لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
عنوان المحاضرة: شُبُهاتٌ حُسَيْنِيَّةٌ، وَرُدودٌ
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
يروى بينما الإمام الحسين بن علي عليه السلام في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ رفع رأسه فقال له: يا أبه ما لمن زارك بعد موتك؟ فقال: «يا بني من أتاني زائرًا بعد موتي فله الجنة، ومن أتى أباك زائرًا بعد موته فله الجنة، ومن أتى أخاك زائرًا بعد موته فله الجنة، ومن أتاك زائرًا بعد موتك فله الجنة».[1]
مباحث الرواية النبوية الشريفة
المبحث الأول: كيف نفسّر الثواب على تعظيم الشعائر؟
لما نستقرئ النصوص الروائية الواردة في فضل زيارة المعصومين، وتعظيم شعائرهم عليهم السلام التي بلغت حدّ التواتر، نجدها تذكر ثواباً عظيمًا ومتعددًا، فتارة يترتب على زيارتهم دخول الجنة -كما في الرواية محل البحث-، وأخرى يقول الرسول صلى الله عليه وآله: «كان حقًا عليّ أن أزوره يوم القيامة فأخلصه من ذنوبه»[2]، وفي رواية ثالثة يقول صلى الله عليه وآله: «ضمنت له يوم القيامة أن أخلصه من أهوالها وشدائدها، حتى أصيره معي في درجتي»[3]، وفي رواية رابعة يقول : «كنت شفيعه يوم القيامة»[4]، وغيرها كثير من الآثار العظيمة.
وبعضهم لما يسمع أو يقرأ أمثال هذه النصوص يعتقد أن فيها مبالغة، ويقول: كيف يمكن تصديق الروايات التي تعد بثواب عظيم من أجل عمل بسيط -وهو البكاء على الإمام الحسين عليه السلام-، وما يترتب عليه من غفران للذنوب ودخول الجنة؟ كالرواية المروية عن أبي عبد الله عليه السلام: «من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه، ولو مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر».[5]
ويجيب العلماء عن ذلك بالنقاط الآتية:
1.هذا الأمر لا يختص بزيارة المعصومين ومن يعظّم شعائر الله، بل إن هناك الكثير من الروايات لسانها ذلك اللسان، ففي مصادر أهل السنة روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت أكثر من زبد البحر».[6]
وروي عن الرسول صلى الله عليه وآله: «ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له مائة ألف وأربع وعشرون ألف حسنة».[7]
ومثلها أيضا في المجاميع الروائية لأهل البيت عليهم السلام، ونظرًا لكثرتها في كتب الفريقين (السنة والشيعة) فلا ينبغي الخوض في أسانيدها على أن ما فيها من الأحاديث المعتبرة شيء ليس بالقليل.
2. إن الثواب عند الله سبحانه وتعالى لا حدود له، ومشكلة الإنسان أنه يقيس المعادلات الإلهية بمقاييسه هو، وهي مقاييس صغيرة وحقيرة للغاية، وهناك مشكلة أخرى وهي: أننا لا نعرف كيفية الارتباط بين الفعل الإنساني والجزاء الإلهي، نعم نعرف أن هناك ارتباطًا بينهما وأن مَنْ﴿ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾.[8]
فقد نرى في بعض المواقع أن عملًا لا يستغرق سوى وقت قصير، ومع ذلك يترتب عليه ذلك الثواب العظيم، كمن يحيي ليلة القدر، قال تعالى:﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾[9]، وكمن ينظر لوالديه برحمة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما ولد بار نظر إلى أبويه برحمة إلا كان له بكل نظرة حجة مبرورة، فقالوا: يا رسول الله وإن نظر في كل يوم مائة نظرة؟ قال: نعم، الله أكبر وأطيب».[10]
وقد نرى عملًا من أعمال الجوانح والقلوب، وهي لا تحتاج إلى بذل جهد ظاهري كبير، أفضل من حيث الثواب من عمل من أعمال الجوارح والأعضاء مما يبذل؛ من أجله جهد كبير، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة».[11]
وهكذا، فنحن لا نعرف ذلك إلا من خلال الإخبار الإلهي بواسطة الوحي، ولذلك يتعجب الإنسان من مثل هذه الروايات؛ لأنها تأتي في سياق خارج عن مقاييسه، فهو محدود وهي لا حدود لها، وهو بخيل وهي في نهاية الكرم، ومن جهة أخرى هو لا يستطيع إدراك قيمة هذه الأمور عند الله.
3. إن هذه الآثار المذكورة هي عادة على نحو الاقتضاء في التأثير، وليست بنحو العلّية التامة، بمعنى أن هذه الآثار تترتب على تلك المقدمات ما لم يمنع مانع من تأثيرها، أو يلغي فاعليتها، وهذا أمر يمكن ملاحظته في الحياة العامة للإنسان، فهو يذهب إلى الطبيب ويصف له دواءً رافعًا للمرض المعين، ولكن ذلك ليس على نحو الحتم والعلية التامة، وإنما ذلك الدواء يقتضي أن يرفع المرض وآثاره، ما لم يكن هناك مانع عن تأثيره كتناول أدوية مضادة لتأثير الأولى، أو التعرض لمسببات جديدة تزيد من آثار المرض وهكذا، ولعله إلى هذا يشير ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «من قال سبحان الله غرس الله بها شجرة في الجنة، ومن قال الحمد لله غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال لا إله إلا الله غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال الله أكبر غرس الله له بها شجرة في الجنة، فقال رجل من قريش: إن شجرنا في الجنة لكثير!! قال: نعم، ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها، وذلك إن الله يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾ «.[12]
وبالنتيجة فالذي يعظّم الشعائر الحسينية، ويبكي ويلطم ويبذل المال… إلخ فالثواب المترتب عليه كله مرهون فيما لو حافظ على هذا الثواب، ولم يحرقه بالسيئات، لذا قال -تعالى: ﴿ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾[13]، ولم يقل( من عَمِلَ الحسنة فله عشر أمثالها)؛ لأن تكليفنا لا يقتصر على عمل الحسنات، بل أيضا المحافظة عليها من الزوال، فهناك من يبذل المال للإمام الحسين عليه السلام بينما تراه سالبًا لحق زوجته في النفقة، أو سالباً لحق أهله من الإرث، أو غاشًا لبعض المسلمين، أو مغتصباً لحقوق الفقراء من الخمس، وغيرها كثير من الموارد، روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد سأل أصحابه يوماً: « أتدرون ما المفلس؟ فقيل: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع له، فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار»، بل قد يقال: «إن المفلس حقيقة هو هذا»[14]، فهذه الآثار تترتب ما لم يأتِ مانع فيمنعها، أو رافع يرفعها.
4. إنه لا يمكن التمسك بإطلاق هذه الروايات، بل لا بد من حملها على المقيدات، والنظر إلى سائر القرائن، فليس صحيحًا أن يقال :-مثلاً- أن من قال كذا دخل الجنة ولو كان في قوله مستهزئ، أو أن من بكى على الإمام الحسين عليه لسلام دخل الجنة ولو كان غير مسلم… إلخ، وإنما ينبغي النظر إلى سائر الروايات والنصوص الإسلامية الأخرى التي تكون بمثابة القرينة على المقصود من هذه الروايات التي بين أيدينا، ويستفاد من سائر الروايات مثلا: أن القائل لهذا الذكر لا بد أن يكون معتقدًا به، ولو على نحو الإجمال، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾[15] فوصفهم بالكذب مع أن مقولتهم حقيقية، وربما يكون ذلك من أجل الاختلاف بين مقام التلفظ ومقام الاعتقاد، وهكذا بالنسبة إلى هذه الروايات فإنها ينبغي أن تلاحظ مع سائر الروايات الأخرى التي هي بمثابة القرينة بالنسبة لها، حتى تنتج ما هو الصحيح، ومن تلك الروايات ما روي عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: من زار قبر الحسين بن علي عليه السلام عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.[16]
فهذه الرواية تدّل بأن نيل الثواب المترتب على الزيارة مرهون بمعرفة الإمام عليه السلام، ومعلوم أن معرفة الإمام لا تقتصر على معرفة اسم الإمام ونسبه وحسبه، بل المعرفة تحتاج بالإضافة إلى العلم التصديق القلبي بأنه إمام مفترض الطاعة، وأن طاعته طاعةٌ لله تعالى وطاعة لرسوله، والتسليم له في كل أمر، والأخذ بقوله والردّ إليه، وغيرها[17]، وهذا التصديق القلبي الذي نسميه بالإيمان تارة يكون صادقاً وأخرى كاذباً، والذي يميز صدقه عن كذبه هو النتيجة المترتبة على الافتتان والابتلاء في الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾[18]، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن الإيمان ما خلص في القلب وصدقه الأعمال».[19]
فإن كانت أعماله صالحة مطيعة لله تعالى طاعة مطلقة، فهي دلالة على صدق إيمانه، وبأنه عارف بالله وبالإمام الذي يزوره، ومن ثمَّ سينال الثواب العظيم المترتب على العمل حسب درجة معرفته وطاعته، بينما إذا كان عاصياً غير مطيع لإمام زمانه فلن ينال الثواب المترتب على الزيارة؛ لأن هناك قاعدة ذكرها الله تعالى لنا في كتابه المجيد وهي:﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[20]، والحدّ الأدنى للمتقي هو العمل بالواجبات، وترك المحرمات.
5. إنه قد ينطبق عنوان ما على فعل من الأفعال، فيكون ذلك الفعل علامة الإيمان ومظهر الدين، وحينئذ فلا ينبغي التعامل مع الفعل باعتبار ذاته، وإنما باعتبار ما يرمز إليه ويدل عليه، فإن (شق سنام الناقة في قران الحج، أو تعليق نعل في رقبتها) أمر لو نظر إليه في حدود نفس الفعل لم يكن شيئًا مهمًا، ولكن حين يكون عنوانًا لشعائر الله، لا يجوز لأحد حينئذ إحلاله كما قال القرآن: ﴿ لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ…﴾[21] وحين يكون فعل من الأفعال عنوانًا لشخصية الإنسان، أو كاشفًا عن عمق الإيمان، فإنه يثاب بمقدار أهمية المنكشف لا بمقدار قلة الكاشف، لذا فإن دمعة ندم واستغفار من مذنب في جوف الليل قد تستوجب من الثواب أضعاف ما يستوجبه مقدار كبير من النوافل والصلوات المستحبة التي تتجاوز تلك الدمعة من حيث وقتها وزمانها، وإن قول: (لا إله إلا الله ومحمد رسول الله) بما هو إعلان للإيمان، وكفر بالطواغيت يمهد الطريق للمرء للوصول إلى الجنان، ويُحقَن بواسطته دمُ القائل، ويصون ماله وعرضه، وينقله من الظلمات إلى النور، مع أنه لا يستغرق من حيث الزمان إلا شيئًا يسيرًا، ولكنه يعني الانتقال من عبادة غير الله إلى عبادة الله، فيعطي للقائل جميع حقوق الإنسان المسلم، ويساويه بذلك الذي عبد الله منذ صغره، وقام بالنوافل. والبكاء على الإمام الحسين عليه السلام بما يمثل من إعلان موقف في الانتماء إلى خط الإمام عليه السلام، وإعلان صرخة الاستنكار والعداء لظالميه وقاتليه وبما هو كاشف عن استيعاب خطه المقدس، يجعل ترتب ذلك الثواب عليه أمرًا طبيعيًا.[22]
ولا بد لي أن أذكر هذه القصة التي وردت في كتاب: بحار الأنوار[23] عن لسان العلامة المجلسي -رضوان الله تعالى عليه-: «ورأيت في بعض مؤلفات أصحابنا أنه حكي عن السيد علي الحسيني قال: كنت مجاوراً في مشهد مولاي علي بن موسى الرضا عليه السلام مع جماعة من المؤمنين، فلما كان اليوم العاشر من شهر عاشوراء ابتدأ رجل من أصحابنا يقرأ مقتل الحسين عليه السلام فوردت رواية عن الباقر عليه السلام أنه قال: من ذرفت عيناه على مصاب الحسين ولو مثل جناح البعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، وكان في المجلس معنا جاهل مركب يدعي العلم ولا يعرفه، فقال: ليس هذا بصحيح والعقل لا يعتقده، وكثر البحث بيننا وافترقنا على ذلك المجلس وهو مُصِرٌ على العناد في تكذيب الحديث، فنام ذلك الرجل تلك الليلة، فرأى في منامه كأن القيامة قد قامت، وحشر الناس في صعيد صفصف لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، وقد نصبت الموازين، وامتد الصراط، ووضع الحساب، ونشرت الكتب، وأسعرت النيران، وزخرفت الجنان، واشتد الحر عليه، وإذا هو قد عطش عطشًا شديدًا، وبقي يطلب الماء فلا يجده، فالتفت يمينًا وشمالًا وإذا هو بحوض عظيم الطول والعرض، قال: قلت في نفسي هذا هو الكوثر فإذا فيه ماء أبرد من الثلج، وأحلى من العذب، وإذا عند الحوض رجلان وامرأة، أنوارهم تشرق على الخلائق، ومع ذلك لبسهم السواد وهم باكون محزونون، فقلت من هؤلاء؟ فقيل لي: هذا محمد المصطفى، وهذا الإمام علي المرتضى، وهذه الطاهرة فاطمة الزهراء، فقلت: مالي أراهم لابسين السواد وباكين ومحزونين، فقيل لي: أليس هذا يوم عاشوراء، يوم مقتل الحسين، فهم محزونون من أجل ذلك، قال: فدنوت إلى سيدة النساء فاطمة وقلت لها: يا بنت رسول الله إني عطشان، فنظرت إليّ شزرًا وقالت لي: أنت الذي تنكر فضل البكاء على مصاب ولدي الحسين ومهجة قلبي وقرة عيني الشهيد المقتول ظلمًا وعدوانًا، لعن الله قاتليه وظالميه ومانعيه من شرب الماء، قال الرجل: فانتبهت من نومي فزعًا مرعوبًا، واستغفرت الله كثيرًا وندمت على ما كان مني، وأتيت إلى أصحابي الذين كنت معهم، وخبرت برؤياي وتبت إلى الله عزّ وجل.
إذن نفهم من خلال ما طُرح في البحث أن تعظيم شعائر أهل البيت عليهم السلام يترتب عليها ثوابًا عظيمًا، ولكن بشرطها وشروطها، وبرفع موانعها.
ومن أبرز ما أكدت عليه النصوص الشرعية هو تعظيم الشعائر الحسينية، ومنها زيارة الإمام الحسين، حيث تذكر عشرات الروايات عن أهل البيت عليهم السلام بأنه يترتب على زيارته زيادة الرزق والعمر، ودفع مدافع السوء، ودفع الهم والغرق والحرق، وقضاء الحوائج، والأمن من الفزع الأكبر، وغفران الذنوب، ونيل ثواب كذا حجة…إلخ.
ولذا قد يستغرب بعضهم من هذه الخصوصية الممنوحة للإمام الحسين عليه السلام، ويسأل عن سبب الاهتمام به أكثر من غيره!
المبحث الثاني: لماذا الاهتمام بالحسين عليه السلام أكثر من غيره؟
من الأسئلة التي اعتدنا على سماعها من الناس، وبالأخص من المخالفين هو السؤال الآتي:
لماذا يُحيي الشيعة ذكرى الإمام الحسين عليه السلام كل عام، أليس هو في الجنة والمفروض أنكم تفرحون؟، ولماذا لا يهتم الشيعة بمصاب الإمام الحسن عليه السلام كاهتمامهم بالإمام الحسين عليه السلام؟، ولماذا لا يهتمون بأبيه الإمام علي عليه السلام الذي هو أفضل منهما، بل لماذا لا يهتمون بمصاب نبي الرحمة محمد عليهم السلام الذي هو أفضل منهم جميعاً؟
ونجيب عن ذلك بجوابين وهما:
الجواب النقضي: إن الشيعة لم تغفل عن مصاب الرسول، وآل الرسول فهي تحيي مصابهم في كل عام، وتقيم عليهم مجالس متعددة في شرق الأرض وغربها، وفي الحقيقة إنما ينبغي توجيه السؤال لمن لا يحزن، ولا يقيم العزاء على الرسول وأهل بيته عليهم السلام رغم أن أهل السنّة يصرّحون بأن محبتهم ومودتهم واجبة لقوله تعالى:﴿ قلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾[24]، ومن أبغضهم فهو كافر.
الجواب الحلّي: إن التركيز على مصاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام أكثر من غيره فلجهات، نذكر منها ما يلي:
1. إن العقل يحكم بضرورة إحياء ذكرى الثوار والمجاهدين، فلو نفترض أن عصابة دخلت على عائلتك وأهل بيتك، فلم يكتفوا بقتلهم بل مثّلوا بهم تمثيلًا، فهل عند مرور الذكرى السنوية لموتهم ستحتفل وتفرح بموتهم أم تحزن؟
وهذا الأمر يتعارفه العقلاء من مسلمين وغير مسلمين، حيث ستجد أن لكل شعب من الشعوب أياماً يحيون فيها ذكرى عظمائهم وقاداتهم وشهدائهم، ولذا فمن باب أولى وجب إحياء ذكرى الإمام الحسين عليه السلام؛ لعظم مصيبته، ولكونه حجة من حجج الله تعالى، وسيد شباب أهل الجنة.
2. إن الحزن على الإمام الحسين عليه السلام سنّة نبوية، والله تعالى أمرنا أن نتأسى ونقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: [لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ][25]، فعشرات النصوص الروائية من كتب الفريقين تثبت أن الرسول صلى الله عليه وآله قد حزن على الإمام الحسين عليه السلام مرارًا وتكرارًا أكثر من حزنه على غيره، رغم أن سبطه الحسين كان صغيرًا على قيد الحياة، ولمعرفة تفاصيل هذه الروايات ننصح بقراءة كتاب (الإمام الحسين عليه السلام فوق ما قيل ويُقال)، للشيخ أحمد الأحوزي، ويمكنكم تحميله من المتصفح الإلكتروني.
3. إن الحديث عن الإمام الحسين عليه السلام إنما يتم باعتباره امتدادًا للرسول صلى الله عليه وآله، وناصرًا لشريعته، ومقتبسًا من نوره، ولهذا فالحديث عن الإمام الحسين عليه السلام هو حديث عن جده المصطفى صلى الله عليه وآله.
بل تشير بعض الروايات ويساعدها الاعتبار على أن الإمام الحسين عليه السلام كان في وقته بمثابة مجمع خصال النبوة والإمامة، وأنه التجسيد الكامل للرسول صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين، والزهراء والحسن عليهما السلام، كما تشير إليه رواية عبد الله بن الفضل الهاشمي، التي رواها الشيخ الصدوق في العلل قال: «روي عن عبد اللّه بن الفضل قال: «قلت لأبي عبد اللّه -عليه السلام: يا ابن رسول اللّه، كيف صار يوم عاشوراء يوم مصيبة وغمّ وجزع وبكاء، دون اليوم الّذي قُبض فيه رسول اللّه صلى الله عليه وآله؟ واليوم الّذي ماتت فيه فاطمة عليها السلام؟ واليوم الّذي قُتل فيه أمير المؤمنين عليه السلام؟ واليوم الّذي قُتل فيه الحسن عليه السلام بالسمِّ؟ فقال: «إنّ يوم قتل الحسين -عليه السلام- أعظم مصيبة من جميع سائر الأيام، وذلك أنّ أصحاب الكساء الّذين كانوا أكرم الخلق على اللّه كانوا خمسة، فلمّا مضى عنهم النبيُّ، بقي أمير المؤمنين، وفاطمة، والحسن، والحسين -عليهم السلام- فكان فيهم للنّاس عزاء وسلوة، فلمّا مضت فاطمة كان في أمير المؤمنين، والحسن، والحسين -عليهم السلام- للناس عزاء وسلوة، فلمّا مضى منهم أمير المؤمنين كان للناس في الحسن، والحسين عزاء وسلوة، فلمّا مضى الحسن عليه السلام كان للناس في الحسين عزاء وسلوة، فلمّا قُتل الحسين عليه السلام لم يكن بقي من أصحاب الكساء أحد للناس فيه بعده عزاء وسلوة، فكان ذهابه كذهاب جميعهم، كما كان بقاؤه كبقاء جميعهم، فلذلك صار يومه أعظم الأيّام مصيبة».[26]
4 . بغض النظر عن كل تلك النقاط، فإن إحياءنا لعاشوراء هو طاعة للشريعة، فنحن المسلمون مأمورون بإحياء ذكرى الأيام التي انتصر فيها الحق على الباطل، قال تعالى: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾[27]، فالإمام الحسين عليه السلام هو «المنتصر»؛ لأن بشهادته حقق الهدف الذي مات من أجله، وهو رفع اسم الله واسم نبيه محمد صلى الله عليه وآله، فقد رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنَّهُ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَ قَدْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ-، اسْتَقْبَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَ قَالَ: يَا عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْن، مَنْ غَلَبَ؟ وَ هُوَ يُغَطِّي رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَحْمِلِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ مَنْ غَلَبَ وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَأَذِّنْ ثُمَّ أَقِمْ “.[28]
فيزيد عليه لعائن الله هو الخاسر؛ لأنه لم يحقق هدفه في هدم الإسلام؛ لأن الإمام الحسين عليه السلام تصدى له وسقى شجرة الإسلام بدمه، وكأن لسان حال الإمام: «إن كان دين محمد لم يستقم إلّا بقتلي يا سيوف خذيني».
ولما نستقرئ النصوص الشرعية نجد أن الشريعة أمرتنا بإحياء ذكرى عاشوراء على لسان المعصومين الإثني عشر عليهم السلام بعشرات الروايات، ومنها ما روي عن الإمام الرضا ع: رحم الله عبدًا أحيا أمرنا، فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا، ونفس الإمام عليه السلام، قال: «فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام».[29]
5. لأن مصيبة الإمام الحسين عليه السلام لها خصوصية، فمصيبته لا مثيل لها في الوجود، وكما صرّح بذلك الإمام الصادق عليه السلام في زيارة عاشوراء: «مُصيبَةً ما اَعْظَمَها وَاَعْظَمَ رَزِيَّتَها فِي الإسْلامِ وَفِي جَميعِ السَّماواتِ وَالاْرْضِ»، ولذا يروى أن الإمام الحسين عليه السلام دخل على أخيه الحسن عليه السلام في مرضه الذي استشهد فيه فلما رأى ما به بكى، فقال له الإمام الحسن عليه السلام ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فقال: أبكي لما صنع بك، فقال الحسن عليه السلام إن الذي أوتي إلي سم سقيته، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ,وقد ازدلف إليك ثلاثون ألفا يدّعون الإسلام فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني أمية اللعنة وتمطر السماء رمادا ودما، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار.
هذا وقد أثر السم في الإمام عليه السلام وكان رأسه في حجر أخيه عليه السلام وهو يقذف بين الحين والآخر أحشاءه في الطشت قطعة قطعة.
(نصاري)
| اشكثر الدهر فرّگ بين الاحباب | او سهمه اعله ابو امحمد بالگلب صاب | |
| گعد ينحب ولن الدگ على الباب | صاح الحسن شيل الطشت يحسين |
وإذا بالباب يطرق فقال الإمام الحسين عليه السلام: من الطارق؟ فقالت زينب: أنا أختك.
(نصارى)
| أنا الفاجــــــــــدة أمي وأبييّ | وانا الجايــــــــــه التعافه لخييّ | |
| يخويه احسين اخاف ايزول فييّ | لو مات الحسن هاليوم يحسين |
فقال الحسن لأخيه الحسين: يا أخي ارفع الطشت لكي لا تراه أختنا زينب وباقي بنات أمير المؤمنين.
(مجردات)
| يحســــــين شيل الطشت عني | خواتــــــــك يبو السجاد اجني | |
| يـــــردن يشبعن شوف مني | او يـــــــــــردن يخويه ايودعني | |
| او ينوحــــــــن عليه او يندبني | ||
ففتح الباب فدخلت السيدة زينب عليها السلام صارخة:
(نصاري)
| ولن اتشوف اخوها الحسن مطروح | ويده اعله الكبد ويجود بالروح | |
| بچت زينب او كامت تحن واتنوح | واتنادي الحنينه ابدمع سچاب |
وتلتفت إلى أبي عبد الله الحسين عليه السلام وتخاطبه:
(نصاري)
| يحســـــــــين تچي له ابصدرك | ابن والدك واحزام ظهــــــــــرك | |
| اخاف الدهر من بعده يغدرك | او تظل بعده يخويه اولا لك امعين[30] |
[1] كامل الزيارات -جعفر بن محمد بن قولويه -ص ٣٩.
[2] م.ن -ص٤١.
[3] م.ن -ص ٤٠.
[4] م.ن -ص41-42.
[5] م.ن -ص ٢٠٧.
[6] سنن الترمذي-ج5-ص 175.
[7] مجمع الزوائد-الهيثمي-ج10-ص87.
[8] الزلزلة/7-8.
[9] القدر/3.
[10] الأمالي-الشيخ الطوسي -ج 1 -ص 314.
[11] بحار الأنوار-المجلسي-ج ٧١ -ص ٣٢٧ -ح ٢٢.
[12] جامع أحاديث الشيعة -السيد البروجردي -ج ١٥ -ص ٤٠٤.
[13] الأنعام/160.
[14] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٦٩ -ص ٦.
[15][15] المنافقون/1.
[16] ثواب الأعمال -الشيخ الصدوق -ص٨٥.
[17] لمعرفة التفاصيل ننصح بمراجعة كتاب زاد المبلغات، الجزء الأول، ص97-101.
[18] العنكبوت/2-3.
[19] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ١ -ص ١٩١.
[20] المائدة/27.
[21] المائدة/2.
[22] من قضايا الإمام الحسين ع-ج1-ص57-61، بتصرف.
[23] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٤٤ -ص٢٩٤.
[24] الشورى/ 23.
[25] الأحزاب/21.
[26] علل الشرائع -الشيخ الصدوق -ج ١ -ص٢٢٦.
[27] إبراهيم/5.
[28] الأمالي -الشيخ الطوسي -ص٦٧٧.
[29] عيون أخبار الرضا (ع) -الشيخ الصدوق -ج ٢ -ص٢٧٥.
[30] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج4-ص162.
