
لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
يَوْمُ 10 رَمَضَانَ: وَفَاةُ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ الْكُبْرَىٰ عليها السلام
عنوان المُحَاضَرَةُ: مَخَاطِرُ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاُولَى﴾.[1]
من الآيات القرآنية التي تأمر المرأة برعاية العفة هي قوله تعالى: [وَلاٰ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجٰاهِلِيَّةِ اَلْأُولىٰ][2].
الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: التَّبَرُّجُ وَالسُّفُورُ
لكي نقف على مفهوم الآية الكريمة ينبغي أن نسلط الضوء على بعض مفرداتها.
المفردة الأولى التي تحتاج إلى توضيح هي كلمة (التبرج) في قوله تعالى: ﴿َلا تَبَرَّجْنَ﴾. [3]
إن التبرّج مأخوذ من البُرج، وهو الأمر الظاهر المرتفع، ومعناه: إظهار المرأة زينتها وإبداء محاسنها للرجال[4]، ممّا يستدعي إثارة شهوتهم[5]. أي أنّ هناك علاقة بين التزّين والتبرج، فالتزيّن بمعنى اتّخاذ الزينة لتحسين الشيء وتجميله[6]. والتبرّج: إظهار تلك الزينة للأعمّ ممّن يحلّ له النظر إليها أو لا يحلّ. لذا يذكر الفقهاء بأن التبرّج على قسمين:
الأوّل: ما هو جائز، كتبرّج المرأة لزوجها أو تبرّجها أمام المحارم من الرجال مع أمن الريبة، أو أمام الصبيّ والمجنون، أو أمام النساء.[7]
الثاني: ما هو محرّم، كتبرّج المرأة المسلمة وظهروها أمام الرجال الأجانب بزينتها أو إبداء محاسنها لهم، رغم أن الله تعالى حرّم تزّين المرأة أمام الرجال الأجانب، لقوله تعالى:﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [8]، وهذا النوع المحرم من التبرج قد ذكره تعالى في الآية قيد البحث، ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاُولَى﴾ [9]، كذلك أشير في الأحاديث وكتب التفسير.[10]
لكن ما هو المراد من «الجاهلية»؟
يقول السيد ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره للآية قيد البحث[11]: (الظاهر أنّها الجاهلية التي كانت في زمان النّبي صلّى اللّه عليه وآله، ولم تكن النساء محجّبات حينها كما ورد في التواريخ، وكنّ يلقين أطراف خمرهن على ظهورهنّ مع إظهار نحورهنّ وجزء من صدورهنّ وأقراطهنّ وقد منع القرآن الكريم أزواج النّبي من مثل هذه الأعمال.
ولا شكّ أنّ هذا الحكم عامّ، والتركيز على نساء النّبي من باب التأكيد الأشدّ، تماما كما نقول لعالم: أنت عالم فلا تكذب، فلا يعني هذا أنّ الكذب مجاز ومباح للآخرين، بل المراد أنّ العالم ينبغي أن يتّقي هذا العمل بصورة آكد.
إنّ هذا التعبير يبيّن أنّ جاهلية اخرى ستأتي كالجاهلية الاولى التي ذكرها القرآن، ونحن نرى اليوم آثار هذا التنبّؤ القرآني في عالم التمدّن المادّي، إلا أنّ المفسّرين القدامى لم يتنبّئوا ويعلموا بمثل هذا الأمر، لذلك فقد جهدوا في تفسير هذه الكلمة، ولذلك عدَّ بعضهم الجاهلية الاولى هي الفاصلة بين «آدم» و «نوح»، أو الفاصلة بين عصر «داود» و «سليمان» حيث كانت النساء تخرج بثياب يتّضح منها البدن، وفسّروا الجاهلية العربية قبل الإسلام بالجاهلية الثّانية! ولكن لا حاجة إلى هذه الكلمات كما قلنا، بل الظاهر أنّ الجاهلية الاولى هي الجاهلية قبل الإسلام، والتي أشير إليها في موضع آخر من القرآن الكريم -في الآية (143) من سورة آل عمران، والآية (50) من سورة المائدة، والآية (26) من سورة الفتح – والجاهلية الثّانية هي الجاهلية التي ستكون فيما بعد، كجاهلية عصرنا). [12]
لقد تنبأ المعصومون عليهم السلام عن ذلك، ومنهم أمير المؤمنين عليه السلام، حيث روى الأصبغ بن نباتة عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: “سمعته يقول: يظهر في آخر الزمان واقتراب الساعة -وهو شر الأزمنة – نسوة كاشفات عاريات، متبرجات من الدين، داخلات في الفتن، مائلات إلى الشهوات، مسرعات إلى اللذات، مستحلات للمحرمات، في جهنم خالدات”.[13]
فالمرأة التي تضع المكياج، أو تركّب الرموش والأظافر، أو تصبغها، تُعدّ متبرجة، كما تُسمى أيضًا (سافرة). وكذلك الحال لمن تضع عدسات العين الملوّنة، أو تنفخ شفتيها، أو ترتدي الملابس الضيّقة، أو الشفافة، أو المزخرفة، أو ذات الألوان الجذّابة التي تلفت النظر، أو الملابس غير الساترة لأجزاء البدن، فكلّ ذلك يدخل في نطاق التبرج والسفور.
وكل امرأة تستعرض نفسها، وتظهر زينتها وجمالها للأجانب، أو تقوم بأي فعل يلفت أنظار الرجال، تُوصف بالتبرّج والسفور.
قد تقول إحداكن: لكن المتعارف عليه لدينا أن السافرة هي من تكشف شعرها أمام الرجال الأجانب، أما التي تستر شعرها بالخمار أو الحجاب، فلا تُعدّ سافرة، حتى لو كانت متبرجة!
الجواب: إن هذا المفهوم غير صحيح، وسيتم توضيحه كالآتي:
السفور لغة: الظهور والوضوح، قال ابن فارس: السين والفاء والراء أصلٌ واحد يدلُّ على الانكشاف والجَلاء. ومن ذلك السَّفَر، سمّي بذلك لأنّ الناس ينكشفون عن أماكنهم[14].
والسفور بالمعنى الاصطلاحي يشير إلى كشف الوجه أو أي جزء من أجزاء من الجسد دون ستر. ولكن استثنى الفقهاء إلى جواز أن تكشف المرأة عن وجهها وكفيها أمام الأجنبي، بشرط الالتزام ببعض الضوابط، ومنها: عدم الخوف من الوقوع في الحرام، وأن لا يكون الكشف بداعي إيقاع الرجل في النظر المحرم[15]، وأن لا يكون مزيّناً. وبعضهم أضاف شرطًا آخر وهو: أن لا يكون جمال المرأة لافتًا للنظر. ولكن بعضهم الآخر من الفقهاء كالسيد الخوئي (ره) احتاط وجوباً بستر وجهها بغض النظر عن هذه الشروط.[16]
باختصار: السافرة بمعنى (الكاشفة)، ويشمل كل من كشفت جزءاً من أجزاء البدن المحرّم إظهاره أمام الرجال الأجانب، لأن كل جزء منه هو حدّ من حدود الله وجب على المرأة ستره، قال تعالى: [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا][17]، فتارة المرأة تُسْفِر -أي تكشف- عن شعر رأسها، وأخرى تُسفر عن جزء من ذراعها أو ساقها، وقد تغطي شعر رأسها وساقيها وذراعيها ولكنها تُسْفر عن تفاصيل جسدها بلبس الثياب الضيقة، أو تسفر عن زينتها أمام الرجال الأجانب كأن تضع المكياج في وجهها أو تصبغ الأظافر.. فحينها يصح أن نطلق على كل واحدة منها بأنها (سافرة).
غاية الأمر أن هناك تفاوتًا في السفور: فبعض النساء يسفرن عن الكل، وبعضهن يسفرن عن الجزء. لكن النتيجة واحدة. على سبيل المثال: من يُصلي بعض الصلوات ويترك أخرى يُعد تاركًا للصلاة، سواء ترك جميع الصلوات أو بعضها. وبالمثل، من قتل تسعين شخصًا يُسمى قاتلًا، ومن قتل شخصًا واحدًا يُسمى قاتلًا أيضًا. فكلمة “المحجبة” لا تُطلق إلا على المرأة التي تلتزم بالحجاب الشرعي الكامل، مع مراعاة جميع الضوابط الشرعية. أما إذا قصّرت في هذه الشروط، مثل الخروج متبرّجة أو ارتداء الملابس الضيقة، فهي تُعد سافرة.
ولكن مع شديد الأسف في المدّة الأخيرة صار الناس يطلقون كلمة “المحجبة” على كل من تضع قطعة قماش على رأسها، حتى لو لم تلتزم ببقية الضوابط الشرعية. وهذا أدى إلى تشجيع بعض النساء على التهاون في هذا الحكم والتجاوز عليه تدريجيًا. وصدق اَلنَّبِيُّ صلى الله عليه وآله حينما قال: «كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَتْ نِسَاؤُكُمْ وَفَسَقَ شَبَابُكُمْ وَلَمْ تَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ تَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ قِيلَ وَيَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ قَالَ نَعَمْ وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَتَيْتُمْ بِالْمُنْكَرِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ اَلْمَعْرُوفِ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ اَلْمَعْرُوفَ مُنْكَراً وَاَلْمُنْكَرَ مَعْرُوفاً».[18]
وأما كلمة المحجّبة فلا تطلق إلا على المرأة الملتزمة بالحجاب الشرعي الكامل الذي قد راعت فيه كل الضوابط الشرعية التي ذكرها الفقهاء من كونه ساترا لبدن المرأة، وخالياً من الزينة، ويكون فضفاضاً عريضاً، ولا يكون من لباس الشهرة، ولا يترتّب على اللباس بعض العناوين المحرمة: كالتشبّه بالكفار، أو التشبه بالرجال.
وإلا إذا قصرّت في بعض هذه الشروط كأن تخرج متبرجة او ترتدي ثياباً ضيقة وما شابه فهي سافرة حتى لو كانت ساترة لشعر رأسها.
سؤال: هل يُعقل أن نُساوي بين السافرة سفورًا كليًّا، كمن تُظهر محاسن شعرها وبدنها، وبين السافرة سفورًا جزئيًّا، كمن تغطي شعرها لكنها تُبرز مفاتن بدنها بارتداء الملابس الضيقة؟
الجواب: من الناحية الشرعية، لا يمكن المساواة المطلقة بين السفور الكلي والجزئي، إذ إنهما يختلفان في الدرجة، لكنهما يشتركان في مخالفة أمر الله تعالى، أي أن كلتيهما عاصيتان.
أمثلة توضيحية على درجات السفور والتبرج:
1. المرأة التي تكشف شعرها وتتزين، وتبرز مفاتنها أمام الرجال الأجانب، كمن ترتدي الملابس الضيقة والمجسّمة، تعدّ سافرة ومتبرجة بدرجة (9) من 10.
2. المرأة التي تغطي شعرها وترتدي ثيابًا واسعة وجوارب سميكة، لكنها تضع مساحيق التجميل على وجهها، تعدّ متبرجة بدرجة (2-5) من 10، حسب نوع وكثافة المكياج.
3. المرأة التي تغطي شعرها وترتدي ثيابًا عريضة، لكنها ترتدي جوارب شفافة تصف قدمها، تُعد متبرجة بدرجة (2) من 10.
إذن، التبرج لا يقتصر على كشف الشعر فقط، بل يشمل كل ما يبرز الزينة والمفاتن أمام الأجانب، وعليه فإن العقاب يتفاوت حسب درجة السفور والتبرج، فكلما زادت الدرجة زاد العقاب، سواء كان دنيويًا أو أخرويًا.
إنّ هذا التدرج في المسؤولية والعقاب ليس أمرًا مستحدثًا، بل هو مبدأ قانوني متعارف عليه في جميع التشريعات. للتوضيح سنذكر أمثلة من القوانين الرسمية:
1. من يرتكب الغش فقط يُعاقب بالسجن لمدة ستة أشهر إلى عامين حسب نوع الغش.
2. من يغش ويسرق أموالًا كبيرة قد يُحكم عليه بالسجن حتى 15 عامًا.
3. من يغش ويسرق ويقتل يُعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد.
وبالمثل، فإن العقوبة الأخروية تتفاوت حسب عدد المخالفات ونوعها، وحجمها، ومدتها، لكنها لا تُرفع تمامًا إلا بالتوبة الصادقة.
الْمَبْحَثُ الثَّانِي: مَخَاطِرُ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ
يترتب على التبرج والسفور آثار عديدة، منها آثار دنيوية، ومنها آثار أخروية، ولقد ذكرنا في محاضرة (فلسفة الحجاب)[19] الآثار الدنيوية المحسوسة التي أثبتتها الدراسات والاحصائيات الحديثة، ولكن هناك آثار دنيوية غير محسوسة -لا تدركها الحواس-، وآثار أخروية لا بد من التطرق إليها كتكملة لبحث (فلسفة الحجاب)، وسنذكرهما في المطلبين الآتيين:
الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: الْآثَارُ الدُّنْيَوِيَّةُ غَيْرُ الْمَحْسُوسَةِ
إن أهم الآثار الدنيوية غير المحسوسة المترتبة على سفور النساء هي كالآتي:
1. اللعن: أي البعد عن رحمة الله -أعاذنا الله وإياكم من غضبه وسخطه- فقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “سَيَكُونُ آخِرُ أُمَّتِي نِسَاءً كَاسِيَاتٍ عَارِيَاتٍ عَلَى رؤوسهن كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ”[20]
وورد اللعن في نص آخر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال: ” سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى السُّرُوجِ، كَأَشْبَاهِ الرّحالِ يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ، الْعَنُوهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ …”.[21]
ومن المعلوم إن الأنسان يكون ملعوناً إذا آذى الله ورسوله بدليل قوله: [إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا].[22]
ولا شك أن السفور والتبرج مما ينافي تعاليم الدين، إذ إن المرأة السافرة، منذ خروجها من بيتها دون حجاب شرعي إلى حين عودتها، تكون في حالة إيذاء لله ورسوله وأهل بيته عليهم السلام. فإن كانت موظفة، أو طالبة، أو عاملة، فإن مدة هذا الإيذاء تتناسب مع عدد ساعات انكشافها أمام الرجال الأجانب، والتي قد تصل في العادة إلى 6-8 ساعات يوميًا.
فكيف لمن تمادت في هذا الأمر أن تُرجى لها رحمة الله، وهي تعيش في حال من المخالفة الصريحة لأوامره؟ أليس من الأولى أن تخشى غضبه وعقوبته، وقد توعد الله من يؤذيه ورسوله باللعنة في الدنيا والآخرة، أي الطرد من رحمته؟!
اعتراض محتمل: كيف يتأذى رسول الله صلى الله عليه وآله بسفور النساء وهو في عالم آخر؟
والجواب أن النبي وأهل بيته عليهم السلام على علمٍ بأفعال العباد وأعمالهم اليومية، وهذا ثابت بالنصوص الشرعية التي تؤكد عرض الأعمال عليهم. فقد روي عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام: “تعرض الأعمال على رسول الله صلى الله عليه وآله أعمال العباد كل صباح أبرارها وفجارها فاحذروها، وهو قول الله عز وجل: (وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)[23]وسكت”. [24]
وهذا يعني أن المرأة المتبرجة والسافرة تبقى ملعونة في كل لحظة من لحظات تبرجها وسفورها، لأنها في حالة عصيان مستمر، وتأثيرها السلبي على المجتمع لا يتوقف، مما يستوجب اللعن والطرد من رحمة الله، كما توعدت بذلك النصوص الشرعية.
2. التلوث الروحي:
في عالمنا المادي، نجد أن المادة المكشوفة تكون أكثر عرضة للتلوث والتلف، وهذا المبدأ ينطبق تمامًا على القلب والروح. خذ على سبيل المثال: قطعة الحديد اللامعة؛ إذا تعرضت للرطوبة والأوساخ، تبدأ بالصدأ والتآكل تدريجيًا حتى تفقد بريقها وتضعف قوتها. والأمر ذاته ينطبق على المرآة الصافية التي تعكس النور بنقاء، فإذا تراكمت عليها الأوساخ، فقدت شفافيتها وأصبحت معتمة، فلم تعد تعكس الحقيقة كما كانت.
وهكذا هو القلب الإنساني؛ فهو في أصله طاهر نقي عند الولادة، لكن عندما يصل الإنسان إلى سن التكليف، ويذنب ويعصي تبدأ الذنوب بالتراكم على قلبه، فتشكل حاجزًا يحجبه عن إدراك الحق، حتى يصبح كالأعمى عن رؤية النور، كما قال تعالى: [كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ][25]، ومن الذنوب التي تلوث القلب وتضعف صفاء الروح: التبرج والسفور، من أجل ذلك أمرنا الله تعالى إلى ضرورة الحجاب لحفظ طهارة القلوب، قال تعالى:﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ﴾.[26]
إن القلب البشري يتأثر بأعماله وبكل ما يحيط به؛ بالكلمة، والنظرة، والاختلاط، والجوّ الحميم، حتى دون أن يدرك الإنسان ذلك. فالتلوث الروحي غير مرئي لكنه يتراكم تدريجيًا، ويظهر أثره مع مرور الوقت على السلوك، والأفعال، والطباع. وهو يشبه المرض الخبيث الذي ينمو في الجسد بصمت، فإن غفل عنه الإنسان استفحل، أما إن أدركه مبكرًا، استطاع معالجته قبل أن يستفحل أثره.
ويترتب على تلوث القلب بالذنوب الآثار الآتية:
أولًا: قسوة القلب: إن الذنوب المتراكمة -ومنها: التبرج والسفور- ينتج عنها قسوة القلب، ورد عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: “وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب” [27]، ومن علامات قسوة القلب الاستخفاف بالصلاة والعبادة، وعدم الرغبة في تعظيم الشعائر الدينية، والميل لسماع الأغاني ورغبة في التمرد على قوانين الله.
ثانياً: زوال البركة: قال الإمام الصادق عليه السلام: “احذروا الذنوب؛ فإن العبد ليذنب فيحبس عنه الرزق”[28]، -وقد ذكرنا في المحاضرة الأولى أثر الذنوب في محو البركة-.
ثالثاً: ضيق الصدر: قد تظنّ المرأة المتبرجة أن إبراز زينتها وكشف محاسنها سيمنحها الشعور بالسعادة والرضا، لكنها سرعان ما تكتشف العكس، إذ تعيش في ضيق نفسي مستمر، يرافقه كثرة الهموم والاضطرابات، وفقدان الإحساس بالراحة والطمأنينة.
وهذا الشعور لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة الإعراض عن ذكر الله من خلال المخالفة العملية لأوامره، حيث أمرها بالحجاب، لكنها خالفته، فانقلبت النتيجة إلى شقاء نفسي، كما أشار الله تعالى في قوله: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى]. [29]
رابعاً: الذلة والمهانة: قال تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾[30]، توضح هذه الآية أن من يختار المعصية ويعرض عن طاعة الله يُحرم من الكرامة الإلهية، ويعيش في ذل نفسي واجتماعي في الدنيا، ويكون مصيره الخزي والعذاب في الآخرة.
إن المرأة المتبرجة والسافرة تشبه الفقير الذي يستجدي الصدقة من الآخرين، لكنها تستجدي نظرات الإعجاب وكلمات الغزل، فتفقد وقارها وهيبتها، وتتحوّل إلى محط أنظار غير محترمة، بل قد تتعرض للامتهان في المعاملة وعدم التقدير.
إضافة إلى ذلك، فإن تخليها عن الحياء والعفة يجعلها عرضة لاغتياب الناس، سواء كانوا صالحين أم طالحين، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له»[31]، وهذا يعني أنها، باختيارها التبرج، تهين نفسها بنفسها قبل أن يُهينها الآخرون، فتعيش في ذلّة الدنيا، وتلقى إهانة أعظم في الآخرة، حين تقف أمام الله وقد خالفت أوامره.
خامساً: سلب التوفيق: التوفيق الإلهي هو نعمة عظيمة لا تُمنح إلا للمتقين، الذين يسيرون على طريق الطاعة ويلتزمون بأوامر الله. أما المتبرجة، فهي تحرم نفسها من هذه الرحمة الخاصة، لأنها اختارت أن تعرض عن أوامر الله، ولم تسعَ لامتلاك ملكة التقوى التي تمنع الإنسان من ارتكاب المعاصي.
والنتيجة الحتمية لذلك أن الله ينساها ويحجب عنها رحمته وتوفيقه، لأنها نسيت أوامره وتجاوزت حدوده، كما قال تعالى: [وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا].[32]
3. تحمّل آثار المتابعين والمقلدين لها: إن المتبرجة والسافرة لا تكتفي بتحمل وزر تبرجها فحسب، بل تتضاعف ذنوبها كلما أثرت بلباسها وسلوكها على غيرها، فأوقعتهم في التقليد والانحراف، قال تعالى: [َونَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ][33]، روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “ومن استن سنةَ حقٍ كان له اجرُها واجرُ من عمل بها إلى يوم القيمة، ومن استن بسنةَ باطل ٍكان عليه وزرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة”.[34]
مثال حسابي: امرأة متبرجة رآها (30) شخصًا، فتأثر بها (10) منهن وقلدنها. كل واحدة منهن أثرت بدورها على (10) أخريات. بذلك، تكون المتبرجة الأصلية قد جرت إلى المعصية (110) أشخاص، وهكذا يستمر الأمر إلى يوم القيامة، وكلما زاد عدد المتأثرين، تضاعفت ذنوبها دون أن ينقص من أوزارهم شيء.
4. تعجيل نزول النقم: روي عن الإمام علي عليه السلام: “مجاهرة الله سبحانه بالمعاصي تعجل النقم”[35]. (لقد حذر المولى عز وجل من المجاهرة بالمعصية والإثم كالتبرج والسفور، ووعد بالانتقام والهلاك والخذلان لكل من يتجرأ على ذلك)[36]، حيث قال تعالى: [فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ].[37]
المطلب الثاني: الآثار الأخروية.
إن من أخطر العواقب المترتبة على التبرج والسفور هي: الآثار الأخروية التي تواجه المرأة بعد موتها وانتقالها إلى دار الحساب، حيث تتجسد أعمال الإنسان هناك بوضوح. ومن هذه الآثار:
1. العمى والفضيحة بنزع الستر: الدنيا -كما نعلم – مزرعة الآخرة، وما يفعله الإنسان في حياته الدنيا يتجسد في الآخرة بصورة تناسب عمله، ونذكر منها:
# العمى، كما قال تعالى: [وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً][38]، وهذا يعني أن من أعمت بصيرتها في الدنيا عن الحق، وعاشت في ضلال وغفلة ومعصية، ستُعاقب في الآخرة بنفس جنس عملها، أي ستعمى في الآخرة عن طريق الجنة، وتضل السبيل عنها.
# الفضيحة بنزع الستر: إنّ المرأة السافرة والمتبرجة، التي قصّرت في ستر جسدها بالستر الشرعي، كأن ترتدي الثياب الضيقة أو القصيرة -التي تكشف أجزاءً من بدنها-، قد وصفتها الروايات بأنها من (الكاسيات العاريات) [39]، أي أنها تلبس ثيابًا لكنها لا تحقق الستر المطلوب، فيكون لباسها أشبه بعدم اللباس، إذ إنه يبرز مفاتنها ومحاسنها للرجال الأجانب، فتكون بمنزلة العارية.
ولذلك، لا تستحق الستر يوم القيامة، بل تُفضح أمام الخلق، مذلولة ومهانة، جزاءً وفاقًا لما كانت تفعله في الدنيا، فهذا هو مصير العاصين غير التائبين.
🔹 يا لها من ذلة عظيمة! فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: “يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة”[40]، بينما المؤمن المتقي سوف يستره الله، ولكن اختلفت الروايات في بيان هذا الستر، فيحتمل أن يستر بالنور، فقد روي عن فاطمة عليها السلام حينما سألت أبيها قائلة: «يا أبتِ أخبرني كيف يكون حال الناس يوم القيامة؟». قال صلى الله عليه وآله: «يا فاطمة، يُشغلون فلا ينظر أحد إلى أحد، ولا والد إلى الولد، ولا ولد إلى اُمّه». قالت: «هل يكون عليهم أكفان إذا خرجوا من القبور؟». قال: «يا فاطمة، تبلى الأكفان وتبقى الأبدان، تستر عورة المؤمنين، وتبدو عورة الكافرين». قالت يا أبت ما يستر المؤمنين؟
قالت: «يا أبتِ، ما يستر المؤمنين؟». قال صلى الله عليه وآله: «نور يتلألأ لا يبصرون أجسادهم من النور».[41]
وهناك حديث آخر مروي عن أبي خديجة عن الصادق عليه السلام أن الستر يكون بالأكفان فكان عليه السلام يقول: “تأنقوا في الأكفان فأنكم تبعثون بها”. [42]
وفي احتجاج الطبرسي قال الزنديق للصادق عليه السلام: “كيف يحشر الناس بالأكفان وقد بليت؟، فقال عليه السلام: إن الذي أحيى أبدانهم وقد بليت يجدد أكفانهم ومن مات بلا كفن ستر الله عورته.”[43]
الخلاصة: إن الله يستر عورة المؤمن، سواء بالنور أو بالكفن أو بكليهما، في حين يُفضح الفاسق والكافر يوم القيامة، جزاءً لما اقترفوه في الدنيا. ومعلوم أن مصطلح الفاسق يشمل كل من ارتكب الحرام، ومن بينهن السافرة والمتبرّجة.
أما المرأة المؤمنة العاقلة، فهي تختار اللباس الذي يسترها في الدنيا والآخرة، والذي
يُسمى بـ: (لباس التقوى)، كما قال تعالى: [وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ] [44]، وثمن هذا اللباس هو (التقوى)، أي بالعمل بكل الواجبات وترك كل المحرمات، ومنه ترك السفور والتبرج والالتزام بالستر والحجاب الشرعي الكامل الظاهري والباطني السلوكي.
روى أحد خطباء المنبر الثقات في إحدى القنوات الفضائية أنه قال: ذات ليـــــــلة جاءني شاب وحدثني بهذه القضية التي حدثت لنفسه: قال: كانت لي أخت غير محجبة.. وفي عنفوان شبابها فارقت الحياة، وحين الدفن نَزلت في قبرها وكشفت عن خدها ووضعتهُ على التراب، ثُم خرجت من القبر. وبعد أن تمّ الدفن وانتهى كل شيء.. انتبهت الى اَن جواز سفري _الذي كان في جيبي الأعلى _ مَفقود، وأيقنتُ أنهُ قَد سقطَ في القبر ..حينما انحنيت على الجنازة لـــوضع خد أختي على التُراب من دون أَن انتبه الى ذلك .
والآن .. ما العمل؟ وهَل يجَوز نَبش القبر؟ أستولى عليَ القَلَق والحيرة .. واَسرعتُ الى دار أحد علماء الدين المعروفين، وذكرت لَه مشكلتي هذه، وسَألتهُ عن حل شرعي لـــــــــــها .
فقال : اٍن حُرمة نَبش القبر انما هي لسبب هَتك حُرمة الميت، والآن .. بما أنه لَم يَنقضِ على دفن أختك سوى ساعة.. وللضَرورة لا مانعَ من نبش القبر. وأسرعتُ الى المقبرة وأخبرتُ حَفار القُبور بذلك، فَجاءَ ونَبَشَ القَبْر .. ولَما نَزلْتُ فيه كانت المفُاجَأة الغَريبة !!فَقَد وَجَدْتُ جنازة اختي مُجردة بلا أكفان !!!
ووَجدْتُ جَواز السَفَر في القَبْر، فأخذتهُ وخَرَجْتُ من القَبْر خائفاً مَذْعوراً!!!
وعُدْتُ الى دار العٍالم الديني _الّذي أفتى لي بجواز نَبْش القَبْر _ وأخبَرتُه باَننَّي وَجّدْتُ اُختي بلا أكفان !!
فَسَأَلــــــــــَني: هَلْ اُختُكَ سافٍرة غَير مُحَجَّبة؟ قلْتُ: نَعَم .
قال: هذا هُوَ السَبَب .. لأن أنّ الـــمَرأة المُتَــــبرَّجة في الدُنيا .. إذا وُضعَتْ في قَبرْها ..لسان حال القبر يُخاطبها قائلاً: يومَ كُنْتِ جَميلة والـــــــــناس يَرْغبونَ فيكٍ .. كُنتِ مُتَـــــــــبرَّجة، واليَــــــــــوم وبَعد المَوت لا يَرْغب فيكٍ اَحَد . . صٍرْتِ مَسْتورة ؟!! ثُم يُسْلب مٍنْها الكفَن .
وهذا هُوَ السٍرّ في اَنكَ وَجَدْتُ أُختَك بلا أكفان.[45]
ربّ تساؤل يرد: ذكرتم أن القبر يخاطب الميت، فهل القبر يتكلم؟ ولماذا لا نسمعه؟
الجواب: إن كل مخلوقات الله لها لغة وكلام، لكننا لا ندركها بسبب قصور إدراكنا الدنيوي، كما قال تعالى: [وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..] [46] لذا فقد روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: «انّ للقبر كلاماً في كل يوم يقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود، أنا القبر، أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران».[47]
وروى أيضاً عنه عليه السلام أنّه قال: «ما من موضع قبر إلاّ وهو ينطق كل يوم ثلاث مرّات: أنا بيت التراب، أنا بيت البلاء، أنا بيت الدود.
قال: فاذا دخله عبدٌ مؤمنٌ قال: مرحباً وأهلاً، أما والله لقد كنت أحبّك وأنت تمشي على ظهري، فكيف إذا دخلت بطني، فسترى ذلك.
قال: فيفسح له مدّ البصر، ويفتح له باب يرى مقعدة من الجنّة. …).[48]
وسبب عدم سماعنا لهذا الكلام في الدنيا هو الغفلة، قال تعالى: [لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ][49]، ولكن بعد الموت والانتقال إلى عالم الآخرة، تتغير الخصائص الحسية، فيصبح الإنسان قادرًا على إدراك أمور لم يكن يدركها في الدنيا، حتى الأشياء الجامدة تنطق وتتكلم، كما قال تعالى: [يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ].[50]
2. الإحراق بنار جهنم:
إن الحياة الدنيا لها أحكامها وقوانينها الخاصة، وكذلك الآخرة لها قوانينها ونشأتها المختلفة، كما أشار القرآن الكريم بقوله: [وَنُنْشِئكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ].[51]
فعند التأمل في نار الآخرة، نجد أن خصائصها تختلف تمامًا عن نار الدنيا، فقد ورد في الروايات أن ما في القيامة، الجنة، أو النار، يفوق إدراك البشر، كما قال النبي صلى الله عليه وآله: “فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر”[52].
ومن أبرز هذه الفروقات:
#نار الدنيا حمراء أو ما شابهها، بينما نار الآخرة سوداء مظلمة كما تقول الروايات.
#نار الدنيا تحرق الظاهر أولاً ثم الباطن، بينما نار الآخرة تبدأ بحرق الباطن ثم تنتقل إلى الخارج، كما قال تعالى: [نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ* الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ][53]
# نار الدنيا تحرق كل من وقع فيها دون تمييز. بينما نار الآخرة تفرّق بين المؤمن والكافر، فتلتقط الكافر والعاصي دون المؤمن، كما قال تعالى: [تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ][54]، وقوله تعالى: [إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا] [55]
# نار الدنيا وقودها الحطب أو النفط أو ما شابه. بينما نار الآخرة وقودها الناس والحجارة، كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ َالْحِجَارَةُ].[56]
# نار الدنيا مهما اشتدّ لهيبها، فهي باردة مقارنة بنار جهنم. بينما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وقد أطفأت سبعين مرة بالماء ثم التهبت، ولولا ذلك ما استطاع آدمي أن يطيقها”.[57]
تأملوا هذا الحديث!
إذا كنا لا نتحمّل أن نضع إصبعنا على وهج نار الشمعة، فكيف بنار جهنم التي تفوق نار الدنيا بسبعين ضعفًا؟!! ..اللهم الغوث، الغوث، الغوث، خلّصنا من النار بحق قسيم الجنة والنار!
إن الأدلة التي تثبت أن المرأة السافرة والمتبرجة، إذا لم تتب، ستُعذب في النار، كثيرة، ومن بينها:
#ذكر في أمالي الصدوق: في خبر المناهي، أن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن تتزين المرأة لغير زوجها، فإن فعلت كان حقا على الله عز وجل أن يحرقها بالنار.[58]
#وفي الفقيه روى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سمعته يقول: “يظهر في آخر الزمان واقتراب الساعة وهو شر الأزمنة نسوة كاشفات عاريات متبرجات من الدين خارجات، داخلات في الفتن مائلات إلى الشهوات مسرعات إلى اللذات مستحلاتٍ للمحرمات في جهنم خالدات”.[59]
#روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” … وشَرُّ نِسائِكُمُ المُتَبَرِّجَاتُ المُتَخَيِّلاتُ، وهُنَّ المُنافِقَاتُ، لا يدخلُ الجنةَ مِنْهُنَّ إلَّا مثلُ الغُرَابِ الأَعْصَمِ”.[60]
قد يسأل بعضكم عن بعض معاني الحديث، وهي كالآتي:
# (المُتَخَيِّلاتُ) أي المعجبات المتكبرات، والخيلاء بالضم العجب والتكبر.
# (الغراب الأعصم) هو غراب أحمر المنقار والرجلين، وهو كناية عن قلّة من يدخل الجنة من النساء المتبرجات لأن هذا الوصف في الغربان قليل، وهذا يدل على أن النساء المتبرجات أو السافرات المتهاونات في حجابهن سيدخلن النار ولا يدخلن الجنّة إلا القليل منهن، والتي قد تكون قد عذبت وعوقبت في عالم البرزخ، أو في مواقف يوم القيامة الخمسين، أو ربما تدخل نار جهنم ولكن ستنالها الشفاعة بعد عذاب طويل في النار، روي عن جابر عن أبي جعفر عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “إنه إذا كان يوم القيامة وسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار مكث عبد في النار سبعون خريفا والخريف سبعون سنة ، ثم إنه يسأل الله عز وجل ويناديه فيقول : يا رب أسألك بحق محمد وأهل بيته لما رحمتني .فيوحي الله جل جلاله إلى جبرئيل عليه السلام : اهبط إلى عبدي فأخرجه…(إلى آخر الخبر)”.[61]
وحقيقة لا يُعلم أن قوله عليه السلام “سبعون سنة” أهي من سنين الدنيا أم الآخرة، فاليوم الدنيوي الواحد يعادل خمسين ألف سنة، قال تعالى:” [فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ][62]، نستجير بالله من غضب الله.
3. تعليق المرأة من شعرها وطعامها لحم جسدها:
🔹 تعليق المرأة من شعرها.. ما أفظعه من مشهد!
هذه المرأة التي اغترّت بجمال شعرها، واستخدمته وسيلة للإغراء، وعصت أوامر الله بترك الحجاب، سيُعاقبها الله بنفس السبب الذي عصت به، فيُعلَّق شعرها في النار، ويغلي دماغها من شدة العذاب. يروي لنا العلامة المجلسي في بحار الأنوار بأن أمير المؤمنين عليه السلام قال: “دخلتُ أنا وفاطمة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجدته يبكي بكاءاً شديداً، فقلت: ..يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ما الذي أبكاك؟ فقال: يا علي، ليلة أسري بي إلى السماء رأيت نساء من نساء أمتي في عذاب شديد، فأنكرت شأنهن، فبكيت لما رأيت من شدة عذابهن .. رأيت امرأة معلقة بشعرها يغلي دماغ رأسها، ………..(إلى أن تقول الرواية) فقالت فاطمة عليها السلام: حبيبي وقرة عيني، أخبرني ما كان عملهن وسيرتهن حتى وضع الله عليهن هذا العذاب؟ فقال: يا بنيتي، أما المعلقة بشعرها فأنها كانت لا تغطي شعرها من الرجال”.[63]
قد يستغرب بعضهم من عبارة “يغلي دماغ رأسها”، لكن هذا أهون عذاب في جهنم! فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: “إن أهون الناس عذابا يوم القيامة لرجل في ضحضاح من نار عليه نعلان من نار، وشراكان من نار، يغلي منها دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن في النار أحدا أشد عذابا منه، وما في النار أحد أهون عذابا منه”.[64]
أختي المتبرجة… تذكّري أن العذاب ليس مؤقتًا!
لا تظني أن عذاب النار يستمر لدقائق أو ساعات ثم ينتهي، كما يحدث في الدنيا عندما يحترق الإنسان بالنار فيموت سريعًا! كلا، ففي الآخرة لا موت، بل عذاب دائم ومتجدد، كما قال تعالى: [كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ][65]، حتى مع شدة العذاب، يبقون بحاجة إلى الطعام والشراب، كما قال تعالى: [وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ][66]، لكن طعامهم وشرابهم -أجارنا الله وإياكم منها- الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والصديد، قال الله تعالى: [لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ* لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ][67]، وأما المرأة المتبرجة السافرة، سيكون طعامها لحم جسدها، بدليل نفس الرواية السابقة المروية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حينما أخبر ابنته فاطمة عليها السلام عذاباً آخر لامرأة أخرى حين قال: “ورأيت امرأة تأكل لحم جسدها والنار توقد من تحتها!!!
ولما سألته فاطمة عليها السلام عن السبب قال صلى الله عليه وآله وسلم: يا بنيتي، وأما التي كانت تأكل لحم جسدها فأنها كانت تُزيّن بدنها للناس”.[68]
مشهدٌ تقشعرّ منه الأبدان!
تخيّل فقط إنسانًا يأكل لحم جسده بيديه! كيف يمكن للإنسان أن يأكل نفسه حيًا؟! إنه مشهد يفوق كل تصور بشري.
إن المرأة بطبعها حساسة وعاطفية، لا تحتمل رؤية مشاهد القتل، فكيف بها وهي تقوم بنفسها بتقطيع لحمها، وتضعه في فمها؟!.. نستجير بالله من عذابه.
4. تسليط الحيات والعقارب: إنّ تزين المرأة وتبرجها وكشف مفاتنها ليس مجرد سلوك عابر، بل هو إحدى أدوات الشيطان التي يستخدمها لاصطياد الرجال وإيقاعهم في الحرام، سواء بعلاقات غير شرعية، أو بالنظر المحرم، أو باللمس وغيره، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: “فالعين زناه النظر، ..، واليدان زناهما البطش”.[69]
قد تقول بعض النساء: “لم أقصد الإغواء، ولم يكن في نيتي إثارة الفتنة”، ولكن في منظور الشرع، العبرة ليست بالنوايا فقط، بل بالنتائج أيضًا. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان»[70]، (المقصود بمجيئها بصورة شيطان هو الحديث عن خصوص المرأة المتبرِّجة، باعتبار أنّ تبرّجها يلتقي مع ما يرمي إليه الشيطان وما جنّد نفسه لأجله منذ أن طُرِدَ من الجنة، وهي مهمة إغواء الإنسان).[71]
وكما أنها استخدمت جسدها في إغواء الرجال، فإن العقوبة تأتي من جنس الفعل، فيُسلط عليها حيّات وعقارب لا تُقارن بما نعرفه في الدنيا، كما رُوي عن سعيد بن جبير: “حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال، تلسع إحداهن اللسعة يجد صاحبها حمتها أربعين خريفا”.[72]لذا يجب على المرأة أن لا تستخف بهذه العقوبات التي ستلاحقها في الآخرة ابتداءً من عالم البرزخ.
(روى أحد الثقات أن ابنتهم الشابة، بعد وفاتها، كانوا يرونها في الرؤى تشكو من عقرب يأتيها يومياً ليلدغ أصابع قدميها، فتتألم بشدة. وبعد تكرار هذه الرؤى، ذهبوا إلى أحد العلماء يسألونه. فقال لهم: هل كانت ابنتكم محجبة؟ قالوا: نعم. فسألهم: هل كانت ترتدي الجورب عند خروجها؟ قالوا: لا. فقال: فهذا هو السبب!). [73] أعاذنا الله منها بحق محمد وآل محمد.
الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: الْعَوْدَةُ إِلَى اللَّهِ
بعد أن أطلعنا على بعض مخاطر التبرج والسفور، فإن العقل والشرع يحكمان بضرورة دفع الضرر وتجنب العواقب الوخيمة، وذلك لا يكون إلا بالرجوع إلى الله، وننصح باتباع النقاط الآتية:
1.الاستغفار والتوبة: إن أول خطوة نقوم بها لننال رضا الله تعالى، ورضا محمد وآل محمد عليهم السلام هو الاستغفار والتوبة، وهذا ما صرّح به تعالى في نهاية الآية الحادية والثلاثين من سورة النور المختصة بأحكام العفة والستر والحجاب، وهو قوله تعالى: [وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ … وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ … وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون]، أي أن الله يأمرنا بأن نتوب إليه، وبالأخص المتبرجة والسافرة والمقصّرة في حجابها؛ لأن توبتها ستكون واجبة، والتوبة هي الندم على المعصية، والعزم على ترك المعاودة؛ والالتزام بأحكام العفة والستر والحجاب الشرعي الكامل.
وهذه الخطوة كي تتحقق وجب أن لا تيأس العاصية من روح الله؛ لأن الله غفور رحيم، قال تعالى: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ].[74]
2.الابتعاد عن رفقة صديقات السوء اللاتي يزيّن المعصية بأنها حسنة، كمن تحبب إلى المرأة التبرج والسفور أمام الرجال الأجانب، فقد سئل أمير المؤمنين عليه السلام: أي صاحب شر؟ قال: “المزيّن لك معصية اللَّه” [75]. واعلمي أن صديقة السوء لن تكون عونًا لك يوم القيامة، بل ستتحوّل إلى عدوّة لك، لذا ينبغي الحرص على اختيار الصديقة المؤمنة، التقية، العفيفة، وهذا ما أشار إليه الله تعالى بقوله: [الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ][76].
3.محاسبة ومراقبة أنفسنا وبناتنا لكون الإنسان معرض للزلل، ومع الأسف نجد بعض المربين -كبعض الآباء والأمهات- يمدحون ابنتهم لما تخرج متبرجة ومتزينة، كقولهم: (الله … ما هذا الجمال!!)، في حين أن كلامهم هذا يشجعها على الفسوق، ويكونوا آثمين لأنهم راضون بعملها المحرّم، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام: “الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم”.[77]
4. الاقتداء ببنات الوحي والرسالة، وعلى رأسهن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، التي ثبت أنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وأيضاً الاقتداء بابنتها العقيلة زينب عليها السلام، والاقتداء بأمها خديجة بنت خويلد التي روي أنها من أكمل نساء الدنيا، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله”.[78]
لقد كانت عليها السلام من أعف النساء وأطهرهن حتى لقبت بـــ: (الطاهرة)، وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدّقت بما جاء من الله ووازرته على أمره[79]. وقد شيد الله دينه بمال خديجة كما قال صلى الله عليه وآله: “ما قام ولا استقام ديني إلا بشيئين: مال خديجة وسيف علي بن أبي طالب”.[80]
كانت خديجة عليها السلام تقوم بأدوار بطولية ورسالية، لا سيما في أصعب الظروف التي مرت به صلى الله عليه وآله، فكانت مؤنسته عندما يرجع إلى بيته صلى الله عليه وآله فتزيل عنه الهموم والغموم والآلام، وتستقبله بالحب، وتسمعه أجمل الكلمات التي من شأنها أن تذهب عنه الآلام والجراح التي تحمّلها لأجل نشر هذه الرسالة الخالدة العظيمة، فقد روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: “ما اغتممت بغمّ أيام حياة أبي طالب وخديجة”[81].
وكان صلى الله عليه وآله يجلها في حياتها وحتى بعد وفاتها، ويعتز بها ويقدر مواقفها المشرفة، كما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: “يا خديجة إنّ الله عزّ وجلّ ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مرارا”[82]، وروي ابن هشام في سيرته[83]، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: “لم يرزقني الله زوجة أفضل من خديجة أبداً”.
وذكر ابن الجوزي في تاريخه[84] عن عائشة: “كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة عليها السلام فيحسن عليها الثناء، فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزاً قد أخلف الله لك خيراً منها؟ قالت: فغضب حتى اهتزّ مقدم شعره من الغضب، ثم قال: لا والله ما أخلف الله لي خيراً منها، لقد آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل أولادها إذ حرمني أولاد الناس”.
أقامت عليها السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله أربعاً وعشرين سنة وشهراً، ولم يتزوّج غيرها، إلاّ بعد أن توفيت عليها السلام[85].
وجاء في كتاب شجرة طوبى: “ولمَّا مرضت خديجة المرضة التي توفِّيت فيها حضرتها أسماء بنت عميس، قالت أسماء: حضرت وفاة خديجة فبكت، فقلت: أتبكين وأنت سيِّدة نساء العالمين[86]، وأنت زوجة النبي صلى الله عليه وآله، مبشَّرة على لسانه بالجنَّة؟ فقالت: ما لهذا بكيت، ولكنَّ المرأة ليلة زفافها لابدَّ لها من امرأة تفضي إليها بسرِّها، وتستعين بها على حوائجها، وفاطمة حديثة عهد بصبا، وأخاف أن لا يكون لها من يتولَّى أمرها، فقلت: يا سيدتي! لك عهد الله إن بقيت إلى ذلك الوقت أن أقوم مقامك في هذا الأمر، فلمَّا كانت ليلة زفاف فاطمة عليها السلام جاء النبي صلى الله عليه وآله وأمر النساء فخرجن، فقالت أسماء: فبقيت أنا، فلمَّا رأى رسول الله سوادي قال: من أنت؟ فقلت: أسماء بنت عميس، فقال: ألم آمرك أن تخرجي؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فداك أبي وأمي، وما قصدت خلافك، ولكنّي أعطيت خديجة عهداً هكذا، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: بالله لهذا وقفت؟ فقلت: نعم والله، فدعا لي.
أيها المؤمنون، يعزّ على خديجة لو كانت حاضرة وتسمع أنين قرَّة عينها فاطمة بين الحائط والباب، حين عصروها، وكسروا ضلعها، وأسقطوا جنينها، وسوَّدوا متنها، ولطموا خدَّها، فإنا الله وإنا إليه راجعون.
قال الراوي: ولما اشتدَّ مرضها قالت: يا رسول الله! اسمع وصاياي أولا: فإني قاصرة في حقِّك، فأعفني يا رسول الله صلى الله عليه وآله، قال رسول الله: حاشا وكلا، ما رأيت منك تقصيراً، فقد بلغت جهدك، وتعبت في داري غاية التعب، ولقد بذلت أموالك وصرفت في سبيل الله جميع مالك، قالت: يا رسول الله! الوصية الثانية: أوصيك بهذه ـ وأشارت إلى فاطمة ـ فإنها غريبة من بعدي، فلا يؤذيها أحد من نساء قريش، ولا يلطمن خدَّها، ولا يصحن في وجهها، ولا يرينها مكروهاً.
أقول: يعزّ على خديجة لو كانت حاضرة حين لطمها فلان حتى أثَّرت اللطمة في خدِّها، وتناثر قرطاها. وصدق الشاعر حينما نعى الزهراء عليها السلام في أبوذيته:
| الزهره ابدفعته الظالم ولاها | عصرها إو نِكر كل حگها ولاها | |
| العدو منه النبي اتبره ولاها | ابسقر طاح الكسر ضلع الزچيه | |
| ***** | ||
| سطرني او دم تسيل العين واجرت | او مثل امصيبتي ما سدت واجرت | |
| ابني والضلع والباب واجرت | او علي گادوه وآنه انغشه اعليه | |
قالت خديجة عليها السلام: وأمَّا الوصية الثالثة فإني أقولها لابنتي فاطمة وهي تقول لك فإني مستحية منك يا رسول الله، فقام النبي صلى الله عليه وآله وخرج من الحجرة، فدعت بفاطمة وقالت: يا حبيبتي وقرة عيني قولي لأبيك إن أمي تقول أنا خائفة من القبر أريد منك رداءك الذي تلبسه حين نزول الوحي تكفّنني فيه، فخرجت فاطمة وقالت لأبيها ما قالت أمها خديجة، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرداء إلى فاطمة وجاءت به إلى أمها فسرّت به سروراً عظيماً، فلما توفيت خديجة أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله في تجهيزها وغسّلها وحنطها، فلما أراد أن يكفّنها هبط الأمين جبرائيل وقال: يا رسول الله إن الله يقرؤك السلام ويخصّك بالتحية والإكرام ويقول لك: يا محمد إن كفن خديجة من عندنا فإنها بذلت مالها في سبيلنا فجاء جبرائيل بكفن وقال: يا رسول الله هذا كفن خديجة وهو من أكفان الجنة أهداه الله إليها، فكفنها رسول الله بردائه الشريف أولاً وبما جاء به جبرائيل ثانياً، فكان لها كفنان، كفن من الله وكفن من رسول الله صلى الله عليه وآله”[87] .
وكانت وفاتها مصيبة عظيمة على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إنه صلى الله عليه وآله سمى العام الذي توفي فيه أبو طالب وخديجة عليها السلام بعام الحزن[88].
ذكرت المصادر أن السيدة خديجة توفيت في السنة العاشرة للبعثة وقبل الهجرة من مكة إلى المدينة بثلاث سنين.[89] عن عمر -حسب أكثر المصادر– ناهز الخامسة والستين.[90] وقال ابن سعد نفسه وغيره من الباحثين: إنها توفيت في شهر رمضان من السنة العاشرة.[91]
وعند دفنها نزل رسول الله صلى الله عليه وآله في حفرتها وأدخلها القبر بيده الشريفة في مقبرة الحجون[92].[93]
فَسَلَامٌ عَلَى السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ الْكُبْرَىٰ يَوْمَ وُلِدَتْ، وَيَوْمَ مَاتَتْ، وَيَوْمَ تُبْعَثُ حَيًّة.
أبوذية بمناسبة وفاة السيدة خديجة عليها السلام:
| النوايب ابد ماتنراد مره | تشيب الراس لمن تمر مره | |
| ومحمد عام هذا الحزن مره | واخذ منه خديجة بهل مسيه |
ساعد الله قلب ابنتها الزهراء عليها السلام، ترى ما هو لسان حالها حينما فقدت أمها السيدة خديجة؟!
| ابحضنچ زهرتي شبّت (ونامت) | وعيني لا غفت عگبچ (ونامت) | |
| وريته ينگضي عمري (واناميت) | ولا اشوفچ طريحة ابين اديــــــــــه | |
| ***** | ||
| عليچ ابچاي ما يفتر (ونوحاي) | ولا طيفچ يفارگني (واناحي) | |
| روحي عودها يبّس (واناحي) | يمّه فرگتچ صعبت عليـــــــــه | |
| ***** | ||
| سوالف عشرتج راحت واردها | واشوفن همي بعيوني واردها | |
| حياتي انتي يايمه وردها | غيابج ذبل اسنيني الزهيه | |
| ***** | ||
| غيابج غير احوالي وسلني | ولا واحد نشد عني وسألني | |
| الفرح يايمه فارقني وسلني | وظلت دمعتي ابعدج جريه[94] | |
| ***** | ||
[1] الأحزاب/33.
[2] م.ن.
[3] الأحزاب/33.
[4] معجم مقاييس اللغة-ابن فارس -ج1-ص238.
[5][5] لسان العرب-ابن منظور -ج1-ص359.
[6] معجم مقاييس اللغة-ابن فارس -ج3، ص41.
[7] أحكام النساء-الشيخ محمد بن محمد المفيد -ج9-ص56.
[8] النور/31.
[9] الأحزاب/33.
[10] كتاب الستر والحجاب-المعارف-ص49-50-بتصرف.
[11] [وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجٰاهِلِيَّةِ اَلْأُولىٰ] الأحزاب/33.
[12] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -ناصر مكارم الشيرازي -ج 13-ص235.
[13] من لا يحضره الفقيه -الشيخ الصدوق -ج ٣ -ص ٣٩٠.
[14] معجم مقاييس اللغة مادة (سفر).
[15] منهاج الصالحين – السيد السيستاني -ج 3 -ص 13 -مسألة 18.
[16] منهاج الصالحين -السيد الخوئي -ج 2 -ص 260 -مسألة 1233.
[17] البقرة/187.
[18] بحار الأنوار -المجلسي-ج۹۷-ص91.
[19] زاد المبلغات-مياسة شبع-ج12-ص319.وأيضاً في ج13 بعنوان (فلسلفة الحجاب) الجزء الثاني.
[20] المعجم الصغير للطبراني.
[21] مسند أحمد بن حنبل2/223.
[22] الأحزاب/57.
[23] التوبة / 105.
[24] الكافي-الكليني-ج1-ص170.
[25] المطففين/14.
[26] الأحزاب/53.
[27] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٦٧ -ص ٥٥.
[28] الخصال-الشيخ الصدوق-ص ٦٢٠.
[29] طه/124.
[30] الحج/18.
[31] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص٢٣٣٢.
[32] الجاثية/34.
[33] يس/12.
[34] جامع أحاديث الشيعة –البروجردي -ج ١٤ -ص ٢٧.
[35] غرر الحكم: ٩٨١١.
[36] جلاء القلوب-مركز المعارف للتأليف والتحقيق-ص45-بتصرف.
[37] النور/63.
[38] الإسراء/72.
[39] روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “سَيَكُونُ آخِرُ أُمَّتِي نِسَاءً كَاسِيَاتٍ عَارِيَاتٍ عَلَى رؤوسهن كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ “. المعجم الصغير للطبراني.
[40] شرح أصول الكافي -مولي محمد صالح المازندراني -ج ٧ -ص١٩٨.
[41] بحار الأنوار-المجلسي-ج-7ص111.
[42] وسائل الشيعة -الحر العاملي -ج ٢ -ص ٧٤٩.
[43] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ١٠ -ص ١٨٦.
[44] الأعراف/26.
[45] كتاب حجابك سر عفافك-مياسة شبع-ج1-ص116-117.
[46] الإسراء/44.
[47] الكافي-الشيخ الكليني-ج 3-ص 242.
[48] الكافي-الكليني-ج 3 -ص 241.
[49] ق/22.
[50] الزلزلة/4-5.
[51] الواقعة/61.
[52] راجع: بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٨ -ص ٩٢.
[53] الهمزة/6-7.
[54] المعارج/17
[55] الفرقان/12.
[56] التحريم/6.
[57] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٨ -ص ٢٨٨.
[58] الأمالي-الشيخ الصدوق-ص509.
[59] من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج ٣ -ص ٣٩٠. نقلاً عن مفاتيح الجنان -الشيخ عباس القمي-ص401.
[60] السنن الكبرى-البيهقي-رقم (13478).
[61] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج27-ص311.
[62] المعارج/4.
[63] بحار الأنوار –المجلسي-ج100 -ص245-246.
[64] البحار-المجلسي-ج 8-ص 295 -ح 44.
[65] النساء/56.
[66] الأعراف/50.
[67] الغاشية/ 6-7.
[68] بحار الأنوار-المجلسي-ج100 -ص245-246.
[69] جامع أحاديث الشيعة -السيد البروجردي -ج ٢٠ -ص ٢٧٩.
[70] سنن الترمذي-ج2 -ص319.
[71] موقع الشيخ حسين الخشن/ al-khechin.com/ مقالات/ اجتماعية/ ما روي عن الرسول(ص) في ذم المرأة (2)
[72] تفسير الثعلبي -الثعلبي -ج ٦ -ص ٣٦.
[73] حجابك سر عفافك-مياسة شبع-ج1-ص127-128.
[74] الزمر/53.
[75] الأمالي للصدوق-ص472.
[76] الزخرف/67.
[77] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٣ -ص ١٩٤٧.
[78] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٣ – ص ٢٧٤٦.
[79] البحار-المجلسي-ج16 -ص10.
[80] شجرة طوبى -الشيخ محمد مهدي الحائري -ج ٢ -ص٢٣٣.
[81] شرح الأخبار-القاضي النعمان -ج3.
[82] بحار الأنوار-المجلسي-ج 16 -ص 78.
[83] السيرة النبوية-ابن هشام-ج1-ص80.
[84] تاريخ ابن الجوزي-ج3-ص18.
[85] بحار الأنوار-المجلسي-ج22 -ص200.
[86] روي أن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وسَمَها بوسام عظيم حيث وصفها بأنها سيدة نساء العالمين. ولكن فاطمة الزهراء عليها السلام هي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.
[87] شجرة طوبى-محمد الحائري-ج2 –ص232-235.
[88] بحار الأنوار-المجلسي-ج19-ص25.
[89] مروج الذهب-المسعودي-ج 2-ص 282؛ عيون الأثر-ابن سيد الناس ج 1-ص 151.
[90] تاريخ الطبري-الطبري-ج 11-ص 493.
[91] الطبقات الكبرى-ابن سعد-ج 8 -ص 14.
[92] الحجون: بفتح الحاء جبل بمكّة، وكان على قبرها قبة، وقد طالتها ايدي التخريب، فهدمت.
[93] نقلا عن شبكة الإمام علي ع/ tableegh.imamali.net/ المناسبات الدينية/ شهر رمضان/ وفاة السيدة خديجة (عليها السلام) -بتصرف.
[94] المقطعان الأخيران للشاعرة بنت الشمري.
