
لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
يَوْمُ 20 رَمَضَانَ: فَتْحُ مَكَّةَ
عنوان المُحَاضَرَةُ: عَلِيٌّ عليه السلام الصِّراطُ المُستَقِيمُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾.[1]
إنّ الإنسان بطبيعته حريص على التحضير لكل رحلة يخوضها في حياته، فحينما يقرر السفر إلى بلد لم يزره من قبل، يبدأ بالبحث عن تفاصيل ذلك المكان؛ يطّلع على موقعه الجغرافي، معالمه السياحية، عملته المحلية، تكاليف المعيشة، مستوى الأمان، أحوال الطقس، وسائر الأمور التي تضمن له سفرًا مريحًا وآمنًا. بل إنه لا يكتفي بجمع المعلومات، بل يُعدّ العدة ويجهّز ما يحتاجه من زاد وأمتعة قبل موعد الرحيل.
لكن من العجيب والمحزن في آنٍ واحد، أنّ معظم الناس لا يملكون ذات الحرص فيما يخص الرحلة الأهم والأعظم، وهي الرحلة إلى العالم الآخر. فهم يُعدّون لكل سفرٍ زادَه، ويخططون لأيامٍ معدودات، بينما يغفلون عن السفر الأبدي الذي لا رجعة منه ولا مهرب، وهو السفر إلى الدار الآخرة، حيث الحساب والجزاء. ولو أن الإنسان تأمل في ذلك، لأدرك أنّ هذه الرحلة ينبغي أن تكون موضع اهتمامه الأعظم، إذ أن الإعداد لها لا يقتصر على توفير الزاد المادي، بل يتطلب زادًا روحيًا من الإيمان والتقوى والعمل الصالح.
لقد ذكرت الشريعة الإسلامية مئات النصوص الشرعية القرآنية والروائية تصف مشاهد يوم القيامة، وتؤكد مرور الإنسان بمواقف عديدة قبل أن ينتهي مصيره إلى الجنة أو إلى النار. فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: “ألا فحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، فإنّ للقيامة خمسين موقفًا، كل موقف مثل ألف سنة مما تعدّون”، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾[2]“.[3]
هذه المواقف ليست مجرد محطات عابرة، بل هي مواقف فاصلة تحدد مصير الإنسان الأبدي، وتتسم بطولها وشدتها. لذا، يتعين على المؤمن أن يستعد لها قبل فوات الأوان، وأن يزن أعماله في ميزان التقوى قبل أن يُعرض عليها في ميزان الحق الإلهي.
من بين تلك المواقف التي يمر بها الإنسان في عالم الآخرة:
- النشر: حيث يُبعث الناس من قبورهم ويُعيدهم الله للحياة للعرض على الحساب.
- الحشر: هو جمع الخلائق في ساحة المحشر استعدادًا للمحاسبة.
- الميزان: حيث تُوزن أعمال العباد، فيثقل الميزان بالحسنات أو يخف بالسيئات.
- الحساب: حيث يُسأل كل إنسان عن أعماله، وما قدمت يداه في الدنيا.
- تطاير الكتب: حيث تُوزع كتب الأعمال، فيأخذ المؤمن كتابه بيمينه، بينما يأخذه الفاجر بشماله.
- الشهادة: حيث تشهد الأعضاء والجوارح على الإنسان بما فعل، ولقد شرحناه في سلسلة هذا الكتاب.[4]
- الشفاعة: حيث تتجلى رحمة الله بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، ولقد شرحناه في سلسلة هذا الكتاب. [5]
- الحوض: حوض الكوثر الذي يرده المؤمنون ويُحرم منه الكافرون.
- الصراط: وهو الجسر المنصوب على جهنم الذي يعبره المؤمنون بسرعة، ويسقط فيه أهل الضلال.
في هذا الكتاب، سنتناول موقفين من مواقف يوم القيامة، وهما الصراط والميزان. وسنركز في هذه المحاضرة على موقف الصراط، بينما سنؤجل الحديث عن موقف الميزان إلى المحاضرة الأخيرة. وبما أن الصراط يُعدّ (من ضروريات الدين والآيات متضافرة والأخبار به متواترة)[6]، ويعدّ من أعظم المواقف وأدقّها، لذا تُثار العديد من التساؤلات الجوهرية حول حقيقته وطبيعته، ومنها:
# ما حقيقة الصراط، وما هي عقباته؟
# أين يقع الصراط؟
# لماذا يجب على الإنسان عبوره؟
# هل الجميع مطالبون بعبور الصراط، أم أن الأمر يقتصر على فئة دون أخرى؟
# هل يتشابه الناس في سرعة عبورهم الصراط أم يتفاوتون؟
# ما هي علاقة الصراط بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؟
# لماذا يُلقّب الإمام علي عليه السلام بـ: “قسيم الجنة والنار”؟
# ما هي الأعمال الصالحة التي تعين الإنسان على اجتياز الصراط بأمان؟
في المباحث القادمة، سنجيب عن هذه التساؤلات بالاستناد إلى القرآن الكريم وأحاديث النبي وأهل بيته عليهم السلام، لنكشف عن حقيقة الصراط، وطرق العبور الآمن عليه، وعلاقته بالعقيدة والسلوك الإيماني.
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الصِّراطُ المُستَقِيمُ فِي المَنْظُورِ الإِسْلَامِيِّ
لقد وردت كلمة (الصِّراطُ) في القرآن الكريم (٤٥) مرة، منها: (٣٣) مرة بلفظ الصراط المستقيم، منها قوله تعالى في الآية قيد البحث: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾.[7]
حيث يأمرنا الله باتباع الصراط المستقيم، وتارة يأمرنا أن نطلب منه الهداية إلى الصراط المستقيم بقوله تعالى في سورة الفاتحة: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ][8]، وجميع المسلمين يطلبون من الله ذلك على الأقل عشر مرات أثناء صلاتهم اليومية حينما يقرؤون فاتحة الكتاب.
السؤال الذي يجب علينا طرحه هو: ما هو الصراط المستقيم؟، وأي صراط ندعو الله أن يوفقنا ويهدينا اليه؟
الجواب:
الصراط بالمعنى اللغوي: هو الطريق[9]، أو سبيل ومسلك[10].
وأما المعنى الاصطلاحي للصراط فهو على قسمين: صراط في الدنيا، وصراط في الآخرة. وسنشير إليهما في هذين المطلبين:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: الصِّراطُ فِي الدُّنْيَا
إن الصراط في الدنيا ليس جسر شيد بالمعادن أو الأحجار أو الخشب -كما هو الحال مع جسور الدنيا-، بل هو في الدنيا في هيئة الدين)[11]، روي عن رسول الله صلى الله عليه واله قال: “إنه (اي الصراط) دين الله الذي نزل به جبرئيل على محمد صلى الله عليه واله”[12]، إذن الصراط هو دين الله، أي الدين الذي لا يُقبل من العبد غيره.
ولكن ما هو دين الله؟
الدين لغةً: الجزاء والمكافأة، فيقال كما تدين تدان، أو الطاعة.[13]
وأما الدين اصطلاحاً فهو: مجموعة العقائد والمفاهيم والأحكام والأخلاق التي يحملها مذهب ومنهج معين[14]، والمقصود منه الدين الإسلامي، قال تعالى: [إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ][15]، وقوله: [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ].[16]
وبما أن عقولنا -نحن بني البشر- قاصرة عن إدراك كل ذلك ؛ لأننا لم نصل إلى الكمال المنشود، والذي خلقنا الله لنصل إليه، فلابد من أن يكون هناك من يتكفّل ببيان الدين الحق(دين الله)؛ لأنه يستحيل على الله تعالى أن يتركنا بلا راعٍ، فيكون منافٍ للغرض من الخلق، وهذا يستلزم العبث على الله تعالى وحاشا لله ، ومن لطف الله بنا أن بعث لنا من وصلوا إلى أعلى مراحل الكمال الروحي والتقوى الكاملة، وهم الأنبياء والأوصياء، فهم معصومون منزّهون عن السهو والخطأ وارتكاب المعاصي -مع قدرتهم على ارتكابها- لكنهم يترفعون عن ذلك باختيارهم، فكانوا هم الصراط المستقيم الموصل الى الله تعالى، والواسطة والوسيلة بيننا وبين الحق تعالى، وبالأخص هم أصحاب الكلمات التي ابتُلي الله إبراهيم عليه السلام بهن فأتمهن وجعلهُ بهن إماماً، هم: (محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين) [17]، لذا نقرأ في الزيارة الجامعة: ” أَنْتُمُ الصِّرَاطُ الأقْوَمُ وَشُهَدَاءُ دَارِ الفَنَاءِ وَشُفَعَاءُ دَارِ البَقَاءِ”.[18]
روي عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية:[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ][19]، قال: «الطَّرِيقُ هُوَ مَعْرِفَةُ الإِمَامِ».[20]
وعنه أيضاً: «واللهِ نَحْنُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقيمُ».[21]
وعنه أيضاً: «الصِّرَاطُ الْمُسْتَقيمُ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ عليه السلام».[22]
نفهم من الروايات أننا حينما ندعو الله يوميا في صلاتنا قائلين: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ][23]، بمعنى اهدنا إلى الدين القويم الذي يتجسد في شخصية الأنبياء والأئمة الأطهار عليهم السلام. وبالنتيجة: (من عرف هؤلاء الأولياء واقتدى بهديهم، فإنه سيعبر بسلام من صراط الآخرة الذي هو جسر فوق جهنم، ومن لم يعرف الأئمة المعصومين ولم يهتدِ بهديهم، فستزل قدمه من جسر جهنم ويقع في النار).[24]
المَطْلَبُ الثَّانِي: الصِّراطُ فِي الآخِرَةِ
وأما الصراط في الآخرة (فيظهر بالهيئة المتناسبة مع حقائق تلك النشأة على شكل جسر أحد طرفيه موقف القيامة ونهايته جنة الرحمة. وظهور الصراط في القيامة في شكل الجسر شبيه لتمثل العلم في الرؤيا بصورة الماء والحكمة بصورة اللبن)[25].
ويُنصَب الصراط (الجسر) يوم القيامة على نار جهنّم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “إذا كان يوم القيامة أمر الله مالكا أن يسعر النيران السبع، وأمر رضوان أن يزخرف الجنان الثمان، ويقول: يا ميكائيل مد[26] الصراط على متن جهنم، ويقول: يا جبرئيل انصب ميزان العدل تحت العرش، ويقول: يا محمد قرب أمتك للحساب”.[27]
وبعد موقف الحساب يُكلّف الخلق المرور على الصراط، (وهو الطريق لأهل الجنة إلى الجنة ولأهل النار إلى النار بعد المحاسبة، قالوا: لأن أهل الجنة ممرهم على باب النار، فمن كان من أهل النار عدل به إليها، وقذف فيها، ومن كان من أهل الجنة مر بالنار مرورا نجا منها إلى الجنة، وهو معنى قوله تعالى: [وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا][28]، لأن ورودها هو القرب منها، والدنو إليها).[29]
من خلال ما تقدم نفهم عدم وجود تعارض بين معنى الصراطين؛ لأن الصراط الأخروي هو تجسيد لحقيقة الصراط الدنيوي الذي يسلكه الإنسان في حياته، فقد روي عن المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصراط؟ فقال: “هو الطريق إلى معرفة الله عز وجل، وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأما الصراط الذي في الدنيا فهو الامام المفروض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردى في نار جهنم”.[30]
وأما صفة الصراط في الآخرة فتوضحه الروايات بأنه أدقّ من الشعرة، وأحدّ من السيف[31]، فقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: “والصراط أدق من الشعر وأحدّ من السيف”.[32]
وسنعرض مجموعة من التساؤلات المهمة المرتبطة بالصراط:
السؤال الأول: لماذا الصراط تصفه الروايات بأنه أدق من الشعر وأحد من السيف؟
ونختصر الإجابة بهاتين النقطتين:
1. دقّة الحساب والعدل الإلهي المطلق:
وصف الصراط بأنه أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف يشير إلى أن الحساب يوم القيامة سيكون دقيقًا جدًا ولا يقبل أي ظلم أو خطأ، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾[33]، ومن ثمَّ، لا يمكن لأحد أن يتجاوز الصراط إلا بميزان دقيق من الإيمان والأعمال الصالحة، كما لا يمكن اجتياز سيف حاد أو شعرة دقيقة بسهولة. كما سنوضحه في عقبات الصراط.
2.صعوبة الثبات على الحق تشبه السير على حد السيف:
إن اتباع الحق وإقامة العدل في ظل التحديات والفتن المحيطة بالإنسان ليس بالأمر السهل، لذا وصف الصراط بأنه أدق من الشعرة وأحدّ من السيف، لأن التمسك بالحق يتطلب صبرًا وجهادًا للنفس، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: “يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر”.[34]
فالثبات على الصراط المستقيم يستلزم مجاهدة مستمرة للهوى والشهوات، ومقاومة النفس الأمّارة بالسوء، والتصدي لشياطين الإنس والجن الذين يسعون لإضلال الإنسان. ومن صبر وجاهد نفسه، فإن الله سيهديه ويوفقه لاجتياز الصراط بأمان يوم القيامة، كما وعد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.[35]
وهكذا، فإن الصراط في الدنيا هو انعكاسٌ للصراط في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾[36]، فمن استقام هنا، سَهُل عليه العبور هناك، ومن انحرف وزلّت قدمه عن طريق الحق، تجسد ذلك يوم القيامة بتعثّره على الصراط.
وكلامنا لا يعني أن أحكام الله في أصلها عسيرة أو صعبة التطبيق، بل إن أحكام الله عز وجل ميسّرة لكل الناس، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾[37]، ولكن الصعوبة تكمن في مواجهة التحديات والعقبات التي يضعها الفاسدون والتيارات المنحرفة لمنع الناس من اتباع الحق، كإصدار القرارات التي تمنع ارتداء الحجاب أو إحياء الشعائر الدينية، أو تضيّق على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بينما في المقابل تُشرّع للعلاقات غير الشرعية كالزنا والشذوذ الجنسي، وتبيح شرب الكحول، وغيرها من المفاسد التي تهدف إلى إضعاف العزيمة وإبعاد الإنسان عن منهج الله. لكن من جاهد في سبيل الله ثبَّته وأعانه على تجاوز الصعوبات والتحديات الفاسدة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.[38]
السؤال الثاني: هل الجميع مطالبون بعبور الصراط، أم أن الأمر يقتصر على فئة دون أخرى؟
الجواب: (يستفاد من قوله تعالى: [وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا][39] التي تنصّ علی التعميم فضلاً علی الإطلاق؛ ومن الحصر بين النفي والإثبات، أنّ جميع البشر بلا استثناء يردون جهنّم، المؤمنون منهم والكفّار والمنافقون.
سئل رسول الله: أتدخل النار أنت أيضاً؟ قال: بلي، لكنّي أعبرها كالبرق الخاطف.
وجاء في الرواية أنّ رسول الله بكي حين نزلت الآية المذكورة حتّي ابتلّت الارض من دموعه، ثمّ نزلت: [ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقُوا وَنَذَرُ الظَّـالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا][40]).[41]
السؤال الثالث: لماذا وجب على جميع البشر المرور على الصراط؟
الجواب: هناك ثلاث حِكم أساسية توضح سبب وجوب العبور عبر جهنم للوصول إلى الجنة:
1.الإدراك العميق لقيمة الجنة: إنّ الإنسان لا يدرك نعمة الراحة إلا بعد المشقة، ولا يعرف قيمة النور إلا بعد المرور في الظلام.
لذلك، عندما يمر أهل الجنة على جهنم ويرون شدتها وعذابها، يدركون نعمة الجنة بعمق أكبر، مما يزيد من فرحتهم وسعادتهم بها.
2.الصراط انعكاس لأعمال الإنسان في الدنيا: وهذا يثبت عدله وصدق قوله، فالصراط ليس مجرد جسر مادي، بل هو تجسيد لطريقة حياة الإنسان في الدنيا.
من كان مستقيمًا على الصراط في الدنيا، أي متمسكًا بالحق والإمام المفروض الطاعة، فإنه يجتاز صراط الآخرة بسهولة. أما من انحرف عن الصراط في الدنيا، فإنه يزل في صراط الآخرة ويهوي في جهنم.
3.الإنذار والتحذير من خطورة الانحراف: رؤية جهنم أثناء المرور على الصراط تذكير لكل البشر بعاقبة الذنوب والمعاصي. لذلك، مرور الجميع على جهنم هو تحذير عملي للمذنبين، يريهم المصير الذي كادوا أن يسقطوا فيه لو لم يتوبوا أو يصلحوا أنفسهم.[42]
السؤال الرابع: هل يتشابه الناس في سرعة عبورهم الصراط أم يتفاوتون؟
الجواب: تتفاوت سرعة العابرين على الصراط بحسب ما قدّموا من أعمال في الدنيا، فالمؤمنون يعبرونه كالبرق الخاطف، والكافرون يتعثّرون من أول قدم، ويتهافتون إلى النار، قال الإمام الصادق عليه السلام: «الناس يمرون على الصراط طبقات، والصراط أدق من الشعرة، وأحدّ من السيف، فمنهم من يمرّ مثل البرق، ومنهم من يمرّ مثل عدو الفرس، ومنهم من يمر حبواً، ومنهم من يمرّ مشياً، ومنهم من يمرّ متعلقاً، قد تأخذ النار منه شيئاً وتترك شيئاً»[43].[44]
وسبب اجتياز الانبياء والأوصياء الصراط كالبرق الخاطف لأنهم لم يتعلقوا بالدنيا ولم تدنسهم ملذاتها، “فحب الدنيا رأس كل خطيئة”[45]. إنّ حجج الله على البرايا معصومون عاشوا حياتهم في طاعة الله دون انشغال بزينة الحياة وزخارفها. فالدنيا بالنسبة لهم كانت مجرد جسر يعبرونه دون توقف، لأنهم لم يجعلوا لها موطئًا في قلوبهم. ولهذا، فإن عبورهم للصراط في الآخرة يكون سريعًا، كما ورد في الروايات أن الأنبياء والأولياء يمرون عليه كالبرق. ولأن نور المؤمنين يقلل من شدة نار جهنم، لذا يكاد لا يشعرون بورودهم عليها، روي في «مجمع البيان» عن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلّم، قال: “تَقُولُ النَّارُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي”[46]، كما روي عن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم: “أَ نَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالی: [وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا]، فَقَالَ: إذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ألیسَ قَدْ وَعَدَنَا رَبُّنَا أَنْ نَرِدَ النَّارَ؟ فَقَالَ: قَدْ وَرَدْتُمُوهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ”.[47]
أما سائر الناس، فعبورهم يعتمد على درجة تعلّقهم بالدنيا، فمن كان أكثر زهدًا وخلوصًا عبر الصراط بسرعة، ومن كان أكثر تعلقًا بالدنيا وتأخر في تطهير نفسه، كان عبوره أشد صعوبة، وصولًا إلى الكفار والظالمين الذين يسقطون في جهنم بسبب كثرة ذنوبهم.
للتوضيح بمثالٍ تقريبي: تخيّل عدّاءًا رياضيًا خفيف الوزن، يرتدي ملابس مريحة وينطلق بسرعة دون أي عوائق، فيصل إلى خط النهاية بسهولة وفي وقت وجيز.
وفي المقابل، هناك عدّاء آخر يحمل على ظهره حقيبة ثقيلة مملوءة بالأوزان، مما يُعيقه عن الحركة السريعة، فيتعثر مرارًا، ويتأخر في الوصول، وربما يسقط قبل بلوغ النهاية بسبب ثقل ما يحمله.
وهكذا هو حال العصاة والفاسقين الذين رحلوا عن الدنيا مثقلين بالذنوب دون توبة، فاضطروا إلى حمل أوزارهم يوم القيامة، مما يجعل عبورهم على الصراط صعبًا، حتى يؤدي بهم إلى السقوط في جهنم، والعياذ بالله.
المَبْحَثُ الثَّانِي: الإِمَامُ عَلِيٌّ عليه السلام الصِّرَاطُ وَقَسِيمُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ
لقد وردت روايات جمّة عن طريق الخاصّة والعامّة في أنّ عليًّا بن أبي طالب عليه السلام هو الصراط المستقيم. وإليكم بعض الروايات التي تثبت ذلك وسنركز على الآية قيد البحث:
# يروي البحرانيّ في كتابه النفيس «غاية المرام» رواية واحدة عن العامّة، وعشر روايات عن الخاصّة في تفسير الآية المباركة: [وأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ][48]، ورد فيها أنّ عليًّا بن أبي طالب هو المراد بالصراط المستقيم في هذه الآية.
أمّا الرواية التي نقلها عن العامّة، فقد روي عن الحسن البصري، في الآية الشريفة: [وأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ][49]، قَالَ: “يَقُولُ: هَذَا طَرِيقُ علیٍ بنِ أَبِي طَالِبٍ وَذُرِّيَّتِهِ طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ وَدِينٌ مُسْتَقِيمٌ فَاتَّبِعُوهُ وَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإنَّهُ وَاضِحٌ لاَعِوَجَ فِيهِ”.[50]
وأمّا الروايات العشر التي نقلها عن الخاصّة فننقل منها ثلاث روايات:
الأولى: حديث جاء عن عليّ بن إبراهيم القمّيّ في تفسيره عن الإمام الصادق عليه السلام في معنى الآية: [وأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ][51]، قَالَ: “الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ الإمَامُ. وَ [لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ]، قَالَ: يَعْنِي غَيْرَ الإمَامِ، [فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ][52]، يَعْنِي تَفَرَّقُوا وَتَخْتَلِفُوا في الإمَامِ”.[53]
الثانية: حديث يرويه محمّد بن الحسن الصفّار في «بصائر الدرجات» بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام الصادق عليه السلام؛ قَالَ: سَألْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: [وأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ][54]، فَقَالَ: هُوَ وَاللهِ عَلِيّ، هُوَ وَاللهِ الصِّرَاطُ وَالمِيزَانُ”.[55]
الثالثة: حديث يرويه محمّد بن مسعود العيّاشيّ بإسناده عن بُريد العجليّ، عن الإمام الصادق عليه السلام؛ قَالَ: “[وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ]. قَالَ: تَدْرِي مَا يَعْنِي بـ: [صِرَاطِي مُسْتَقِيماً]؟! قُلْتُ: لَا.
قَالَ: وَلَايَةُ عَلِيّ والأوْصِيَاءِ.
قَالَ: وَتَدْرِي مَا يَعْنِي [فَاتَّبِعُوهُ]؟ قُلْتُ: لَا.
قَالَ: يَعْنِي عَلِيّ بْنَ أبي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَتَدْرِي مَا يَعْنِي: [وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ]؟
قُلْتُ: لَا! قَالَ: وَاللهِ وَلَايَةُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ.
قَالَ: وَتَدْرِي مَا يَعْنِي: [فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ]؟
قَالَ: يَعْنِي سَبِيلَ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ”.[56]
وحينما نستقرئ نصوصًا روائية أخرى نجدها تؤكد بأن أمير المؤمنين عليه السلام هو: قسيم الجنّة والنار، حيث روي عنه عليه السلام أنّه قال: “أَنَا قَسِيمُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَخَازِنُ الْجِنَانِ، وَصَاحِبُ الْحَوْضِ، وَصَاحِبُ الْأَعْرَافِ، وَلَيْسَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ إِمَامٌ إِلَّا وَهُوَ عَارِفٌ بِأَهْلِ وَلَايَتِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿… إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾[57]“.[58]
رب تساؤل يرد: ما المقصود بأنَّ عليًا بن أبي طالب عليه السلام قسيم الجنة والنار؟
للإجابة على هذا التساؤل، يمكن تقديم ثلاثة تفسيرات رئيسة:
1.إن الإمام علي عليه السلام هو الميزان الفاصل بين الحق والباطل، حيث لا يفارقه الحق أبدًا، كما قال النبي صلى الله عليه وآله: “علي مع الحق، والحق مع علي، والحق يدور حيثما دار علي” [59]، وقد لقّبه النبي صلى الله عليه وآله بـ: الفاروق الأعظم، كما رُوي عن أبي ذر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي عليه السلام: “أنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل[60]“، وكان علي عليه السلام يكرر ذلك بخطبه يقول :أنا الفاروق الأعظم”.
وبما أن الأعمال تتجسد في الآخرة، كما قال الله تعالى: [وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ][61]، فإن صفة الإمام علي عليه السلام كميزان للحق والباطل ستتجلى يوم القيامة، حيث سيكون على الصراط، يميز بين الناس، فمن تبع ولايته وتمسك بنهجه عبر الصراط إلى الجنة، ومن أعرض عنه وابتعد عن منهجه سقط في النار.
2.من المعلوم أن الإيمان يقود صاحبه إلى الجنة، بينما يكون مصير النفاق إلى النار. ولأن حب الإمام علي عليه السلام هو الحد الفاصل بين الإيمان والنفاق، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: “لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق”. [62]
وبناءً على هذا الحديث، يصبح الإمام علي عليه السلام معيارًا لمصير الإنسان، فهو الذي يفرق بين أهل الجنة وأهل النار بهذا الميزان.
روي عن محمد بن منصور الطوسي: كنا عند أحمد بن حنبل، فقال له رجل:
ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أن عليا قال: أنا قسيم النار؟
فقال أحمد: وما تنكرون من هذا الحديث؟! أليس روينا أن النبي (ص) قال لعلي: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق؟
قلنا: بلى.
قال: فأين المنافق؟
قلنا: في النار.
قال: فعلي قسيم النار!![63]
3. (كما أن الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وآله واليوم الآخر هو المعيار العام الذي يفصل بين أهل الجنة والنار، فإن الإمامة وولاية أمير المؤمنين عليه السلام هي الفارق بين النجاة والهلاك لأهل الإسلام، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وآله: “ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة”.[64]فالمقياس الذي يحدد المسلم الحقيقي، وأهل الجنة من أهل النار من المسلمين، هو ولاية الإمام علي عليه السلام، حيث يكون المعتقد بإمامته من الفرقة الناجية التي نص عليها الحديث الشريف.
ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وآله: “من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية”[65] ، و “من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”[66]، والمقصود بالإمام هنا ليس أي شخص، بل الإمام المنصوص عليه من قبل الله ورسوله، وليس الفاسق أو الظالم، لأن الإمامة مكملة للإيمان الحقيقي، فمن لم يؤمن بها لم يكتمل إيمانه، وكان في حكم الجاهلية.
لذلك، فإن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام هي مفتاح عبور الصراط يوم القيامة)[67]، كما قال النبي صلى الله عليه وآله: “إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ونصب الصراط على جسر جهنم ما جازها أحد حتى كانت معه براءة بولاية علي بن أبي طالب”.[68]
قد يسأل أحدكم عن المقصود من العبارة الواردة في الحديث (براءة بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام)؟
والجواب أن المراد من البراءة هو الصك كما إن هذه الكلمة وردت في بعض الألفاظ الأخرى لهذا الحديث، وأيضا ورد في الحديث لفظ الجواز (إلاّ بجواز من علي بن أبي طالب) وكل هذه الألفاظ تشير إلى معنى واحد وهو: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قسيم الجنة والنار، ومن الطبيعي أن لا يدخل الجنة إلاّ من كان قائلاً بولايته عليه السلام.[69]
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: عَقَبَاتُ الصِّرَاطِ
لا بد أن أكثركم سمع أن على الصراط عقبات، ولكن ما هو معناها، وما الأدلة الشرعية عليها؟
إنّ الصراط يعدّ من المنازل المروّعة، لما فيه من العقبات التي لا بدّ للعبد من المرور عليها، وقد ذكرت العقبة في سورة البلد، في قوله تعالى: [فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ][70]، ثم أعقبها بقوله تعالى: [وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ] تفخيما لشأنها[71]، وورد ذكر إجمالي لصعوبتها وشدتها في الروايات، فقد روي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله تعالى: [فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ][72]: إن فوق الصراط عقبة كؤودا[73] طولها ثلاثة آلاف عام: ألف عام هبوط، وألف عام شوك وحسك وعقارب وحيات، وألف عام صعود، أنا أول من يقطع تلك العقبة، وثاني من يقطع تلك العقبة علي بن أبي طالب. وقال بعد كلام: لا يقطعها في غير مشقة إلا محمد وأهل بيته”.[74]
السؤال الذي ينبغي طرحه: ما معنى العقبة؟
الجواب: لقد عرّف المفسرون -ومنهم السيد الطباطبائي (ره)- العقبة بأنّها: الطريق الصعب الوعر الذي فيه صعود من الجبل[75]، وتُستخدم مجازًا للإشارة إلى الأمور الصعبة التي تحتاج إلى مجاهدة وجهد، وتتمثل في الحياة الدنيا بالأعمال الواجبة التي يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة، وليست جبالًا حقيقية تُقطع، بل شُبّهت بالعقبات لأن الإنسان يجد صعوبة في تجاوزها إن كان قد قصّر في أدائها. فكما أن تسلّق الجبال يحتاج إلى جهدٍ ومشقة، فإن اجتياز هذه العقبات يتطلب جهاد النفس وأداء الحقوق، التي أشار إلى بعضها في قوله تعالى: [وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمࣰا ذَا مَقۡرَبَةٍ * أَوۡ مِسۡكِينࣰا ذَا مَتۡرَبَةࣲ * ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ][76]، حيث شبّه الأعمال التي كلّف بها الإنسان مثل: فك الرقاب وإطعام المساكين بالعقبات الصعبة، لأنها تحتاج إلى مجاهدة للنفس والصبر.
قال الشيخ الصدوق رحمه الله في كتاب الاعتقادات في دين الإمامية: “اعتقادنا في ذلك أن هذه العقبات اسم كل عقبة منها على حدة اسم فرض، أو أمر، أو نهي.
فمتى انتهى الانسان الى عقبة اسمها فرض، وكان قد قصّر في ذلك الفرض حبس عندها وطولب بحقّ الله فيها، فان خرج منها بعمل صالح قدّمه، أو برحمة تداركه، نجا منها الى عقبة اُخرى، فلا يزال يدفع من عقبة إلى عقبة، ويحبس عند كل عقبة، فيسأل عما قصّر فيها من معنى اسمها، فإن سلم من جميعها انتهى الى دار البقاء فيحيا حياةً لا موت فيها أبداً، وسعد سعادة لا شقاوة معها أبداً وسكن في جوار الله مع أنبيائه وحججه والصديقين والشهداء والصالحين من عباده.
وإن حبس على عقبة فطولب بحق قصّر فيه فلم ينجه عمل صالح قدمه، ولا أدركته من الله عزّ وجلّ رحمة زلت به قدمه عن العقبة فهوى في جهنم، نعوذ بالله منها.
وهذه العقبات كلها على الصراط.
اسم عقبة منها:
# الولاية. حيث يوقف جميع الخلائق عندها، فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده عليهم السلام، فمن أتى بها نجا وجاز، ومن لم يأتِ بها بقي فهوى، وذلك قول الله عز وجلّ: [إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ][77]، ويقول عزّ جلّ:” وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم”.[78]
وفي خبر آخر عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “… (إلى قوله).، ثمّ يأمر الله تعال أن يعقد على الصراط سبع قناطر طول كل قنطرة سبعة عشر ألف فرسخ، وعلى كل قنطرة سبعون ألف ملك يسألون هذه الامة، رجالهم ونساءهم على القنطرة الاُولى: عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وحبّ أهل بيت محمّد صلى الله عليه وآله، فمن أتى به جاز على القنطرة الاُولى كالبرق الخاطف ومن لا يحب أهل بيته سقط على ام رأسه في قعر جهنم ولو كان معه من أعمال البر عمل سبعين صديقاً … الخبر”.[79]
واسم عقبة منها: الرحم.
واسم عقبة منها: الأمانة.
واسم عقبة منها: الصلاة.
وباسم كل فرض أو أمر أو نهي عقبة يحبس عندها العبد فيسأل”[80]
وهذا يعني أننا سنسأل عن الصوم، والحج، والزكاة والخمس، وبر الوالدين، وأداء حقوق الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعفة ومدى التزامنا بالحجاب الشرعي الكامل وغيرها
وقد أشار إلى بعض هذه العقبات الإمام أبو جعفر عليه السلام، حيث قال: “… ثم يوضع عليها [81]صراط أدق من حد السيف، عليها ثلاث قناطر: فأما واحدة فعليها الأمانة والرحم، والثانية فعليها الصلاة، وأما الثالثة فعليها عدل رب العالمين[82] لا إله غيره فيكلفون بالممر عليها فيحبسهم الرحم والأمانة فان نجوا منهما حبستهم الصلاة فان نجوا منها كان المنتهى إلى رب العالمين وهو قوله: [إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ][83]، والناس على الصراط فمتعلق بيد وتزول قدم ومستمسك بقدم والملائكة حولها ينادون يا حليم اعف واصفح وعد[84] بفضلك وسلم وسلم، والناس يتهافتون في النار كالفراش فيها فإذا نجا ناج برحمة الله مر بها فقال الحمد لله وبنعمته تتم الصالحات وتزكو الحسنات والحمد لله الذي نجاني منك بعد اليأس بمنه وفضله ان ربنا لغفور شكور”.[85]
لذا وجب علينا أن نحذر من التقصير في أداء الواجبات وترك المحرمات والحذر من حب الدنيا الذي يودي بنا إلى التهلكة، روي عن الامام محمّد الباقر عليه السلام: أتى أباذر رجلٌ، فبشره بغنم له قد ولدت، فقال: يا أباذر أبشر ولدت غنمك وكثرت. فقال: ما يسرني كثرتها، فما أحب ذلك، فما قلّ منها وكفى أحبّ اليّ مما كثر وألهى، انّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «على حافتي الصراط يوم القيامة الرحم والأمانة فإذا مرّ عليه المُوصل للرحم والمؤدي للأمانة لم يتكفّأ به في النار».[86]
وفي رواية أخرى: “وإذا مر الخائن للأمانة القطوع للرحم، لم ينفعه معهما عمل، وتكفأ به الصراط في النار”.[87]
*حكاية: نقل السيّد بهاء الدين النجفي في كتاب الأنوار المضيئة في أبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام حكاية عجيبة حكاها والده رحمه الله تعالى ووافقه عليها جماعة أصحابهم: (أن رجلاً كان يقال له محمّد بن أبي أذينة كان تولى مسجد[88] قرية لنا تسمّى قرية نيلة انقطع يوماً في بيته فاستحضروه فلم يتمكن من الحضور فسألوه عن السبب، فكشف لهم عن بدنه فإذا هو إلى وسطه ما عدا جانبي وركيه الى رفي ركبته محرق بالنار ، وقد أصابه من ذلك ألم شديد لا يمكنه معه القرار ، فقالوا له : متى حصل لك ذلك؟ قال : اعلموا انّي رأيت في نومي كأن الساعة قد قامت والناس في حرج عظيم وأكثرهم يساق إلى النار والأقل إلى الجنة ، وكنت مع من سيق الى الجنة ، فانتهى بنا المسير الى قنطرة عظيمة في العرض والطول ، فقيل : هذا الصراط، فسرنا عليها فإذا هي كلما سلكنا فيها قلّ عرضها وبعد طولها فلم نبرح كذلك ونحن نسير عليها حتّى عادت كحد السيف، وإذا تحتها وادٍ عظيم أوسع ما يكون من الأودية، تجري فيه نار سوداء يتقلقل فيها جمر كقلل الجبال والناس ما بين ناج وساقط، فلم أزل أميل من جهة إلى اُخرى حتّى انتهيت إلى قريب من آخر القنطرة فلم أتمالك حتّى سقطت مِن عليها، فخضت في تلك النار حتّى انتهيت إلى الجرف، فجعلت كلما اتشبث به لم يتماسك منه شيء في يدي، والنار تحدرني بقوة جريانها، وأنا أستغيث وقد انذهلت وطار عقلي وذهب لبّي فألهمت فقلت: يا علي بن أبي طالب، فنظرت فإذا رجل واقف على شفير الوادي، فوقع في روعي أنّه الامام علي عليه السلام ، فقلت: يا سيدي يا أمير المؤمنين: فقال: هات يدك.
فمددت يدي، فقبض عليها، وجذبني، وألقاني على الجرف، ثمّ أماط النار عن وركي بيده الشريفة فانتبهت مرعوباً وأنا ترون فإذا هو لم يسلم من النار إلاّ ما مسه الإمام عليه السلام، ثمّ مكث في منزله ثلاثة أشهر يداوي ما أحرق منه بالمراهم حتّى برئ، وكان بعد ذلك قلّ أن يذكر هذه الحكاية لأحد الاّ اصابته الحمى).[89]
لذا وجب علينا أن لا نستخف بهذه العقبات، وأن نعمل لكل ما ينجينا منها، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إن أمامكم عقبة كؤوداً ومنازل مهولة، لا بدّ لكم من الممر بها، والوقوف عليها، فإمّا برحمةٍ من الله نجوتم، وإمّا بهلكةٍ ليس بعدها انجبار» أراد عليه السلام بالعقبة تخلّص الإنسان من التبعات التي عليه.[90]
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَعْمَالٌ لِتَسْهِيلِ عُبُورِ الصِّرَاطِ
هناك عدة أعمال لتسهيل المرور على الصراط وتجاوز عقباتها، منها:
أولاً: أعمال مذكورة في النصوص القرآنية، منها:
قوله تعالى: [فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ][91]، فحينما نقف على كل آية نستنتج الأعمال التي تساعدنا على تجاوز العقبة، وهي كالآتي:
1.فكّ الرقاب: أي تحرير العبيد.
2.إطعام المحتاجين في أيام الجوع الشديد، خصوصًا:
# اليتيم القريب: أي الذي فقد والديه ويحتاج إلى الرعاية.
# المسكين المعدم: الذي لا يملك شيئًا ويعيش في فقر شديد.
لذا يجب علينا على أقل تقدير إخراج الحقوق المالية الواجبة كالخمس والزكاة والكفارات وتوزيعها على المحتاجين.
3. الإيمان بالله والعمل الصالح: فلا يكفي العمل بدون الإيمان، بل يجب أن يكون العمل مقرونًا بالإيمان.
4.التواصي بالصبر: أي أن يحث بعضهم بعضًا على التحمل والثبات في مواجهة الشدائد.
5.التواصي بالمرحمة: يعني ينبغي أن يوصي المؤمنون بعضهم بعضًا بالرحمة، ليس فقط قولًا بل عملًا، فيكونوا رحيمين في تعاملهم مع الآخرين، فينشرون الرحمة بين الناس ويحثون عليها، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمع.
ثانياً: أعمال مذكورة في النصوص الروائية
حيث نستنتج من بعض الروايات الآتي:
1.الولاية لأهل البيت عليهم السلام، بطاعتهم طاعة مطلقة لأنهم الصراط المستقيم الذي ينجو به العبد.
2.أداء كل الواجبات وترك كل المحرمات، حيث ذكرنا أن الشيخ الصدوق (ره) قال في كتاب الاعتقادات: ” وباسم كل فرض أو أمر أو نهي عقبةٌ يحبس عندها العبد فيُسأل”[92]، وهذا يعني أننا سنسأل عن أداء الصلاة، الصوم، والحج، والزكاة والخمس، والتولي والتبري، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم، أداء الأمانة، إقامة العدل، أداء حقوق الناس وبر الوالدين، والعفة ومدى التزامنا بالحجاب الشرعي الكامل وغيرها من الواجبات.
3.التوبة من الذنوب، لأن المعاصي هي الأحمال التي تُثقل الإنسان وتجعله يتعثر على الصراط.
4.التوسل وطلب الشفاعة من النبي وأهل البيت عليهم السلام، لأن شفاعتهم تشمل المؤمنين وتخفف عنهم أهوال العبور.
ثالثاً: أعمال عبادية خاصة:
يذكر الشيخ عباس القمي في كتابه (منازل الآخرة) بعض الأعمال العبادية التي تسهل على العبد تجاوز عقبات الصراط، ونذكر منها الآتي[93]:
1. روى السيّد ابن طاووس في كتاب (الإقبال): «من صلّى أول ليلة من شهر رجب بعد صلاة المغرب عشرين ركعة بالحمد والتوحيد، ويسلم بين كل ركعتين ليحفظ في نفسه وأهله وماله وولده، واجير من عذاب القبر، وجاز على الصراط كالبرق الخاطف».[94]
2. روي من صام من رجب ستة أيّام … بعث من الآمنين يوم القيامة حتّى يمرّ على الصراط بغير حساب. [95]
3. روى السيّد: مَن صلّى في الليلة التاسعة والعشرين من شعبان عشر ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرّة والهاكم التكاثر عشر مرّات، والمعوذتين عشر مرّات، وقل هو الله أحد عشر مرّات اعطاه الله تعالى ثواب المجتهدين، وثقل ميزانه، ويخفف عنه الحساب، ويمرّ على الصراط كالبرق الخاطف. [96]
4. من زار الامام الرضا عليه السلام على بعد قبره الشريف، فانّه يأتي عنده يوم القيامة في ثلاثة مواطن ليخلصه من أهوالها، وانّ أحدها عند الصراط.
وأخيراً نقول:
عندما نتأمل في الصراط المستقيم، نجده ليس مجرد جسر يعبره الناس يوم القيامة، بل هو طريق الحق في الدنيا قبل الآخرة، وهو المقياس الذي يُميز به المؤمن من المنافق، والعدل من الجور، والحق من الباطل.
وكما أن عبور الصراط في الآخرة يحتاج إلى أعمال صالحة وولاية حقّة، فإن الصراط في الدنيا يحتاج إلى قائد رباني معصوم يرشد الأمة، ويفصل بين الحق والباطل. وهذه الصفات تجسدت في شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فهو عاش طوال حياته ينصر الحق ويزهق الباطل في كل المواقف والمعارك والغزوات ومنها مواقفه العظيمة في فتح مكة، التي سنذكرها في المبحث الآتي:
المبحث الخامس: الإمام علي وفتح مكة
كان الفتح في اليوم العشرين[97] من شهر رمضان، سنة ثمان من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.[98] وكان سبب هذه الواقعة: أنَّ قريشاً نقضت الوثيقة التي وقّعتها مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية[99]، وتمادت في ذلك، حتى ذهبت إلى تحريض حلفائها بني الدؤل من بني بكر على خزاعة حلفاء النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، واستطاع هؤلاء أن يتغلَّبوا على خزاعة بمساعدة قريش، فلمَّا وصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عزم على أن ينصر خزاعة… فجهّز جيشه لمداهمة قريش في مكة.
في فتح مكة، لعب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أدوارًا محورية وحاسمة، يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
1.كشف رسالة حاطب بن أبي بلتعة: حينما جهّز الرسول جيشه أكّد رغبته في التكتيم على هذا الأمر، لمداهمة قريش في مكة قبل أن تتجهّز لحرب، وكان يقول: “اللَّهمَّ خُذ على أبصارهم فلا يروني إلّا بغتةً”[100]، وكان الأمر قد تسرّب إلى حاطب بن أبي بلتعة، فكتب كتاباً إلى أهل مكَّة يطلعهم فيه على سرِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسير إليهم، وأعطى الكتاب امرأة سوداء وأمرها أن تأخذ على غير الطريق، فنزل بذلك الوحي.
فدعا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام وقال: “إنَّ بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكَّة يخبرهم بخبرنا وقد سألت الله أن يعمّي أخبارنا عليهم، والكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق، فخذ سيفك والحقها وانتزع الكتاب منها” وبعث معه الزبير بن العوَّام.
فمضيا على غير الطريق، فأدركا المرأة، فسبق إليها الزبير وسألها عن الكتاب فأنكرته، وحلفت أنَّه لا شيء معها، وبكت، فقال الزبير: يا أبا الحسن، ما أرى معها كتاباً. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: “يخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ معها كتاباً ويأمرني بأخذه منها وتقول: إنَّه لا كتاب معها”!
ثمَّ اخترط السيف وقال: “أما والله لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنَّك ثُمَّ لأضربنّ عنقك”.
فقالت له: إذا كان لا بدَّ من ذلك، فأعرض يا ابن أبي طالب عنِّي بوجهك. فأعرض عنها، فكشفت قناعها فأخرجت الكتاب من عقيصتها[101]، فأخذه أمير المؤمنين عليه السلام وصار به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. [102]
2.حمل راية الفتح: مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفتح مكَّة في عشرة آلاف مقاتل، وأعطى الراية سعد بن عبادة، وأمره أن يدخل بها مكَّة، فأخذها سعد وجعل يقول:
| اليوم يوم المَلحمَة | اليوم تسبى الحُرُمَة |
فسمعها رجل من المهاجرين، فأعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:
| اليوم يوم المرحمة | اليوم تحمى الحرمة |
ثم قال لعليِّ بن أبي طالب: “أدركه فخذ الراية منه، وكن أنت الذي تدخل بها” [103] تأكيدًا على دخول سلمي ورحيم.
4.قتل بعض رؤوس الشرك: مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقطع الطريق باتجاه مكَّة ودخلها عنوةً بهذا الجيش الهائل، الذي لم تعرف له مكَّة نظيراً في تاريخها من قبل، وأعلن العفو وهو على أبواب مكَّة، وقال لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.[104]
وأمر النبي صلى الله عليه وآله بقتل ستة رجال، ولو كانوا متعلِّقين بأستار الكعبة، وأربع نسوة لأنهم آذوا النبي كثيراً، فقتل منهم اثنين هما: الحويرث بن نقيذ ، وسارة، وترك بعضهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بعد العفو عنهم.[105]
3.تحطيم الأصنام: لما فتح الله مكة على رسول الله صلى الله عليه واله أمر النبي صلى الله عليه واله علياً عليه السلام أن يصعد على منكبه ليقذف الصنم التي كانت أعظم الاصنام عن المسجد الحرام. وتفصيل ذلك كان على لسان علي بن ابي طالب عليه السلام كما يرويها احمد بن حنبل، قال عليه السلام: « انطلقت أنا والنبي صلى الله عليه واله حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله صلى الله عليه واله: اجلس وصعد على منكبي فذهبت لانهض به فرأى مني ضعفاً فنـزل وجلس لي نبي الله صلى الله عليه وله وقال: اصعد على منكبي، فصعدت على منكبيه، فنهض بي . قال: فانه يخيّل اليَّ أني لو شئت لنلتُ أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صِفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى اذا استمكنتُ منه قال لي رسول الله صلى الله عليه واله: اقذف به، فقذفتُ به فتكسّر كما تنكسر القوارير»، وفي رواية أخرى أن علياً عليه السلام لما عالجه كان رسول الله صلى الله عليه واله يقول له: إيه إيه [جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا][106].[107]
وكما صعد الإمام عليٌّ عليه السلام على منكِب رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة لتحطيم الأصنام، صعد منبر الحق بعد رحيل النبي لكسر أصنام الجهل والظلم، لكنه واجه من حاربوه بالأمس دفاعًا عن الأوثان، حتى بلغ به الأمر أن سالت دماؤه في بيت الله، وهو ساجد، برمح الغدر والخيانة.
نعم، في مثل هذا اليوم -العشرين من شهر رمضان- كان أمير المؤمنين عليه السلام في داره بين أولاده وأهل بيته والدماء كانت تنزف من رأسه الشريف.
يقول محمد بن الحنفية: فبينما نحن ليلة العشرين من شهر رمضان عند أبي عليٍّ عليه السلام وقد سرى السم[108] في بدنه الشريف وكان تلك الليلة يصلي من جلوس وهو يعزينا على نفسه ويوصينا بما هو أهله من أفعال الخيرات واجتناب الشرور ويكثر من ذكر الله تعالى وقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
قال الأصبغ بن نباتة: غدونا على أمير المؤمنين عليه السلام ونحن نفر من أصحابه فسمعنا البكاء في منزله فبكيت حتى ارتفع صوتي بالبكاء، فخرج الحسن عليه السلام وقال: ألم أقل لكم انصرفوا؟ فقلت: لا والله يابن رسول الله لا تتابعني نفسي ولا تحملني رجلي أن أنصرف ولم أر سيدي ومولاي وبكيت. ودخل الحسن فلم يلبث أن خرج إليه فأدخلني، فإذا هو – أمير المؤمنين – مستند ومعصوب الرأس بعمامة صفراء قد نزف دمه واصفر وجهه فما أدري وجهه أشد صفرة أم العمامة فاكببت عليه فقبلته فقال لي: لا تبكِ يا أصبغ فإنها الجنة فقلت: جعلت فداك يا أمير المؤمنين إني أعلم أنك صائر إلى الجنة ولكن أبكي لفراقك يا أمير المؤمنين ثم نظر الإمام إلى أولاده فرآهم تكاد أنفسهم تزهق من النوح والبكاء فجرت دموعه على خديه حتى امتزجت بدمه قال عليه السلام: أتبكيا عليّ؟ إبكيا كثيرا واضحكا قليلا أما أنت يا أبا محمد ستقتل مظلوما مسموما مضطهدا وأما أنت يا أبا عبد الله فشهيد هذه الأمة وسوف تذبح ذبح الشاة من قفاك وترض أعضاؤك بحوافر الخيل ويطاف برأسك في مماليك بني أمية، وحريمُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسبى وإن لي ولهم موقفا يوم القيامة.[109]
وأقبلت إليه أم كلثوم زينب وهما يندبانه ويقولان من للصغير حتى يكبر؟ ومن للكبير بين الملأ يا أبتاه حزننا عليك طويل وعبرتنا لا تبرح ولا ترقأ فضج من كان حاضرا بالبكاء وفاضت دموع أمير المؤمنين عليه السلام على خديه وهو يقلب طرفه وينظر إلى أهل بيته.
(مجردات)
| صاحت يبويه اشهل مصيبه | مطبور والهامه خضيبه | |
| راح الأبو وامنين اجيبه | ||
وكأني بها هذه الليلة:
(مجردات)
| هالليلة ابونه امسى ابشده | او جرحه الذي ابراسه مضهده | |
| والسم لعد جسمه تعده | وابروحه اشوفه ايلوج وحده |
(مجردات)
| لونكم يخوتي تجعدونه | او جرح البراسه تشدونه | |
| بهداي بس لا تلچمونه | او شنهو اليهيسه اتسايلونه | |
| بلكن اصوابه اتعالجونه | او عيناك بس تغمض اعيونه | |
| الوادم بعدما يعرفونه | او عند الشدايد يخذلونه |
(أبوذية)
| ابهيده لا تلچمه الجرح شدّه | تدري اشسال منه ادموم شدَّه | |
| مثلها ما جرت بالكون شدّه | انطبر ويلاه حماي الحميه |
وفي هذه الليلة أحضر عنده عروة السلولي وكان أعرف أهل زمانه بالطب فذبح شاة وأخرج منها عرقا فأدخله في جراحة الإمام ثم أخرجه وإذا عليه بياض الدما فقال الطبيب بعد أن استعبر وبكى: إعهد عهدك يا أمير المؤمنين فإن الضربة وصلت إلى الدماغ.[110]
(مجردات)
| بس ما فحص جرحه طبيبه | صاح او دمعته عالخد سچيبه | |
| يشراف مكه او فخر طيبه | امن الطبره والدكم الهيبه | |
| مسموم جسمه ابهلمصيبه | عزوا النبي الهادي او حبيبه |
[1] الأنعام/153.
[2] المعارج/ 4.
[3] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٨ -ص١٤٣.
[4] راجع كتاب زاد المبلغات-مياسة شبع-ج6-بعنوان موقف الشهادة يوم القيامة.
[5] راجع كتاب زاد المبلغات-مياسة شبع-ج7-بعنوان شفاعة الأقمار المحمدية.
[6] عقائد الإمامية الإثني عشرية-السيد إبراهيم الموسوي الزنجاني النجفي-ج2-ص271-273.
[7] الأنعام/153.
[8] الفاتحة/6.
[9] لسان العرب-ابن منظور-ج٢-ص٤٣٠، مختار الصحاح-محمد عبد القادر-ص١٩١.
[10] معجم اللغة العربية المعاصرة-أحمد مختار عمر-ص٢٩٩٧.
[11][11] تسنيم في تفسير القرآن-الشيخ عبد الله الجوادي الآملي- ج1 – ص570-571-بتصرف.
[12] تفسير فرات الكوفي-فرات بن إبراهيم-ص٥٢.
[13] مختار الصحاح-محمد عبد القادر-ص١٢٠.
[14] بداية المعرفة-حسن مكي العاملي-ص٢٢.
[15] آل عمران/19.
[16] آل عمران/85.
[17] تفسير فرات الكوفي-فرات بن إبراهيم-ص75.نقلا عن معهد تراث الأنبياء/ alkafeelblog.edu.turathalanbiaa.com/ مدونة الكفيل/”اهدنا الصراط المستقيم”-بقلم الحوراء-بتصرف.
[18] رويت هذه الزيارة في: من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج 2-ص 613، وغيرها من المصادر.
[19] الفاتحة/6.
[20] تفسير نور الثقلين -الحويزي-ج1 -ص21 -ح88.
[21]م.ن-ج1-ص21 -ح89.
[22] م.ن -ج1 -ص21 -ح90.
[23] الفاتحة/6.
[24] تسنيم في تفسير القرآن-الشيخ عبد الله الجوادي الآملي-ج1 -ص570-571.
[25] تسنيم في تفسير القرآن-الشيخ عبد الله الجوادي الآملي-ج1 -ص570-571.
[26] في نسخة: (هذا الصراط) وهو مصحف.
[27] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٢٧ -ص ١١١.
[28] مريم/71.
[29] شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد -ج ٦ -ص ٢٦٤.
[30] بحار الانوار-محمد باقر المجلسي-ج٨-ص٦٦.
[31] المعاد يوم القيامة-علي موسى الكعبي-ص133-بتصرف.
[32] معالم الزلفى-السيّد هاشم البحراني-ص ٢٣٤.
[33] الأنبياء/ 47.
[34] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٢٨ -ص٤٧.
[35] العنكبوت/ 69.
[36] الكهف/49.
[37] البقرة/ 185.
[38] فصلت/ 30.
[39] مريم/71.
[40] مريم/72.
[41] معرفة المعاد-الطهراني-ج8-ص11.
[42] راجع: نفحات القران-الشيخ ناصر مكارم الشيرازي-ج6 -ص129-بتصرف.
[43] الأمالي-الصدوق-ص 242، تفسير القمي 1 -ص 29.
[44] المعاد يوم القيامة-علي موسى الكعبي-ص133-بتصرف.
[45] مضمونه مروي عن الإمام الصادق عليه السلام. المصدر: ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ٨٩٦.
[46] «رسالة الإنسان بعد الدنيا»، (المعاد) – العلّامة الطباطبائيّ، النسخة الخطّيّة-ص ٣٢.
[47] «رسالة الإنسان بعد الدنيا»، (المعاد) -العلّامة الطباطبائيّ، النسخة الخطّيّة- ص ٣٢.
[48] الأنعام/153.
[49] م.ن.
[50] معرفة المعاد-الطهراني-ج8-ص52. نقلا عن «غاية المرام» ص 434، الباب 209.
[51] الأنعام/153.
[52] م.ن.
[53] غاية المرام -السيد هاشم البحراني -ج ٤ -ص ٣٢٤.
[54] الأنعام/153.
[55] غاية المرام -السيد هاشم البحراني -ج ٤ -ص ٣٢٤.
[56] غاية المرام -السيد هاشم البحراني -ج ٣ -ص٤٧.
[57] الرعد/7.
[58] عيون الحكم والمواعظ-الواسطي-ص 165.
[59] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٣٨ -ص ٢٩.
[60] الرياض النضرة-محب الدين الطبري-ج 2 -ص106.
[61] الكهف/49.
[62] فضائل الصحابة-أحمد بن حنبل-ج 2 -ص648.
[63] العقائد الإسلامية -مركز المصطفى (ص) -ج ٤ -ص ١٨٨.
[64] فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (2/773) برقم (1068.
[65] كنز العمّال-المتقي الهندي-464.
[66] صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم: 1851.
[67] مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.net /الأسئلة والأجوبة العقائدية / الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) / معنى (قسيم الجنة والنار) -بتصرف.
[68] الرياض النضرة-الطبري-ج3-ص130.
[69] مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.net /الأسئلة والأجوبة العقائدية / الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) / علي أمير المؤمنين (عليه السلام) قسيم الجنة والنار.
[70] البلد/11-12.
[71] الميزان في تفسير القرآن-السید محمد حسین الطباطبائی -ج20 -ص 293.
[72] البلد/11.
[73] عقبة كؤود أي صعبة شاقة المصعد.
[74] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٨ -اص ٦٧.
[75] الميزان في تفسير القرآن-السید محمد حسین الطباطبائی-ج20-ص292.
[76] البلد/ 11 – 14.
[77] الفجر /١٤.
[78] ورد هذا الحديث القدسي في الحديث (١٨) من باب (الاشكال والقرائن) من كتاب المحاسن-البرقي-ص ٧.
[79] البحار-المجلسي-ج ٧ -ص ٣٣١ -ح ١٢.
[80] الاعتقادات في دين الإمامية -الشيخ الصدوق – ص71-72-بتصرف.
[81] أي على جهنم.
[82] أي هي تحت رقابته تعالى.
[83] الفجر/14.
[84] وعدت الأرض رجا خيرها. وأيضا وعد فلانا بالأمر: قال له انه يجريه له أو ينيله إياه.
[85] تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي -ج ٢ -ص ٤٢١.
[86] الزهد -الحسين بن سعيد الأهوازي-ص ٤٠ -٤١.
[87] الرواية مروية عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وآله. المصدر: بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٧١ -ص ١١٧-118.
[88] في كتاب منازل الآخرة مكتوب (تولى مسبحة (مسجد))
[89] الكنى والألقاب-القمّي-ج ٢ -٩٥ -٩٦. نقلاً عن كتاب: منازل الآخرة والمطالب الفاخرة-الشيخ عباس القمي-ص238-239.
[90] تصحيح الاعتقاد -المفيد -ص112 ـ 113. نقلا عن: المعاد يوم القيامة-الكعبي، علي موسى –ج1-ص135-136.
[91] البلد/11-17.
[92] الاعتقادات في دين الإمامية -الشيخ الصدوق – ص71-72-بتصرف.
[93] منازل الآخرة-عباس القمي-ص 240.
[94] إقبال الأعمال-السيّد ابن طاووس-ص ٦٢٩.
[95] ثواب الأعمال-الصدوق-ص ٧٩.
[96] الاقبال-السيد ابن طاووس-ص ٧٢٤.
[97] شبكة الإمام علي عليه السلام/ tableegh.imamali.net/ المزيد/ النشر الإلكتروني/ وقائع الأيام/ شهر رمضان.
[98] الطبقات الكبرى-ابن سعد-ج 2-ص 102.
[99] إن من ضمن بنود صلح الحديبية أن لكل طرف الحق في الانضمام إلى حلفٍ، مع التزام جميع الأطراف بعدم الاعتداء على أحلاف الآخرين، لكن قريشًا خالفت الاتفاق بمساندة بني بكر في هجومهم على خزاعة، وهذا يعني أنهم نقضوا الصلح.
[100] م، ن.
[101] عقيصتها تعني: ضفيرة شعرها.
[102] الإرشاد-المفيد-ج 1-ص 57.
[103] إعلام الورى-الطبرسي-ج 1-ص 385، وانظر الكامل في التاريخ -ابن الأثير-ج 2-ص 122.
[104] الإمام علي سيرة والتاريخ-إسلام السلامي-ص 91-93.
[105] الإمام علي سيرة والتاريخ-إسلام السلامي-ص 95-بتصرف.
[106] الإسراء/ 81.
[107] السيرة الاجتماعية للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) -السيد زهير الاعرجي-420-421.
[108] لأن السيف كان مسمما أثناء الضربة.
[109] وفاة أمير المؤمنين عليه السلام-الشيخ علي الخطي. نقلا عن كتاب مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج4-ص121.
[110] على عليه السلام من المهد إلى اللحد للسيد كاظم القزويني. نقلا عن مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج4-ص122.
