لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
عنوان المحاضرة: صانِعَةُ الأَجْيالِ أَعْظَمُ امْرَأَةٍ عامِلَةٍ
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
« لَاتُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنَ الْأَمْرِ مَا يُجَاوِزُ نَفْسَهَا فَإِنَّ ذلِكَ أَنْعَمُ لِحَالِهَا وأرخَى لِبَالِهَا وَأَدْوَمُ لِجَمَالِهَا، فإنّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ». ([1])
تُعدّ الأسرة اللبنة الأولى في قاعدة أي مجتمع، وبأبسط مفهوم تُعرَّف أنّها وحدة اجتماعية شاملة للزوجين والأبناء والأرحام ([2])، ونريد أن نقف على أحد الأسباب الذي له علاقة بالترابط أو التفكك الأسري وهو عمل المرأة.
(إن الرجل الذي يتزوج من امرأة عاملة أو موظفة وضعه يختلف عمّن يتزوج من ربّة بيت. فالمرأة العاملة تتحمل ما لا يتحمله الرجل أو المرأة التي لا تعمل، لأنها تقوم بعدة واجبات وهي واجباتها الزوجية وواجبات الأمومة والواجبات المنزلية والواجبات الوظيفية وتقوم أيضاً بالواجبات الاجتماعية فضلاً عن الواجبات الدينية المفروضة عليها، فهذه المرأة تعمل أغلب ساعات اليوم وعليها ضغوط كثيرة… وأغلب الشباب اليوم يبحثون عن موظفات للزواج لكي يشاركوهم نفقات البيت وأعباء الحياة) ([3])، وترتب على ذلك إن المرأة جعلت الأولوية للعمل خارج المنزل وللنشاط الاجتماعي وفرّطت وأهملت الحقوق والواجبات المترتب عليها حفظ الأسرة لذلك يعاني الغرب من التفكك الأسري، وبدأ ينسحب الأمر لبلادنا الإسلامية.. وصار الناس ينظرون إلى (ربّة البيت) نظرة دونيّة، يقول عباس العقّاد: “ولعل هذه المهمة السامية لربة البيت قد انطفأ بريقها وفقدت الكثير من القناعات بأهميتها وجدواها بسبب حملات التشويه المتعمدة من أصحاب الدعوات التحررية المناهضة لبقاء المرأة في بيتها، حتى بدا للكثير أن مسمى ” ربّة بيت ” فيه دونية للمرأة، وأن دورها سلبي لا قيمة له، وأنها معطلة وغير منتجة، ولا تعد امرأة عاملة تشارك في تنمية مجتمعها مثل التي تعمل خارج بيتها! ومن كيد هؤلاء أنهم مزجوا هذه المفاهيم المغلوطة بمفاهيم أخرى تحرض المرأة على ترك عملها المنزلي، وتصفه لها بأنه نتاج سلطة ذكورية تستغلها وتسخرها للخدمة بغير أجر أو بدون مقابل، وأنها ضحية للتمييز ضدها وضد مشاركتها في تنمية المجتمع باسم الدين والعادات والتقاليد الموروثة، وتدعوها باسم المدنية الحديثة وتحت مسمى التحرر من الاستعباد إلى ترك دورها الأسري الأصيل والثورة ضد ما تسميه بالأفكار الرجعية البائدة.. إلى غير ذلك من الدعاوى التي يطفح منها الشطط والتضليل والمغالطات، فكيف يُحَقِّرون عمل المرأة في رعاية أسرتها وبيتها ثم يُمَجِّدون عملها خارجه بدعوى مشاركتها في تنمية المجتمع! أي منطق هذا الذي يستندون إليه ويعتمدون عليه؟! فكيف تبني المجتمع من تهدم بيتها؟. ([4])
لقد غفلت المرأة عن غايتها ودورها الرئيسي بكونها امرأة رسالية صانعة للأجيال، وجعلت غايتها في الحياة هو التحصيل الدراسي ونيل الشهادات العليا والحصول على العمل المهني، وهمشن التفكير ببناء الأسرة بالزواج وإنجاب الأولاد ….تلكم النسوة متى يشعرن بالخديعة؟
إذا بلغت المرأة الأربعين من عمرها وما بعده… فإذا فاتها سنّ الشباب وتعذّر عليها الزواج وصعبت عليها الولادة …حينئذ تشعر بالخدعة الكبيرة التي وقعت فيها وتندم وتتحسر لأنها حُرمت من أعظم إنجازاتها … لذا تشعر بالغربة …تشعر بالوحشة ولو كانت في بيت أبيها مدللة ومعززة.
إن كل امرأة بفطرتها الإنسانية تميل إلى الحياة الزوجية وممارستها لدور الأمومة، ولذا التي تضيّع الفرصة عدها االرسول صلى الله عليه وآلهمسكينة، فقد روي عن رَسُولُ اللَّهِ : « .. مِسْكِينَةٌ مِسْكِينَةٌ مِسْكِينَةٌ ، امْرَأَةٌ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ ؟، قَالَ : وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ». ([5])
مباحث الرواية الشريفة
المبحث الأول: عمل المرأة في المنظور الإسلامي
سنتناول فيه المطالب الآتية:
المطلب الأول: رأي الشريعة في عمل المرأة
لا خلاف بين الفقهاء في جواز عمل المرأة حتى لو كان خارج المنزل ، ولقد دلّت النصوص الشرعية على جواز عمل وكسب المرأة، نذكر منها :
1 ـ قوله تعالى: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ([6])، إن الخطاب عام يحث على العمل لكلا الجنسين، وهذا فيه دلالة على جواز اكتساب المرأة بالعمل.
2 ـ قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوف وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ ([7]). إن الآية تصرّح بأنّ الأب له الحقّ في استئجار امرأة لترضع له ابنه، وهذا يدل على جواز إيجار المرأة نفسها لهذا العمل. ([8])
3 ـ روي أن امرأة عبد الله بن مسعود، أم ولده كانت امرأة صناعاً وليس لعبد الله بن مسعود مال فكانت تنفق عليه وعلى ولده من ثمن صنعتها، فقالت : «إني امرأة ذات صنعة فأبيع وليس لي ولا لولدي ولا لزوجي شئ ويشغلونني فلا أتصدق فهل لي في النفقة عليهم من أجر» فقال صلى الله عليه وآله: «لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم». ([9])
4. روي عن عثمان بن عيسى، عن أبي زهرة، عن أم الحسن النخيعة قالت: « مرّ بي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال : أي شيء تصنعين يا أم الحسن ؟ قالت : أغزل ، قالت : فقال : أما إنه أحل الكسب ». ([10])
5.عن جابر بن عبد الله، قال: طلقت خالتي ، فأرادت أن تجد نخلها- تجمع ثماره- فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي صلى الله عليه وآله فقال: « بل فجدي نخلك ، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفاً ». ([11])
المطلب الثاني: شروط عمل المرأة
إن خروج المرأة للعمل خارج المنزل مشروط بالالتزام بالضوابط الشرعية، وهي كالآتي:
أولاً: أن تستأّذن من وجب عليها استئذانه: وهما حالات:
1.إذا كانت متزوجة وجب عليها ألا تخرج إلا بالإذن من زوجها وإلا لعنتها ملائكة السماء والأرض حتى تعود، كما ذكرت الروايات.
قد يرد هذا السؤال: كيف تعالج المرأة هذه النقطة؟!
@( أن تشترط عليه في متن العقد أن لا يمنعها من الخروج للعمل والدراسة، فإذا اشترطت عليه سقط حقه في منعها. إذا فات عقد الزواج ولم تشترط ذلك.. ما العمل؟
@ تستخدم عقداً آخر كعقد البيع مثل أن تبيعه ساعة وتشترط في عقد البيع أن يسمح لها بالعمل) ([12])
2.إذا لم تكن متزوجة ولكن كان لديها والدان، (فإذا كان أحد أبويها أو كلاهما حياً وكان يتأذّى خوفاً عليها من مخاطر الخروج لم يجز لها مخالفته في ذلك) ([13])، وهذا الأمر غير مختص بالمرأة بل حتى الرجل.
ثانياً: أن يكون العمل حلالاً، فلا يجوز -مثلاً- أن تعمل عملاً حكم الشارع المقدس بحرمته، كالعمل في المعاملات الربويّة، أو تقوم بمعاملات فيها غش وخداع، أو الترويج للفساد كأن تعمل في محل معين ويشترط عليها صاحب المحل أن تعرض مفاتنها بالتبرج والتزين لتجلب أكبر عدد من الزبائن، أو العمل كإعلامية يُطلب منها تقديم ما فيه مخالفة للشرع.
ثالثاً: ملائمة العمل لطبيعة المرأة: فلا ينبغي-بمعنى لا يليق – للمرأة أنْ تعمل الأعمال التي تختصُّ بالرجال، أو التي لا تتوافق مع طبيعتها. فكون المرأة – مثلاً -موظفة خلف المكتب أو معلمة أو طبيبة يناسبها، ولكن الأعمال البدنية الشاقة لا تناسب تكوين المرأة كحرث الأرض أو قيادة شاحنة أو العمل في المصانع الضخمة كمعامل التنجيم وغيرها .
رابعاً: الالتزام بكل أحكام العفة: كالالتزام باللباس الشرعي، فقد اشترط الفقهاء على المرأة عند الخروج من بيتها أن تلتزم باللباس الشرعي الذي يغطي جميع بدنها، وأن لا يكون شفافاً ولا مجسّماً، ولا يكون لباسها لباس زينة، وألا يشبه لباس الرجال، وأيضاً وجب على المرأة أن لا تخرج متبرجة ومتزينة، فلا يجوز وضع المكياج ولا تركيب الرموش والأظافر ولا نفخ الشفاه ولا التعطّر لما يترتب عليه من الإثارة والافتتان. وأن لا تتمايل في مشيتها، فقد روى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: « سمعته يقول: يظهر في آخر الزمان واقتراب الساعة – وهو شر الأزمنة – نسوة كاشفات عاريات، متبرجات من الدين، داخلات في الفتن، مائلات إلى الشهوات، مسرعات إلى اللذات، مستحلات للمحرمات، في جهنم خالدات ». ([14])
خامساً: عدم الخلوة مع الرجل الأجنبي مع عدم الأمن من الوقوع في الحرام، بل الأولى أن يكون معهما ثالث حتى مع الأمن، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « لا يخلون رجل بامرأة، فما من رجل خلا بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ».([15])
سادساً: عدم التفريط في حق الزوج أو الأولاد: على الزوجة أن تراعي عدم التعارض ما بين حق زوجها وأولادها وما بين العمل؛ لأن حق زوجها واجبٌ عليها ورعاية أولادها أهم من الخروج للعمل، وإذا حصل التعارض فتقدم الأهم -وهم الأسرة- على المهم.
بعد بيان وجهة نظر الإسلام لعمل المرأة، سنقف على موضوع عمل المرأة من ثلاث زوايا: (أولاً) عمل المرأة المنزلي، (ثانياً) عمل المرأة المهني، (ثالثاً) عمل المرأة الرسالي. وسنطرحها في المباحث الآتية:
المبحث الثاني: عمل المرأة المنزلي
ونقصد بعمل المرأة المنزلي التفرّغ لأداء الوظائف المنزلية المهمة وأبرزها الوظائف الزوجية والتربوية.
السؤال المهم الذي وجب علينا طرحه هو:
هل أن الشريعة أمرت أن تكون الأولوية لعمل المرأة المنزلي أم لعملها المهني؟
الجواب: إن من يراجع النصوص القرآنية والحديثية، يخرج بحقيقة أن الإسلام يسعى إلى أن يعفي المرأة من أمر العمل خارج بيتها، وجعل الأولوية لعمل المرأة داخل المنزل.. ولنا في سيدة نساء العالمين أسوة حسنة، فقد روي عن أبي عبدالله، عن أبيه عليهما السلام قال: « تقاضى عليّ وفاطمة إلى رسول الله في الخدمة فقضى على فاطمة بخدمتها ما دون الباب، وقضى على عليّ بما خلفه، قال: فقالت فاطمة: فلا يعلم ما دخلني من السرور إلا الله باكفائي رسول الله تحمل أرقاب الرجال ». ([16])
فالسيدة فاطمة عليها السلام كان بإمكانها أن تختار العمل خارج المنزل باعتباره جائز، وهناك نسوة في زمانها كن يعملن خارج المنزل-كما ذكرنا- ولكنها فضّلت أن يكون عملها داخل المنزل بأن تجعل الأولوية لبناء أسرتها ورعاية زوجها والتفرغ لتربية أولادها وتدبير شؤون المنزل.
وللتوضيح أكثر سنذكر أهم الأسباب التي توضح سبب إعفاء المرأة من العمل خارج المنزل وجعل الأولوية لعمل المرأة داخل المنزل المُتَمَثِل بأداء الوظيفة الزوجية والوظيفة التربوية:
السبب الأول: رحمة بالمرأة
هذا السبب يوضحه الإمام علي عليه السلام في الحديث العلوي -محل البحث-، وهو « لَاتُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنَ الْأَمْرِ مَا يُجَاوِزُ نَفْسَهَا فَإِنَّ ذلِكَ أَنْعَمُ لِحَالِهَا وأرخَى لِبَالِهَا وَأَدْوَمُ لِجَمَالِهَا، فإنّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ.. ». ([17])
(أما قوله عليه السلام : « لَاتُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنَ الْأَمْرِ مَا يُجَاوِزُ نَفْسَهَا »: فالظاهر أن المقصود: لا تجعل بيدها من شؤون الأسرة والبيت ما هو ليس من شأنها الخاصِّ، بل من شأن الزوج، لأن الرجال قوّامون على النساء، وليس العكس، ومن ثمَّ على الزوج أن يتحمَّل هو مسؤوليَّة الأسرة، ولا يرهق زوجته بتحمُّلها.
ولهذا قال بعد ذلك: « فَإِنَّ ذلِكَ أَنْعَمُ لِحَالِهَا وأرخَى لِبَالِهَا وَأَدْوَمُ لِجَمَالِهَا »: أي: أن تحمّل الزوج للمسؤولية يجعل الزوجة تعيش الراحة والنعيم والرخاء، بل ويكون ذلك سبباً في المحافظة على جمالها، لأن تحمُّل شؤون الأسرة وهمومها ينعكس سلباً على وجهها وبدنها وكل ما يتعلق بجمالها كما ثبت ذلك بالتجربة.
ثمّ بيَّن عليه السلام السبب في عدم تحميل الزوجة مسؤولية الأسرة، حيث قال: « فإنّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ »، ان المقصود من الريحانة نبتة الريحان، تشبيهاً للزوجة بهذه النبتة، فإن لها رائحة طيبة، كما شبَّه بها رسول الله صلى الله عليه وآلهالحسن والحسين عليهما السلام في الحديث المعروف: « الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا »([18])، والقَهْرَمَانَةُ معناها اللغوي مدبِّرة البيت ومتولية شؤونه. فيكون المقصود: أنّ الله خلق المرأة لا من أجل أن نظلمها ونقسو عليها، بل إنّ الله خلقها من أجل أن نحترمها ونداريها، وأن يجعل الزوج زوجته محطة لراحته وتفريغ همومه، وإزالة أتعابه، وأما لو جعلها تتحمّل المسؤولية فكلاهما سوف يعانيان من تعب الحياة ومشاكلها، فلا يجد أحدهما شخصاً يستريحان إليه، وهذا بخلاف ما لو تحمّل الزوج المسؤولية عنها، فحينئذٍ ستكون هي الملجأ الذي يجد الزوج راحته عنده).([19])
من المعلوم أن بُنيّة المرأة تختلف عن بُنيّة الرجل سواءٌ من ناحية القوة والتحمُّل أو من ناحية عوارض العادة الشهرية أو من ناحية أنها مهد الحمل الذي يطول أشهراً أو من ناحية أنها منبع العطاء والغذاء لطفلها الجديد.
من هنا راعى الإسلام هذا الوضع، وحمّل الرجل مسؤولية تأمين المال والنفقات المادية التي تحتاجها الأسرة حتى لو كانت الزوجة تملك أموالاً طائلة.
وقد شجَّع الإسلام الزوج على ذلك من خلال بيان ثواب تأمين النفقة للعيال، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: « الكادُّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله». ([20])
السبب الثاني: صوّن المرأة وحفظها
إن عمل المرأة داخل المنزل سوف يصونها ويحفظها من التعرض للرجال، والدخول معهم، والاختلاط بهم. والشرع حين يرجّح لها أن تعيش في أجواء الصون، والعفاف، فإنه لا يهمل حالات الضرورة، فيسمح لها، بما من شأنه أن يلبي حاجاتها، ويرفع ضروراتها. فإذا توقفت حياتها على العمل، فإنه يرجح لها أن تختار عملاً ينسجم مع أهدافه تلك، ولا يجعلها في معرض الفتنة والافتتان. ولا يرضى لها أن تكون في الواجهات، والصالات لتجلب بأنوثتها الزبائن .
بل نجد في القرآن إشارة صريحة إلى لزوم حفظ حالة الصون، والابتعاد عن أجواء التعامل المباشر والاختلاط، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ … ﴾([21]) . ([22])
ومع شديد الأسف عندما نأتي للواقع نجد أن المقاييس قد انقلبت، وكما قال الرسول صلى الله عليه وآله: «.. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا؟! » ([23])، فبعض النساء لا يراعين أحكام العفة عند خروجهن للعمل أمام الرجال الأجانب ، بل صارت تهتم بالتبرج والتزين بوضع المكياج وتركيب الرموش وبالتعطر وارتداء الثياب المغرية المثيرة وحينما تتكلم تتغنج في صوتها، وحينما تمشي تتمايل في مشيتها وتوزع الإبتسامات وتتبادل النظرات المحرمة … ولمّا تصل النوبة لزوجها تجدها لا تفعل معه مثلما تفعل مع الرجال الأجانب؟!!
فتبّاً لهذا العمل الذي سيدخلهن في نار جهنم وبئس المصير.
السبب الثالث: حفظ الأسرة
وهذا من أهم أسباب جعل الأولوية لعمل المرأة داخل المنزل، فالأسرة في الدين الإسلامي تُعدّ من أهم ركائز ودعائم المجتمع، ولحماية الأسرة من الانهيار وضمان بقائها جعل الله تعالى لها دستوراً يتضمن مجموعة حقوق وواجبات ومنها الحقوق الزوجية، قال تعالى:) وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ( ([24]) أي فرض الله تعالى لكل فرد مسؤوليات عليه القيام بها تجاه الآخر لتتكامل الحياة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، …، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم ». ([25])
فالرسول صلى الله عليه وآلهيحدد مسؤولية الرجل برعاية أهل بيته من النفقة والمعاشرة بالمعروف والوصال، وحدد مسؤولية المرأة الرئيسية بحسن التبعّل ورعاية الأولاد وتربيتهم، فإذا أهمل كل منهما مسؤولياته سيترتب عليه ضعف في أساس الأسرة قد يودي به إلى الانهيار. ومن المعلوم أن للمرأة دوراً كبيراً في حفظ الأسرة الذي يتمثل بالوظائف الآتية:
أولاً: الوظيفة الزوجية: المتمثّلة بحُسن التبعُّل،فقدروي في الحديث: « وجهاد المرأة حُسن التَبعّل». ([26])، إن المراد من حُسن التبعُّل هو التودُّد للزوج، ومطايبتُه في الحديث، والتزيُّن له، والمعاشرةُ له بأحسنِ ما تكون عليه المعاشرة، وأداءُ حقوقِه تامَّة غيرُ منقوصة، وأنْ لا تُكلِّفه ما لا يُطيق بل تُعينه على نوائبِ الدهر.([27])
وهذه الوظيفة وجب تقديمها على العمل خارج المنزل لأن النفقة واجبة على الزوج لا على الزوجة، ولأن الإمام الباقر عليه السلام أخبرنا: « لا شفيع للمرأة أنجح عند ربها من رضا زوجها ». ([28])
ولنا في فاطمة سيدة النساء أسوة حسنة حيث قال الإمام عليّ عليه السلام : « فوالله …لا أغضبتني، ولا عصت لي أمرا، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان». ([29])
ثانياً: الوظيفة التربوية: إن الأم مربية الأجيال، وصانعة الرجال، والأمينة على أخلاق الأطفال، بل هي المدرسة الأولى في تنمية أخلاق العيال، وتعديل سلوكيات الأطفال؛ كما قال حافظ إبراهيم عنها:
الأم مدرسة إذا أعددتهــــــــــــــــا *** أعددت شعبا طيب الأعراق
الأم روض إن تعهده الحيا *** بالريّ أورق أيمـــــــــــــــــــــــــــــا إيراق
الأم أستاذ الأســــــــــــــاتذة الألى *** شغلت مآثرهم مدى الآفاق. ([30])
ويفترض أن لا يُنظر إلى دور الأمومة والتربية نظرة استخفاف، فمهمة الأمومة حينما حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وما يليها من ولادة ورضاعة وحضانة والتي تتطلب جهودا كبيرة… ومن ثم تأتي مرحلة التربية التي تعد في وقتنا المعاصر مهمة صعبة ومسؤولية في الوقت نفسه، خاصة مع الانفتاح الإعلامي الذي طغى علينا على حساب الجوانب الأخرى.
إنّ المستشارين التربويين المؤمنين يؤكدون على ضرورة التفرّغ لرعاية وتربية الأولاد في مرحلة الطفولة المبكرة-أي السبع سنوات الأولى-، ومرحلة الطفولة المتأخرة-أي السبع سنوات الثانية-، ومرحلة المراهقة، والشريعة تؤكد بأن لكل مرحلة منهجاً يختلف عن الآخر، روي عن الصادق عليه السلام قال: دع ابنك يلعب سبع سنين ويؤدب سبعا وألزمه نفسك سبع سنين، فإن فلح وإلا فلا خير فيه. ([31])
فإذا اضطرت المرأة للعمل خارج المنزل فعلى الأقل ليكن بعد الانتهاء من مرحلتي الطفولة باعتبار أساس الطفل وشخصيته يتحدد في هذه المرحلة، فمرحلة الطفولة المتأخرة هي مرحلة التأديب والتقويم، التي عبّر عنها الإمام بقوله (ويؤدب سبعا)، والتأديب يكون بزرع عشرات القيم الإيمانية والأخلاقية والعبادية والمهارات الحياتية في نفوس الأولاد. وممارسة هذا الدور يحتاج أن تكون الأم متفرّغة وواعية وفاهمة بالأساليب التربوية المتنوعة كأسلوب التربية بالحوار، وأسلوب التربية التجربة والخبرة، وأسلوب التربية بالقدوة، وأسلوب التربية باللعب والجزاء وغيرها، وإلا إذا استخفت المرأة بدورها وانشغلت بأمور تافهة، وتجاهلت زرع القيم الإسلامية وكانت حريصة فقط على توفير المتع الدنيوية للأولاد من هواتف حديثة وإنترنت، وحاسوب وثياب وأجهزة بماركات عالمية فهي أُم فاشلة غير مؤهلة للتربية سواءً أكانت عاملة أو ربّة بيت، وهي امرأة محطّمة للأجيال لا صانعة للأجيال، والنتيجة أن الرسول صلى الله عليه وآلهسيتبرأ منها لأنها السبب في دخول أولادها النار، روي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه نظر إلى بعض الأطفال فقال: ” ويل لأطفال آخر الزمان من آبائهم ” فقيل: يا رسول الله، من آبائهم المشركين؟ فقال: ” لا من آبائهم المؤمنين، لا يعلمونهم شيئا من الفرائض، وإذا تعلموا أولادهم منعوهم، ورضوا عنهم بعرض يسير من الدنيا، فأنا منهم برئ وهم مني براء “. ([32])
ثالثاً: الوظيفة المنزلية: كترتيب المنزل والطبخ وغيرها، ورغم أن هذه الوظيفة ليست من الواجبات على الزوجة بل من المستحبات ولكنها ضرورية لحفظ الأسرة، ولنا في السيدة فاطمة عليها السلام أسوة حسنة التي غزلت وطحنت وخبزت وسقت وكنست رغم أنها سيدة نساء العالمين، فلقد روي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: «كانت ابنة رسول الله من أكرم أهله عليه، وكانت زوجتي، فجرّت بالرحى حتى أثر الرحى بيدها، وأسقت بالقربة حتى أثّرت القربة بنحرها، وقمّت – أي: كنست – البيت حتى اغبرّت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر ». ([33])، ولمعرفة التفاصيل يمكنكم مراجعة الجزء الثالث لكتاب(زاد المبلغات) المحاضرة الخامسة، المبحث الرابع.
ولأهمية هذه الوظائف الثلاثة في حفظ الأسرة وحمايتها فلقد تكفّل الشارع المقدس لها بضمانات تحثها على البقاء في المنزل لضمان العزة والكرامة لها ، ومن ذلك:
1.إيجاب النفقة على الرجل، حتى تتفرغ لأداء هذه الوظائف المهمة .
2.أعفاها من مسؤولية الإدارة المباشرة في داخل الأسرة بجعل القيمومة بيد الزوج . لأن الإدارة المباشرة تتطلب جهدا وتفكيرا طويلا وقد يستلزم منها الخروج وقضاء ساعات طوال خارج المنزل، لذلك فالزوجة في النظام الإسلامي في راحة من ذلك.
3.إسقاط بعض الواجبات التي تستلزم الخروج كصلاة الجماعة والجهاد.
4.رتب على العمل الذي تمارسه داخل المنزل ثوابا عظيما ،نذكر منها ما روي عن الإمام الصادق : المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح وأيما امرأة خدمت زوجها سبعة أيام أغلق الله عنها سبعة أبواب النار وفتح لها ثمانية أبواب الجنة تدخل من أيها شاءت. ([34])
المبحث الثالث: عمل المرأة المهني
في الأعم الأغلب يستلزم العمل المهني من المرأة الخروج من المنزل، وهو على قسمين :عمل مهني ضروري، وآخر غير ضروري.
فأما العمل المهني الضروري، وهو ما تتوقف عليه المصلحة العامة كمجال الطب والتمريض، والتعليم، فالحاجة ماسة لعمل المرأة في هذه المجالات فالمسألة ليست اجتماعية فقط، بل هي مسألة شرعية قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ([35]) ، فقد ركّز الإسلام على عنوان العزة، ولا يمكن أن يكون المجتمع الإسلامي عزيزاً إذا كان محتاجاً إلى المجتمعات الأخرى، بل الذي يجعله عزيزاً هو الاكتفاء في مجالات عمل المرأة «الطب والتعليم». وأما الأمور الأخرى كالصحافة والهندسة «فليست حراماً» ولكنها لا تدخل تحت العناوين الراجحة بل تحت العناوين المرجوحة. ([36])
ودوافع العمل المهني عديدة، نذكر منها الآتي:
1.للحصول على الأموال: يفترض على الزوجة التي لديها زوج ينفق عليها أن تكون قنوعة وأن توجه اهتمامها الأول لأسرتها فهم أهم من العمل خارج المنزل ومن جمع الأموال. نعم إذا لا يوجد من ينفق عليها كأن لم تكن متزوجة أو كانت أرملة أو مطلقة أو كان زوجها معوقا أو متزوجة ولكن زوجها كان فاسقا يتهرّب من تحمل مسؤولية النفقة، أو كان ما يتقاضاه من راتب أو مكسب قليل جداً لا يكفي لسد الاحتياجات الأساسية فهنا ستضطر للعمل.
2.تحقيق مكانة اجتماعية: قد تعمل المرأة من أجل تحقيق طموحاتها في الحصول على مكانة اجتماعية مرموقة، وشغل مناصب هامة وحساسة. وهذا الأمر إذا كان لأهداف دنيوية فهو مذموم وبالأخص إذا تعارض مع حسن التبعل وتربية الأولاد -كما هو الغالب-.
إن الشريعة ذمّت حب المال والجاه والرئاسة وحب المدح والظهور، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم، بأكثر فسادا فيها من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم ».([37]) وكم رأينا نسوة ضيعن أسرهن وأولادهن بسبب ذلك.
3.العمل يجعلها تستثمر أوقات الفراغ بطريقة أفضل: إذا كانت المرأة تُحسن تبعلها مع زوجها وتحسن تربية أولادها ومع ذلك تعاني من الفراغ فلا بأس بأن تسدّ بعض أوقات فراغها بالعمل ولكن في الغالب أن الأمهات اللاتي لديهن أولاد بمرحلة الطفولة، ويعانين من الفراغ، هن أمهات غير مؤهلات للتربية، فالأم لو فرّغت نفسها لمعرفة المنهاج التربوي المختص بكل مرحلة عمرية وكانت عارفة بأساليب التربية الصحيحة وعدد القيّم التي وجب زرعها في نفوس أولادها لما فكّرت بالعمل خارج المنزل ولشَكَتْ من ضيق الوقت.
5.لتشعر بكرامتها وقيمتها، وهذا الفكر مستورد من الثقافة الغربية الذي جعل قيمة وكرامة المرأة مرهوناً بأمور وهمية منها: إظهار أنوثتها، وإن كرامتها مرهونة بعملها خارج المنزل لا بداخله، في حين أن الله تعالى يخبرنا بأن كرامة الإنسان مرهونةً بتقواه أينما كان عمله، قال تعالى:) إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (([38]) وسبب استخفاف الغرب بعمل المرأة المنزلي والتربوي لأنهم يعدونها بمنزلة خادمة المنزل.. في حين أن العمل المهني أيضا هو خدمة لبعض الأفراد أو خدمة للدولة والمجتمع، فلماذا صارت خدمة الأسرة عاراً وخدمة غيرهم شرفاً في حين أن خدمة الأسرة أولى من غيرها وهذا ما يحكم به العقل والشرع، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ».([39]) ، والمتعارف أنّ ربّة البيت لا تأخذ مقابل عملها الأسري مالاً؛ لأن عملها حباً لأسرتها وقربة لله تعالى، لذا فهي أولى بالاحترام والتقدير من غيرها.
وأما إذا كان الدافع للعمل خارج المنزل من أجل مساواتها مع الرجل بينما العمل المنزلي لا يحقق التساوي-كما يدّعي الغرب- فنردّ عليه بأن الإسلام ساوى ما بين الجنسين، ولكن العدل يستلزم في بعض الأحيان الاختلاف في الوظائف من أجل تكامل الأدوار ومراعاة للاختلافات التكوينية والنفسية ما بين الجنسين، كما ذكرنا ذلك تفصيلاً في مبحث الحجاب. ([40])
المبحث الرابع: التوازن عند التزاحم
المطلب الأول: التزاحم بين أداء المهام
من باب الإنصاف وجب علينا أن نطرح السؤال الآتي:
هل تتمكن المرأة بعد رجوعها من عملها خارج المنزل، مرهقةً متعبة من أداء وظيفتها الزوجية ، من التودد لزوجها والتزيّن له، وأن تُحسن معاشرته ومن أداء كل حقوقه، وهل تتمكن من أداء وظيفتها التربوية، من رعاية أولادها وتربيتهم تربية إسلامية سليمة، ومن أداء الوظيفة المنزلية، بالإضافة إلى الواجبات العبادية والاجتماعية؟
الجواب: بالتأكيد أن أداء كل هذه الوظائف والمهام على النحو الأكمل غير ممكن لأنه يستلزم التزاحم، فالمرأة (تحتاج إلى إعداد لها، واستعداد منها، على المستوى النفسي، والفكري، والثقافي، والإيماني، والأخلاقي، والسلوكي. وإلى بذل جهد كبير جداً من الصعب أن تجد معه المرأة فرصة لعمل آخر سوى أن تأخذ قسطاً من الراحة يمكنها من الصمود والصبر ثم متابعة إنجاز هذه المهمة الجليلة .([41])
فإذا فرضنا أن على الزوجة أداء كل هذه الوظائف والمهام بدون تقصير فهل هذا من العدل أم هذا من الظلم؟
إن الإنسان له طاقة محدودة، فلنفترض أن طاقتها عند استيقاظها من النوم صباحاً 100%، فلكي تؤدي واجباتها الشرعية تجاه أسرتها تحتاج مثلاً أن تصرف 30% على تربية أولادها، و20% على حُسن التبعّل، و25% على تدبير أمور المنزل، و10% لأداء عباداتها، و10% لأداء حقوق الناس، و5% للراحة… وفي الزمن الذي نعيش فيه صارت الطاقة التي تبذلها المرأة لحسن التبعّل وتربية الأولاد قد تضاعفت أكثر من الأزمنة السابقة بسبب انتشار الفتن والإغراءات …
فقبل مائة عام كن لما يخرجن خارج المنزل، يخرجن محتشمات مستورات، ولا توجد وسائل إعلام لنشر الفتن والفساد، ولذا كانت الناس محتفظة بالمبادئ والقيّم كالغيرة والحمية والنخوة، والأولاد كانوا يتأثرون بالأسرة أكثر من تأثير البيئة -التي سابقاً كان فيها انحراف قليل- بينما في الآونة الأخيرة، انحرفت البيئة وصاروا يتجاهرون بالفسق والفجور ويرفعون أعلاماً للمناشدة بالشذوذ الجنسي والحث على تغيير الجنس باسم الجنّدرية، وانتشر الزنا والتبرج والسفور والعري وسماع الأغاني والمخدرات وغيرها ولذا صارت الأم تحتاج إلى بذل جهود تربوية كبيرة لتتمكن من تربية أولادها تربية إسلامية وفق نهج محمد وآل محمد عليهم السلام، وتحتاج إلى ذكاء عاطفي لتكسب ودّ زوجها وتحافظ على أسرتها من الانهيار في ظل التداعيات العالمية.
ولكن لو خرجت المرأة للعمل خارج المنزل لمدة ست ساعات أو أكثر، فهذا يعني أنها خسرت ابتداءً من مصدر طاقتها ما يقارب 60-70% فلم يتبقَ لها إلا 30% ..فيا ترى لمن ستعطي هذه النسبة؟ إذا أعطتها لزوجها تكون قد قصّرت مع أولادها، وإذا أعطتها لأولادها تكون قد قصّرت مع زوجها، وإذا أعطتها لتدبير شؤون المنزل تكون قد قصّرت مع الاثنين، وهكذا الحال مع العبادة والراحة وغيرها.
ولذا تضطر المرأة أن تقلل من النسب، فبدلاُ من أن تعطي زوجها 20% من اهتمامها فقد تعطيه 10%، فيظهر النقص في عدم التجمّل لزوجها، وقد تمنعه حقه في الفراش لكونها متعبة ومرهقة.. ولمّا يجد الزوج زوجته لا تمنحه الحب والاهتمام الكافي قد يدفع هذا بعضهم لعقد علاقات مع نساء أخريات…وفوق ذلك سيوجه أصابع الإتهام إليها بكونها مقصّرة، وأنه المظلوم وهي الظالمة.
والأولاد بدلاً من أن تمنحهم 30% للرعاية والتربية ستضطر أن تمنحهم 10% أو أقل بأن تقتصر على رعايتهم بتقديم الطعام والشراب وعلاجهم، وتترك تربيتهم… فمثلاً لما ترجع للبيت مرهقة ويريد الولد أن يكلمها ويشكي لها مشكلته سترفض سماعه أو قد لا تنتبه له لكونها مشغولة بأمر إعداد الطعام أو غسل الثياب أو تنظيف المنزل… وربما صرخت بوجهه وعنّفته وبالأخص إذا تعرضت لمشاكل في العمل ولم تنل رضا مسؤولها فترجع مهمومة لا تطيق أحداً.
ولذا يضطر الولد أن يلجأ إلى أصدقاء السوء، أو عقد علاقات غير شرعية مع الجنس الآخر لينفّس عن نفسه، ويبدؤن بالانحراف تدريجياً وسيوجهون أصابع الإتهام إلى الأم بكونها مقصّرة، وأنها الظالمة وهم المظلومون…. وتصل المستشارون مئات الحالات من الانحراف، ولمّا يرجعون لجذور المشكلة يجدون أن السبب الرئيسي هو تقصير في التربية بسبب انشغال الوالدين بالعمل خارج المنزل وبالأخص الأم.
إن المرأة الزوجة والأم حينما فرضت على نفسها العمل خارج المنزل تكون قد ضغطت على نفسها باختيارها، ومن المعلوم أن ضغوطات العمل (Stress) تولد أضراراً نفسية وجسدية.
إن المرأة العاملة – وبالأخص الأم – التي تحاول الجمع بين وظائفها داخل المنزل وعملها خارج المنزل إذا لم تحقق التوازن سيترتب على ذلك أضرار وخيمة نذكر منها الآتي:
1. تدهور الوضع الصحي والنفسي: إن ضغوطات العمل (Stress) تولد آثار وخيمة منها (الآثار الجسدية كحدوث خلل في ضغط الدم وتسارع في ضربات القلب نتيجة للغضب والتوتر المستمر، والشعور بعدم الراحة والخمول والكسل.
ومنها الآثار النفسية كالتوتر والقلق والوصول إلى حد الإحباط وممارسة السلوكيات العدوانية والشعور بالغضب باستمرار والحزن والكآبة وفقدان الأمل والنظر إلى المستقبل بتشاؤم.)([42])
2.حدوث مشاكل زوجية وما يترتب عليه من آثار وخيمة تؤثر على نفسيتهما وعلى فعاليتهما في الإنتاج وقد تؤدي الى ما لا يحمد عقباه حينما يؤول الأمر الى الطلاق العاطفي أو الحقيقي.
3.التقصير في تربية الأولاد، وما يترتب عليه من ضياع وانحراف.
ونحن عندما نأتي للواقع (من الناحية النفسية والحياتية فإن الرجل الذي يقضي أغلب وقته في العمل من أجل النفقة على أسرته من حقه أن يجد في بيته الراحة البدنية والنفسية ليتقوى بهما على أداء مهامه والقيام بمسؤلياته، كما أن الأولاد من حقهم أن يعيشوا في عشّ هادئ جميل وسكن مستقر مطمئن، وأما المرأة فلن تجد راحة حقيقية سوى في مملكتها وسط زوجها وأولادها…)([43])
ولو نسأل المرأة اليوم – بقطع النظر عن كونها مؤمنة أو غير مؤمنة – السؤال الآتي:
أين تكمن سعادة المرأة؟ هل سعادة المرأة بالوظيفة؟ بالحصول على الراتب؟ ام سعادة المرأة في البيت والزوج والأولاد ؟
الجواب:( إن كل امرأة بفطرتها الإنسانية تميل إلى ثلاثة أمور:
2.تميل إلى المأوى الذي يأويها ويسندها ويحميها.
3.تميل إلى ممارسة دور الأمومة… الى أن تكون أمّاً .. وهذه فطرة موجودة في النساء تفوق حتى رغبتها بالحياة الزوجية، حيث كوّن الله سبحانه وتعالى المرأة ذات طبيعة حنونة عاطفية شديدة تهيج فيها المشاعر تحتاج إلى أن تفرغها على أرض الواقع …وهذه تتمثل في ممارسة دور الأمومة) . ([44])
وهذه الثلاثة تحققها المرأة بالزواج وتكوين الأسرة، قال تعالى: ) وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ( .([45])
وكل امرأة عاقلة تتمنى أن تحقق هذه السعادة وأن لا يتعارض معها ما ينغصها كأن تكون مكرهة على العمل خارج المنزل، ولذا نرى المرأة العاملة تفرح لما تأخذ إجازة من العمل لتتفرغ لأداء دورها في المنزل وترتاح قليلاً وتتنفس الصعداء.. وهذا الذي نطرحه ليس ادعاءً، بل هي حقيقة أخبرنا بها الإسلام وقد صرّحت بها بعض الدراسات والاستبيانات التي أجروها على مجموعة من النساء غير المسلمات.. ولكن الغرب يحاول إخفاء هذه الحقائق لأنها تتعارض مع مصالحهم..ومن تلك الدراسات هو عمل استبانة على عيّنة عشوائية من 100 امرأة هادفاً إلى معرفة أيّهما تختار: البيت أم العمل؟
فكانت النتيجة أن 74 في المئة من النساء العاملات يحلمن بترك العمل من كثرة ما يعانين فيه، بينما لا تتعدى نسبة اللواتي يحلمن بملامسة آفاق النجاح الـ26 في المئة. يضاف إلى ذلك، أن 47 في المئة من النساء يتمنين أن يتقدم لبناتهن عرسان أثرياء يطلبون منهن البقاء في البيت -لأنه ليست لديهم شريعة إسلامية تفرض النفقة على الزوج-، مقابل 26 في المئة فقط يتمنين زوجاً منفتحاً لا يمانع في خروج زوجته إلى العمل، ويعللن ذلك بالإشارة إلى أن “المرأة لا تأمن غدر الرجال” ([46])
قد تعترض إحدى المسلمات بأن زوجها لا ينفق عليها ويتهرب من المسؤولية؟
نقول: إن الخلل في الزوج وليس في الإسلام، فلو طبق المسلمون قوانين الإسلام لما ظُلِمَ أحد. وبعض الرجال صاروا يتهربون من المسؤولية لأنهم وجدوا النساء حريصات على تدبير كل مسؤوليات الأسرة بالعمل داخل وخارج المنزل ولذا استغلوا قناعتهم ورموا الحِمْل عليهن.
المطلب الثاني: كيف نحقق التوازن؟
السؤال الرئيسي الذي وجب علينا التركيز عليه هو :
إذا اضطرت المرأة للعمل خارج المنزل، فكيف تحقق التوازن بين العمل المنزلي والعمل المهني؟
الجواب: لقد ذكرنا أن المرأة العاملة -وبالأخص الأم- إذا لم تتمكن من تحقيق التوازن بين وظائفها داخل المنزل وعملها خارج المنزل فسيترتب عليه أضرار وخيمة..
إن تحقيق التوازن ليس بالأمر السهل، فأغلب النساء لسن قادرات على تحقيقه، فلذا إذا لم تتمكن المرأة العاملة من تحقيقه فوجب عليها الاقتصار على الحدّ الأدنى وهو أداء الوظيفة الزوجية والوظيفة التربوية.
وأما ما يتعلق بتحقيق الموازنة بين عمل المرأة داخل المنزل-المتمثل بأداء الوظيفة الزوجية والتربوية والمنزلية- وبين عملها خارج المنزل.. فإن نجاح الموازنة يعتمد على عدة نقاط نذكر منها ما يلي:
أولاً: مشاركة الزوجين في اتخاذ القرار: فينبغي الاتفاق على هذا الأمر قبل الزواج، ولا يحق للزوج إجبار زوجته على العمل، والمرأة المؤمنة القوية عليها أن تقدّم الوظيفة الزوجية والتربوية والمنزلية على العمل خارج المنزل، ولا تتنازل مهما حاول إقناعها… وإذا اتفق الزوجان على عمل الزوجة فننصح الزوجة أن تجعله شرطاً في عقد الزواج كي لا تقع بالإشكالات الشرعية عندما تضطر للعمل, وأن يتفقا على الأمور الآتية:
1.أن يؤدي الزوجان الحقوق الزوجية وبالأخص الزوج من تحمّل النفقة والمعاشرة الحسنة وعدم هجرانها، وأن يتفقا على تربية الأولاد معاً .
2. ( مساعدتها في الأعباء المنزلية وإذا كان قادرا على تأمين مُعينة لها فلا يقصّر عليها.
3. إعطاؤها حريتها في التنقّل بما يتعلق بعملها وما ينتج من عملها من واجبات اجتماعية.
4. عدم التدخل في تصرفها بمالها إلا إذا سمح لها أن تتدخل في التصرف بماله هو كذلك.
5. مراعاتها جسديا ونفسيا وخاصة عند الفراش لأن المرأة العاملة تحتاج لوقت حتى تتهيأ نفسيا وتتفنن للِّقاء.
6. مساعدتها في تربية الأولاد والمشاركة في تعليمهم والاهتمام بشؤونهم.
7. تكييف أوقاته حسب أوقاتها ليكون معها في وقت عطلتها وفراغها.
8. إعطاؤها مساحة في بيتها لتقوم بتجهيز وتحضير شؤون عملها لو كان عملها يتطلب ذلك).([47])
ثانياً: قوة المرأة البدنية والنفسية: إن نجاح المرأة في الموازنة يعتمد( على قوة المرأة فالمرأة القوية نفسياً وبدنياً والتي تستطيع تحمل ضغوطات العمل وكان ذلك لا ينعكس على حالتها النفسية داخل الأسرة ,غير المرأة التي ينعكس عملها على بيتها و على علاقتها بزوجها و أبنائها. وإذا كان خروجها يؤثر عليها، وبالأخص إذا كان لديها اطفال وكانت بحاجة للعمل فإذا أمكنها أن تمارس عملاً وهي بالمنزل ستكون أقدر على تحقيق التوازن كأعمال التطريز أو الخياطة أو الطبخ أو القيام بأحد الأعمال الأدبية كالتأليف أو التدقيق اللغوي، أو أحد أعمال الحاسوب كالتصميم والترجمة وغيرها.
ثالثاً: معرفة طبيعة العمل نفسه: فالعمل الذي يستهلك جهداً عصبياً و ذهنياً كالعاملة في المصنع أو المهندسة في ميدان العمل غير العمل الأقل جهدا كالتي تعمل خلف المكتب. وأيضا يتوقف على عدد ساعات العمل، فكلما زاد وقت العمل قلّت نسب نجاح الموازنة، فلذا ننصح بتنظّيم وقتها والاقتصار على الحد الأدنى من العمل.
رابعاً: درجة وعي المرأة: تعتمد الموازنة على مدى وعي المرأة بدورها كزوجة و كأم، فالمرأة الواعية بدورها الزوجي والتربوي تعي تماماً مقومات العلاقة الزوجية الناجحة وتعي تماماً مقومات التربية السليمة وأهدافها ووسائل تحقيق هذه الأهداف…. هذه المرأة قد تكون مدة بقائها في المنزل قصيرة و لكنها تكون فعّالة ومؤثرة و مركزة بعكس المرأة غير الواعية التي تجلس الساعات الطوال في البيت بدون أن يكون لها دورا إيجابيا مع أبنائها. فهي مهملة في رعاية زوجها عاطفيا و نفسيا ومهملة في تربية أبنائها فتتركهم نهبا للإنترنت والألعاب الالكترونية، وكل همها التلفاز والهاتف ومواقع التواصل والنوادي والأصدقاء. فليس كل ربّة بيت نجحت في علاقتها الزوجية وفي تربية الأولاد، وليس كل عاملة فشلت في ذلك، بل الأمر يتفاوت حسب وعي المرأة وعزيمتها وقدرتها على تحقيق التوازن.
خامساً: مدى مشاركة الزوج في تحمّله للمسؤولية: إن نجاح الموازنة يتوقف على مدى تحمل الزوج للمسؤولية التربوية والأسرية فالزوج المشارك في ذلك يختلف عن الزوج الذي يلقى بالمسؤولية كلها على عاتق الأم. ([48])
ولذا فالزوجة بعد زواجها إذا رأت الزوج بدأ برمي أغلب المسؤولية عليها فلا تتأخر في الانسحاب وترك العمل خارج المنزل وتتفرغ لوظائفها في المنزل لأن الزوج إذا اعتاد على ذلك فسيصعب تغيير عادته، روي عن الإمام علي عليه السلام: « العادة عدو متملك ».([49]) وإذا كانت لا تستطيع ترك العمل فلا بدّ من علاج المشكلة بالحوار معه ولو بتوسيط من يؤثر عليه كي لا يتجاوز حدوده.
المبحث الخامس: عمل المرأة الرسالي
إنّ المرأة الرسالية هي أساس الإصلاح الاجتماعي لكونها المرأة الصانعة والمربّية للأجيال الذي غايته من الحياة إنجاز الهدف الذي خلق من أجله وهو تحقيق معنى العبودية لله تعالى، قال تعالى:) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( ([50])، والعبودية لله تتمثل بالطاعة المطلقة لله تعالى.
المرأة الرسالية هي المرأة التي تسير على نهج محمد وآله عليهم السلام بأن تعلّم الجيل وتزكيهم كما قال تعالى بحق النبي محمد صلى الله عليه وآله:) .. وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (. ([51])
فتزكيتها للجيل بأن تطهرهم من الرذائل كحب الدنيا والحقد والحسد ومن حب الشهوات والهوى، وتعلمهم القيم والمبادئ الإسلامية. وهذا يتحقق فيما لو علّمت وزكّت نفسها ، فإنْ صَلحت صلُح المجتمع وإن فسدت فَسُدَ المجتمع.
فأعظمُ امرأةٍ هي المرأة التي تحمل أهدافاً رسالية، وتسعى لإصلاح المجتمع الذي تمارسه من خلال أدوار متعددة من أبرزها دور الأمومة.
لذا حينما نسلط الضوء على أكمل نساء العالم الأربع اللاتي ذكرهن الرسول صلى الله عليه وآلهبقوله: « كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله».([52]) نجد أنهن يتمتعن بخصائص مشتركة منها :أن كل واحدة منهن لها دور في حفظ ورعاية حجة من حجج الله تعالى بممارسة دور الأمومة، فآسيا بنت مزاحم حفظت نبي الله موسى عليه السلام، ومريم بنت عمران حفظت نبي الله عيسى عليه السلام، وخديجة عليها السلام حفظت حجتين وهما زوجها رسول الله صلى الله عليه وآلهوابنتها فاطمة الزهراء عليها السلام ، وأما فاطمة عليها السلام فلقد حفظت ورعت ودافعت عن أربع حجج لله تعالى وهم الرسول وعلي والحسنان عليهم السلام. فالمرأة الرسالية هي التي تشعر بأنها أمٌّ لأهلها .. لأولادها ولإخوتها وزوجها ولأبويها كفاطمة التي كناها الرسول صلى الله عليه وآلهأم أبيها، بل هي أمّ لأبناء مجتمعها صغيرهم وكبيرهم، كما أن الرسول وعلي عليهما السلام أبوا هذه الأمة. ونتج من (أمّ أبيها) ومن علي (أب هذه الأمة) امرأة رسالية عظيمة ضحّت بكل ما تملك من أجل انقاذ أبناء هذه الأمة من الضلال كالأم الحنون، وهي صاحبة الذكرى عقيلة بني هاشم عليها السلام التي لم يقتصر دورها الرسالي في إطار أفراد عائلتها بأداء الوظائف الزوجية والوظائف التربوية، بل توسعت في دورها الرسالي وشمل أفراد مجتمعها، فقد (جاء في التاريخ أن جمعاً من رجال الكوفة جاؤوا إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وقالوا : إئذن لنسائنا كي يأتين إلى ابنتك ويتعلمن منها معالم الدين وتفسير القرآن. فأذن الإمام لهم بذلك ، فبدأت السيدة زينب بتدريس النساء… ويعلم الله كم عدد النساء المسلمات اللواتي كن يحضرن درس السيدة . . طيلة أربع سنوات أو أكثر .
وذات يوم دخل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الدار ، فسمع ابنته زينب تتحدث للنساء ـ في درسها ـ عن الحروف المقطعة في أوائل السور ، وعن بداية سورة مريم بشكل خاص .
وبعد انتهاء الدرس إلتقى الإمام بابنته وقال لها : يا نور عيني أتعلمين أن هذه الحروف هي رمز لما سيجري عليك وعلى أخيك الحسين في أرض كربلاء ، ثم بدأ يحدثها عن بعض تفاصيل تلك الفاجعة).([53])
والمصداق الأكبر والأعظم لدورها الرسالي تمثّل في النهضة الحسينية، حيث كان لها أدوار متعددة منها: المحافظة على البقية الصالحة-الإمام السجاد والباقر عليهما السلام-، ودورها في المحافظة على القيّم والأخلاق رغم محنتها العظيمة، ودورها الإعلامي الذي فضحت فيها إجرام الطواغيت الجبابرة الكفرة طوال مدّة سبيها، بل استمرت تستنهض الناس ليثوروا ضد الظلم حتى لما رجعت للمدينة، ..وهكذا قضت مدة حياتها منذ ولادتها إلى لحظة وفاتها صابرة ناصرة للإسلام مجاهدة وصارت مصداقا لقوله تعالى:) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا (. ([54])
إذاً فعقيلة بني هاشم مثل أمها كان لها الدور الكبير في إحياء دين الله الذي لولاه لانحرفنا عن طريق الهداية والصلاح..لذا نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام رسولنا الأعظم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آل بيته وإلى مقام مولانا أمير المؤمنين والسيدة الزهراء عليهما السلام وإلى مقام مولانا المفدى الإمام صاحب الأمر والزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء وإلى الأمة الإسلامية الموالية جمعاء بذكرى ولادة عقيلة بني هاشم عليها السلام في اليوم الخامس من شهر جمادي الأولى…حيث (وضعت الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام وليدتها المباركة التي لم تولد مثلها امرأة في الإسلام إيماناً وشرفاً وطهارةً وعفةً وجهاداً، وقد استقبلها أهل البيت وسائر الصحابة بمزيدٍ من الابتهاج والفرح والسرور، وأجرى الإمام أمير المؤمنين على وليدته المراسيم الشرعية، فأذّن في أُذنها اليمنى، وأقام في اليسرى.
وحملت زهراء الرسول وليدتها المباركة إلى الإمام فأخذها وجعل يقبّلها، والتفتت إليه فقالت له:سمّ هذه المولودة…. فأجابها الإمام بأدبٍ وتواضعٍ: ما كنت لأسبق رسول الله… وعرض الإمام على النبي صلى الله عليه وآلهأن يسمّيها، فقال: ما كنت لأسبق ربّي…. وهبط رسول السماء على النبي، فقال له: سمّ هذه المولودة زينب، فقد اختار الله لها هذا الاسم).([55])
فسلام الله عليك يا سيدتي يا عقيلة بني هاشم يومَ ولدّتِ ويومَ مُتِّ ويومَ تُبعثين حيّة
ولله در المؤلف النقدي حيث يقول:
| عقيلةُ أهلِ بيت الوحي بنـــــــــــت | الوصي المرتضى مولى المــــــــــــوالي | |
| شقيقةُ سبطي المختارِ من قد | سمت شرفا على هامِ الهــــــــــــــــــــــلال | |
| حكت خيرَ الأنامِ علا وفخــــــرا | وأخلاقا وفي كرمِ الخـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلال | |
| ربيبةُ عصمةٍ طهرت وطابت | وفاقت في الصفاتِ وفي الفعالِ | |
| فكانت كالأئمةِ في هداهـــــــــــــــــــــــــا | وإنقاذِ الأنامِ من الضــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلال | |
| وكان جهادُها بالليلِ أمضـــــــــــــى | من البيضِ الصوارمِ والنصــــــــــــــــــال | |
| و كانت في المصلى إذ تناجــــــي | وتدعو اللهَ بالدمعِ المــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذال | |
| ملائكةُ السماءِ على دعاهـــــــــــــــــــــــا | تؤمنُ في خضوعٍ وابتهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال | |
| روت عن أمِها الزهرا علومـــــــــــــــــا | بها وصلت إلى حدِ الكمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال | |
| مقامٌ لم يكن تحتاج فيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه | إلى تعليمِ علمٍ أو ســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــؤال | |
| ونالت رتبةً في الفخر عــــــــــــــــــــــــــنها | تأخرت الأواخرُ والأوالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي | |
| فلولا أمُها الزهراءُ ســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــادت | نساءَ العالمينَ بلا جــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدال |
([1]) الكافي -الشيخ الكليني -ج 5-ص 510.
([2]) نظام الأسرة في الإسلام-باقر شريف القرشي-ص18-بتصرف.
([3]) موقع الدكتور جاسم المطوع/ drjasem.com/ مقالات/ فهم الرجل والمرأة/ بهذه الطريقة فقط ينجح زواجك من الموظفة-بتصرف.
([4]) إسلام أون لاين/ islamonline.net / فكر / مقالات ربة البيت هي أعظم امرأة عاملة-بقلم فوزي شداد.
([5]) سنن سعيد بن منصور -رقم الحديث: 475.
([8]) أوضاع المرأة المسلمة ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي -الشيخ حسن الجواهري –ص53-55.
([9]) أسد الغابة -ابن الأثير -ج ٥ -ص ٤٦١.
([10]) وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي – ج ١٧ – ص٢٣٦.
([11]) مسند أحمد بن حنبل-ج3-ص 321.
([12]) موقع منير الخباز/ almoneer.org/ الحوارات والندوات/المرأة بين عملين: خيارات الذات والضرورة.
([13]) موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/الاستفتاءات/ طاعة الوالدين-سؤال رقم(3).
([14]) من لا يحضره الفقيه -الشيخ الصدوق – ج ٣ – ص٣٩٠.
([15]) دعائم الإسلام-القاضي النعمان-ج2-ص214.
([16]) وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج20 -ص172.
([17]) الكافي -الشيخ الكليني -ج 5-ص 510.
([18]) صحيح البخاري -المناقب -مناقب الحسن والحسين -رقم الحديث: (3470).
([19]) موقع المجيب/ almojib.com / مؤسسة المصطفى للإرشاد/شرح هذا الحديث-بتصرّف.
([20]) الكافي -الشيخ الكليني – ج ٥ – ص ٨٨.
([22]) مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية / islam4u.com / شبهات و ردود/ ما هو رأي الشريعة الإسلامية في عمل المرأة؟ – السيد جعفر مرتضى العاملي-بتصرف.
([23]) وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي – ج ١٦ – ص ١٢٢.
([25]) ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٢ – ص ١٢١٢.
([26]) وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 15-ص 23، باب 4، أبواب الجهاد، ح2.
([27]) حوزة الهدى للدراسات الإسلامية/ alhodacenter.com/ المقالات/شؤون المرأة/ معنى (حُسن التبعل) -الشيخ محمد صنقور.
([28]) ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٢ – ص ١١٨٤.
([29]) بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٤٣ – ص١٣٤.
([30]) جواهر الأدب-أحمد الهاشمي -ج2-ص249.
([31])مكارم الأخلاق -الشيخ الطبرسي – ص ٢٢٢.
([32])مستدرك الوسائل -الميرزا النوري – ج ١٥ – ص ١٦٤.
([33]) مسند أحمد – أحمد بن حنبل-ج1-ص153.
([34]) وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج20-ص172.
([36]) موقع منير الخباز/ almoneer.org/ الحوارات والندوات/المرأة بين عملين: خيارات الذات والضرورة-بتصرف.
([37]) ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ – ص٤٩٢.
([39]) وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي – ج ٢٠ – ص١٧١.
([40]) زاد المبلغات-مياسة شبع-ج2-المحاضرة الثالثة (هل الحجاب يتعارض مع العدل؟).
([41]) مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية / islam4u.com / شبهات و ردود/ ما هو راي الشريعة الاسلامية في عمل المرأة؟ – السيد جعفر مرتضى العاملي-بتصرف.
([42]) موقع النجاح/ annajah.net/ المال والأعمال/ التدريب على الأعمال/ ضغط العمل وآثاره-بتصرف.
([43]) إسلام أون لاين/ islamonline.net / فكر / مقالات ربة البيت هي أعظم امرأة عاملة-بقلم فوزي شداد-بتصرف.
([44]) من كلام الشيخ فاضل الصفار المطروح في إحدى محاضراته–بتصرف.
([46]) موقع بلاغ/balagh.com / تحت المجهر/ المرأة أمام خيارين: البيت أم الوظيفة؟- ثناء عبدالعظيم.
([47]) موقع الدكتور جاسم المطوع/ drjasem.com/ مقالات/ فهم الرجل والمرأة/ بهذه الطريقة فقط ينجح زواجك من الموظفة-بتصرف.
([48]) موقع مَغرس/ maghress.com / الأخبار الاجتماعية/ المرأة بين مسؤولية البيت و عبء العمل-دغوغي عمر-بتصرف.
([49]) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٣ – ص ٢١٩٠.
([52]) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٣ – الصفحة ٢٧٤٦.
([53]) الخصائص الزينبية- السيد الجزائري – ص 68 . وكتاب رياحين الشريعة- المحلاّتي- ج 3 -ص 57 .
