب تعبيرًا عمليًا عن هذه القيمة، فهو ليس حرمانًا، بل حماية، وليس تضييقًا، بل صيانة. فالمرأة لا تُحفظ في فترة شبابها فقط، بل تبقى مكرمة في جميع مراحل حياتها، لأن قيمتها ليست في مظهرها، بل في إنسانيتها التي كرمها الله.

وعليه، فإن المرأة كلما أدركت مكانتها في الإسلام، ازداد تمسّكها بحجابها، لأنه يمثل حفظًا لكرامتها، وصونًا لقيمتها، وابتعادًا عن أن تكون موضع ابتذال أو استهلاك.

المبحث الثالث: دور الحجاب في حفظ كرامة المرأة

يتجلّى دور الحجاب في حفظ كرامة المرأة من خلال وظائف متعددة، تصون إنسانيتها وتحفظها من مختلف وجوه الابتذال.

ولأجل بيان هذه الأدوار بصورة واضحة، نعرضها في المطالب الآتية.

المطلب الأول: الحجاب يحمي المرأة من الاستجداء

ومن وجوه حفظ الكرامة أن تحمي المرأة نفسها من ذل الاستجداء، أي من طلب المعونة أو الاستعطاء من قبل الآخرين وبالأخصّ الرجال الأجانب.

ولفهم الأمر، سأقدم موقفين، أخبروني بعدها أيهما حافظ على كرامته وأيهما أهان كرامته:

الموقف الأول: أنكم رأيتم في الشارع شابًا يستجدي اموالًا من الناس رغم أنه بصحة وعافية، ولكي يحقق هدفه تعمد ارتداء ثيابًا رثّة من أجل لفت انتباه الناس إليه، وأنتم عرضتم عليه عمل يناسب شأنه براتب فرفض، واستمر في الاستجداء.

الموقف الثاني: لو علمتم أنّ هناك عائلة متعففة، فرغم فقرها واحتياجها إلا أنّهم رفضوا الاستجداء، وأصروا على العمل رغم مشقته وقلّة مورده.

فأيهما برأيكم لديه عزة وكرامة، أصحاب الموقف الأول أم الثاني؟

الجواب: بالتأكيد الموقف الثاني.

ونحن نريد أن نصارحكم راجين من الأخوات أن يتقبّلن النصيحة رغم أنها مؤلمة، رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام: “اتبع من يبكيك وهو لك ناصح، ولا تتبع من يضحكك وهو لك غاش”. [22]

النصيحة هي: إنّ الموقف الأول للشاب المتسوّل يشابه موقف المرأة المتبرجة، وأما الموقف الثاني يشابه موقف المرأة العفيفة المحتشمة بالحجاب الشرعي الكامل ظاهرا وباطنا…كيف ذلك؟

إنّ الله تعالى أراد من المرأة أن تكون لديها عزة وكرامة بأن ترفض أن تستجدي من الرجال الأجانب نظرة وكلمة غزل عن طريق التبرج والتزين وكشف المفاتن والمحاسن.

لذا من أخطر ما يصيب المرأة أن تتعوّد على أن تستمدّ شعورها بالقيمة من نظرات الرجال وكلماتهم وإعجابهم. فهذا الشعور يربط نفسها بميزان متقلب، ويجعلها دائمًا محتاجة إلى من يؤكد لها أنها جميلة ولافتة ومثيرة. ومع مرور الزمن، لا تعود ترى نفسها إنسانة ذات رسالة، بل تتحول ـ من حيث تشعر أو لا تشعر ـ إلى من ينتظر التغذية النفسية من الخارج، من نظرة، أو ابتسامة، أو كلمة، أو تعليق.

والحجاب يقطع هذا الطريق من أصله؛ لأنه يربي المرأة على أن تكون قيمتها في طاعتها لله، لا في التفات الناس إليها. فالمرأة المؤمنة يُفترض أن تثق بنفسها، وأن توقن بأن خلقتها حسنة، فتستمدّ هذه الثقة من إيمانها بالله تعالى الذي قال:      ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[23]، وقال:﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ[24]. كما تعتقد بما ورد عن أهل البيت عليهم السلام من أن «جمال المؤمن ورعه»[25]، وأن «جمال العبد الطاعة»[26]. ومن هنا، فلا حاجة لها إلى تغيير خلقتها بمساحيق التجميل المبالغ فيها، أو اللجوء إلى عمليات التجميل، أو ارتداء الملابس الضيقة، لإثبات قيمتها أو لفت الأنظار إليها.

قد تقول المتبرجة: (ولكني حينما أتبرج وأتزيّن لا أقصد الاستجداء من الرجال نظرة أو أن يسمعني كلمات غزل واعجاب!!)

نقول: حتى لو لم تكن نيتكِ وقصدكِ استجداء النظرة والكلمة من الرجال الأجانب، ولكن الآخرين يفهمون ما ذكرناه؛ لأن الثياب التي يرتديها الإنسان وسلوكه الظاهري له رسالة يوصلها للآخرين قد تعبّر عن مهنته أو جنسيته أو ديانته أو مدى التزامه أو انحرافه، بكونه مؤمنا أو فاسقا، عفيفًا أم مبتذلًا.

مثال ذلك: الشخص الذي يرتدي الرداء الأبيض الذي يرتديه الطبيب يحمل رسالة تعبّر عن مهنته بأنه طبيب، والشخص الذي يرتدي الزي الخليجي المتمثل بـالثوب الطويل(الدشداشة)، والغترة والعقال يحمل رسالة تعبّر عن جنسيته بأنه خليجي، والرجل الذي يرتدي قميصًا مفتوح الأزرار وبنطالًا ضيقًا ويضع مساحيق التجميل على وجهه، يحمل رسالة تعبّر بأنه فاسق ومخنّث.

وحينما نأتي إلى الثياب والزي الذي ترتديه المرأة فله رسالة أيضاً، وهي على نوعين:

فالثياب المخالفة للضوابط الشرعية والزينة والتبرج الصادر من المرأة المتبرجة يحمل رسالة، لسان حالها يقول: (يا رجال أنني جميلة، …هل يوجد من يرغب في جمالي ورقّتي؟!، هلموا إليّ …هذه مفاتني ومحاسني أعرضها عليكم…. فأنا أنثى)

بينما الثياب الشرعية التي ترتديها المرأة العفيفة والمحتشمة في سلوكها وتصرفاتها تحمل رسالة أخرى، لسان حالها يقول: (يا رجال أنني امرأة عفيفة، وقد سترت مفاتني ومحاسني كي لا تطمعوا بها …فغضوا أبصاركم فأنا إنسانة)

انتبهوا أن لسان حال المرأة المتعففة يركز على إنسانيتها عندما تكون أمام الرجال الأجانب، بينما تخفي أنوثتها عنهم ولا تظهرها إلا لزوجها -ولو أدى ذلك إلى إثارة الشهوة -أو أمام النساء -بشرط عدم إثارة الشهوة -. أما المرأة المتبرجة، فإن لسان حالها يركز على أنوثتها أمام الرجال الأجانب، وتحاول إظهارها وكشفها لجذب إعجابهم وإثارتهم، حتى تنال ما تريده من إبداء الإعجاب بها عبر النظرات المحرّمة أو سماع كلمات الغزل أو القيام بسلوكيات محرّمة. وهذا يعتبر نوعًا من الاستجداء.

فهل المرأة التي تتمتع بعزة وكرامة توافق على هذا الابتذال؟ بالتأكيد، كل امرأة تخلو من التعصب للأهواء ستقول: “لا أرضى بذلك”.

المطلب الثاني: الحجاب رسالة وقار واحترام

لا شك أن الرجل مأمور شرعًا أن يحترم المرأة في كل حال، وأن يغض بصره، وأن لا يعتدي عليها لا بعينه ولا بلسانه ولا بسلوكه. لكن مع ذلك يبقى للحجاب أثر ظاهر في ترسيخ صورة الوقار والجدية والاحتشام في النفوس.

فالحجاب له رسالة أخرى صامتة، لكنها مفهومة، كأن مضمونها يقول للناس:

“إنّ حجابي الشرعي الكامل الظاهري والباطني السلوكي يدل على احترامي لنفسي وللآخرين ومنهم الرجال الأجانب، فأنا قد سترت مفاتني كي لا تتأثر بها ولا تثار ولا أؤذيك، ولا أوقعك في الحرام ولا أؤثر على حياتك الزوجية والأسرية ولا أفسد المجتمع ولأحميك من الأمراض النفسية والصحية، فبالمقابل وجب عليك احترامي وعدم استغلالي”.

فهنا الرجل الذي يملك ذرة من الغيرة والحميّة سوف يغض بصره عن هذه المرأة العفيفة وسوف يحترمها ويقدّرها، ولا يهين كرامتها، ولا يتلاعب بها، ويحملها على محمل الجد.

وهذه الرسالة ليست خيالًا، بل هي أمر يدركه الناس في حياتهم اليومية. فالإنسان يقرأ من مظهر غيره رسائل كثيرة، سواء في اللباس أو الهيئة أو طريقة الحضور. فلباس الطبيب يوحي بمهنته، ولباس طالب العلم يوحي بمساره، ولباس العسكري يوحي بمسؤوليته، وكذلك الحجاب الشرعي الكامل يوحي بالعفة والوقار وعدم الرضا بالعبث. ومن هنا كان الحجاب معينًا على حمل الناس ـ ولا سيما العقلاء منهم ـ على التعامل الجاد المحترم.

ومع ذلك ينبغي أن نقول بإنصاف: ليس معنى هذا أن المحجبة لا تتعرض أبدًا للأذى، أو أن غير المحجبة لا تُحترم مطلقًا، فهذه تعميمات غير دقيقة. وإنما المقصود أن الحجاب يعزز أسباب الاحترام، ويقلل من دواعي الطمع، ويعلن بوضوح هوية المرأة العفيفة، وهذا في نفسه أثر عظيم.

مثال عن ذلك: لو قارنا بين من يضع على باب بيته لافتة واضحة تقول: “ممنوع الدخول” ويغلقه بإحكام، وبين من يترك الباب مفتوحًا دون إشارة، فإن كلاهما قد يتعرض للتعدي، لكن الأول يقلّ احتمال التجرؤ عليه، لأن الرسالة واضحة. وكذلك الحجاب، فهو إعلان صريح بالحدود.

المطلب الثالث: الحجاب يحفظ المرأة من الامتهان الإعلاني

من أظهر صور امتهان المرأة في العصر الحديث أن تُجعل أداة للتسويق، ووسيلة لجذب الزبائن، ومفتاحًا لزيادة المشاهدات والمبيعات، حتى لو لم يكن بينها وبين السلعة أدنى علاقة. فيُؤتى بالمرأة في الإعلانات، لا لأنها خبيرة بالمنتج، ولا لأنها صاحبة رسالة، بل لأن جسدها أو زينتها أو حركاتها تُستغل لإثارة الرغبة وجذب المستهلك. وهذه في حقيقتها صورة من صور سلب الكرامة.

على سبيل المثال، تُستخدم امرأة مثيرة في إعلان لشامبو، وامرأة جذابة في إعلان لحقيبة أو حذاء، وكذلك تُستَخدم في إعلان لعصير أو وسيلة نقل، بل وحتى في إعلان لمطعم، مع أنه لا توجد أي علاقة حقيقية بين جسد المرأة وهذه المنتجات، وإنما المقصود هو جذب الانتباه واستثارة المشاعر لتحقيق الربح.

فالمرأة في هذه الحالة لا تُقدم بوصفها إنسانًا كاملًا، بل بوصفها وسيلة تأثير على الغرائز. وبدل أن يُخاطب عقل المجتمع، يُخاطب شهوته، وتُستخدم المرأة في ذلك كأداة. وهذا في غاية الظلم لها، لأن فيه اختزالًا لإنسانيتها، وتغليبًا لجانب الجسد على سائر أبعادها، وإشاعةً لثقافة ترى المرأة نافعة ما دامت مثيرة، وقيمتها متى ما جذبت الأنظار.

وقد نبهت بعض الدراسات النفسية والاجتماعية إلى أن الصور الجنسية المبتذلة في الإعلام والإعلان تؤثر سلبًا في نظرة المرأة إلى نفسها، وتولد لديها القلق من الجسد، واضطراب الثقة، والمقارنة المستمرة، والاكتئاب أحيانًا. (وأظهر تقرير جديد صادر عن جمعية علم النفس الأميركية أن انتشار الصور المبتذلة للفتيات والنساء في الإعلانات وعمليات الترويج التجاري والإعلام، ضار بصورة المرأة عن ذاتها وبنموها الطبيعي وبصحتها العقلية والبدنية.

وكانت مجموعة الباحثين المكلفة بالتقرير (وهي من جامعة كاليفورنيا) قد وجدت أن تنميط الفتيات والنساء جنسياً في المجلات والتلفزة وألعاب الفيديو والفيديوهات الموسيقية، له آثار سلبية عليهن ما يؤدي إلى افتقادهن الثقة فيما يخص أجسادهن بالإضافة إلى الاكتئاب واضطرابات الشهية للأكل). [27]

نسأل: هل هذه هي الكرامة التي تريدها المرأة؟، بل هل بقي لها من كرامة وعزّة؟!!

يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: (إن شخصية المرأة تسقط في مجتمع يركز على جاذبيتها الجنسية، ليجعلها وسيلة إعلامية يروج بها لبيع سلعة أو لكسب سائح.

وهذا السقوط يفقدها كل قيمتها الإنسانية، إذ يصبح شبابها وجمالها وكأنه المصدر الوحيد لفخرها وشرفها، حتى لا يبقى لها من إنسانيتها سوى أنها أداة لإتباع شهوات الآخرين، الوحوش الكاسرة في صور البشر!

كيف يمكن للمرأة في هذا المجتمع أن تبرز علميا وتسمو أخلاقيا؟!

ومن المؤسف أن تلعب المرأة باسم الفن، وتشتهر وتكسب المال الوفير، وتنحط إلى حد الابتذال في المجتمع، ليرحب بها مسيرو هذا المجتمع المنحط خلقيًا، في المهرجانات والحفلات الساهرة؟!). [28]

ومن هنا كان الحجاب موقفًا رافضًا لهذا المنطق كله. فالحجاب يقول: المرأة ليست سلعة معروضة، ولا أداة ترويج، ولا مادة إغراء، بل إنسانة مكرمة. وهذا الوعي من أعظم ما تحتاجه النساء في زمن الإعلام المتوحش، الذي يريد أن يحول كل شيء إلى سلعة، حتى الإنسان نفسه.

المطلب الرابع: الحجاب يحفظ كرامة المرأة في بيئة العمل

إن من صور الظلم المعاصر أن يُشترط على المرأة ـ تصريحًا أو تلميحًا ـ أن تتخلى عن جزء من حيائها أو حجابها أو وقارها كي تُقبل في بعض الأعمال أو البيئات المهنية.

فحينما نأتي للواقع الذي نعيشه نجد أنّ بعض الشركات والمؤسسات لمّا تعلن عن حاجتها لموظفة محددة كأن يطلبون سكرتيرة …. ترى ماذا تريد الشركة من السكرتيرة؟

يريد امرأة تقرأ وتكتب، يريد أصابع تملك مهارة في الطباعة على الآلة الكاتبة، أو يضيف امتلاكها لشهادة بتخصص معين …

ولكن بينكم وبين الله هل يكفي لتوظيف سكرتيرة، كاتبة، موظفة عند الدوائر أو الشركات وغيرها من تملك هذه المواصفات فقط؟

كلا…فبعضهم يشترط شرطا لا يذكرونه وهو أن تكون جميلة ومثيرة ومغرية، متزينة ومتبرجة ذات ملابس ضيقة وقصيرة في مقابل -إسعاد المدير أو الزبائن-حتى تصبح لوحة تمتع نظر الرجال حتى في مجال العمل…بمعنى أنّهم يريدون استعباد المرأة بالراتب الذي تتقاضاه، يريدون تنزيلها إلى رتبة بنات الهوى.

وهكذا الحال حينما تتقدّم امرأتان إحداهما سافرة متبرجة، أو تضع خرقة على رأسها ولكنها متبرجة، والأخرى محجّبة بالحجاب الشرعي الكامل، فيا ترى أيهما سيقبلون؟، في الغالب يقبلون المتبرجة التي تحقق شهواتهم ورغباتهم ومصالحهم، وهذا ينطبق عليه عنوان “المتاجرة بجسد المرأة”.

ففي الظاهر يقال: نبحث عن موظفة، لكن في الباطن قد يبحث بعضهم عن جمال يسر الناظر، أو هيئة تثير الإعجاب، أو حضور أنثوي مسخّر لخدمة مصالح الشركة أو أهواء المسؤولين أو جذب الزبائن. وهذا من أبشع صور استعباد المرأة المعاصر.

ومع شديد الأسف، نجد أن بعض النساء يستجبن لهذا الاستعباد، ويتنازلن بسهولة عن أحكام العفة. ولو اطّلعت على بعض سلوكهن [لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا] [29]حيث النساء مزينّات، متبرجات، يركّبن الرموش وينفخن الشفاه، ويضعن الأظافر، ويرتدين الضيق، ويظهرن الزينة، ويتمايلن في مشيتهن، ويمزحن مع الرجال في العمل والدراسة، ويضحكن في الشوارع …إلخ

وهذا الأمر تنبأ به الإمام علي عليه السلام حينما قال: ” يظهر في آخر الزمان واقتراب الساعة -وهو شر الأزمنة -نسوة كاشفات عاريات، متبرجات من الدين، داخلات في الفتن، مائلات إلى الشهوات، مسرعات إلى اللذات، مستحلات للمحرمات، في جهنم خالدات “. [30]

إنّ الإسلام حين أوجب على الزوج نفقة زوجته، وحين لم يجعل العمل فرضًا لازمًا عليها، إنما أراد أن يحفظ لها مساحة واسعة من الكرامة، حتى لا تضطر إلى بيع حيائها من أجل لقمة العيش. وإذا اضطرت المرأة إلى العمل لحاجة حقيقية، فإن الإسلام لا يمنعها من العمل الشريف، لكنه لا يرضى أن تدخل العمل من باب التبرج والابتذال. بل يريدها أن تعمل بكفاءتها، وأمانتها، وخبرتها، لا بجسدها ولا بزخرفها.

ومن هنا، فالحجاب الشرعي الظاهري والباطني السلوكي في مجال العمل ليس عائقًا، بل حماية من المساومة على الكرامة. نعم، قد تجد بعض النساء صعوبة في البداية، وقد يُرفضن في أماكن لا تحترم الحجاب، وقد يمررن بابتلاءات، لكن الثبات على حدود الله من أعظم صور النجاح الحقيقي. وما أكثر النساء المؤمنات اللواتي رفضن أعمالًا تشترط كشف شيء من البدن أو التهاون في الضوابط، ففتح الله لهن أبوابًا أكرم وأنقى، وأثبتن أن الرزق لا ينحصر في الحرام، وأن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.

وهذا معنى قوله تعالى: [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ][31]. فالمرأة المؤمنة حين تتمسك بحجابها لا تخسر، بل قد تمر بامتحان، ثم يفتح الله لها من أبواب فضله ما لم تكن تتوقعه. وهي في هذا كلّه مجاهدة في سبيل كرامتها، لا متشددة كما يظن بعض الناس.

المطلب الخامس: الحجاب يحميها من المتاجرة بجسدها

إن المجتمع إذا ضعف فيه الإيمان، وتراجعت فيه القيم، وسادت فيه النظرة الشهوانية إلى المرأة، صار جسد المرأة سوقًا مفتوحًا للاستغلال. وأخطر ما في هذا المسار أنه يبدأ أحيانًا بخطوات يراها الناس صغيرة: تهاون في الستر، تساهل في الزينة أمام الأجانب، تطبيع مع لفت الأنظار، ثم يتدرج الأمر حتى يصل في بعض البيئات إلى صور بشعة من التجارة الجنسية، والدعارة، والإباحية، والاتجار بالبشر كما حدث في بعض الدول مثل ألمانيا وهولندا، حيث تُقدّم بعضهن أجسادهن بشكل علني في محلات الدعارة. بل أصبح استغلال أجساد النساء في شتى صور الإباحية تجارة تجلب مليارات الدولارات. فطبقًا لتقارير الأمم المتحدة فإنه في عام 2012 م (وصل عدد ضحايا الاتجار بالبشر إلى 2.4 مليون شخص، وتم خطف وبيع أكثر من 80% منهم للقيام بأعمال جنسية) [32]، وتصل أرباح هذه الصناعة إلى 32 مليار دولار أمريكي سنويًا.[33]

ولا يصح أن يقال إن كل مجتمع سافر يصل حتمًا إلى الدرجة نفسها، ولكن الصحيح أن السفور الواسع والتبرج الممنهج يفتحان الأبواب، ويكسران الحواجز، ويهيئان الذهنية التي تسهل فيها رؤية المرأة كجسد يمكن استثماره. أما الحجاب الشرعي الكامل، فإنه يغلق هذا الباب من أوله، لأنه يقرر أن هذا الجسد ليس مباحًا، ولا معروضًا، ولا قابلًا للتوظيف الجنسي في السوق أو الإعلام أو الترفيه.

وهنا يظهر البعد الحضاري للحجاب، فهو ليس علاقة فردية فقط بين المرأة وربها، بل هو أيضًا جزء من مقاومة الثقافة التي تريد أن تبتلع المرأة وتحوّلها إلى مادة استهلاك. فالحجاب ليس ثوبًا صامتًا، بل موقف أخلاقي عظيم، يقول للعالم: المرأة ليست مشروع شهوة، بل مشروع إنسان.

المطلب السادس: الحجاب يحفظ كرامة المرأة في كل مراحل عمرها

من أشد ما يرهق المرأة في المجتمعات التي تمجد الجسد أن قيمتها تصبح معلقة على شبابها ونضارتها وجاذبيتها. فإذا تقدمت في السن، شعرت أن حضورها الاجتماعي بدأ يضعف، وأن المجتمع لم يعد يلتفت إليها كما كان يلتفت من قبل. وهذا من أكبر وجوه الظلم؛ لأنه يربط قيمة المرأة بشيء زائل بطبيعته.

أما الإسلام، فإنه يكرم المرأة لذاتها، لا لمرحلة معينة من جسدها. فهو يكرمها طفلة، وبنتًا، وزوجة، وأمًا، وعجوزًا. والحجاب يساعد على ترسيخ هذا المعنى، لأنه يجعل قيمة المرأة غير متوقفة على إظهار الجمال الظاهري. فالمرأة المحجبة لا تبني حضورها على مقدار ما تكشفه من مفاتنها، بل على ما تملكه من خلق ودين وعقل ووقار. ولهذا يبقى احترامها قائمًا عبر مراحل العمر كلها.

وهذا من أعظم وجوه الرحمة في الشريعة؛ لأنها لم تجعل المرأة سجينة لمرآتها، ولا أسيرة لعمرها، ولا متوترة من ذهاب الشباب، بل رفعتها إلى ميزان أبقى وأكرم، هو ميزان التقوى والفضيلة. فإذا فهمت المرأة هذا المعنى، زال عنها كثير من القلق الذي تصنعه الحضارة المادية في النفوس.

المبحث الرابع: تنبيهات عن حجاب المرأة وكرامتها

وفي ختام هذا المبحث، لا بد من الإشارة إلى جملة من التنبيهات المهمة التي تكمل الصورة وتوضح بعض الجوانب المرتبطة بحجاب المرأة وكرامتها.

ونذكر منها التنبيهات الآتية:

1. الحجاب لا يكفي وحده إذا غاب الحياء الباطني

من المهم جدًا أن ننتبه إلى أن الحجاب الشرعي المطلوب ليس حجاب الثوب وحده، بل حجاب الثوب والسلوك معًا، أو ما نعبّر عنه بالحجاب الظاهر والباطني. فقد تضع المرأة غطاء على رأسها، لكنها تتهاون في الكلام أو المزاح أو لفت الأنظار أو طريقة الحضور، فتفرغ الحجاب من جزء كبير من روحه. ولهذا فالحجاب الكامل هو حجاب الظاهر والباطن: ستر في اللباس، ووقار في المشي، وحشمة في الحديث، وحدود في العلاقة مع الرجال الأجانب.

فإذا أردنا أن نربي النساء والفتيات على الحجاب بوصفه كرامة، فلا بد أن نعلمهن أن الحجاب ليس مجرد قماش، بل هو ثقافة عفة وحياء. والحياء لا يعني الضعف، بل يعني الرقي الداخلي، والإحساس بالحدود، والحرص على صيانة النفس عن مواطن الابتذال. والمرأة التي تجمع بين الحجاب الظاهري والحياء الباطني تكون قد قطعت شوطًا كبيرًا في حفظ كرامتها.

2. كرامة المرأة منظومة متكاملة لا تُختزل في الحجاب

إن كرامة المرأة في الإسلام لا تقوم على الحجاب وحده، بل على توازن دقيق بين حقوق تُصان لها وواجبات تلتزم بها؛ فالله الذي أمرها بالحجاب والعفة، هو نفسه الذي شرع لها حقوقًا عديدة تحفظ كرامتها، منها: حق النفقة، والسكن، والمهر، وحسن المعاشرة، والاحترام، وتحريم ظلمها، واختيار الزوج، والأمان الأسري، وحق الإرث، وصيانة عرضها، ومنع استغلالها، وحفظ خصوصيتها، وغض البصر عنها، ومنع الاعتداء عليها، فمن يقصّر في هذه الحقوق يُحاسب أمام الله.

وفي المقابل، فإن كرامتها تكتمل بالتزامها هي أيضًا بما أوجب الله عليها، ومن ذلك: الحجاب، والعفة، وترك التبرج، واجتناب الاختلاط المحرم، والخضوع بالقول، والعلاقات غير المشروعة، وعدم إظهار الزينة للأجانب.

وعليه، فلا يُفهم الحجاب فهمًا صحيحًا إذا طُلب منها الالتزام به، ثم أُهملت حقوقها أو قُصِّر في حقها، كما لا تكتمل كرامتها إذا طالبت بحقوقها وأهملت ما أوجب الله عليها؛ فالدين لا يُحمِّل طرفًا دون الآخر، بل يجعل كلًّا مسؤولًا عن تكليفه، فإذا استقام هذا التوازن، حفظت كرامة المرأة، واستقام المجتمع.

3. الزهو عزةٌ تحفظ كرامة المرأة

روي عن الإمام علي عليه السلام: “خيارُ خصالِ النساء شرارُ خصال الرجال: الزهو، والجبن، والبخل، فإذا كانت المرأةُ مزهوةً لم تُمَكّن من نفسِها، وإذا كانت بخيلةً حفظت مالَها ومالَ بعلها، وإذا كانت جبانةً فَرِقَتْ من كل شيء يعرض لها”. [34]

ثم بيّن عليه السلام أن من فوائد الزهو للمرأة: أنها «لا تُمكّن من نفسها»، أي لا تعطي مجالًا لأحد أن يقترب منها أو يستغلّها.

ومعنى هذا الكلام ببساطة: أن الإسلام لا يريد من المرأة أن تكون متواضعة مع الرجل الأجنبي كما تتواضع مع أهلها، بل يريد منها أن تكون عزيزة، قوية، عالية النفس، لا تسمح لأحد أن يتجاوز حدودها.

ولتقريب المعنى، تأمّل هذا المثال:

إذا كانت المرأة تبتسم للرجل، وتلين في كلامها معه، وتضحك وتمزح معه، فإن بعض ضعاف النفوس قد يفهم هذا السلوك على أنه سماح بالاقتراب، فيبدأ بالتدرّج معها بالكلام، ثم المزاح، ثم الغزل، حتى يجرّها إلى الحرام.

أما إذا كانت المرأة جادّة، وقورة، لا تعطيه مجالًا للكلام الزائد، ولا تفتح باب المزاح، فإنه يفهم فورًا أنها ليست محلًا للعبث، فينصرف عنها ويحترمها.

ولهذا، فإن “الزهو” الذي قصده الإمام عليه السلام ليس تكبرًا مذمومًا، بل هو عزة تحفظ الكرامة، كأن تقول المرأة بسلوكها: “أنا لستُ مجالًا للحديث ولا المزاح ولا الإعجاب”.

لكن ينبغي الانتباه إلى أمر مهم جدًا: لا يصح أن تكون المرأة متكبرة في سلوكها، وفي نفس الوقت تلبس لباسًا يلفت الأنظار ويثيرها؛ لأن هذا تناقض. كمن يرفع شعار: “لا تقتربوا مني”، لكنه في نفس الوقت يدعو الآخرين بفعله إلى الاقتراب.

فالطريق الصحيح هو: حجاب ساتر + سلوك وقور + زهو وعزة أمام الأجنبي

فإذا اجتمعت هذه الأمور، وصلت الرسالة واضحة: “أنا امرأة عفيفة، فلا تقترب.”

وتذكري دائمًا: كلما خرجتِ من بيتك، أو تعاملتِ مع الآخرين، أو دخلتِ إلى مواقع التواصل، اجعلي هذا الحديث حاضرًا في ذهنك، فهو ليس مجرد كلام، بل حماية لكِ من الانزلاق، وحفظ لكرامتك التي لا تُقدّر بثمن.

4. العفة جهاد، وأجرها كأجر الشهيد

حين نريد أن نفهم الحجاب فهمًا عميقًا، لا يكفي أن ننظر إليه كقطعة قماش، أو كواجب ظاهري فقط، بل ينبغي أن نراه على حقيقته: جهادٌ عظيم، تعيشه المرأة في كل يوم من حياتها.

وقد بيّن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام هذه الحقيقة بكلمة عظيمة، فقال: «ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجرًا ممّن قدر فعفّ، لكاد العفيف أن يكون ملكًا من الملائكة».[35]

ومعنى هذا الحديث: أن الإنسان إذا تهيأت له أسباب المعصية، وكان قادرًا عليها، ثم أمسك نفسه خوفًا من الله، فإنه يكون قد خاض معركة حقيقية مع الهوى والشهوة والشيطان… وانتصر فيها.

ولهذا كان قريبًا من مقام الملائكة؛ لأن الملائكة لا شهوة لديهم، أما الإنسان المؤمن المتقي فله شهوة، وله هوى، وتحيط به وساوس الشيطان، ومع ذلك يختار الطاعة.

وفي زماننا هذا، أصبحت المرأة في ابتلاء مستمر في باب العفة، وخصوصًا في الحجاب الظاهري والسلوكي؛ بسبب كثرة خروجها للعمل أو الدراسة، وسهولة الاختلاط، وانتشار وسائل الإعلام ومواقع التواصل، وكثرة المؤثرات التي تزيّن التبرج وتضغط باتجاهه. ولهذا أصبح الثبات على الحجاب اليوم جهادًا أعظم، يحتاج إلى إيمان قوي، وصبر، وثبات، وشجاعة.

تأمّلي واقعك…

قد تسمعين من تقول لك: أنتِ معقّدة، أنتِ متشددة، لماذا هذا الحجاب الكامل؟

وقد يأتيكِ الضغط من صديقة، أو قريبة، أو زميلة، وربما حتى من بعض أفراد العائلة… وترين من تتبرج تُمدح، ومن تلتزم تُنتقد.

فإذا ثبتِّ على حجابك وعفتك، فأنتِ في جهاد: جهاد مع النفس، وجهاد مع الهوى، وجهاد مع كلام الناس ونظراتهم، وجهاد مع شياطين الإنس قبل شياطين الجن. وهنا تدخل المرأة في معنى هذا الحديث العظيم، وقد يبلغ أجرها أجر الشهيد أو يقاربه… وهذا من أشرف مراتب الجهاد.

لكن الجهاد لا يقتصر على هذا فقط… فهناك نوع آخر عظيم، وهو الجهاد الأصغر، جهاد القتال في سبيل الله، حيث يبذل الإنسان روحه دفاعًا عن دينه.

وأعظم قدوة في هذا الجهاد هو أمير المؤمنين عليّ عليه السلام. ومن أبرز مواقفه: معركة الخندق أو ما تُعرف بالأحزاب، التي وقعت في الثالث من شهر شوال سنة خمس للهجرة.

بدأت المعركة عندما تحالفت قريش مع قبائل متعددة، وانضم إليهم من نقض العهد من اليهود، فتجمّع جيش ضخم يقارب عشرة آلاف مقاتل، وتوجّهوا إلى حصار المدينة المنورة.

وكان الموقف شديدًا، حتى وصفه الله تعالى بقوله: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾.[36]

فأشار النبي صلى الله عليه وآله بحفر خندق حول المدينة، وهي فكرة جديدة على العرب، فبدأ المسلمون بالحفر، وكان النبي يعمل معهم بنفسه، ويقول: «لا عيش إلا عيش الآخرة»[37].

واستمر الحصار قرابة عشرين يومًا، دون قتال مباشر، حتى حدث التحول الحاسم.

تمكّن عدد من فرسان المشركين من عبور الخندق، وكان في مقدمتهم عمرو بن عبد ود العامري، أحد أخطر أبطال العرب، فجعل يتحدّى المسلمين: هل من مبارز؟

ساد الصمت… ولم يخرج إليه أحد…

إلا عليًا عليه السلام قال: “أنا له يا رسول الله”.

فقال النبي: “إنه عمرو”.

فقال عليه السلام بثبات: “وإن كان عمروًا”.

فقال النبي صلى الله عليه وآله: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله»[38].

ومضى الإمام علي عليه السلام إلى الميدان، وهو يقول:

لا تعجلنَّ فقد أتاكَ مجيبُ صوتِكَ غيرَ عاجزِ
ذو نيةٍ وبصيرةٍ والصبرُ منجي كلَّ فائزِ
إنِّي لأرجُو أن أُقيمَ عليكَ نائحةَ الجنائزِ
من ضربةٍ نجلاء يبقى ذكرُها عندَ الهزاهزِ[39]

دخل المعركة، لكنه لم يكن مجرد مقاتل، بل كان مجاهدًا بنفسه قبل أن يكون مجاهدًا بسيفه. دعاه أولًا إلى الإسلام، ثم إلى الانسحاب، فلما رفض، قاتله حتى صرعه بضربة عظيمة كانت سببًا في كسر شوكة الأحزاب وبداية النصر.

ولما قُتل عمرو، قال له عمر بن الخطاب: ألا أخذت درعه؟

فقال عليه السلام: «إني استحييت أن أكشف سوأة ابن عمي».

وقال عليه السلام أبياتًا في قتل عمرو، منها:

نَصَرَ الحجارة من سفاهةِ رأيهِ ونصرتُ دينَ محمّدٍ بضرابِ
فصددتُ حينَ تركتهُ متجندلاً كالجذعِ بين دكادكٍ وروابي
وعففتُ عن أثوابِهِ ولو أنَّني كنتُ المقطّر بزّني أثوابي
لا تحسبنَّ اللهُ خاذلَ دينِهِ ونبيّه يا معشرَ الأحزابِ[40]

ولمّا عاد الإمام عليه السلام ظافراً، استقبله رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: «لَمُبَارَزَة عليٍّ بن أبي طالب لِعَمرو بن عبد ودٍّ أفضلُ من عَمل أُمّتي إلى يوم القيامة”.[41]

وفي رواية: “ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من أعمال أُمّتي إلى يوم القيامة”.[42]

قال السروجي بالمناسبة:

ويوم عمرو العامري إذ أتى في عسكرٍ ملا الفضاء قد انتشر
فكانَ من خوفِ اللعينِ قبلَ ذاك محمّد لخندقٍ قد احتفر
نادى بصوتٍ قد علا من جهلِهِ يدعُو عليّاً للبرازِ فابتدر
إليه شخص في الوغى عاداته سفك دم الأقران بالعضبِ الذكر
فعندها قالَ النبيُّ معلناً والدمعُ في خدٍّ كأمثالِ الدرر
هذا هوَ الإسلام كلّ بارز إلى جميعِ الشركِ يا مَن قد حضر[43]

[1] الحجرات/13.

[2] الحقوق الاجتماعية -مركز الرسالة-ص17-بتصرف.

[3] الإسراء /۷۰.

[4] الحجرات/13.

[5] المنافقون/8.

[6] نهج البلاغة: الحكمة 113.

[7][7] شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد -ج ٢٠ -ص ٩٩.

[8] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ١ -ص ٤٢٥.

[9][9][9] شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد -ج ٢٠ -ص ٩٩.

[10] النور/31.

[11] الأحزاب/59.

[12][12] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص ٢٠٠٩.

[13] ميزان الحكمة – الريشهري -ج3 -ص2008.

[14] البروج/11.

[15] كنز العمال-المتقي الهندي-ج3-ص421.

[16] الأحزاب/53.

[17] الأحزاب/59.

[18] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ١ -ص ٢٠٥.

[19] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري-ج15-ص115.

[20] الواقعة/23، رغم إن هذه الآية هي وصف لحور العين، إلا أن هناك نصوصا روائية تثبت بأن الزوجة الصالحة ستكون في الجنة أجمل من حور العين، ولذا أقل وصف ينطبق على الزوجة الصالحة هو أنها كأمثال اللؤلؤ المكنون.

[21] معاني الأخبار-الشيخ الصدوق-ص ١٤٤ / 1.

[22] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٤ -ص٣٢٨١.

[23] التين/ 4.

[24] غافر/ 64.

[25] غرر الحكم: 4747. مروي عن أمير المؤمنين عليه السلام.

[26] غرر الحكم: 4748. مروي عن أمير المؤمنين عليه السلام.

[27] مأخوذ من بحث بعنوان (عوامل الإثارة في صورة المرأة وأثرها في تكوين مستويات مختلفة من الاستمالات الإعلانية) قد شارك البحث في مؤتمر الفن وثقافة الآخر، محور أخلاقيات الصورة-للدكتور فيصل العمري – جامعة فيلادلفيا –الأردن.

[28] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي -ج ١١ -ص٨٣.

[29] الكهف/ 18.

[30] من لا يحضره الفقيه -الشيخ الصدوق -ج ٣ -ص ٣٩٠.

[31] الطلاق/2-3.

[32] U.N.: 2.4 million human trafficking victims”. USA Today. USA Today. 4 أبريل 2012. مؤرشف من الأصل في 2017-08-28. اطلع عليه بتاريخ 2015-03-17.

[33]  “ILO 2012 Global estimate of forced labour – Executive summary” (PDF). International Labour Organization. مؤرشف من الأصل (PDF) في 2019-05-21. اطلع عليه بتاريخ 2015-03-28.

[34] نهج البلاغة: الحكمة ٢٣٤.

[35] نهج البلاغة-الحكمة:474.

[36] الأحزاب/ 10.

[37] صحيح البخاري-البخاري-ج 4 -ص225.

[38] ينابيع المودّة-القندوزي-ج1 -ص281.

[39]  مناقب آل أبي طالب-ابن شهراشوب-ج2 -ص325.

[40]  أحكام القرآن-ابن العربي-ج 3 -ص546.

[41] تاريخ بغداد-الخطيب البغدادي-ج 13 -ص19.

[42]  ينابيع المودّة-القندوزي-ج 1 -ص412.

[43] مناقب آل أبي طالب-ابن شهراشوب-ج 2 -ص325.