لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾. [1]
عندما نتأمل في آيات القرآن الكريم نجد أنها تذكّر الإنسان دائمًا بحقيقة مهمة، وهي أن حياته في هذه الدنيا ليست عبثًا، بل هي ميدان عمل وامتحان، كما قال تعالى:﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾[2]. فالإنسان يعيش سنوات محدودة يقوم خلالها بأعمال كثيرة، وكل هذه الأعمال محفوظة عند الله، وسيظهر أثرها يوم القيامة، صغيرًا كان أو كبيرًا.
ولهذا فإن كل قول أو فعل يصدر من الإنسان يدخل في هذا الامتحان الإلهي. وعندما تنتهي حياة الإنسان بالموت تبدأ مرحلة الآخرة، وفيها يمر الإنسان بمواقف عديدة من الحساب، ومن أهمها موقف الميزان الذي تُعرض فيه الأعمال وتظهر فيه عدالة الله تعالى، فيُعرف مقدار الحسنات والسيئات بدقة تامة.
وقد أكدّ القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله تعالى:﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ﴾[3]، أي إن وزن الأعمال يوم القيامة أمر ثابت يقوم على العدل الإلهي الكامل. ولهذا نعلن إيماننا بهذه الحقيقة في الأدعية والزيارات، كما ورد في زيارة آل ياسين: «وأشهد أن النشر والبعث حق، وأن الصراط والمرصاد حق، والميزان والحساب حق».
ثم يبين الله نتيجة هذا الوزن بقوله:﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[4]، أي إن الذين تكون أعمالهم الصالحة أكثر وأعظم قدرًا عند الله هم الفائزون، لأن حسناتهم ترجح في الميزان فيستحقون رضوان الله وجنته.
أما قوله تعالى:﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾[5]، فيعني أن الذين تكون أعمالهم السيئة أكثر، أو الذين ضيعوا حياتهم بالمعاصي والباطل، تكون موازينهم خفيفة، فيخسرون أنفسهم لأنهم حرموا أنفسهم من رحمة الله وثواب الآخرة.
فالإيمان بالميزان هو إيمان بعدل الله تعالى، وبأن كل عمل يقوم به الإنسان في هذه الدنيا محفوظ ومحسوب، وسيظهر مقداره الحقيقي في ذلك اليوم العظيم.
لكن هنا تبرز عدّة أسئلة، منها: ما معنى الميزان؟ وما هي الموازين في الدنيا؟ وكيف يمكن أن تُوزن أعمال الإنسان يوم القيامة وهي ليست أشياء مادية كالذهب أو الطعام؟ وما المقصود بالتوزين الذي أخبر الله تعالى عنه في كتابه؟ وما المقصود بأن عليًا ميزان الأعمال؟
هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها من خلال البحوث الآتية:
المبحث الأول: الميزان الدنيوي
المطلب الأول: تطبيقات الوزن في القرآن
إنّ لفظ «الميزان» في اللغة هو الأداة التي نعرف بها مقدار الأشياء، أو هو الآلة التي يوزن بها. ولقد وردت في القرآن الكريم للوزن تطبيقات مختلفة تتعلق بالحياة الدنيا، نذكر منها:
1.الميزان بمعنى آلة الوزن
في القرآن الكريم أطلق لفظ الميزان على آلة الوزن، وهو الميزان ذو الكفتين أو الميزان الإلكتروني لمعرفة وزن الطعام، قال تعالى: [وَيا قَوْمِ أَوْفُوا المِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ … ].[6].[7]
2.الميزان بمعنى النظام والتوازن في الكون
في القرآن الكريم قد يُطلق لفظ الميزان على النُظم السائدة في عالم الخلق والتي تكون سببًا لثباته واستقامته حيث قال سبحانه: [وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ]. [8]ومن الواضح أنّ قوله تعالى: [وَالسَّماءَ رَفَعَها] قرينة على أنّ المراد من «الميزان» هو معنى النظام الذي قامت على أساسه السماوات والأرض، فالمنظومة الشمسية قائمة على أساس التعادل والموازنة، ومعتمدة على قانون الجاذبية بحيث لو اختلّ ذلك القانون لانفرط عقد هذه المنظومة وغيرها من المنظومات الأُخرى. ومن الأمثلة التي يذكرها القرآن على هذا الميزان الدقيق في الكون قوله تعالى: [لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ][9].
3.الميزان بمعنى القوانين العادلة والتشريعات
لقد أطلق القرآن الكريم لفظ «الميزان» على القوانين والتشريعات العادلة التي تقنّن حياة الإنسان وترسم له مسير حياته وتنشر العدل والقسط في المجتمع حيث قال سبحانه: […وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ…].[10]
فالمراد من «الميزان» بقرينة قوله تعالى: [أَنْزَلْنا] هو التشريع السماوي الذي أنزله سبحانه بإنزال كتابه.[11]
ولكي نفهم معنى الميزان هنا يمكن ذكر بعض الأمثلة:
@ عندما يأمر الإسلام بالعدل بين الناس في البيع والشراء، فهذا ميزان يضبط المعاملات حتى لا يقع الظلم.
@ وكذلك عندما يحرّم السرقة أو الظلم، فهذا ميزان يحفظ حقوق الناس.
@ وعندما يأمر الإسلام بالصدق والأمانة، فهذا ميزان أخلاقي يعرف به الإنسان الخير من الشر.
@ وكذلك في القضاء بين الناس؛ فالقاضي لا يحكم حسب رغبته، بل يرجع إلى القوانين الشرعية التي أنزلها الله، لأنها تمثل الميزان الذي يحقق العدل.
إذن المقصود بالميزان هنا هو القوانين الإلهية والعقول السليمة التي بها يعرف الناس الحق ويقيمون العدل في حياتهم.
إنّ ما ذكره القرآن الكريم من تطبيقات عن معاني الميزان يدلّ على حقيقة مهمة، وهي أنّ الله جعل في الحياة موازين مختلفة يُعرف بها الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والعدل من الظلم. فالميزان ليس مجرد أداة لوزن الأشياء، بل هو معيار نعرف به حقيقة الأمور.
ولذلك فإن الميزان في حياتنا لا يقتصر على الميزان المعروف ذي الكفتين الذي نزن به الطعام أو المواد، بل إن لكل أمر في الدنيا ميزانًا خاصًا يبيّن حقيقته. فمثلًا الطبيب يستخدم أجهزة ومقاييس ليتعرف على ضغط الدم أو نسبة السكر في الجسم، والمهندس يستعمل مقاييس لمعرفة مقدار الكهرباء أو قوة التيار.
وكذلك في العلوم توجد موازين خاصة؛ فالنحو ميزان يُعرف به الكلام الصحيح من الكلام الخاطئ، وعلم العَروض ميزان يُعرف به الشعر الصحيح من المكسور، والمنطق ميزان يميز التفكير السليم من التفكير الخاطئ.
ومثل هذه الموازين يتفق عليها الناس غالبًا؛ لأنها أمور محسوسة يمكن قياسها بوضوح. لكن عندما يتعلق الأمر بأعمال الإنسان وسلوكه وأخلاقه يختلف الناس اختلافًا كبيرًا. فمنذ بداية خلق البشر، وعلى اختلاف توجهاتهم وعقائدهم وآرائهم، يدّعي كل فريق منهم أنه على الحق، وأن الحق معه. وعلى هذا الأساس يقع النزاع بينهم، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى القتال، فتُراق الدماء وتُزهق الأرواح.
بل إن بعض الناس ذهب إلى أبعد من ذلك، فقال إنه لا يوجد شيء اسمه الحق والحقيقة، وأن كل إنسان يرى الأمور بحسب نظرته الخاصة، فصاروا يقولون إن الحق أمر نسبي يختلف من شخص إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى. وهكذا ضاع كثير من الناس في معرفة معنى الحق، وفي الطريق الذي يمكن أن يوصل الإنسان إليه.
ولهذا لا بد أن نتوقف قليلًا لنتعرّف إلى معنى الحق؛ لأنه الميزان الحقيقي الذي تُقاس به أقوال الإنسان وأعماله، وبه يظهر العدل في الحكم عليها.
فما هو الحق، وما مصدره؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يعرف الحق الحقيقي ويطبّقه في حياته؟
هذا سنطرحه في المطلب التالي:
المطلب الثاني: إمكان معرفة الحق
إنّ القرآن الكريم يضع قاعدة واضحة لمعرفة الحق والباطل، وهي أن الحق الحقيقي هو كل ما كان صادرًا من الله تعالى أو متصلًا به، لأن الله سبحانه هو مصدر الحقيقة كلها، وما سواه لا يكون حقًا إلا إذا استند إليه ووافق أمره. وعلى هذا الأساس فالحق هو الأمر الثابت الذي لا يتغير، المطابق لإرادة الله وهدايته، والذي يقود الإنسان إلى الصواب والعدل.
وقد صرّح القرآن بهذه الحقيقة حين قال:﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾[12]. فالآية تقرر أن الله هو الحق المطلق، لأنه خالق كل شيء، وعلمه كامل لا يخطئ، وحكمه قائم على العدل والحكمة. ولذلك فإن من يترك هداية الله ويتبع ما يخالفها يكون قد ترك الحق واتبع الباطل.
ويبقى السؤال: كيف يستطيع الإنسان أن يعرف الحق الذي جاء من الله؟
الجواب أن الطريق إلى معرفة الحق يقوم على أمرين جعلهما الله للإنسان: العقل والهداية الإلهية.
فالله تعالى منح الإنسان عقلًا يميز به بين الخير والشر، ويدرك به كثيرًا من الحقائق، ثم أرسل إليه ما يكمّل هداية العقل ويهديه إلى طريق الحق بالإيمان بما جاء من الله من الحق، قال تعالى:﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ ﴾.[13]
وأهم ما جاء من الله تعالى ليبيّن الحق للناس أمران عظيمان:
أولًا: القرآن الكريم، إذ قال سبحانه:﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾.[14]
ثانيًا: الأنبياء والأوصياء الذين أرسلهم الله لهداية الناس، وعلى رأسهم النبي محمد وآله الأطهار عليهم السلام، قال سبحانه مخاطبًا نبيه:﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾.[15]
وقد بيّن النبي محمد أن أوصياءه من بعده هم الامتداد العملي للحق الذي جاء به، وفي مقدمتهم الإمام علي عليه السلام، فقال: “علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار”. [16]
وبذلك يتضح أن الميزان الذي يُعرف به الحق بعد النبي يتمثل في التمسك بكتاب الله وبأهل بيت النبي الذين جعلهم الله هداة للأمة. وقد صرّح النبي صلى الله عليه وآله بهذا المعنى بوضوح في حديث الثقلين حين قال: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»[17].
ومن هنا يتضح أن معرفة الحق في حياة الإنسان تقوم على ثلاثة أمور مترابطة:
العقل الذي يهدي الإنسان إلى أصل الإيمان، وكتاب الله الذي يبيّن الحق، ورسول الله وأوصياؤه الذين يوضحون هذا الحق ويجسدونه في واقع الحياة.
لكن قد يقول بعض الناس: إن عقلي لا يدعوني إلى اتباع كتاب الله وتعاليم النبي وآله. والجواب أن العقل الذي يتحدث عنه الإسلام ليس مجرد الرأي الشخصي أو الميل النفسي، بل هو العقل السليم الذي يبحث عن الحقيقة بإنصاف. فإذا تأمل الإنسان بعقله في هذا الكون ونظامه الدقيق أدرك أن له خالقًا حكيمًا، وإذا ثبت وجود هذا الخالق الحكيم، حكم العقل بأن الله لا يترك الناس بلا هداية، بل يرسل إليهم الأنبياء ليبيّنوا لهم طريق الحق ويقودوهم إلى الصواب. ولهذا فإن العقل الصحيح لا يعارض هداية الله، بل يقود إليها ويؤكدها، ثم يأتي الوحي ليكمل هداية الإنسان ويبيّن له الطريق الصحيح في تفاصيل حياته.
رُوي أن راويًا سأل الإمام جعفر الصادق عليه السلام ـ مَا الْعَقْلُ؟ قَالَ: ” مَا عُبِدَ بِهِ الرَّحْمَنُ وَاكْتُسِبَ بِهِ الْجِنَانُ “.
قَالَ قُلْتُ: فَالَّذِي كَانَ فِي مُعَاوِيَةَ؟، فَقَالَ: ” تِلْكَ النَّكْرَاءُ، تِلْكَ الشَّيْطَنَةُ، وهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْعَقْلِ وَلَيْسَتْ بِالْعَقْلِ “.[18]
وعلى هذا الأساس يكون الميزان واضحًا: فكل ما وافق كتاب الله وتعاليم النبي محمد وآله فهو حق، وكل ما خالفهما فهو باطل، لأن الحق لا يناقض ما صدر عن الله تعالى، ولا ما بلّغه رسوله وأوصياؤه الهداة عليهم السلام.
ولكي تتضح هذه الفكرة أكثر، يمكن النظر إلى حياة الإنسان اليومية. فالأخلاق مثلًا لها ميزان يميّز بين الاعتدال والانحراف. فالشجاعة صفة مطلوبة، لكنها لا تكون فضيلة إلا إذا بقيت ضمن حدّها الصحيح. فإذا تجاوز الإنسان هذا الحد تحولت الشجاعة إلى تهور، وإذا نقصت تحولت إلى جبن. ولذلك يكون ميزان الشجاعة هو الاعتدال الذي يجنّب الإنسان الخوف من جهة والاندفاع الأعمى من جهة أخرى.
وكذلك الأقوال والأعمال لا تكون صحيحة إلا إذا عُرضت على ميزان الحق. فالعلاقة بين الرجل والمرأة تكون حقًا ومشروعة إذا جرت وفق ما أذن به الله تعالى من عقد الزواج الشرعي، لكنها تتحول إلى باطل إذا وقعت خارج هذا الإطار، لأنها تصبح زنا محرّمًا. وكذلك أكل اللحم يكون حلالًا وحقًا إذا ذُكر اسم الله عليه عند الذبح، ويكون حرامًا وباطلًا إذا لم يُذكر اسم الله عليه.
من خلال هذه الأمثلة يتبيّن أن الإنسان لا يستطيع أن يميّز الحق من الباطل في أقواله وأعماله إلا بالرجوع إلى الميزان الإلهي المتمثل بالتمسك بالقرآن والسنّة. ومن الطرق الميسّرة للعمل بهذا الميزان في زمن الغيبة الرجوع إلى فقهاء أهل البيت العدول وتقليدهم في الأحكام الشرعية، وهو أحد الطرق الثلاثة لمعرفة الحكم الشرعي إلى جانب الاجتهاد والاحتياط. وقد ورد في التوقيع الشريف عن إمام زماننا المهدي عجل الله فرجه: “وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله”.[19]
المبحث الثاني: الميزان الأخروي
الفرع الأول: الميزان الأخروي في القرآن
لكي نفهم مسألة ميزان الأعمال يوم القيامة فهمًا واضحًا، من المفيد أن ننظر أولًا إلى الآيات التي تحدثت عن هذا الموضوع في القرآن الكريم، فعندما نتأمل هذه الآيات نجد أنها لا تتحدث عن الميزان بطريقة واحدة، بل يمكن تقسيمها إلى نوعين من الآيات:
النوع الأول من الآيات يتحدث عن أصل وجود الميزان يوم القيامة، أي يبين أن الله سيجعل موازين توزن بها أعمال الناس. ومن ذلك قوله تعالى:
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾.[20]
وتوضح هذه الآية أن الله يقيم في يوم القيامة موازين عادلة تمامًا، فلا يضيع عنده أي عمل مهما كان صغيرًا. حتى العمل الصغير جدًا، كحبة الخردل، يظهر يوم القيامة ويُحاسَب عليه الإنسان. وهذا يدل على أن الميزان يوم القيامة ميزان دقيق وعادل لا يظلم أحدًا.
أما النوع الثاني من الآيات، فهو لا يركز على إثبات وجود الميزان فقط، بل يبين نتيجة الوزن وما يحدث بعده. فالقرآن يوضح أن الناس في ذلك اليوم ينقسمون إلى قسمين بحسب أعمالهم:
القسم الأول: من رجحت حسناته وكثرت أعماله الصالحة فإنه يكون من الفائزين. القسم الثاني: من كانت حسناته قليلة وسيئاته كثيرة فإنه يكون من الخاسرين.
وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في آيات عديدة منها قوله تعالى:
@﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ في جَهَنَّمَ خالِدُونَ ﴾.[21]
@﴿ فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ * فَهُوَ في عيشَة راضِيَة * وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ * فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾.[22]
@﴿ …الْوَزْنُ يَومَئِذ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ﴾.[23]
@﴿ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ﴾.[24]
وقبل أن نبيّن حقيقة ميزان الأعمال يوم القيامة، يجدر بنا أن نجيب أولًا عن سؤالين مهمين يساعدان على فهم هذا الموضوع بصورة أوضح.
السؤال الأول:
عندما نقرأ آيات القرآن التي تتحدث عن موقف الميزان يوم القيامة نلاحظ أن الله تعالى يذكر الميزان أحيانًا بصيغة الجمع، فيقول:﴿ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ … وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾. فهل هناك ميزان واحد تُوزن به الأعمال، أم توجد عدة موازين؟
الجواب:
لقد ذكر العلماء في ذلك ثلاثة آراء:
الرأي الأول: تعدد الموازين بحسب الناس أو الأعمال.
يرى بعض العلماء أنَّ يوم القيامة توجد موازين متعددة فعلًا، وليس ميزانًا واحدًا فقط. فقد يكون لكل إنسان ميزان توزن فيه أعماله، أو لكل أمة ميزان، أو حتى لكل عمل ميزان خاص.
مثال ذلك: الصلاة قد توزن بميزان، والصيام بميزان آخر، والصدقة بميزان، والجهاد بميزان. فكل عمل يُعرض في ميزانه الخاص ليظهر مقداره الحقيقي عند الله تعالى.
الرأي الثاني: تعدد الموازين بحسب أنواع الأشياء التي تُقاس.
قال بعض المفسرين: إنَّ المقصود أنَّ الله جعل لكل شيء ميزانًا يَظهر به قدره، لأن الأشياء التي يُحاسَب عليها الإنسان ليست نوعًا واحدًا.
فمثلًا:
@ الكلام له ميزان يميّز الصدق من الكذب.
@ والتعامل مع الناس له ميزان يميّز العدل من الظلم.
@ والأخلاق لها ميزان يفرّق بين الفضيلة والرذيلة مثل الأمانة والخيانة.
@ والعقيدة لها ميزان يميّز الحق من الباطل.
فالمقصود أنَّ كل جانب من حياة الإنسان له معيار يبيّن حقيقته يوم القيامة.
الرأي الثالث: الميزان واحد، لكن ذكر بصيغة الجمع للتعظيم.
ويرى فريق آخر من العلماء أنَّ الميزان في الحقيقة واحد، لكن القرآن ذكره بصيغة الجمع موازين لبيان عظمته وشدة أهميته يوم القيامة.
ومثال ذلك في اللغة قد يقال عن إنسان حكيم”: له عقول راجحة”، والمقصود عقل عظيم يُعبَّر عنه بصيغة الجمع للمبالغة.
وكذلك قد يقال:” فلان له أيادٍ بيضاء على الناس”، مع أن المقصود إحسانه الكبير، وليس المقصود الأيدي الحقيقية.[25]
السؤال الثاني:
هل تُنصَب الموازين يوم القيامة لجميع الناس، أم أنها تختص بأشخاصٍ معيّنين؟
الجواب: إنَّ نصب الموازين ليس مسألةً عامة لكل الناس على حدٍّ سواء، بل هي للمسلمين فقط، فلا يُقام للكافرين والمشركين وزن يوم القيامة، بل تبطل أعمالهم، ويحشرون إلى جهنّم زمراً. قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلأ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾.[26]
وعن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام: “اعلموا عباد الله أنَّ أهل الشرك لا تُنصَب لهم الموازين، ولا تُنشَر لهم الدواوين، وإنَّما يحشرون إلى جهنَّم زمراً، وإنَّما نَصْبُ الموازين، ونَشْرُ الدواوين، لأهل الإسلام، فاتقوا الله عباد الله،… “. [27]
الفرع الثاني: حقيقة ميزان الأعمال يوم القيامة
لقد ذكرنا أن لكل شيء ميزانًا يُعرف به؛ فالطعام يُوزن بالميزان، والصحة تُعرف بأجهزة الفحص، والكهرباء بأجهزة القياس، والنحو ميزان للكلام، والمنطق ميزان للفكر. وإذا كانت هذه الموازين تساعدنا على معرفة الأشياء المختلفة في الدنيا، فليس من الصعب أن نفهم أن الله تعالى جعل يوم القيامة ميزانًا أعظم تظهر به أعمال الناس بدقة وعدل كامل، كما قال تعالى:﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾[28].
ولتقريب الفكرة نقول: إذا كان للإنسان حسنات كثيرة وسيئات أقل، فعندما توضع الأعمال في الميزان يوم القيامة ترجح كفة الحسنات على كفة السيئات، فيثقل الميزان ويكون صاحبه من الفائزين، كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[29]. أما إذا كانت السيئات أكثر أو أعظم من الحسنات، فإن كفة السيئات ترجح، فيخف الميزان ويكون صاحبه من الخاسرين، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾[30].
ولكن السؤال الذي ينبغي علينا طرحه هو:ما حقيقة ميزان الأعمال يوم القيامة؟؟
الجواب: إنّ جميع العلماء متفقون على أن الميزان يوم القيامة حقيقة ثابتة، لكنهم اختلفوا في تفسير معناه وكيف يكون. وقد ذُكرت عدة آراء لفهم هذه المسألة، أهمها ما يلي:
الرأي الأول: الميزان بمعنى الميزان الحقيقي (كميزان الدنيا)
ذهب بعض علماء المعتزلة، وكذلك كثير من علماء أهل الحديث من علماء السنة، إلى تفسير ميزان الأعمال تفسيرًا حرفيًا. فقالوا إن الله يقيم يوم القيامة ميزانًا يشبه موازين الدنيا، له كفّتان ولسان، فتُوضع الحسنات في كفّة، والسيئات في الكفّة الأخرى، ثم يُنظر أيّ الكفّتين ترجح. فإذا رجحت كفّة الأعمال الصالحة كان الإنسان من السعداء، وإذا رجحت كفّة السيئات كان من الأشقياء.[31]
لكنهم اختلفوا: هل الذي يُوزن هو نفس الأعمال أم صحائف الأعمال التي كُتبت فيها؟
وقد انتقد علماء الإمامية هذا الرأي. فليس المقصود من ميزان الأعمال بالضرورة فهمه على ظاهره الحرفي، أي الميزان المعروف الذي نراه في الأسواق، لأن الأعمال مثل الصدق أو الصلاة أو مساعدة الناس ليست أشياء مادية حتى توزن كالحديد أو الطعام.
ولهذا فإن فهم هذه الآيات يحتاج إلى التأمل في المعنى المراد منها، لا الاكتفاء بالظاهر الأول للكلام. فمثلًا عندما نقول عن إنسان كريم: (فلان يده مفتوحة)، لا نقصد أن يده مفتوحة فعلًا طوال الوقت، بل نقصد أنه كثير العطاء ويساعد الناس.
الرأي الثاني: الميزان بمعنى العدل القائم على الحق
يرى كثير من العلماء أن الميزان يوم القيامة ليس ميزانًا ماديًا مثل موازين الدنيا، بل هو الحق الذي تُقاس به الأعمال، ويظهر به عدل الله بين عباده. قال تعالى:
﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾. [32]
يقول السيد الطباطبائي في تفسير الآية[33]ما مضمونه: أن المعيار الذي توزن به الأعمال يوم القيامة هو الحق؛ فبمقدار ما يشتمل العمل على الحق تكون له قيمة وثقل في الميزان. فالأعمال الصالحة فيها حق، لذلك تكون ثقيلة في الميزان، أما الأعمال السيئة فهي باطلة فلا يكون لها وزن حقيقي. ولذلك فإن الله تعالى يزن أعمال الناس بالحق؛ فما كان فيها من حق كان هو وزنها وثقلها.
رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام وقد سأله الزنديق : أوليس توزن الأعمال؟ فقال عليه السلام: « لا ، إنّ الأعمال ليست بأجسام ، وإنّما هي صفة ما عملوا، وإنّما يحتاج إلى وزن الشيء من جهل عدد الأشياء، ولا يعرف ثقلها أو خفّتها، وإنّ الله لا يخفى عليه شيء ».
قال : فما معنى الميزان؟ قال: « العدل » قال: فما معناه في كتابه [فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ][34]؟ قال: « فمن رجح عمله ».[35]
فالإمام عليه السلام عندما قال إن الميزان هو العدل أراد أن يبيّن أن العدل يظهر عندما تُقاس الأعمال بالحق؛ لأن الحق هو المعيار الذي يُعرف به صلاح العمل من فساده. ولهذا قال الله تعالى:﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾[36].
من هنا نفهم أن ثقل الأعمال في الميزان لا يكون بكثرتها فقط، بل بمقدار ما يشتمل العمل على الحق والطاعة والإخلاص لله. فكلما كان العمل أقرب إلى الحق كان أثقل في الميزان، وكلما ابتعد عن الحق خفّ وزنه.
فمثلًا الصلاة والصوم يكون لهما وزن في الميزان إذا أُدِّيا قربةً إلى الله بإخلاص وإذا أُدِّيا على الوجه الصحيح كما بيّنه مرجع التقليد في الرسالة العملية، ويزداد ثقل هذا العمل كلما ازداد حضور القلب والخشوع، وكلما حرص الإنسان على أداء مستحبات الصلاة وابتعد عن مكروهاتها، لأن ذلك يدل على قرب العمل من الحق وكماله.
وكذلك العفة، ومن أبرز مظاهرها الحجاب الشرعي للمرأة. فالحجاب يكون له وزن في الميزان إذا كان حجابًا كاملًا كما أمر الله: ساترًا للجسد، خاليًا من الزينة، لا يصف ولا يشف، ويقترن بعفة في السلوك والتصرف. فإذا اكتملت شروطه في الظاهر والباطن كان له وزن عظيم في الميزان، وإذا كان فيه نقص خفّ وزنه بحسب مقدار النقص؛ فمن تبرجت نقص من وزنه، ومن نفخت شفتيها قلّ وزنه، ومن ركّبت الرموش الاصطناعية قلّ وزنه، ومن لبست الثياب الضيقة قلّ وزنه كثيرًا، حتى قد يصل الأمر إلى مرحلة لا يبقى للعفة فيها وزن.
وكذلك الحال في الصدق والأمانة وسائر الأخلاق؛ فكلما كان الإنسان صادقًا في كلامه، أمينًا في معاملاته وفي أداء حقوق الناس، صادق النية في عمله، كان عمله أثقل في الميزان. أما الكذب والخيانة وسائر الأعمال الباطلة فإنها لا تعطي العمل وزنًا، لأنها خالية من الحق.
وبهذا يتضح أن الميزان يوم القيامة يقوم على الحق والعدل؛ فالأعمال تُوزن بمدى موافقتها لأمر الله وطاعته، فكلما كان العمل أقرب إلى الحق كان أثقل في الميزان، وكلما ابتعد عنه كان أخفّ.
الرأي الثالث: الموازين هم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام
ذكرنا في الرأي السابق أن الميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة هو الحق.
أصحاب هذا الرأي يرون أن هذا الحق يتجسّد في الأنبياء والأوصياء عليهم السلام؛ لأنهم يمثلون الهداية الإلهية الكاملة في حياة الناس. فهم المقياس الذي يُعرف به الحق من الباطل، وهذا المعنى ورد في بعض الروايات، منها ما رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى:﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾[37]قال: “الموازين: هم الأنبياء والأوصياء”.[38]
وبناءً على ذلك، صحّ أن يقال إن الأنبياء والأوصياء يمثلون موازين الأعمال؛ لأنهم يجسدون الحق في أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم. فكلما كان عمل الإنسان موافقًا لهديهم، كالعمل بالواجبات والمستحبات، كان لهذا العمل وزن في الميزان يوم القيامة.
أما إذا كان عمل الإنسان مخالفًا لهديهم، كارتكاب المحرمات أو العمل بالمكروهات، فإن هذه الأعمال لا تثقل الميزان مهما كثرت أو عظمت في نظر الناس؛ لأنها لا وزن لها في ميزان الأعمال يوم القيامة. بل إن بعض الذنوب قد تضعف أثر الحسنات وتقلل من وزنها، ومن ذلك الحسد، فقد رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام: “إن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب”.[39]
بل إن بعض الأعمال السيئة قد تصل إلى درجة تُحبط العمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾.[40]
ولتقريب الفكرة نقول: إن كل عمل يقوم به الإنسان يُقاس بالعمل الكامل الذي يصدر من المعصوم. وللتوضيح نأخذ مثال الصوم، فقد بيّنت روايات أهل البيت عليهم السلام أن للصوم مراتب بحسب كمال الإنسان في الطاعة، ويمكن تلخيصها في ثلاث درجات.
الدرجة الأولى: صوم الجسد
وهو الامتناع عن المفطرات كالأكل والشرب وسائر ما يبطل الصوم، وفق الأحكام الشرعية. فإذا وافق صوم الإنسان لصوم المعصوم في أداء هذه الأحكام يكون له وزن في الميزان، ومن خالف ذلك كمن صام بلا نية فلا وزن لصومه لأنه باطل.
الدرجة الثانية: صوم الجوارح
وهو أن يحفظ الصائم لسانه وعينه وأذنه وسائر جوارحه عن المعاصي، فلا يكذب ولا يغتاب ولا ينظر إلى الحرام. فبمقدار ما يوافق صوم جوارح الإنسان صوم جوارح المعصوم يزداد ثقل ميزان صومه يوم القيامة.
الدرجة الثالثة: صوم القلب
وهي أعلى المراتب، حيث يصوم القلب عن التعلق بالباطل ويكون حاضرًا مع الله بالإخلاص والخشوع. فبمقدار ما يوافق صوم قلب الإنسان صوم قلب المعصوم يكون ثقل ميزان صومه يوم القيامة أعظم.
أي إن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام يمثلون المعيار الكامل للحق؛ فبمقدار موافقة عمل الإنسان لطريقتهم وهديهم يكون له وزن في الميزان. فإذا وافق الحدّ الأدنى الذي أوجبه الله كان لعمله وزن، وكلما ازداد قربًا من نهجهم بالحرص على المستحبات وترك المكروهات ازداد ثقل ميزانه. أما من خالف هديهم وابتعد عن طريقهم فإنه يكون من الذين خفّت موازينهم. فبالمطابقة مع أعمالهم ومخالفتها يُعلم كونه سعيدًا أو شقيًا.
ويـعـتـقد بعض المحققين أنَّ الأئمة المعصومين عليهم السلام وأولياء اللّه بمنزلة كفة الميزان الأولى، وأعمال الإنسان وعقائده ونياته بمنزلة الكفة الأخرى، فيوازن بينهما يوم القيامة. [41]
المبحث الثالث: الأعمال التي تُثقِل ميزان الأعمال
قد يتساءل الإنسان: ما أبرز الأعمال التي تُثقِل الميزان يوم القيامة؟
الجواب: لقد بيّنت النصوص الشرعية أنَّ هناك أعمالًا عظيمة تزيد ثقل الميزان يوم القيامة. وفيما يأتي ذكر مجموعةٍ من هذه الأعمال[42]:
1- الشهادة بوحدانية اللّه ونبوة الرسول صلى الله عليه وآله
إنَّ أعظم ما يثقل ميزان الإنسان يوم القيامة الإيمان الصادق بالله تعالى وبنبيه محمد صلى الله عليه وآله، والتصريح بذلك بالشهادتين. فالشهادة بوحدانية الله تعالى، والشهادة بنبوة رسوله، ليستا مجرد كلمات تُقال باللسان، بل هما أصل الدين وأساس قبول الأعمال، وبهما ترتفع قيمة العمل عند الله ويعظم أجره.
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله: “نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه، وأوجب قبوله على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، شهادتان ترفعان القول وتضاعفان العمل، خفَّ ميزان ترفعان منه، وثقل ميزان توضعان فيه، وبهما الفوز بالجنَّة والنَّجاة من النار”. [43]
2- ذكر الله تعالى
يُعدّ ذكر الله تعالى من الأعمال التي تُثقل ميزان الإنسان يوم القيامة، وهو لا يقتصر على نوع واحد، بل يكون على نوعين: ذكرٌ لفظي وذكرٌ عملي.
فالذكر اللفظي هو ما يجري على لسان المؤمن من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، كقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله. أما الذكر العملي فهو ما يظهر في سلوك الإنسان وأعماله عندما يطيع الله تعالى ويعمل بما يرضيه، فيكون عمله نفسه صورةً من صور ذكر الله.
ومن أبرز أمثلة الذكر العملي الإنفاق في سبيل الله، لا في سبيل نيل الشهرة ونيل إعجاب الناس. وقد بيّن القرآن الكريم أن الصدقة، وإن بدت قليلة في ظاهرها، فإن الله قادر على أن يضاعف أجرها ويعظم أثرها أضعافًا كثيرة، قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾.[44]
وتشير تفاسير أهل البيت عليهم السلام إلى أن ختام الآية بقوله تعالى ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ يدل على سعة فضل الله وقدرته على تنمية الصدقات وتعظيم ثوابها بقدر لا حدّ له ولا حصر بحيث تثقل ميزان الأعمال يوم القيامة. فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: “…حتى أنَّ الرجل ليتصدق بالتمرة أو بشقِّ تمرة فأربيها له كما يربي الرجل فلوه وفصيله”.[45]
3- الصلاة على محمد وآل محمد
قال الشيخ عباس القمي في كتابه “منازل الآخرة”: واعلم أنه لا يوجد عمل لأجل تثقيل ميزان الأعمال مثل الصلوات على محمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين”[46] وقد وردت نصوص في ذلك منها:
رُوي عن الإمام محمّد الباقر أو الإمام الصادق عليه السلام: “ما في الميزان شيءٌ أثقل من الصلاة على محمد وآل محمد، وإنَّ الرجل لتوضع أعماله في الميزان فتميل به، فيخرج صلى الله عليه وآله الصلاة عليه، فيضعها في ميزانه فيرجح به”.[47]
عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : ” أنا عند الميزان يوم القيامة ، فمن ثقلت سيئاته على حسناته جئت بالصلاة عليّ حتى أثقل بها حسناته “.[48]
4- حبُّ النبي وآله
تُعدّ محبة النبي محمد وآله من أعظم الأعمال التي تثقل ميزان الإنسان يوم القيامة، لأنها ليست مجرد شعور عاطفي، بل ارتباط روحي وعملي بمن اختارهم الله هداةً لعباده. وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وآله عظيم أثر هذه المحبة في مصير الإنسان، فقال: “حبِّي وحبُّ أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالهنَّ عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصراط”.[49]
غير أن المحبة الحقيقية لا تتحقق بالكلمات والشعارات فقط، بل تظهر في اتباع تعاليمهم والسير على نهجهم. فمن أحبّهم صدقًا التزم بما أمروا به وابتعد عما نهوا عنه، لأن محبتهم تعني الاقتداء بهم والعمل بهديهم.
ومن أبرز مصاديق المحبة الصادقة للنبي وآله:
@ الالتزام بتعاليمهم من خلال أداء الواجبات وترك المحرمات.
@ إحياء أمر محمد وآل محمد بتعلم علومهم وتعليمها للناس ونشر معارفهم.
@ تعظيم شعائر الله وإظهار الارتباط بدينهم وشعائرهم.
@ القيام بالأعمال الصالحة على حبهم وطلب القرب إلى الله بولايتهم.
@ زيارة مشاهدهم المقدسة والتجديد الدائم للعهد معهم والسير على طريقهم.
5- حسن الخلق:
التحلّي بحسن الخلق من أعظم الأعمال التي تثقل ميزان العبد يوم القيامة، ففي الرواية عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله: “ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن”.[50]
رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه: “سمع رجلًا يشتم قنبرا وقد رام قنبر أن يرد عليه. فناداه أمير المؤمنين عليه السلام مهلا يا قنبرا! دع شاتمك مهانًا تُرضي الرحمان، وتسخط الشيطان وتعاقب عدوك، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أرضى المؤمن ربه بمثل الحلم، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت، ولا عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه”.[51]
6- مداد العلماء
مداد العلماء من الأعمال العظيمة التي تثقل الميزان يوم القيامة؛ لأن العلم الذي يكتبونه يبقى أثره في الناس جيلًا بعد جيل، فيهتدون به ويعملون بما فيه. وقد أشار القرآن إلى بقاء آثار الأعمال فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
فما يُدوَّن من علوم أهل البيت عليهم السلام يبقى نافعًا للأمة، يقرأه الناس ويهتدون به، فيبقى أجره جاريًا في ميزان صاحبه. ولذلك ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “إذا كان يوم القيامة جمع الله عزَّ وجلَّ الناس في صعيد واحد، وضعت الموازين، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء”.[52]
المبحث الرابع: عليٌ ميزان الأعمال
من المعلوم أن من معاني الوزن يوم القيامة ـ كما تقدّم بيانه ـ الأنبياء والأوصياء عليهم السلام؛ لأنهم المعيار الذي تُعرض عليه أعمال الناس، فيُعرف بها الحق من الباطل. لكن عند مراجعة النصوص الروائية نجد أن للإمام عليّ عليه السلام خصوصية واضحة في هذا الباب، حتى عُبّر عنه بأنه ميزان الأعمال. فلقد ورد في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام إذ نقول:
“السلام على يعسوب الإيمان وميزان الأعمال، وسيف ذي الجلال”.[53]
إن السؤال الذي نريد أن نختم به المحاضرة هو:
لماذا خُصَّ الإمام علي عليه السلام بهذا الوصف؟ وما سرّ التركيز عليه دون غيره من الأئمة في بعض النصوص؟
الجواب:
إن قولنا في الزيارة: «السلام على ميزان الأعمال» لا يعني أن بقية الأئمة عليهم السلام لا يشتركون في هذا المعنى؛ فالأئمة جميعًا حجج الله على عباده، وبهم يُعرف الحق من الباطل، وبنهجهم تُقاس صحة الأعمال. غير أن النصوص الإسلامية أكدت هذا الوصف بصورة خاصة في حق الإمام علي عليه السلام، وركّزت عليه أكثر من غيره لأسباب عديدة نذكر منها الآتي:
أولًا: لأن الإمام علي هو الفاروق بين الحق والباطل
إن وصف الإمام علي عليه السلام بأنه ميزان الأعمال يرتبط بكونه المعيار الذي يُعرف به الحق من الباطل. فقد بيّن النبي محمد صلى الله عليه وآله هذه الحقيقة بقوله: “علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار”. [54]
وهذا يعني أن الحق ملازم للإمام علي في أقواله ومواقفه، فمعرفة موقفه من أي قضية تكشف موضع الحق فيها.
ولهذا لُقِّب الإمام علي أيضًا بـالفاروق؛ لأن الفاروق لغة هو الذي يفرّق بين الحق والباطل[55]. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله في حقه: «وهو الفاروق يفرّق بين الحق والباطل»[56]. فإذا كان الإمام علي هو الذي يميّز الحق من الباطل، أصبح معيارًا تُقاس به الأعمال؛ فكل عمل وافق نهجه وعدله كان حقًا مقبولًا، وكل عمل خالفه كان باطلًا مردودًا. ومن هنا صحّ وصفه بأنه ميزان الأعمال.
ثانيًا: لأن الإمام علي هو المرجع الأعلم لفهم الدين
إن وصف الإمام علي عليه السلام بأنه ميزان الأعمال يرتبط بمكانته العلمية في الإسلام. فالإمامة في منهج أهل البيت عليهم السلام ليست منصبًا سياسيًا، بل هي مرجعية إلهية لحفظ الدين وبيان معانيه الصحيحة. والقرآن هو أصل الهداية، لكن فهمه وتطبيقه يحتاج إلى من يبيّن معانيه بدقة.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وآله مكانة الإمام علي العلمية بقوله: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»[57]، أي إن الطريق إلى علوم النبي يمر عبر علي عليه السلام. كما أشار القرآن إلى هذه المنزلة في قوله تعالى:﴿ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾[58]، وقد ورد في روايات أهل البيت أن المقصود بمن عنده علم الكتاب هو الإمام علي عليه السلام.[59]
ولهذا كانت تعاليمه ميزانًا تُعرف به صحة الأعمال؛ لأن العمل لا يكون صحيحًا إلا إذا وافق الفهم الصحيح للدين الذي بيّنه. أما بقية الأئمة عليهم السلام فهم كذلك حجج الله وورثة علم النبي، لكن الإمام علي خُصَّ بالذكر لأنه أول الأئمة وأقربهم إلى علم النبي.
ثالثًا: لأن سيرة الإمام علي تمثّل التطبيق العملي الأوضح للإسلام
إن وصف الإمام علي عليه السلام بأنه ميزان الأعمال لا يرتبط بعلمه فقط، ولا بالنصوص التي بيّنت أنه مع الحق وأنه الفاروق بين الحق والباطل فحسب، بل يرتبط أيضًا بسيرته العملية. فقد جسّد الإمام علي في حياته التطبيق الكامل لتعاليم الإسلام، فمثلًا: من أراد أن يعرف معنى العدل في الحكم نظر إلى عدل الإمام علي، ومن أراد أن يفهم معنى الشجاعة في الدفاع عن الحق تأمل مواقفه، ومن أراد أن يرى الزهد الحقيقي نظر إلى حياته البسيطة. وبهذا صارت سيرته مقياسًا يُعرف به مدى التزام الإنسان بتعاليم الدين.
ويرجع ذلك إلى أن الإمام علي نشأ منذ طفولته في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، فتعلم منه مباشرة، وآمن به منذ بداية الدعوة، ولازمه في جميع مراحل الرسالة. ولهذا كان أقرب الناس إلى فهم روح الإسلام وتطبيقه.
ومن هنا نفهم لماذا ورد في بعض النصوص وصفه بأنه ميزان الأعمال؛ لأن أعمال الناس تُقاس بمدى قربها من هذا النموذج الكامل الذي مثّله في حياته. أما بقية الأئمة عليهم السلام فهم أيضًا امتداد لهذا النهج، لكن الإمام علي خُصَّ بهذا اللقب لأنه أول من جسّد تعاليم النبي بعده بصورة كاملة وواضحة.
رابعًا: لأن الإمام علي هو الحجة التي يرجع إليها الناس لمعرفة الحق
سُمّي الإمام علي عليه السلام ميزان الأعمال لأنه أول إمام عيّنه الله ورسوله ليكون دليلًا للناس بعد النبي صلى الله عليه وآله. فإذا اختلف الناس في معرفة الحق، فإنهم يرجعون إلى الإمام الذي نصبه الله لبيان الطريق الصحيح. ولهذا دلّت نصوص كثيرة على إمامته، منها نصوص قرآنية كآية الولاية:﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾[60]، والتي نزلت عندما تصدّق عليّ عليه السلام بخاتمه وهو راكع. ومنها آية المباهلة التي جعلت عليًا بمنزلة نفس النبي، وكذلك آية التبليغ التي ارتبطت بإعلان ولايته في غدير خم، وآية إكمال الدين التي نزلت بعد إعلان تلك الولاية.
كما وردت روايات كثيرة تؤكد هذه الحقيقة، مثل حديث الغدير: «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه»، وحديث المنزلة، وغيرها من النصوص التي بيّنت أن الإمام علي عليه السلام هو الامتداد الشرعي لرسالة النبي بعده.
إلى جانب ذلك نقلت كتب التاريخ والحديث كرامات كثيرة ظهرت على يد الإمام علي عليه السلام، وهذه الكرامات لا تُذكر لمجرد الإعجاب، بل لأنها تُعد من العلامات التي يظهر الله بها مكانة أوليائه وحججه. فالأنبياء أنفسهم ظهرت على أيديهم معجزات لتكون دليلًا على صدقهم، كما قال الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام:﴿ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ ﴾[61]. أي إن هذه الأمور كانت علامة تدل على أنه مؤيد من الله.
وكذلك ظهرت على يد الإمام علي عليه السلام مواقف وكرامات عظيمة تدل على كونه حجّة من حجج الله المقربين، منها: ردّ الشمس، وقلع باب خيبر، وإخباره بالمغيّبات، وتكليم الشمس له، وعلمه بالقضاء بين الناس، وقوة الإمام الخارقة في المعارك، وكراماته مع الحيوانات والجمادات، وغيرها.
ونختم هذه المحاضرة بذكر معجزة ردّ الشمس للإمام عليّ عليه السلام، وهي من المعجزات العظيمة التي ظهرت له. وقد حدثت هذه المعجزة مرّتين: مرّة في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله، ومرة في زمن خلافته عليه السلام. وقد رُوي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: «إنّ الله تبارك وتعالى ردّ عليّ الشمس مرّتين، ولم يردّها على أحد من أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله غيري»[62].
المرّة الأولى كانت في زمن النبي صلى الله عليه وآله، حيث حدثت الواقعة في 17 شوال عام 7 أو 8 للهجرة، وقيل: 15 شوال.[63]
قال الإمام الصادق عليه السلام: «صلّى رسول الله صلى الله عليه وآله العصر، فجاء عليّ عليه السلام ولم يكن صلّاها، فأوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وآله عند ذلك، فوضع رأسه في حجر عليّ عليه السلام، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله عن حجره حين قام وقد غربت الشمس، فقال: يا علي، أما صلّيت العصر؟ فقال: لا يا رسول الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللّهم إنّ عليّاً كان في طاعتك، فأردد عليه الشمس، فرُدّت عليه الشمس عند ذلك»[64].
ورويت القصة أيضًا من قبل أسماء بنت عُميس حيث قالت: «أقبل علي بن أبي طالب ذات يوم وهو يريد أن يُصلّي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فوافق رسول الله صلى الله عليه وآله قد انصرف، ونزل عليه الوحي، فأسنده إلى صدره، فلم تزل مسنده إلى صدره حتّى أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: أصلّيت العصر يا علي؟
قال: جئت والوحي ينزل عليك، فلم أزل مسندك إلى صدري حتّى الساعة، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله القبلة ـ وقد غربت الشمس ـ وقال: اللّهم إنّ عليّاً كان في طاعتك فأرددها عليه.
قالت أسماء: فأقبلت الشمس ولها صرير كصرير الرحى، حتّى كانت في موضعها وقت العصر، فقام عليّ متمكّناً فصلّى، فلمّا فرغ رجعت الشمس، ولها صرير كصرير الرحى، فلمّا غابت اختلط الظلام وبدت النجوم»[65].
@ وأما المرّة الثانية فقد ردّت الشمس في زمن خلافته عليه السلام، حيث أخبر أمير المؤمنين عليه السلام الناس أن أرض بابل ملعونة فلا يصلي فيها نبي ولا وصي، فصلى الناس وواصل هو السير حتى غربت الشمس قبل أن يصلي العصر. فدعا الله باسمه العظيم فردّ الله الشمس، فصلى العصر ثم عادت الشمس إلى مغيبها.[66]
وصدق الشاعر حسّان بن ثابت حينما قال:
| لا تُقبل التوبةُ من تائبٍ | إلّا بحبِّ ابنِ أبي طالب | |
| أخو رسولُ اللهِ بل صهرُهُ | والصهرُ لا يُعدل بالصاحب | |
| ومَن يكن مثلَ عليٍّ وقد | رُدّت لَهُ الشمسُ من المغرب | |
| رُدّت عليه الشمسُ في ضوئِها | بيضاً كأنَّ الشمسُ لم تغرب[67] |
وقال الشاعر قدامة السعدي أيضًا بحق أمير المؤمنين عليه السلام:
| رَدَّ الوَصِيُّ لَنَا الشَّمْسَ الَّتِي غَرَبَتْ | حَتَّى قَضَيْنَا صَلَاةَ العَصْرِ فِي مُهَلِ | |
| لَا لَسْتُ أَنْسَاهُ حِينَ يَدْعُوهَا فَتَتْبَعُهُ | طَوْعًا بِتَلْبِيَةٍ هَاهَا عَلَى عَجَلِ | |
| فَتِلْكَ آيَتُهُ فِينَا وَحُجَّتُهُ | فَهَلْ لَهُ فِي جَمِيعِ النَّاسِ مِنْ مَثَلِ | |
| أَقْسَمْتُ لَا أَبْتَغِي يَوْمًا بِهِ بَدَلًا | وَهَلْ يَكُونُ لِنُورِ اللَّهِ مِنْ بَدَلِ | |
| حَسْبِي أَبُو حَسَنٍ مَوْلًى أَدِينُ بِهِ | وَمَنْ بِهِ دَانَ رُسُلُ اللَّهِ فِي الأُوَّلِ[68] |
فَسَلَامٌ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ مَاتَ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
[1] الأعراف/8-9.
[2] الملك/2.
[3] الأعراف/8.
[4] الأعراف/8.
[5] الأعراف/9.
[6] هود/ 85.
[7] ورد في نفس المضمون; الآية 152 من سورة الأنعام، و85 من الأعراف و84 من سورة هود و9 من الرحمن.
[8] الرحمن: 7.
[9] يس/40.
[10] الحديد: 25.
[11] مؤسسة الإمام الصادق/imamsadeq.org/ المقالات/ميزان الأعمال-بقلم الشيخ جعفر سبحاني-بتصرف.
[12] الحج/ 62.
[13] المائدة/84.
[14] النساء/ 105.
[15] البقرة/ 119.
[16] شرح نهج البلاغة-ابن أبي الحديد -الجزء: 18-ص 72.
[17] المعرفة والتاريخ -أبو يوسف الفَسَوي -ج1-ص536.
[18] الكافي-الكليني-ج 1 -ص 11.
[19] بحار الأنوار-العلاّمة المجلسي-ج 53-ص 181.
[20] الأنبياء/ 47.
[21] المؤمنون/102ـ 103.
[22] الرعد/6-9.
[23] الأعراف/8-9.
[24] الكهف/ 105.
[25] راجع: رحلة الآخرة، إعداد ونشر جمعية المعارف الثقافية-ص 81-91-بتصرف.
[26] الكهف/105.
[27] الكليني-الكافي-ج 8 ص 75.
[28] الأنبياء/47.
[29] الأعراف/ 8.
[30] الأعراف/ 9.
[31] انظر كشف المراد-العلامة الحلّي-ص297.
[32] الأعراف/8.
[33] راجع: الميزان في تفسير القرآن-السيد الطباطبائي-ج8-ص11.
[34] الأعراف/ 8.
[35] الاحتجاج -الطبرسي -ص 351.
[36] الأنبياء/47.
[37] م.ن.
[38] بحار الأنوار-المجلسي-ج7-ص249.
[39] الكافي –الكليني-ج 2 -ص 306.
[40] محمد/ 28.
[41] رحلة الآخرة-إعداد ونشر جمعية المعارف الثقافية-ص 81-91.
[42] م.ن.
[43] الكليني-الكافي -ج 8 ص 19.
[44] البقرة/261.
[45] مسند الإمام الصادق (ع)-الشيخ عزيز الله عطاردي-ص47.
[46] منازل الآخرة-الشيخ عباس القمي -ص202.
[47] بحار الأنوار-المجلسي-ج 2-ص 494.
[48] ثواب الأعمال-الصدوق-ص 186.
[49] ميزان الحكمة-محمد الريشهري -ج 1-ص 518.
[50] م.ن-ج 1-ص 799.
[51] الأمالي-الشيخ المفيد-ص 77
[52] بحار الأنوار -المجلسي -ج 2 -ص 14.
[53] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري -ج 10 -ص 222.
[54] شرح نهج البلاغة-ابن أبي الحديد -ج 18-ص 72.
[55] معجم المعاني، مادة «فرق».
[56] بصائر الدرجات –الصفار-ص74.
[57] سلسلة الغدير الموضوعية-الشيخ عبد الحسين الأميني-ج1-ص312.
[58] الرعد/43.
[59] راجع: تفسير نور الثقلين-الحويزي-ج2-ص523.
[60] المائدة/55.
[61] آل عمران/49.
[62] الخصال-الصدوق-ص580.
[63] اُنظر: البحار-المجلسي-ج 97-ص 384.
[64] قرب الإسناد-عبد الله بن جعفر الحميري القمي-ص175.
[65] البداية والنهاية-ابن كثير-ج 6-ص91.
[66] راجع كتاب: من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج 1-ص 203.
[67] بشارة المصطفى-الآملي-ص 234.
[68] الإمام علي بن أبي طالب ع-أحمد الرحماني الهمداني-ص178. نقلا عن مناقب آل أبي طالب-ابن شهرآشوب-ج 2-ص 320 -323.
