يَوْمَ ٨ رَبيعِ الثّاني: شَهادَةُ السَّيِّدَةِ الزَّهراءِ عليها السَّلامُ على رِوايَةِ الأَربَعينَ يَومًا

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

يَوْمَ ٨ رَبيعِ الثّاني: شَهادَةُ السَّيِّدَةِ الزَّهراءِ عليها السَّلامُ على رِوايَةِ الأَربَعينَ يَومًا

عنوان المحاضرة: فاطمة وليلة القدر

روي عن الإمام الباقر عليه السلام:

«من عرف فاطمة حقّ معرفتها فقد أدرك ليلة القدر».[3]

 في هذا الوجود الرحب ظاهر وباطن، أي هنالك شيء آخر غير ظاهر الحياة الدنيا الذي نعيشه، بل حتى الفضاء مليء بالأمواج الصوتية والكهربائية، والأشعة الضارة والنافعة فنحن نعتقد بها رغم أننا لا نراها، وأيضاً هذا الوجود ظاهره الحياة الدنيا، وباطنه الآخرة ولكننا غافلون عنها، قال تعالى:﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون ﴾[4]

  وهذا الباطن يخبرنا عنه الله تعالى في القرآن وعلى لسان أنبيائه ورسله، فالسلوك الذي نمارسه له ظاهر وباطن كالغيبة ظاهرها مجرد كلام، ولكن باطنها يتجسد بأكل لحم المستغاب، قال تعالى:﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾[5]

  والموجودات كالقرآن له ظاهر وباطن، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : « إن للقرآن ظهراً وبطناً ولباطنه بطناً إلى سبعة أبطن».[6]، وقد فسّر الإمام علي عليه السلام الباطن بقوله: « فالظاهر التلاوة والباطن الفهم ». [7]

  بل حتى للأمكنة والأزمنة ظاهر وباطن، فليلة القدر ظاهرها ظرف زماني مختص بإحدى ليالي شهر رمضان تبدأ بغروب الشمس وتنتهي بطلوع الفجر، ولكن الإمام الصادق عليه السلام يذكر لنا باطن هذه الليلة بقوله: «إنا أنزلناه في ليلة القدر، الليلة فاطمة». [8] 

مباحث الرواية الشريفة

المبحث الأول: المعرفة، ومراتبها    

  هناك روايات عن أهل البيت عليهم السلام تذكر بأن هناك علاقة بين ليلة القدر والسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، منها الرواية محل البحث، وقبل أن ندخل في تفاصيل هذه العلاقة لنقف على بعض المفردات الغامضة ومنها مفردة (المعرفة) التي ذكرها الإمام الباقر عليه السلام في بداية الحديث بقوله: (من عَرَفَ فاطمة حقَ معرفتها..)، فقوله: (حق معرفتها) ذلك معناه إنّ للمعرفة مرتبة هي (حق المعرفة)، وان هناك مراتب دون هذه المرتبة، فمَا المقصود بِـالمعرفة، وما هي مراتبها؟

 الجواب: قد يعتقد بعضهم أن المعرفة تعني تحصيل العلم المختص بفاطمة وسيرتها ومقاماتها، ولكن المعرفة لا تعني العلم، لكون العلم ما هو إلا مقدمة لتحصيل المعرفة، فالعلم لا يرتقي لرتبة المعرفة إلا بالاعتقاد والتصديق القلبي المستلزم للعمل، عن الإمام الصادق عليه السلام: «لا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بعمل، فمن عرف دلَّته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له …».[9]

  فما الفائدة من أن تكون لدينا علوم كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام ولكننا غير معتقدين بها ولا نعمل بها؟ لذا فالمعرفة مرتبة أعلى من العلم لأنه يضاف إليها الاعتقاد والتصديق الذي يستلزم منه العمل.

 وأما ما يتعلق بمراتب المعرفة فهي على ثلاثة أنحاء: جلالية وجمالية وكمالية.

1. المعرفة الجلالية، وَ هِيْ معرفة أبعاد الشيء وَرسمه وَهيكله، مثال ذلك المنبـر بأن تعرف أبعاد المنبر من طول وَ عرض وَ شكل… بينما لما نريد أن نعرف الزَّهراء عليها السلام بِـالمعرفة الجلالية فعلينا أن نعرف حسبها ونسبها، بنت مَنْ؟، وحليلة مَنْ؟، وأمّ مَنْ؟، تاريخ ولادتها وشهادتها، نعرف سيرتها والأحداث التي عاشتها، وما يتعلق بجوانب حياتها….إلخ، وَ هذه أدنى المعرفة.

2. المعرفة الجمالية، وهِيْ المعرفة بِـفضل الشيء وَمقامه، فلو نطبّق هذه المعرفة على نفس مثال المنبر فسوف نتعرّف على فضل المنبر وَمقامه وأهميته، فلو سألت أحداً: مَا هو المنبر؟، سيقول: (كرسي عالٍ يُرتقى إليه بسلّم، مصنوع من الخشب المزخرف بشكل جميل)، أما لو سألت الموالي عن المنبر سيعده شيئاً مُقدساً؛ لأن العلماء يرتقونه ويذكرون لنا النصوص الشرعية المقدسة.

ولو طبقّنا على السيدة الزهراء عليها السلام المعرفة الجمالية فهي تتحقق بمعرفة فضائلها وكراماتها ومقاماتها ومنزلتها عند الله تعالى والرسول والأئمة الأطهار عليهم السلام ..إلخ

3. المعرفة الكمالية، وَهِيْ أرقى أنواع المعرفة، وَهِيْ: أن تعرف وتُدرك هدف الشيء والغاية منه، والسر من وجوده، كأن أقول في مثال (المنبر): المنبر لولاه لما عُبِد الله؛ لأن المنبر هو الذي ارتقى عليه الرسول وآل الرسول عليهم السلام وارتقى عليه أتباعهم من العلماء المخلصين فوضحوا للناس معالم ديننا، فأخرجونا من الظلمات إلى النور، وعلى هذا لولاهم لما حققنا الهدف الذي خلقنا من أجله وهو العبادة.

وأما المعرفة الكمالية للزهراء عليها السلام فهو أن نعرف الغاية والهدف من وجودها المقدّس، وَلِمَ خلقها الله تعالى، وما هو سر بركتها بيننا..إلخ، فالمعرفة الكمالية تبيّن العلّة والغاية من وجود الشيء.

بعد أن عرفنا مراتب المعرفة، نسأل: بأي مرتبة من المعرفة الفاطمية يستطيع الإنسان أن يدرك ليلة القدر؟

  الجواب: المعرفة الكمالية، لقول الإمام الباقر عليه السلام (حق معرفتها) أي: بأعلى مراتبها، بينما المعرفة الجلالية والجمالية تعد مقدمة للمعرفة الكمالية لتكامل الإنسان وإدراكه لليلة القدر وحقيقتها وأسرارها.

المبحث الثاني: علاقة فاطمة عليها السلام بليلة القدر

السؤال المهم في هذه المحاضرة هو: أن الإمام الباقر عليه السلام بقوله: «من عرف فاطمة حقّ معرفتها فقد أدرك ليلة القدر»، فيه دلالة على وجود علاقة بين فاطمة وليلة القدر، فما علاقة فاطمة بليلة القدر؟

  الجواب: هناك رأيان يذكرهما العلماء وهما:

الرأي الأول: وجود علاقة تشابه بين فاطمة عليها السلام وليلة القدر

  إن الرأي الأولالذي يذكره العلماء هو أن العلاقة بين فاطمة وليلة القدر هي علاقة المشبّه بالمشبّه به، وللتوضيح نقول:

 في البلاغة أحياناً نستخدم أسلوب التشبيه بأن نعقد مماثلة بين أمرين أو أكثر، في حال اشتراكهما في صفة أو أكثر، مثال ذلك: رأيت رجلاً شجاعاً يقاتل قتال الأبطال، فهنا جاز لي أن أشبهه بالأسد لاشتراكهما في صفة الشجاعة، كأن أقول: (إنه كالأسد) أو أحذف أداة التشبيه -حرف الكاف-وأقول: (إنه أسد).

 ولما نأتي إلى ليلة القدر وفاطمة عليها السلام نجد أنهما يشتركان في بعض الخصائص والصفات، فلذا صح تشبيه ليلة القدر بفاطمة، كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنا أنزلناه في ليلة القدر، الليلة -أي ليلة القدر-فاطمة» [10] 

سؤال: ما هي أوجه التشابه بين ليلة القدر وفاطمة عليها السلام؟

  الجواب: لقد ذكر العلماء عدة أوجه للتشابه نذكر منها ما يلي:

أولاً: في كليهما -ليلة القدر وفاطمة عليها السلام-سرٌّ مستودع: فلما نأتي إلى فاطمة الزهراء عليها السلام نجد أن لها سراً مستودعاً، فحينما ندعو بهذا الذكر (اللهم صل على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها …) فهو إشارة إلى ذلك السر المودع عندهاـ

 وأيضاً (في ليلة القدر سر عظيم لا يعرفه إلاّ المقربون الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان والتقوى، فليلة القدر رفعها الباري عز وجل وجعلها خيراً من ألف شهر وفيها تشويق لذيذ لمعرفة ذلك السر المكنون في أعماقها، ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾[11]

 إن معرفة ليلة القدر تفوق الإدراك البشري العادي أي أنها تفوق إدراك سائر الناس من السواد الأعظم فانه لا بد أن يكون فيها سر عظيم، والسر يقتضي معرفته استيعاباً كاملاً لمعنى ليلة القدر والغاية التي نزلت ليلة القدر من أجلها ومن أجل تحقيقها في الأرض)[12]

 فعبارة﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ﴾تستخدم لكل أمر عظيم فيه أسرار مخفية مجهولة لا يمكن إدراكها، كما هو الحال مع يوم القيامة، قال تعالى:﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾[13]، وقوله:﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴾[14]فالجنين الذي في بطن أمه لو أخبرته بأن هناك دنيا ستخرج إليها أوسع من مكانك، وفيها نور، وأناس كثر وطبيعة خلاّبة، فعقله لن يدرك ما تقول، وكذلك الحال مع عدم إدراكنا لأسرار ليلة القدر.

 إذاً لكون فاطمة الزهراء عليها السلام اشتركت مع ليلة القدر في أن لكل منهما أسراراً، لذا صحّ أن نشبه ليلة القدر بفاطمة عليها السلام.

رُبّ تساؤل يرد: ما معنى السر المستودع عند فاطمة عليه السلام؟

  الجواب: (لم نر رواية عن الأئمة عليهم السلام تشرح هذا السر (السر المستودع فيها) نعم، يمكن أن يقال في معنى (السر المستودع فيها) عدة احتمالات:

1 ـ (السر المستودع فيها) إشارة إلى الأئمة من ولدها عليهم السلام.

2 ـ (السر المستودع فيها) إشارة إلى ولدها المحسن عليه السلام.

3 ـ (السر المستودع فيها) إشارة إلى المهدي المنتظر عليه السلام وأنه من ذريتها.

4 ـ (السر المستودع فيها) إشارة إلى مظلوميتها.

5 ـ (السر المستودع فيها) إشارة إلى كونها حلقة وصل بين النبوة والإمامة)[15]

ثانياً: كلاهما وعاء وظرف زماني لنزول كل القرآن الكريم: من المعلوم أن القرآن نزل على الرسول صلى الله عليه وآله في ليلة القدر، قال تعالى:﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾[16]. وكذلك الحوراء الإنسية فاطمة الزكية، فإن قلبها ظرف مكاني وروحاني، وصدرها وعاء إلهي للقرآن الكريم والمصحف الشريف، وأنها كانت مُحدّثة تحدثها الملائكة، فهي وعاء للإمامة وللمصحف الشريف.[17]

 وللتوضيح: فلقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: «إن فاطمة بضعة مني».[18]

 ما معنى بضعة مني؟، النبي صلى الله عليه وآله قال: «حسين مني وأنا من حسين»[19]، وقال: «إن عليا مني وأنا منه»[20]، ولكن فاطمة عليها السلام عبّر عنها بتعبير آخر: «إن فاطمة بضعة مني».[21]

 فالرسول صلى الله عليه وآله لم يقل: (فاطمة مني) مثلما قاله في الإمام الحسين والإمام علي عليهما السلام، بل الزهراء خصها بتعبير «فاطمة بضعة مني».

 البضعة هي: القلب، يعني فاطمة قلبي… قلبي يتمثل في فاطمة، بما أن فاطمة قلبه «صلوات الله وسلامه عليه وآله» فهذا يعني ما أودع في قلبه أودع في فاطمة، وقد أودع الله في قلب الرسول صلى الله عليه وآله القرآن الكريم قال تعالى:﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴾.[22]

 كيف أودع في القلب؟، لم يودع مجرد ألفاظ وسور وآيات، فكل شخص يحفظ القرآن أصبح القرآن في قلبه مجموعة ألفاظ وآيات وسور، وهذه الميزة يشترك فيها المؤمنون والأئمة، وليست مختصة بالزهراء عليها السلام ؟!

 ولذا كي نفهم بماذا اُختصت الزهراء عليها السلام يجب أن نعرف أن القرآن له وجودان، الأول هو (الوجود المُلْكي المادي)، أي: مجرد ألفاظ وسور وآيات، ولكن الوجود الثاني هو (الوجود المَلَكُوتي النوري)، وهو غير الوجود اللفظي، قال عنه تبارك وتعالى:﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾[23]

 هذا الوجود النوري هو الذي تحدّث عنه الله تبارك وتعالى عندما قال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾[24]، إن القرآن بوجوده النوري الملكوتي اختص الله به شخصين «محمد وفاطمة عليهما السلام» ففي قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾[25]، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾[26]، إشارة إلى استيداع قلبه لنور القرآن، وفي قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [27]، إشارة إلى استيداع قلب فاطمة عليها السلام لهذا الوجود النوري للقرآن الكريم.[28]

 إذا فهمتم ذلك ستفهمون أن فاطمة الزهراء عليها السلام اشتركت مع ليلة القدر بكونها وعاءً وظرفاً زمانياً لنزول كل القرآن الكريم، ولذا صحّ أن نشبهها بليلة القدر.

ثالثاً: كلاهما الفاروق: فليلة القدر يُفرَقُ كل أمرٍ أحكمه الله خلال السنة، قال تعالى:﴿ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾[29]، أي: يفرق ما يحدث فيها من الأمور الحتمية وغيرها، وينزل بها روح القدس على إمام الزمان وحجة الله على الخلق، وأن الإيمان بليلة القدر فارق بين المؤمن والكافر، كذلك بفاطمة الزهراء الطيبة الطاهرة المطهرة يفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، والمؤمن والكافر.[30]

 لكون الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها فصار كل من تولاها وأطاعها مؤمن، وكل من تبرأ منها وعاداها كافر، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لفاطمة عليها السلام: “إن الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك”.[31]

 ورغم أن هذا الحديث مروي في كتب الفريقين، إلا أن بعضهم يستكثره على فاطمة عليها السلام، وإليكم الرد الذي رواه الإمام الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله  أنه قال: « يا فاطمة إن الله تبارك وتعالى ليغضب لغضبك، ويرضى لرضاك » قال: فجاء صندل فقال لجعفر بن محمد عليهما السلام يا أبا عبد الله إن هؤلاء الشباب يجيئونا عنك بأحاديث منكرة فقال له جعفر عليه السلام : وما ذاك يا صندل، قال: جاؤونا عنك أنك حدثتهم أن الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها؟ قال: فقال جعفر عليه السلام : يا صندل ألستم رويتم فيما تروون أن الله تبارك وتعالى ليغضب لغضب عبده المؤمن، ويرضى لرضاه؟ قال: بلى، قال: فما تنكرون أن تكون فاطمة عليها السلام مؤمنة يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، قال: فقال له: الله أعلم حيث يجعل رسالته ».[32]

 وبالتأكيد أن الله يرضى لرضى المؤمن ويغضب لغضبه إذا كان على حق، ولكنه لا يرضى عنه إذا كان على باطل، وبما أن فاطمة الزهراء عليها السلام معصومة ومطهّرة من قبل الله تعالى، قال تعالى:﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[33]، لذا فالله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها بشكل مطلق.

 رابعاً: كلاهما مباركان: إن البركة بمعنى النماء والزيادة والخير المستمر والمستقر الدائم والثابت وما يأتي من قبله الخير الكثير[34]، فليلة القدر ليلة مباركة، قال تعالى: ﴿ إنا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾[35]لكونها خيراً من ألف شهر، ويضاعف فيها العمل والثواب كل واحدٍ بألف أو أكثر، ويضاعف فيها عدد العتقاء من النار، والدعاء فيها مستجاب أكثر من غيرها من الليالي والأيام، وغيرها من مصاديق البركة.

 ولما نأتي إلى فاطمة عليها السلام فإن من ألقابها (المباركة) ففيها كل بركات السماوات والأرض، فهي الكوثر في الدنيا والآخرة، قال تعالى:﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾[36]، فمن أبرز مصاديق البركة أن نسل الرسول الأكرم منحصرٌ بها وبإنجابها لسبطي شباب أهل الجنة، وتسعة معصومين من ذرية الإمام الحسين، آخرهم المهدي الذي سيملأ الله به قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، هذا عدا ذراريهم الذين سيستمر نسلهم إلى يوم القيامة، وأيضاً من مصاديق البركة الأجر والثواب العظيم عند القيام بعمل يرتبط بها كتسبيحة الزهراء (٣٤ مرة الله اكبر، و٣٣ مرة الحمد الله، و٣٣ مرة سبحان الله)، فقد روي عن أَبَي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام ‏: « تَسْبِيحُ‏ فَاطِمَةَ عليها السلام فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ صَلَاةِ أَلْفِ رَكْعَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ» [37]

 خامساً: كلاهما فيه تأويل: أغلبنا سمع ما ورد عن الإمام العسكري عليه السلام: «نحنُ حُججُ اللهِ على خلقِه، وجدّتُنا فاطمة حجّةُ اللهِ علينا»[38]

ولكن كيف تكون فاطمة حجّة عليهم؟

 الجواب: لأن السيدة فاطمة أودع الله عندها تأويل القرآن في مصحف فاطمة، وأن مصحف فاطمة ليس قرآناً ولكنه تأويل القرآن -كما في بعض الروايات-، حيث نزل ملك يحدثها ويسليها بعد وفاة أبيها المصطفى، كما نزل ملك على مريم وتحدّث معها قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ﴾[39]، وما نزل على الزهراء عليها السلام من قبل الملائكة تأويل القرآن، فتأويل القرآن وصل إليها عليها السلامومنها وصل إلى علي وإلى بقية الأئمة المعصومين.

 إن علم تأويل القرآن نزل عليها تشريفاً لها، وشاءت حكمته أن يجعل أهل البيت عليهم السلام محتاج إلى البعض الآخر، الزهراء تحتاج إلى علي لأن علياً إمامها، إمام زمانها، وحجة عليها، وعلي يحتاج إلى فاطمة فإن فاطمة معدن لعلم التأويل الذي تلقاه علي وأهل البيت من فم فاطمة عليها وعليهم السلام.

 إذاً بما أن القرآن له تأويل وله تنزيل، تنزيله نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وتأويله نزل على فاطمة الزهراء عليها السلام لذلك صح أن يقال:﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾وأن ليلة القدر فاطمة.[40]

سادساً: كلاهما فيه تقدير: كما هو معلوم أن ليلة القدر هي ليلة التقدير، قال تعالى:﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾[41]، بمعنى في ليلة القدر يتم تقدير كل شيء للإنسان من رزق، وسعادة أو شقاء، حياة أو موت..إلخ.

 وأيضاً لمّا نرجع إلى مسألة مصحف فاطمة فهو -على بعض الروايات الأخرى-مصحف تقدير، يعني: أن الله تبارك وتعالى أنزل ملك يُحدّث فاطمة بما يجري على أبنائها من بلايا، ومن منايا ووقائع وحوادث منذُ الإمام علي وحتى المهدي عليهم السلام، أي: فيه تاريخ أهل البيت عليهم السلام، بعبارة أخرى أُنزل على فاطمة عليها السلام التقدير الخاص بأهل البيت عليهم السلام الذي تم تدوينه في مصحف فاطمة عليها السلام بما يتضمن من تقدير أرزاقهم، وحياتهم وموتهم، ومصائبهم، ووقائعهم.. إلخ

 وبما أن ليلة القدر هي ليلة التقدير، وتقدير أهل البيت نزل على فاطمة، بمعنى أنها مستودع التقدير، لذا صحّ أن يطلق على ليلة القدر بأنها فاطمة. (140)

سابعاً: كلاهما فيه خفاء: فليلة القدر مخفية في ثلاث ليال، التاسعة عشر والحادية عشر والثالثة والعشرين، وكذلك فاطمة عليها السلام فوفاتها مخفية في أيام متعددة، أشهرها بين ثلاث أيام، إما بعد أربعين يوماً من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، وإما بعد شهرين ونصف، وإما بعد ثلاثة أشهر من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، بالإضافة إلى خفاء قبرها، فلذا صحّ أن نطلق على ليلة القدر بفاطمة عليها السلام.

ثامناً: كلاهما لهما السيادة: فليلة القدر سيدة الليالي، وفاطمة عليها السلام سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.

ونضيف لما ذكرناه رأي العلاّمة المجلسي في بيان الخبر ما نصه: وأمّا تأويله-الصادق-عليه السلام ليلة القدر بفاطمة عليها السلام فهذا بطن من بطون الآية، وتشبيهها بالليلة إمّا لسترها وعفافها، أو لما يغشاها من ظلمات الظلم والجور.[42]

الرأي الثاني: العلاقة بين فاطمة عليها السلام وليلة القدر علاقة العلّة والمعلول 

  الرأي الثاني في تفسير الرواية -محل البحث-هو أن العلاقة بين فاطمة عليها السلام وليلة القدر هي علاقة العلّة ومعلولها.. ونقصد بمبدأ العلّية: “إن لكل معلول علّة، أو أن لكل مسبب سببًا”، مثال ذلك: النار سبب في الإحراق وشرب الماء سبب لرفع العطش، وهو من المبادئ العقلية الضرورية، ومن البديهيات الأولية المستغنية عن الدليل والبرهان.

 ولقد ذكرنا في بداية البحث بأن المعرفة المقصودة في قوله عليه السلام: (حق معرفتها)، هي (المعرفة الكمالية) التي ذكرنا أن مضمونها يدور حول هدف الشيء وَالغاية منه.

 وكأنما المعنى هو: من عرف العلّة والغاية من وجود فاطمة عليها السلام سيعرف أنها السبب لوجود ليلة القدر، بعبارة أخرى أن وجود ليلة القدر مرهون بوجود فاطمة عليها السلام.

 وهذا من قبيل الحديث القدسي الذي يرويه لنا جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما»[43]

رُبّ تساؤل يرد: ألا يدلّ هذا الحديث على تفضيل فاطمة على أبيها الرسول وبعلها علي عليهما السلام؟، وأيضاً تفضيل علي عليه السلام على الرسول صلى الله عليه وآله، رغم أننا نعلم يقيناً أن الرسول صلى الله عليه وآله هو خير خلق الله؟

  الجواب: ربما يعتقد السامع لهذا الحديث لأول وهلة أن الأمر كذلك، ولكن يذكر العلماء بأن الحديث فيه (إشارة إلى الأدوار التي أنيطت إلى كل واحد منهم، وأن دور اللاحق مكمّل لدور السابق، وحافظ له، فلولا اللاحق لما تحقق الغرض من السابق، فهي كالسلسلة مرتبطة ومترابطة فيما بينها)[44]

 وللتوضيح نضرب لكم مثالاً -علماً أن الأمثلة تضرب ولا تقاس-:

 لنفترض أن هدفي هو إنشاء بناية وأحتاج لإنشائها إلى عناصر أساسية أهمها: المهندس (وهو المصمم والمشرف)، وإلى الحدّاد (الذي ينفذ تسليح البناء)، وأحتاج إلى النجّار (الذي يدق القوالب لصب الكونكريتConcrete).

 فهنا يمكنني أن أقول: (لولا المهندس ما اشتريت مواد البناء، ولولا الحدّاد لما استدعيت المهندس، ولولا النجّار لما استدعيت المهندس والحدّاد)؛ لأن الهدف لن يتحقق إلا بوجود هؤلاء الثلاثة، فكل منهم وجوده ضروري لتحقيق الهدف، وأيضاً يعتمد وجود كل منهم على وجود الآخر، وإلا لن يتحقق الهدف في إنشاء البناية).

 وأيضاً لما نأتي إلى حجج الله على البرايا سنجد أنهم العلة الغائية وأن الكون قد خلق من أجلهم، انتبهوا للحديث القدسي في حديث الكساء ماذا قال؟ (…فَقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يا مَلائِكَتي وَيا سُكَّانَ سَماواتي إِنّي ما خَلَقتُ سَماءً مَبنَّيةً وَلا أرضاً مَدحيَّةً وَلا قَمَراً مُنيراً وَلا شَمساً مُضيِئةً وَلا فَلَكاً يَدُورُ وَلا بَحراً يَجري وَلا فُلكاً يَسري إِلاّ في مَحَبَّةِ هؤُلاءِ الخَمسَةِ الَّذينَ هُم تَحتَ الكِساءِ، فَقالَ الأَمِينُ جِبرائِيلُ: يا رَبِّ وَمَنْ تَحتَ الكِساءِ؟ فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: هُم أَهلُ بَيتِ النُّبُوَّةِ وَمَعدِنُ الرِّسالَةِ هُم فاطِمَةُ وَأَبُوها، وَبَعلُها وَبَنوها…)

 (إذاً يظهر من هذا الحديث ومن خلال عدة أحاديث مأثورة أن الأفلاك والموجودات ما خُلقت لولا رسول الله: (يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك)، وهذه العبارة مطابقة لمضمون كثير من الأحاديث الولائية سواءً كانت من كتب الخاصة أو العامة. ولتوضيح المطلب سنطرحه بالنقاط الآتية:

أولاً: حينما نسأل، لماذا خلق الله الكون والأفلاك؟ فإن الجواب يأتي من القرآن الكريم وهو أن الله خلق الكون والحياة من أجل الإنسان، لأنه قال:﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾[45]، وقال :﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ﴾[46]، وسخر كل شيء في السماوات، وكل شيء في الأرض، وسخرها في خدمة الإنسان؛ لأنه حينما يقول: (سَخَّرَ) فإن ذلك يعني أنه جعلها في خدمة الإنسان مسخرة له يتصرف بها كيف يشاء، مثل تسخير القمر والبحر للإنسان، فمن القمر ننتفع بالضوء ومن البحر ننتفع بالماء، وكما أن القمر يحمل السفن الفضائية على ظهره، كذلك البحر يحمل السفن الشراعية على ظهره أيضاً.

إذاً: فالجواب على السؤال المتقدِّم: لماذا خلق الله الأفلاك والكون، والحياة؟ أقول: الجواب، خلقها من أجل الإنسان كما صرح بذلك القرآن الكريم في أكثر من مائة آية كلها تؤكد المعنى وتصب اهتماماً في هذا الجانب بكلمة: سخر، وجعل…الخ.

نسأل، لماذا خلق الله الإنسان؟ ويأتي الجواب من القرآن أيضاً: إنه للعبادة،﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾[47].  والعبادة لا تتحقق إلا بشروط، ومن أهم تلك الشروط:  معرفة الطريق، وكشف الوسيلة، ووجود القائد، لأنه من دون القائد لا يمكن الانطلاق في اتجاه صحيح، ولذلك صار القائد الإمام المعصوم، ومعنى ذلك: إن فقدان القائد يعني فقدان العبادة، وإذا فقدت العبادة انتفت الحكمة من وجود الإنسان، وإذا انتفت الحكمة من وجود الإنسان لم يعد لوجود الأفلاك معنى؛ لأن الأفلاك إنما وجدت بوجود الإنسان الذي يعبد الله ولذلك عندما تقوم الساعة وينتهي دور الإنسان في الحياة فإن الكواكب والنجوم والأفلاك كلها تتمزق شذر مذر وينتهي دورها:﴿ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [48]، ويقول:﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [49]، ويقول القرآن الكريم :﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾[50]،﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾[51].

وعليه فمن كل ما تقدم نخرج بالنتيجة الآتية:

إن الله سبحانه -لولا الحبيب المصطفى-لم يخلق الكون ولا الأفلاك، ولأن هذه الحكمة لا تسقط بموت النبي وإنما تستمر الحكمة من خلال الأئمة الطاهرين أجمعين)[52]

ثالثاً: إن الرسول صلى الله عليه وآله بنى سفينة النجاة -الدين الإسلامي-طوال 23 سنة، فهل يعقل أن يترك السفينة بلا قائد أو قبطان يقودها بعد رحيله؟

 نعم، إن الله تعالى قال:﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾[53]، ولكنه قالها بعد أن عيّن ونصّب في يوم غدير خم القائد والقبطان المؤهل الذي سيتولى أمر قيادة الأمة من بعد رحيله.

قد يقال: ولكن الرسول صلى الله عليه وآله ترك لنا القرآن الذي هو تبيان لكل شيء، قال تعالى:﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾[54]!!

 ويرد عليه بأن القرآن له ظاهر وباطن،﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُون ﴾أي: لا يدركه ويفهمه إلا من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وهم الأئمة الأطهار عليهم السلام.

  فالرسول صلى الله عليه وآله لم يبيّن للأمة كل ما تحتاج إليه إلى قيام الساعة، بل أعطاها ما تحتاج إليه وأودع ما تحتاج إليه بقية الأمة عند الإمام علي باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآلهحتى أن مصادر أهل السنّة تذكر عن ابن عباس بأنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «أنا مدينة العلم، وعلى بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب». وقد رواه في المستدرك ومصادر أخرى.

 فنحن لمّا نأتي إلى القرآن سنجد أن فيه ما يقارب من 500 حكماً، والسنّة التي تركها الرسول بالطبع لا تكفي لتضع منهاجاً كاملاً يسد حاجة البشرية إلى قيام الساعة، لذا فوجود أوصياء وأئمة من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله منصّبين من قبل الله تعالى يتوارثون علوم رسول الله صلى الله عليه وآله أمر ضروري لتحقيق الغاية من خلق الإنسان.

رابعاً: رُبّ تساؤل يرد: ولكن كلامكم يعني أنه لولا علي لما خلق الله الرسول، ولولا حجج الله على البرايا من الحسن والحسين والتسعة المعصومين من ذرية الإمام الحسين لَمَا خلق الله الرسول وعلي عليهما السلام، ولذا فالأمر لا يختص بفاطمة عليها السلام؟

  الجواب باختصار: لكون السيدة فاطمة عليها السلام هي قطب الرحى والمحور، هي حلقة الوصل بين النبوة والإمامة، انتبهوا ماذا قال جبرائيل في حديث الكساء (فَقالَ الأَمِينُ جِبرائِيلُ: يا رَبِّ وَمَنْ تَحتَ الكِساءِ؟ فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: هُم أَهلُ بَيتِ النُّبُوَّةِ وَمَعدِنُ الرِّسالَةِ هُم فاطِمَةُ وَأَبُوها، وَبَعلُها وَبَنوها..)، فجبرائيل من عباد الله الذين لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، فأول اسم ذكره هو (فاطمة) وربط من تبقى تحت الكساء بها -بالضمير المتصل(حرف الهاء)- أي: جعل فاطمة قطب الرحى.

  ولتوضيح ذلك نقول:

  إن الأئمة المعصومين من ذرية الإمام علي عليه السلام حتى ينتقل إليهم إرث النبوة وإرث الإمامة فهذا الأمر  يحتاج إلى وعاء طاهر مطهّر  يسع هذا الإرث ويتحمله، ولم تكن في الدنيا امرأة أكمل ولا أطهر من السيدة فاطمة عليها السلام، فهي الحوراء الأنسية، لذا فقد نقلت إلى الحسنين إرث النبوة لكونها ابنة المصطفى، ونقلت إليهما إرث الإمامة لكونها زوج علي، لذا نقرأ في زيارة وارث: (السَّلامُ عـَلَيـْكَ يا وارِثَ آدَمَ صـَفـُوةِ اللهِ، السَّلامُ عـَلَيْكَ يا وارِثَ نـوُحٍ نَبــِيِ اللهِ، السَّلامُ عـَلَيـْكَ يـا وارِثَ إبـراهيـمَ خـَليـلِ اللهِ، السَّلامُ عـَلَيـْكَ يا وارِثَ موســى كـَليِم اللهِ، السَّلامُ عـَلَيـْكَ يـا وارِثَ عـيـسى روُحِ الله، السَّلامُ عـَلَيْكَ يا وارِثَ مـُحـَمـّدٍ حـَبـيبِ اللهِ، السَّلامُ عـَلَيـْكَ يـا وارِثَ اَميرِ المُؤمِنينَ وَلَيِ اللهِ..)، والمقصود بإرث النبوة والإمامة إرثهم للكمالات من علوم ربانية ومقامات وكرامات وغيرها.

 لذا فعدم وجود السيدة فاطمة عليها السلام يعني عدم وجود أئمة معصومين وارثين لإرث النبوة والإمامة من بعد الإمام علي عليه السلام، وهذا يعني أن الأرض ستخلو من حجة بعد الإمام علي عليه السلام، وعلى هذا سينتفي الغرض من خلق الإنسان.

  السؤال المطروح هو: فَهِمْنا أن للسيدة فاطمة علاقة بوجود الأئمة المعصومين، ولكن ما علاقة فاطمة بليلة القدر؟

 الجواب: ما ذكرناه له علاقة بليلة القدر لكون ليلة القدر مرهونة بوجود الأئمة الأطهار عليهم السلام لكون الملائكة تتنزّل في ليلة القدر، قال تعالى:﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾[55]، ولكن على مَنْ تتنزّل الملائكة؟

  الجواب: تتنزّل في ليلة القدر على الحجّة المنصب من قبل الله تعالى في ذلك الزمان، كما كانت تتنزل على الرسول صلى الله عليه وآله في زمانه، ومعلوم أن ليلة القدر مستمرة إلى قيام الساعة، فإذاً لا بد من وجود أئمة معصومين من بعد رسول الله تتنزل الملائكة على كل واحد منهم ليتم تقدير الأمور.

 إذاً نفهم من ذلك لولا وجود فاطمة لما وجد الأئمة ولن يبقى لليلة القدر معنى لكونها قائمة بنزول الملائكة على الأئمة إلى قيام الساعة.

 ما طرحناه في هذا البحث هو مقام واحد من مقاماتها العديدة… ولذا الرسول صلى الله عليه وآله كان يكنُّ لفاطمة عليها السلام محبة كبيرة وكان يوصي بها خيراً.

 ولكن هل راعت الأمة الأمانة وحفظت الوصية؟

  كلا، بل إنها غدرت بالرسول وبوصيته بعد وفاته مباشرة وخانت الأمانة حينما غصبوا الخلافة من أهلها، وغصبوا من فاطمة أرض فدك ولم يكتفوا بذلك حتى حرقوا دارها وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها ولطموا خدّها…وفوق كل ذلك قيّدوا زوجها أمير المؤمنين عليه السلام وأخرجوه ليجبروه على بيعة الأول.

حيث تذكر لنا كتب السيرة والتاريخ: أنه لما أسقطت فاطمة جنينها أغمي عليها ودخل القوم فاقتادوا علياً إلى المسجد من أجل البيعة فلما أفاقت عليها السلام التفتت إلى ابنتها زينب وقالت بنية أين أبوك عليّ؟ قالت: أماه لقد أخرجوه من الدار فقامت فاطمة وخرجت خلف أمير المؤمنين عليه السلام تقع تارة وتقوم أخرى. أقول: بأية حالة قادوا أمير المؤمنين؟ يقول المؤرخون وضعوا حبالا في عنقه وأخرجوه إلى المسجد قهرا وعندما تراءى له قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاح: (يابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني).

هذا وفاطمة من خلفه ومعها الحسنان ونساء بني هاشم وهي تنادي، والذي بعث محمدا بالحق نبيا لئن لم تخلوا عن ابن عمي لأنشرن شعري وأضعن قميص رسول الله على رأسي وأصرخن إلى الله فما صالح بأكرم على الله من أبي، ولا الناقة بأكرم مني، ولا الفصيل بأكرم من ولدي.

(بحر طويل)

تاليها الشجاني اوزاد همّي او هيَّجه الغمِّي وارخص غالي ادموعي واجره امن الجفن دمِّي
يوم الصاحت الزهره خلوا عن ابن عمى صاح افلان يا قنفذ ولك بالسوط رد ليها
رد ليها اولوعها او روعها وهي اتنادي لفرع واشتكي لله ابكل اللي عَلَي ساد
يو خلوا علي الكرار لا اتيتمون ويلادي تصرخ والعصه ويلاه تتلوه على ايديها

(أبوذية)

انشد عن مصابيها وسلها  كتلها ابعصرته الظالم وسلها 
يشيعي ابچي اعله عملتها وسلها  او صب ادموع علزهره الزچيه

نعم لقد أخذوا أمير المؤمنين إلى مجلس الرجل والقوم يقولون له يا علي بايع وإلا ضربت عنقك، فلما سمع الحسنان قول القائل يا على بايع أو نضرب عنقك رفعا أصواتهما بالبكاء فلما سمع أمير المؤمنين عليه السلام ذلك قال لهما: لا تبكيا إنهما لن يقدرا على قتل أبيكما.[56]

(نصاري)

لحسن وحسين دمعتهم جريه  يريت ايشوفهم سيد البرية 
وابوهم علي حامي الحميه  راسه امكشّف او بالحبل ينجر 

(أبوذية)

اشلون الخصم للزهره تجره  دفعها او من صدرها الدم تجره 
ألف ما تگدر الحيدر تجره وخذوه مكتوف حمّاي الحميه[57] 

[1] ديوان شعراء الحسين عليه السلام.

[2] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ محمد الهنداوي-ج4-ص55-56.

[3] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٤٣ – ص ٦٥.

[4] الروم/7.

[5] الحجرات/12.

[6] تفسير البحر المحيط -السيد حيدر الآملي-ج 1 / 203.

[7] التفسير الصافي -الفيض الكاشاني-ج ١ -ص ٣١.

[8] بحار الأنوار-المجلسي-ج 43 -ص 65، ومستدرك سفينة البحار -ج 9 -ص 298.

[9] الكافي –الشيخ الكليني-ج ١ -ص ٤٤.

[10] بحار الأنوار-المجلسي-ج 43 -ص 65، ومستدرك سفينة البحار -ج 9 -ص 298.

[11] القدر/2.

[12] الأسرار الفاطمية -الشيخ محمد فاضل المسعودي-ص 396.

[13] القارعة/3.

[14] الحاقة/3.

[15] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.com/ الأسئلة العقائدية/فاطمة الزهراء (ع)/معنى السر المستودع فيها(3).

[16] القدر/1.

[17] الأسرار الفاطمية -الشيخ محمد فاضل المسعودي– ص370-بتصرف.

[18] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج ٤٣ – ص ٢٠٢ .

[19] صحيح الترمذي: 2 / 307.

[20] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج ٣١ -ص ٦٥٥.

[21] موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) -الشيخ هادي النجفي-ج ١-ص191.

[22] الشعراء/193-194.

[23] الشورى/52.

[24] الحشر/21.

[25] الدخان/3.

[26] الشعراء/193-194.

[27] القدر/1.

[28] موقع العلامة منير الخباز/ almoneer.org/المكتبة الصوتية والمرئية/ شهر رمضان المبارك/ رمضان المبارك عام 1429/فاطمة ليلة القدر(ج3) -بتصرف.

[29] الدخان/3-4.

[30] الأسرار الفاطمية -الشيخ محمد فاضل المسعودي-ص 370.

[31] رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص154، ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد، ورواه أيضاً الهيثمي في (مجمع الزوائد ج9 ص 203) وقال رواه الطبراني وإسناده حسن.

[32] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج ٤٣ -ص ٢٢.

[33] الأحزاب/33.

[34] الأسرار الفاطمية -الشيخ محمد فاضل المسعودي-ص 371.

[35] الدخان/3.

[36] الكوثر/1.

[37] الكافي-الكليني-ج 3 -ص 343.

[38] تفسير أطيب البيان -السيد عبد الحسين الطيب-22 / 82 ذيلُ الآيةِ 3 مِن سورةِ الجن.

[39] آل عمران/24.

[40] موقع العلامة منير الخباز/ almoneer.org/المكتبة الصوتية والمرئية/ شهر رمضان المبارك/ رمضان المبارك عام 1429/فاطمة ليلة القدر(ج3) -بتصرف.

[41] الدخان/4.

[42] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج ٢٥ -ص ٩٩.

[43] تفسيرِ أطيبِ البيان -السيد عبد الحسين الطيب-22 / 82 ذيلُ الآيةِ 3 مِن سورةِ الجن.

[44] مركز الرصد العقائدي/ alrasd.net / الأسئلة والأجوبة/تراث اسلامي/ولولا فاطمة لما خلقتكما.

[45] الملك/2.

[46] النحل/12.

[47] الذاريات/56.

[48] الحاقة/14.

[49] طه/105.

[50] الانشقاق/1.

[51] التكوير/2.

[52][52] الأسرار الفاطمية -الشيخ محمد فاضل المسعودي-الصفحة ٢٣٣-234.

[53] المائدة/3.

[54] النحل/89.

[55] القدر/4.

[56] وفاة الصديقة-عبد الرزاق المقرم-ص 63.

[57] مجمع مصائب أهل البيت الله-الشيخ & الهنداوي-ج4-ص56-58.