
لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
يَوْم 13 رَجَبٍ: وِلَادَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
عنوان المحاضرة: علي عليه السلام كعبة الأحرار
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:
مَثَلُ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ اَلْأُمَّةِ كَمَثَلِ اَلْكَعْبَةِ. [1]
المبحث الأول: الولادة الميمونة
ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بمكة في بيت الله الحرام ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام، إكراماً له بذلك وإجلالاً لمحلّه في التعظيم. وكان عمر النبي صلى الله عليه واله عندئذٍ ثلاثين سنة، وذلك بعد تزوّجه صلى الله عليه واله من خديجة بخمس سنين، وقبل المبعث بعشر سنين.
إن المحقق المتتبع للنصوص الروائية التي تصرّح بولادة الإمام علي عليه السلام في الكعبة المشرفة، سيلمس أن هناك دلالات علمية لابد من الوقوف عليها، ومن تلك الدلالات شهرة الواقعة، وأنها ليست من أخبار الآحاد.
حيث اشتهرت الولادة في الكعبة المشرفة شهرة تتجاوز كل الشكوك التي تثار غالباً حول موضوع من هذا القبيل. والمراد بالشهرة هنا، تواتر الرواية في كتب الفريقين على أقل التقادير.[2]
قال الحاكم في [المستدرك]: «تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد(رض) ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه في جوف الكعبة»، وصرّح العديد من العلماء والمؤرّخين بأنّه لم يولد فيها أحد سواه، راجعوا مصادر الفريقين في الهامش. [3]
ولكون محاضرتنا مختصة بولادة الإمام علي عليه السلام، فلا بد من الوقوف على نص الرواية، ونرجو منكم الالتفات إليها لأن لنا وقفة على فقراتها، ولقد اخترت لكم ما رواه لنا العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار ما نصه: روي عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ قَالَ: كَانَ اَلْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ وَ يَزِيدُ بْنُ قَعْنَبٍ جَالِسَيْنِ مَا بَيْنَ فَرِيقِ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى فَرِيقِ عَبْدِ اَلْعُزَّى بِإِزَاءِ بَيْتِ اَللَّهِ اَلْحَرَامِ إِذْ أَتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ أُمُّ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ كَانَتْ حَامِلَةً بِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَ كَانَ يَوْمَ اَلتَّمَامِ قَالَ فَوَقَفَتْ بِإِزَاءِ اَلْبَيْتِ اَلْحَرَامِ وَ قَدْ أَخَذَهَا اَلطَّلْقُ فَرَمَتْ بِطَرْفِهَا نَحْوَ اَلسَّمَاءِ وَ قَالَتْ: ” أَيْ رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنَةٌ بِكَ وَ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِكَ اَلرَّسُولُ وَ بِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ وَبِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلْتَهُ وَ إِنِّي مُصَدِّقَةٌ بِكَلاَمِ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ اَلْخَلِيلِ وَإِنَّهُ بَنَى بَيْتَكَ اَلْعَتِيقَ فَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذَا اَلْبَيْتِ وَمَنْ بَنَاهُ وَبِهَذَا اَلْمَوْلُودِ اَلَّذِي فِي أَحْشَائِي اَلَّذِي يُكَلِّمُنِي وَيُؤْنِسُنِي بِحَدِيثِهِ وَأَنَا مُوقِنَةٌ أَنَّهُ إِحْدَى آيَاتِكَ وَدَلاَئِلِكَ لَمَّا يَسَّرْتَ عَلَيَّ وِلاَدَتي”، قَالَ اَلْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ وَ يَزِيدُ بْنُ قَعْنَبٍ: فَلَمَّا تَكَلَّمَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ وَ دَعَتْ بِهَذَا اَلدُّعَاءِ رَأَيْنَا اَلْبَيْتَ قَدِ اِنْفَتَحَ مِنْ ظَهْرِهِ وَدَخَلَتْ فَاطِمَةُ فِيهِ وَ غَابَتْ عَنْ أَبْصَارِنَا ثُمَّ عَادَتِ اَلْفَتْحَةُ وَاِلْتَزَقَتْ بِإِذْنِ اَللَّهِ، فَرُمْنَا أَنْ نَفْتَحَ اَلْبَابَ لِتَصِلَ إِلَيْهَا بَعْضُ نِسَائِنَا فَلَمْ يَنْفَتِحِ اَلْبَابُ، فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ تَعَالَى وَبَقِيَتْ فَاطِمَةُ فِي اَلْبَيْتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ فِي أَفْوَاهِ اَلسِّكَكِ وَ تَتَحَدَّثُ اَلْمُخَدَّرَاتُ فِي خُدُورِهِنَّ.
قَالَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ اِنْفَتَحَ اَلْبَيْتُ مِنَ اَلْمَوْضِعِ اَلَّذِي كَانَتْ دَخَلَتْ فِيهِ، فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ وَعَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى يَدَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: ” مَعَاشِرَ اَلنَّاسِ إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ اِخْتَارَنِي مِنْ خَلْقِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى اَلْمُخْتَارَاتِ مِمَّنْ كُنَّ قَبْلِي وَقَدِ اِخْتَارَ اَللَّهُ آسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِمٍ وَإِنَّهَا عَبَدَتِ اَللَّهَ سِرّاً فِي مَوْضِعٍ لاَ يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ اَللَّهُ فِيهَا إِلاَّ اِضْطِرَاراً، وَإِنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ اِخْتَارَهَا اَللَّهُ حَيْثُ يَسَّرَ عَلَيْهَا وِلاَدَةَ عِيسَى فَهَزَّتِ اَلْجِذْعَ اَلْيَابِسَ مِنَ اَلنَّخْلَةِ فِي فَلاَةٍ مِنَ اَلْأَرْضِ حَتَّى تُسَاقِطَ عَلَيْهَا رُطَباً جَنِيًّا، وَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى اِخْتَارَنِي وَفَضَّلَنِي عَلَيْهِمَا وَعَلَى كُلِّ مَنْ مَضَى قَبْلِي مِنْ نِسَاءِ اَلْعَالَمِينَ لِأَنِّي وَلَدْتُ فِي بَيْتِهِ اَلْعَتِيقِ وَبَقِيتُ فِيهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ آكُلُ مِنْ ثِمَارِ اَلْجَنَّةِ وَأرواقها [أَرْزَاقِهَا] فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ وَوَلَدِي عَلَى يَدَيَّ هَتَفَ بِي هَاتِفٌ وَقَالَ:” يَا فَاطِمَةُ سَمِّيهِ عَلِيّاً فَأَنَا اَلْعَلِيُّ اَلْأَعْلَى وَإِنِّي خَلَقْتُهُ مِنْ قُدْرَتِي وَعِزِّ جَلاَلِي وَقِسْطِ عَدْلِي وَاِشْتَقَقْتُ اِسْمَهُ مِنِ اِسْمِي وَأَدَّبْتُهُ بِأَدَبِي وَفَوَّضْتُ إِلَيْهِ أَمْرِي وَوَقْفْتُهُ عَلَى غَامِضِ عِلْمِي وَوُلِدَ فِي بَيْتِي وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُؤَذِّنُ فَوْقَ بَيْتِي وَيَكْسِرُ اَلْأَصْنَامَ وَيَرْمِيهَا عَلَى وَجْهِهَا وَيُعَظِّمُنِي وَيُمَجِّدُنِي وَيُهَلِّلُنِي وَهُوَ اَلْإِمَامُ بَعْدَ حَبِيبِي وَنَبِيِّي وَخِيَرَتِي مِنْ خَلْقِي مُحَمَّدٍ رَسُولِي وَوَصِيُّهُ، فَطُوبَى لِمَنْ أَحَبَّهُ وَ نَصَرَهُ وَاَلْوَيْلُ لِمَنْ عَصَاهُ وَخَذَلَهُ وَجَحَدَ حَقَّهُ“.
قَالَ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو طَالِبٍ سُرَّ وَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَبَهْ وَ رَحْمَةُ اَللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ، ثُمَّ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَلَمَّا دَخَلَ اِهْتَزَّ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَضَحِكَ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ: اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ وَرَحْمَةُ اَللَّهِ وَبَرَكَاتُه،ُ قَالَ ثُمَّ تَنَحْنَحَ بِإِذْنِ اَللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ – بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ – `قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ – `اَلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاٰتِهِمْ خٰاشِعُونَ إِلَى آخِرِ اَلْآيَاتِ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَدْ أَفْلَحُوا بِكَ وَقَرَأَ تَمَامَ اَلْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: أُولٰئِكَ هُمُ اَلْوٰارِثُونَ اَلَّذِينَ يَرِثُونَ اَلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: أَنْتَ وَاَللَّهِ أَمِيرُهُمْ – أي أنت أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ- تَمِيرُهُمْ مِنْ عُلُومِهِمْ فَيَمْتَارُونَ وَ أَنْتَ وَاَللَّهِ دَلِيلُهُمُ وَبِكَ يَهْتَدُونَ.[4]
ولقد ذكرنا أن مضمون هذه الرواية قد ذُكر في عشرات مصادر أهل السنّة فضلاً عن مصادر الشيعة، وبمراجعتها لا يبقى مجال لمن يشكك في ولادة على بالكعبة ويقول:” لم يكن علياً (عليه السلام) هو الذي ولد بالكعبة وإنما هو شخص يسمى حكيم بن حزام”. إن أعداء الإمام علي فتّشوا عن شيء يعيبون به علياً عليه السلام فلم يجدوه، فلجأوا إلى مصادرة بعض مناقب الإمام علي عليه السلام ونسبتها إلى غيره من أجل إطفاء نور الله، ونسوا أن الله تعالى يقول: [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ]. [5]
• قال الخليل بن أحمد الفراهيدي[6] وقد سُئل عن الإمام علي عليه السلام: (ماذا أقول في رجل أخفى أعداؤه فضائله حسداً، وأخفاها محبوه خوفاً، وظهر من بين ذين وذين ما ملأ الخافقين).[7]
المبحث الثاني: وليد الكعبة، أسئلة وردود
سنجيب في هذا المبحث على أبرز الأسئلة التي قد تتبادر في أذهان بعضكم عند قراءة الروايات المختصة بولادة الإمام علي عليه السلام، وهي كالآتي:
سؤال رقم(1): إن الكرامات المذكورة في حق الإمام علي عليه السلام، ومنها ما ورد ذكره في حديث ولادته من انشقاق جدار الكعبة، والبقاء ثلاثة أيام فيها، تأكل أمه من ثمار الجنة، ونطق الإمام عند ولادته، وغيرها لو كان صحيحا لنطق به القرآن كما نطق عن معجزات نبي الله عيسى عليه السلام، ألا تعدون هذه النصوص من وضع الغلاة؟!
ونجيب عن ذلك بهاتين النقطتين:
1ـ لا يلزم من ظهور الكرامات والمعجزات على يد الأنبياء والأوصياء وجوب ذكرها وتوثيقها في القرآن الكريم، وإلا لزم ذكر مئات المعاجز للنبي صلى الله عليه وآله التي تظافر نقلها بين المسلمين عموماً، مع أن القرآن الكريم لم يذكر منها سوى الشيء اليسير جداً، منها الكرامات التي تزامنت مع ولادة النبي ص كارتجاج إيوان كسرى حتى سقط منه أربع عشرة شرافة، وغوص بحيرة ساوة، وخمود نار فارس ولم تخمد قبل بألف سنة، واضطراب الأحبار والرهبان عند ولادته حتى رآه بعضهم وعرف خاتم النبوة على جسمه الشريف.[8]
2ـ لا يعد ما تم ذكره من أمور في حق أمير المؤمنين عليه السلام -فيما لو صحت- أن يصير قائلها مغالياً، لورود مثلها أو أكثر منه في حق الأنبياء والأولياء، قال تعالى: [أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ] [9]فحكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز واحد، أي إذا صح أن تنسب المعجزات للأنبياء بإذن الله تعالى، صح أن تنسب الكرامات إلى غير الأنبياء بحول الله وقوته، كما حصل مع كرامات السيدة مريم عليها السلام، قال تعالى على لسان نبي الله زكريا عليه السلام: [يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ]. [10]
فبيان هذه الحقائق لا يعد غلوا، وإنما الغلو هو: إعطاء المخلوق صفات الخالق من السيطرة والخلق والتدبير المستقلين، وللوقوف على التفاصيل ننصحكم بمراجعة المحاضرة السابعة المعنونة (التوسل بالسيدة الزهراء ع) في الجزء الخامس من كتاب (زاد المبلغات) للباحثة مياسة شبع.
وينبغي أن لا نعجب مما ورد في حق أمير المؤمنين عليه السلام من كرامات فهو الإمام المنصوص عليه من قبل الله عز وجل، وهو باب مدينة علم المصطفى صلى الله عليه وآله، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد علّمه ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب كما ورد ذلك بالآثار الصحيحة، وهو بعد هذا وذاك نفس النبي الأمين صلى الله عليه وآله بنص آية المباهلة (وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) [11]، فإن كان لا يزيدنا عجباً أن يأتي من عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ . [12]بعرش بلقيس من اليمن إلى أرض القدس بأقل من طرفة عين، فلِمَ نعجب بمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ[13] كله[14] أن ينطق عند مولده أو أن يحيى الموتى بإذن الله، وهو الذي جعل المولى سبحانه مدار الإيمان والنفاق على حبه وبغضه[15]، وصيرّه مولى كل مؤمن ومؤمنة الى يوم الدين؟! [16]
السؤال(2): روي في حديث آخر: أن النبي صلى الله عليه وآله، قال في حديث طويل: «ولقد هبط حبيبي جبرئيل في وقت ولادة علي عليه السلام، فقال: يا حبيب الله، العلي الأعلى يقرأ عليك السلام، ويهنؤوك بولادة أخيك علي عليه السلام، ويقول: هذا أوان ظهور نبوتك، وإعلان وحيك، وكشف رسالتك، إذ أيدتك بأخيك، ووزيرك . . الخ»[17]
كيف تقول الرواية: إن جبرئيل هبط على رسول الله، وقال له: . .؟!، فهل كان جبرئيل يهبط على النبي صلى الله عليه وآله قبل أن يبعث؟!، وكيف كان الرسول ص يعلّم بالقرآن ونحن نعلم أنه نزل عليه بالتدريج ابتداءً من يوم المبعث لما كان عمر الرسول ص أربعين عاماً؟
الجواب: إن النبي صلى الله عليه وآله كان نبياً منذ ولد -كما دلت عليه الروايات-، ثم صار رسولاً حين بلغ أربعين سنة. [18]
ويدل على ذلك: أن عيسى عليه السلام كان نبياً منذ ولد، فقد قال تعالى:﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾[19]
وقال سبحانه وتعالى عن يحيى ع:﴿ َآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴾[20]
وورد في أخبار كثيرة إن الله لم يعطِ نبياً فضيلة، ولا كرامة، ولا معجزة إلا أعطاها نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله.[21]، وروي أيضاً: أنه صلى الله عليه وآله قال: كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد، أو نحو ذلك.[22]
نستنتج من ذلك أن النبي محمد ص كان نبياً –على أقل التقادير-منذ ولادته، وأن نزول القرآن عليه ص إنما يحتاج لمجرد نزول الوحي، الذي تتحقق به النبوة، وقد كان ذلك حاصلاً في ليلة القدر، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ. [23]يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ما مضمونه:
إن للقرآن نزولين:
الأول: نزوله دفعة واحدة، قال تعالى:﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾[24] أي نزل القرآن من الله سبحانه على قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الطاهر في ليلة القدر من شهر رمضان.
والثاني: النزول التدريجي، حيث نزل على مدى (23) سنة بحسب الظروف والحوادث والاحتياجات. حيث يستفاد من آيات عديدة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عالما بالقرآن قبل نزوله التدريجي، كالآية (114) من سورة طه: [وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ] وجاء في الآية (6) من سورة القيامة: [لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ].[25]
إذن نفهم من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان عالماً بالقرآن منذ صغره، أو قبل ذلك حيث كان آدم بين الماء والطين أو بين الروح والجسد، فيكون نزول القرآن سابقاً على ولادة علي عليه السلام.
السؤال(3): لقد ذكرتم في الرواية: أن الإمام عليًا عليه السلام بعد ولادته تنحنح[26] وقال:﴿ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾[27]، كيف قرأ علي عليه السلام حين ولادته الآيات من سورة المؤمنون، وهي لم تكن قد نزلت على رسول الله ص؟!، كيف علم علي عليه السلام بهذا القرآن، وهو قد ولد لتوّه ولم يُعلّمه النبي صلى الله عليه وآله إياه؛ لأنه عليه السلام ولد قبل البعثة بعشر سنوات!!!
الجواب: لقد ذكرنا في جواب السؤال السابق أن القرآن نزل دفعة واحدة على قلب الرسول ص، ولا مانع من أن يعلم علي عليه السلام بالقرآن، ما دام نوره مشتقًا من نور الرسول صلى الله عليه وآله، وهو وصيه، وهو يعلم بما أنزل الله على نبيه، بالنحو المناسب لمسيرة خلقته.
إن علوم محمد وآل محمد عليهم السلام علوم لدّنية، قال تعالى: [وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ]. [28]مصدره الله تعالى، أي أن الله لما يريد أن يزقهم بالعلم فلا يحتاج الأمر إلى أن يكبروا فتنضج مداركهم وعقولهم بالتدريج كالإنسان العادي، بل أن الله يختاره لهم من وسائل التعليم، ولو بواسطة الملك الذي يحدثـّه بما يعرفه[29].
فمعلوم أن الأئمة عليهم السلام محَدّثون بمعنى أن الله يطلعهم على الوقائع والحقائق من وراء حجاب، أو أنهم يستلهمون الأخبار من قِبل الله تعالى، عن طريق الوحي وهو الملك، ولكن هذا الوحي لا يلازم النبوة، وللتفصيل نقول:
(إن لكلمة (الوحي) استعمالات متعددة ومختلفة يجمعها المعنى اللغوي الكلي، وهو الإعلام بخفاء، وهذا المعنى الجامع موجود في بعضها حقيقة، وفي بعضها الآخر مجازاً وادعاءً، كما لو كان الموحى إليه جماداً أو حيواناً لا يعقل. وهذا يمكن استفادته من التدبر في الموارد القرآنية التي ورد فيها استعمال هذه اللفظة كقوله تعالى: (وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) [30]، فالمراد أنه سبحانه أودع في كل سماء، السنن والنظم الكونية، وقدّر لها دوامها.
وأيضاً يأتي لفظ (الوحي) في مورد الإدراك بالغريزة كقوله تعالى: (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا . [31]، فما يقوم به النحل من اتخاذ البيوت بهذه الأشكال الهندسية المتقنة والعجيبة الصنع إنما هو نتاج غزيرة إلهية مودعة في مكامن خلقته وصميم وجوده.
وأيضاً يأتي الوحي بمعنى الإلهام والإلقاء في القلب كقوله تعالى: [وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي] .[32]، وحيث إن تفهيم أمّ موسى مصير ولدها كان بإلهام وإعلام خفي، عبر عنه بالوحي. وكما أوحى الله إلى السيدة مريم عليها السلام: [فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا] .[33]
وأيضاً يأتي الوحي فيراد به كلام الله تعالى المنزل على نبي من أنبيائه كما في قوله تعالى: [كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] [34]، وقوله تعالى في حق النبي محمد ص: [وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ].[35]، وقد غلب استعمال الوحي في المعنى الأخير, فكلما أطلق الوحي وجُرّد عن القرينة كان يراد منه ما يلقى الى الأنبياء من قِبل الله تعالى.. لذا وجبت الملاحظة بأنَّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا يتلّقون وحيّاً إلهياً بالمعنى الأخير، فقد انقطع الوحي بهذا المعنى وتبليغ الرسالات بعد رحيل النبي الاعظم صلى الله عليه وآله، وإنما هي علوم اختُصوا بتلقيها لما يدخل في مهمة إمامتهم وقيادتهم للأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وتسمى وحياً لما سبق بأن الإلهام والإلقاء في القلب يسمى وحياً. وقد وردت جملة من الروايات التي تبين لنا كيفية تلقي الإمام عليه السلام لهذه العلوم.
روي عن عيسى بن حمزة الثقفي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام أنا نسألك أحياناً فتسرع في الجواب وأحياناً تطرق ثم تجيبنا قال: (إنه نعم ينقر وينكت في آذاننا وقلوبنا فإذا نكت أو نقر نطقنا وإذا أمسك عنا أمسكنا).[36]
ونحن نستغرب من المخالفين حينما يعترضون بأن الإمام مُحدّث، فيخبره الملك منذ ولادته بما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله، رغم أنه منصّب من قبل الله؟!، في حين أنهم يتقبلون بأن عمر محدث (حسب زعمهم) [37].
السؤال(4): لقد ذكرتم في الرواية: إن فاطمة بنت أسد ولدت علياً عليه السلام في جوف الكعبة « . .فلما خرجت قال علي عليه السلام : اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَبَهْ وَ رَحْمَةُ اَللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ …وفي نص آخر: أنه عليه السلام لما ولد سجد على الأرض، وهو يقول: «أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن علياً وصي رسول الله. بمحمد يختم النبوة، وبي يتم الوصية، وأنا أمير المؤمنين إلخ .»[38]
كيف يتكلم علي «عليه السلام» حين ولادته، فإن هذا الأمر غير معقول؟!
الجواب: إن نطق الصغير بالكلام، وظهور رجاحة عقله، وإقراره بالإيمان، وبالإسلام، وبغير ذلك . . وإن كان مخالفاً للعادة، لكنه ليس من المحالات في نفسه، ونحن نشهد تفاوتاً ظاهراً في وعي الأطفال في صغرهم؛ وفي أوقات ظهور ذلك منهم . . فكيف إذا كان الله تعالى هو الذي يظهر هذه الفضيلة لهم.
وقد أنطق الله تعالى عيسى بن مريم عليه السلام فور ولادته، كما صرحت به الآيات الكريمة التي أشرنا إليها آنفاً، فلماذا لا يُنطِق علياً عليه السلام، وهو أفضل منه!! [39]
إن ما تتبنّاه الشيعة هو أفضليّة الإمام علي عليه السلام على سائر الأنبياء عليهم السلام سوى نبيّنا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلّم بدلائل كثيرة منقولة عند الفريقين. [40] . [41]
والروايات عديدة، منها حديث الرسول ص: لولا علي لم يكن لفاطمة كفؤ، آدم فمن دونه؟![42]
ومنها ما روي بأن صعصعة بن صوحان[43] (رضي الله عنه) سأل الإمام عليا عليه السلام قائلا: يا أمير المؤمنين! أخبرني أنت أفضل أم آدم أبو البشر؟
فقال الإمام عليه السلام يا صعصعة! تزكية المرء نفسه قبيح و لولا قول الله عَزَّ و جَلَّ:﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾[44] ما أجبت يا صعصعة ! أنا أفضل من آدم، لأن الله تعالى أباح لآدم كل الطيبات المتوفرة في الجنة ونهاه عن أكل الحنطة فحسب، ولكنه عصى ربه وأكل منها! وأنا لم يمنعني ربي من الطيبات، وما نهاني عن أكل الحنطة، فأعرضت عنها رغبة وطوعا.
فقال صعصعة: أنت أفضل أم نوح؟ فقال عليه السلام: أنا أفضل من نوح، لأنه تحمل ما تحمل من قومه، و لما رآى منهم العناد دعا عليهم و ما صبر على أذاهم فقال: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾ [45]، و لكني بعد حبيبي رسول الله صلى الله عليه و آله تحملت أذى قومي و عنادهم فظلموني كثيرا فصبرت و ما دعوت عليهم. وابن نوح كان كافرا وابناي سيدا شباب أهل الجنة.
فقال صعصعة: أنت أفضل أم إبراهيم؟
فقال عليه السلام: أنا أفضل، لأن إبراهيم قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي … ﴾[46]، و لكني قلت وأقول: لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا.
قال صعصعة: أنت أفضل أم موسى؟
قال عليه السلام: أنا أفضل من موسى، لإن الله تعالى لما أمره أن يذهب إلى فرعون ويبلغ رسالته﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾[47]، ولكني حين أمرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله بأمر الله عَزَّ وجَلَّ حتى أبلغ أهل مكة المشركين سورة براءة، وأنا قاتل كثير من رجالهم وأعيانهم! مع ذلك أسرعت غير مكترث، وذهبت وحدي بلا خوف ولا وجل فوقفت في جمعهم رافعا صوتي، وتلوت الآيات من سورة براءة وهم يسمعون!!
قال صعصعة: أنت أفضل أم عيسى؟
قال عليه السلام: أنا أفضل، لأن مريم بنت عمران لما أرادت أن تضع عيسى كانت في بيت المقدس، جاءها النداء يا مريم أخرجي من البيت! ها هنا محل عبادة لا محل ولادة فخرجت﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ … ﴾[48]، ولكن أمي فاطمة بنت أسد لما قرب مولدي جاءت إلى بيت الله الحرام والتجأت إلى الكعبة، وسألت ربها أن يسهل عليها الولادة، فانشق لها جدار البيت الحرام وسمعت النداء: يا فاطمة ادخلي! فدخلت ورد الجدار على حاله فولدتني في حرم الله وبيته. وليس لأحد هذه الفضيلة لا قبلي ولا بعدي. [49]
المبحث الثالث: أسرار وليد الكعبة
لا يتسنى لكل إنسان أن يولد في مكان قد أختاره الله تعالى ليكون مثابة للناس وكعبة تقصد على مر العصور والأزمان، إلا من كان له منزلة وكرامة على الله تعالى وهذا ما حصل بالفعل بالنسبة لمولى الموحدين وكعبة المؤمنين علي بن أبي طالب ع، حيث أختاره الله ليكون وليد الكعبة المباركة التي تؤم وتقصد كل يوم خمس مرات قبلةً للمسلمين أجمعين، واختيار الله تعالى الكعبة كمكان لولادة أمير المؤمنين علي عليه السلام لا يخلو عن وجه من الرعاية السماوية لهذا المولود[50]، وهذا الأمر يتبين من خلال النقاط الآتية:
أولاً: إن دخول فاطمة بنت أسد(رض) للكعبة ووضعها لعلي ع، كان من باب الإعجاز لا من باب الاتفاق والصدفة حتى يُزعم بأن الوضع لم تكن فيه ميزة تكريم سماوية. بل إن الفضيلة والكرامة في أن باب الكعبة كان مقفلاً. ولما ظهرت آثار وضع الحمل على فاطمة بنت أسد (رضي الله عنها) عند الطواف خارج الكعبة انفتح لها الجدار بإذن الله تعالى وهتف بها هاتف بالدخول…
وهذا يدل بأن الوضع كان أمراً من الله تعالى، فهذا «يزيد بن قعنب» أحد الذين عاينوا الواقعة، يسترسل راوياً: «… فرأينا البيت قد انشق (أي انفتح) عن ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا، وعاد الى حاله (والتزق الحائط) فرمنا أن ينفتح قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمر من الله تعالى. ثم خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها أمير المؤمنين عليه السلام ..” [51]
نفهم من ذلك أن وضع أم طالب(رض) في ذلك المكان المقدس يعدّ تكريماً لوليدها واشارةً لميزته الرسالية، لأن الوضع لم يكن اتفاقياً-صدفةً-.
ثانياً: إن ولادته في الكعبة تدّل على طهارته. فمن المعلومأن ما يصحب الولادة عادةً من خروج كيس المشيمة والدماء قد يؤدي الى نجاسة المكان، وهذا يقتضي أن تكون ولادة علي عليه السلام طاهرة من تلك النجاسات. ولم نقرأ في كتب التاريخ ولا حتى إشارة إلى أن تلك الولادة قد تركت نجاسة في الكعبة المشرفة. والمتيقن أن الولادة الطاهرة لا تتم إلا عن طريق لون من ألوان التكريم الإلهي للمولود. ويؤيده بعض الروايات، منها الرواية المروية في «معاني الاخبار» على لسان فاطمة بنت اسد(رض): «إن مريم بنت عمران أوحي اليها أن أخرجي من بيت المقدس فإنه بيت عبادة ولا بيت ولادة، وإني دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأرزاقها، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة، سمّيه عليّاً فهو عليٌّ…» . فهي تعلم أن الكعبة بيت عبادة أيضاً لا بيت ولادة، ولكن طهارة الولادة وشأن المولود كانت مبرراً للوضع في بيت العبادة.
ويؤيده الرواية التي ذكرت الحوار الذي دار ما بين صعصعة بن صوحان (رضي الله عنه) حينما سأل الإمام عليا عليه السلام قائلا: يا أمير المؤمنين! أخبرني أنت أفضل أم عيسى؟ قال عليه السلام أنا أفضل، لأن مريم بنت عمران لما أرادت أن تضع عيسى كانت في بيت المقدس، جاءها النداء يا مريم أخرجي من البيت! ها هنا محل عبادة لا محل ولادة فخرجت (فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ)[52]، ولكن أمي فاطمة بنت أسد لما قرب مولدي جاءت إلى بيت الله الحرام والتجأت إلى الكعبة، وسألت ربها أن يسهل عليها الولادة، فانشق لها جدار البيت الحرام وسمعت النداء: يا فاطمة ادخلي! فدخلت ورد الجدار على حاله فولدتني في حرم الله وبيته. وليس لأحد هذه الفضيلة لا قبلي ولا بعدي.[53]
ويؤيد طهارة المولد ما ذكره السيد الحمْيَري (ت 179 هـ) في قصيدته:
| ولدته في حرم الاله وأمنه | والبيت حيث فناؤه والمسجد | |
| بيضاء طاهرة الثياب كريمة | طابت وطاب وليدها والمولد | |
| في ليلة غابت نحوس نجومها | وبدا مع القمر المنير الأسعد | |
| ما لف في خرق القوابل مثله | إلا ابن آمنة النبي محمد |
وقد أشار ابن شهر آشوب المازندراني (ت 588 هـ) الى طهارة الولادة، فقال: «فالولد الطاهر من الطاهر ولد في الموضع الطاهر، فأين توجد هذه الكرامة لغيره؟ فأشرف البقاع: الحرم، وأشرف الحرم: المسجد، وأشرف بقاع المسجد: الكعبة. ولم يولد مولود سواه. فالمولود فيها يكون في غاية الشرف، وليس المولود في سيد الأيام: يوم الجمعة، في الشهر الحرام، في البيت الحرام سوى أمير المؤمنين عليه السلام.
السر الثالث: إن ولادته ع استجابة للدعوة الإبراهيمية
حينما نقف على قصة نبي الله إبراهيم الخليل ع سنجد أن الله تعالى ابتلاه وامتحنه بعدة امتحانات وتكاليف، قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.[54] ، فكانت النتيجة أن إبراهيم أتم هذه التكاليف ـ-وهي عشرة -وامتثلها وأطاع الله تعالى فيها، وكانت من جملة هذه التكاليف أنه بنى الكعبة الشريف، قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[55]
وقوله تعالى: فَأَتَمَّهُنَّ. يبين أنه حينما أتمّ الامتحانات ونجح فيها أعطاه الله تعالى منصب الإمامة المباركة وجعلها -بالجعل التشريعي -في ذريته ولكن دون الظالمين منهم.
ومن خلال التمعن والتدقيق في قصة إبراهيم ع سنجد أن هناك ارتباطا ما بين بنائه الكعبة الشريفة، وبين الامتحانات التي مر بها، وبين إعطاء الإمامة له كمنصب إلهي يكون بالنص، وطلب إبراهيم ع من الله تعالى الإمامة لذريته الشريفة وخصوصاً المؤمنين.
أقول: لو تمعنا في ذلك كله وبين ولادة عليّ بن أبي طالب ع في الكعبة لظهر لنا أن ولادة أمير المؤمنين عليا ع في الكعبة الشريفة ما هي إلا استجابة للدعوة الإبراهيمية في إعطاء الإمامة في ذريته المؤمنة وكما ورد على لسان النبي محمد ص حيث قال لعلي ع: أنا وأنت دعوة إبراهيم الخليل. أو قوله ص: «الناس من أشجار شتى وأنا وأنت يا علي من شجرة واحدة».[56]
إذن يظهر أن الدعوة الإبراهيمية قد تمثلت استجابتها في بزوغ فجر الإمامة من أول يوم بنيت فيه الكعبة إلى أول يوم ولد في الكعبة ذلك المولود الإبراهيمي إن صح التعبير.
والشاهد على ما نقول هو ما يظهر من لسان أم أمير المؤمنين ع وهي فاطمة بنت أسد عليها السلام عندما كانت حاملا بعلي ع حيث كانت تأتي إلى الكعبة الشريفة وتطوف حولها، وتقف أمامها وترمي بطرفها نحو السماء وتقول: «أي رب إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل، وإنه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت وبحق المولود الذي في بطني إلا ما يسرت عليّ ولادتي»[57]
سؤال: لماذا تذكر فاطمة (رض) في هذا المكان بالخصوص إبراهيم الخليل ع؟ لماذا لم تذكر غيره من الأنبياء السابقين؟
الجواب على ذلك واضحاً لمن أراد أن يتمعن ويدقق النظر في مدلولات قولها-أي فاطمة (رض) -لأن المسألة مسألة ولادة الإمامة التي تمثل الامتداد للدعوة الإبراهيمية -(قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي)[58] – فالإمامة في أحشائها، وتعلم منزلة هذا المولود الذي في أحشائها، وكما مر بك الحديث: «أنــا وأنت دعوة إبراهيم الخليل». [59]
السر الرابع: لا تقام الصلاة من دون البيت الحرام ولا تقام أيضاً من دون ذرية إبراهيم عليهم السلام وهم الإمام علي والأئمة من ولده عليهم السلام.
إنّ خير دال على التلازم بين الكعبة (أعزها الله تعالى) وعلي بن أبي طالب عليه السلام هو ما كشفه مقيم البيت وبانيه، أي: إبراهيم الخليل عليه السلام، قال تعالى عن لسان عبده إبراهيم: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}[60]
هنا: يُظهر إبراهيم عليه السلام العلاقة بين البيت الحرام وذريته، ويدل في الوقت نفسه على العلة التي أوجبت تكوين هذه العلاقة، والغاية من الحضور، ألا وهي: الصلاة، وإقامة الصلاة مرهونة بذرية إبراهيم؛ بمعنى بناء الصلاة وتقويمها هو من اختصاص ذرية إبراهيم عليه السلام فكان البناء من مرحلتين:
المرحلة الأولى: بناء بيت الله الحرام كي يتوجه المصلون إليه في صلاتهم. والذي بعدم تحققه أي التوجه للقبلة، تبطل الصلاة بإجماع فقهاء المسلمين. فكان إبراهيم وولده إسماعيل هما من أقاما القواعد والبناء في المرحلة الأولى.
المرحلة الثانية: كانت الإقامة للصلاة بعد أن بُني البيت الحرام، وهذا مرهون بذرية إبراهيم، {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ}. لذا كانت الكعبة محل التوجه للصلاة وكان علي بن أبي طالب عليه السلام إمام الإقامة. ولكن لماذا علي دون النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
لأن علياً هو الفيصل الذي تتكشف به حقائق الأعمال فأما كفر ونفاق، وأما إيمان وتقوى أي به تتحدد الصلاة فأما تكون مقبولة وأما مردودة.[61] روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: يا علي لا يحبك إلا من طابت ولادته، ولا يبغضك إلا من خبثت ولادته، ولا يواليك إلا مؤمن ولا يعاديك إلا كافر .[62]
السر الخامس: إن مولد أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكعبة، إيذان من الله تعالى إلى البشرية جمعاء بأنّ الّذي سيطهّر هذه الكعبة من رجس الأصنام هو هذا المولود المبارك الّذي ولد فيها.
وفعلاً قد تحقق هذا المعنى عند فتح مكة المكرمة حيث دخل النبي المصطفى محمد ص مكة فاتحاً والأصنام آنذاك معلّقة على جدرانها ولكل قبيلة من قبائل العرب كان منصوبا لها صنم في جوف الكعبة، فما كان من الرسول الأعظم ص إلا أن أصعد علياً على منكبه الشريف، وأخذ الأمير يحطم الأصنام ويرمي بها إلى الأرض، والنبي يقول: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا »[63]
قال رجل للصادق عليه السلام: أخبرني لماذا رفع النبي عليا على كتفه؟ قال: ليعرف الناس مقامه ورفعته. فقال: زدني يا بن رسول الله. فقال: ليعلم الناس أنه أحق بمقام رسول الله. فقال: زدني. فقال ع: ليعلم الناس أنه إمام بعده والعلم المرفوع. فقال: زدني. فقال: هيهات والله لو أخبرتك بكنه ذلك لقمت عني وأنت تقول إن جعفر بن محمد كاذب في قوله أو مجنون.[64]
ولقد أجاد الشعراء في ذكر هذه المنقبة العظمى لعلي ع، ومنهم الشافعي حيث
يذكر هذه الفضيلة بأبيات تنسب له؛ يقول في جملة منها:
| وعــــلـيٌ واضــــــعٌ أقـــدامَـــه | في محلٍ وضع اللهُ يـدَه |
حيث أشار في هذا المقطوعة الشعرية إلى حديث معراج النبي في قوله: «إنّ الله عزّ شأنه وضع يده على كتفي حتى أحسست بردها على كبدي».
| وجاء مطهر بيت الإله | فعن مجد كل رجس قذف | |
| أزاح عن البيت أوثانهم | وأزهق مـن عـن هـداه صدف | |
| وكان الخليل له رافعاً | قواعده حله ما وصف | |
| فليس من البدع أن أسدلت | على شبله منه تلك السجف[65] |
السر السادس: إنّ الإمام أول من يؤمن بالنبي صلى الله عليه وآله، وأول من يؤذن على ظهر الكعبة.
يوجد رمز دقيق وسر لطيف في معنى ولادة علي ع في الكعبة الشريفة، وهذا المعنى يظهر من خلال التمعن الدقيق والتوقف الصحيح عند جملة من الروايات، حيث نستفيد من هذه المأثورات الشريفة أن ولادة علي ع في الكعبة إشارة إلى كونه أول من يؤمن بالنبي ص، ويصدقه في دعوته ويقف دونـه فـي كـل الصراعات، بل يضحي بالغالي النفيس لنصرته في كل المواطن والمواقف التي وقف فيها معه، ويمكن أن نرى هذا القول الدقيق والرمز الجلي والسر العلي في قول فاطمة بنت أسد رضوان الله عليها، حيث تقول في قصة خروجها من الكعبة المشرفة بعد أن قضت ثلاثة أيام: «فلما أردت الخروج من الكعبة هتف بي هاتف أسمع صوته ولا أرى شخصه: يا فاطمة سمّي ولدك عليا فأن العليّ الأعلى أمرني أن أقول لك ذلك والله يقول: أنا المحمود وحبيبي محمد ص وأنا العلي ووليّ علي ع وقد شققت اسمهما من أسمي، وأدبتهما بأدبي، ووقفتهما على علمي، وهما الصفوة من الأخيار، وقد خلقت نورهما من نوري، وعزتي وجلالي اني شققت اسم ولي من أسمي وولد في بيتي وهو أول من يؤمن بي ويصدق برسولي ويقدسني ويهللني ويكبرني، وهو خليفة نبي ووزيره ووصيه والقائم بالقسط من بعده…..
وفي رواية أخرى مثلها مع اختلاف بسيط في نهايتها حيث تقول الرواية: «وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي ويقدسني….”[66]
ويظهر من هذا الحديث أن أول من يؤذن فوق الكعبة الشريفة هو الإمام أمير المؤمنين ع خلاف ما يدعيه بعض الكتاب أن أول من أذن هو بلال، نعم بلال هو أول من أذن، ولكن ليس هو أول من أذن فوق الكعبة الشريفة، فلقد سبقه الإمام ع إلى ذلك. [67]
السر السابع: إنّ الإمام عليه السلام بدأ حياته منطلقاً من بيت الله وقضاها في سبيل الله وختمها في بيت الله.
ويوجد معنى دقيق ولطيف في ولادة علي ع في الكعبة وهذا ما نفهمه من خلال قول أمير المؤمنين ع في آخر حياته الشريفة حيث عند ما ضربه الملعون ابن الملجم المرادي على رأسه الشريف نادى الأمير بصوت يهز الوجود: «فزت ورب الكعبة”، أي ورب الكعبة التي ولدت فيها، وكأنه سلام الله عليه يشير إلى أنه ولد في بيت من أعظم بيوتات الله وهو بيت الله الحرام الكعبة الشريفة، وختم حياته في بيت من بيوتات الله وهو مسجد الكوفة، فما أعظم الفوز عندما تكون الولادة في الكعبة، وتكون الشهادة في المسجد، وقد يكون إشارة بقوله (فزت ورب الكعبة) إلى أنه صاحب الكعبة ومحطم الأصنام فيها، ورافع شأنها ومشرفها بتلك الولادة العلوية العظمى فحياته بدأت وانتهت في بيوتات الله تعالى.[68]
السر الثامن: هناك ملازمة وتشابه بين الإمام عليّ عليه السلام وبين الكعبة
وهذا السر سوف نختم به المحاضرة في المبحث الآتي:
المبحث الرابع: أوجه التشابه بين الإمام والكعبة
هناك أوجه تشابه ما بين الكعبة وأمير المؤمنين علي عليه السلام، نوجزها بالآتي:
1.كلاهما النظر إليهما عبادة، والتوجه لهما فريضة.
روي عن أبي ذر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل علي فيكم -أو قال: في هذه الأمة -كمثل الكعبة المستورة، النظر إليها عبادة، والحج إليها فريضة. [69]
فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: النظر إلى الكعبة عبادة، والنظر إلى الوالدين عبادة، والنظر إلى الإمام عبادة. [70]
وأيضا فرض الله تعالى علينا الحج، فتارة يراد من الحج المعنى الاصطلاحي وهذا يتمثل بحج بيت الله الحرام، قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ. [71]وأخرى يراد من الحج المعنى اللغوي وهو القصد والزيارة والإتيان، ويتجسد هذا المعنى بوجوب تولي أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده المعصومين عليهم السلام، واتباعهم والاقتداء بهم، روي عن الإمام علي عليه السلام: «انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم واتبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدىً ، ولن يعيدوكم في ردىً.[72]
2.كلاهما نصبهما الله علما للناس، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله -لعلي عليه السلام -: إنما مثلك في الأمة مثل الكعبة، نصبها الله علما، وإنما تؤتى من كل فج عميق، وناد سحيق، وإنما أنت العلم علم الهدى، ونور الدين، وهو نور الله. [73]
3.كلاهما الفاروق الذي يفرّق بين المؤمن والمنافق.
إن الله تعالى جعل القبلة المتجسدة بالتوجه للكعبة ليفرق ويميز بين من يتبع الرسول ص وبين من لا يتبعه، أي ليميز بين المؤمن والكافر، قال تعالى:﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾[74] وأيضاً الله تعالى خلق أمير المؤمنين علي عليه السلام وفرض إمامته على جميع الخلق ليميز المؤمن عن المنافق والكافر بدلالة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق»[75]، والمنافق لا تزيده صلاته إلا بعداً عن الله تعالى.
4.كلاهما يحققان الأمان، فمثلما يتحقق الأمان في البيت الحرام حينما يلتجئ إليه الإنسان، {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا}[76]، كذلك حال من يلتجئ إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه يحصل على الأمان من الهلاك والضلال والوقوع في الفتن والفوز في الآخرة؛ لأنه استمسك بالعروة الوثقى، وأخذ بالصراط المستقيم وكان في زمرة الصالحين كعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وغيرهما وهو ما دل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: «أنت كبيت الله، من دخله كان آمنا، ومن رغب عنه كان كافراً»[77]، فهذا حال البيت الحرام وحال علي عليه السلام.[78]
5. كلاهما لا يأتيان الناس، وإنما الناس تأتيهما. إن الإمام لا يأتي إلى الناس وإنما الناس هم الذين يأتون إليه، حاله في ذلك حال الكعبة، فالناس هم الذين يأتون إلى الكعبة وليس العكس، وهو ما دلّ عليه الحديث النبوي الشريف، روي عنه صلى الله عليه وآله -لعلي عليه السلام -: أنت بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي، فإن أتاك هؤلاء القوم فسلموها إليك -يعني الخلافة -فاقبل منهم، وإن لم يأتوك فلا تأتهم حتى يأتوك.[79]
6.نكران الناس إليهما لا يضرهما بل يضرهم. إنّ نكران بعضهم لإمامة علي بن أبي طالب عليه السلام لا يضر في إمامة علي عليه السلام شيئاً بل يضر الناكر نفسه، حاله حال من أنكر الكعبة والتوجه نحوها في الصلاة فان ذلك لا يضر الكعبة شيئاً، بل يضر بنفسه لأن صحة صلاته متوقفة على التوجه للكعبة، كما لا تصح صلاة الجماعة من دون إمام؟!
فكذا من أنكر إمامة علي عليه السلام أو أحد أبنائه الأئمة الاثني عشر، فإن المنكر للإمامة لا يضرها شيئاً بل سيضر نفسه لأنه سيموت ميتة جاهلية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية» [80]ولقول الأئمة كما روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»[81]. [82]
7.كلاهما موجبان للبركة والهداية، قال تعالى عن الكعبة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ. [83]
يقول الشيخ الطبرسي في تفسيره: «مُبٰارَكاً» يعني كثير الخير والبركة وقيل مباركا لثبوت العبادة فيه دائما حتى يحكى على أن الطواف به لا ينقطع أبدا وقيل لأنه يضاعف فيه ثواب العبادة عن ابن عباس و رووا فيه حديثا طويلا و قيل لأنه يغفر فيه الذنوب و يجوز حمله على الجميع إذ لا تنافي «وَهُدىً لِلْعٰالَمِينَ» أي دلالة لهم على الله تعالى.[84]
ومعلوم أن تولي الإمام علي عليه السلام أساس الخير والبركة، لأن اتباعه وطاعته يؤدي إلى زيادة الإيمان والتقوى ولا شكّ أنهما من الأمور الجالبة للبركة، قال الله عزّ وجلّ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [85]، وأيضا الإمام بركة لقضائه لحوائجنا عند التوسل به، وغفرانه لذنوبنا، ولشفاعته لشيعته ومحبيه.
هلمّن بنا أخواتي.. بناتي العزيزات.. لنستنجد بوليد الكعبة المبارك في مثل هذا اليوم المبارك، ولنقل بصوت واحد:
يا أَبا الحَسَنِ يا أَميرَ المُؤْمِنِينَ يا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالِبٍ يا حُجَّةَ اللهِ عَلى خَلْقِهِ يا سَيِّدَنا وَمَوْلاَنا إنَّا تَوَجَّهْنا وَاسْتَشْفَعْنا وَتَوَسَّلْنا بِكَ إِلى اللهِ، وَقَدَّمْناكَ بَيْنَ يَدَيْ حاجاتِنا، يا وَجِيهاً عِنْدَ اللهِ اِشْفَعْ لَنا عِنْدَ اللهِ.
هوسات لمولد الامام علي عليه السلام:
| علي الكرار واسمك حاضر الشدات | نعم باسمك ولينه نْواجه الصعبات | |
| وابد من هاب وشْما صعبة الكلفات | بالكلفه وْ يانه وْ تحمينه | |
| ****** | ||
| علي وبْسمك نباهي الدنيه والافلاك | يبو الحسنين بالدم احنه بايعناك | |
| نعم للموت يا بو الحمله عاهدناك | للموت نْبايع والينه | |
| ****** | ||
| يبو الحسنين بيك تْفاخر الاسلام | لان باب العلم انت وْ ابو الاَعلام | |
| ابو الاطهار والينه وْ ثلثت انعام | تْباها الكون بْاسمك وانت العالم ياكرار | |
| ****** | ||
ابوذيات بمناسبة مولد الامام علي عليه السلام [86]:
| وحَـــكَ اللي قلـــع خيبر علينـــا | فرض واجب يضل حُبه عَلينـــا | |
| أمـــر مـن خالقـــه نصه علينــا | بتنصيبه شــــهد خيـــر البريــه | |
| ******** | ||
| ألك بالكعبـه يا اباالحسن منزل | وألك رب العــرش أيات منزل | |
| وألك سبطيـن عنهــم ابد منزل | وألك صارت كفوا الزهره الزجيه | |
| ******** | ||
| وحكَ ربي الخلك سبعــــه بستـــه | يحيــدر بالحشـــر تشفـع بستــــه | |
| أريـــــد أكتبلك بهاليوم بستـــــــه | وأنشـد بالفرح صبح ومسيــــــــه | |
[1] موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ -محمد الريشهري – ج ٨ – ص ١١٩. وراجع خصائص الأئمة عليهم السلام-ص77.
[2] السيرة الاجتماعية للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) -السيد زهير الاعرجي-ص 133-138-بتصرف.
[3][3] من مصادر أهل السنّة: مستدرك الحاكم ۳: ٤۸۳ ، وتلخيص للذهبي هامش نفس الصفحة ، ونور الأبصار : ۷٦ ،والفصول المهمة لابن الصباغ : ۱۲ ، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي : ٤۰۷ ـ ٤۰٦ ، ومناقب الإمام أمير المؤمنين لابن المغازلي : ۷. وأسد الغابة ٤ : ۳۱ ، والسيرة الحلبية ۱ : ۱۳۹ ، ونزهة المجالس ۲ : ۲۰٤ ، وتذكرة الخواص : ۱۰ .
وأما من مصادر الشيعة: الأمالي للصدوق: 80، المناقب لابن شهراشوب، 1 / 360، ومصباح الزائر، والإقبال للسيد ابن طاووس، وكشف اليقين، وكشف الحق للعلامة الحلي، وكشف الغمة للأربلي : 19، و كنز الفوائد للكراجكي: 115، و عمدة الطالب لجمال الدين أحمد الداوري: 41، وإحقاق الحق للتستري، و تقويم المحسنين للفيض الكاشاني: 12، وخصائص الائمة للشريف الرضي، وأعلام الورى للطبرسي: 92، و المصباح للكفعمي : 513، وغيرها من المصادر.
[4] بحار الأنوار –العلامة المجلسي-ج35-ص36 -38.
[5] الصف/8.
[6] هو الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري الازدي «100هـ ــــ170هـ» 718م ــــ 786م» اللغوي والنحوي الشهير صاحب العروض، وصاحب أول وأقدم قاموس للغة العربية باسم كتاب العين، توفي في حكم هارون العباسي.
[7] تنقيح المقال ج1 ص403، سيرة الأئمة الاثني عشر لهاشم الحسني ج1ص145 ، الإمامة في ضوء الكتاب والسنة لمهدي السماوي ص229 ، وفي الكنى والألقاب للقمي ج2 ص349 نسبه للشافعي ، وفي المناقب للخوارزمي ص8: عن بعض الفضلاء ولم يسميه.
[8] كشف الغطاء-الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء – ج1-ص4.
[9] آل عمران/49.
[10] آل عمران/37.
[11] آل عمران/61.
[12] النمل/40.
[13] الرعد/43.
[14] شواهد التنزيل 1/ 399.
[15] روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:( يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق إلى يوم القيامة) بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٣٩ – الصفحة ٢٨٧.
[16] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.com/ الأسئلة العقائدية/ الإمام علي (عليه السلام) / نطقه (عليه السلام) عند ولادته-بتصرف.
[17] بحار الأنوار ج35 ص21 وروضة الواعظين ص83 والروضة في فضائل أمير المؤمنين لشاذان بن جبرئيل القمي ص110 وحلية الأبرار ج2 ص58.
[18] بحار الأنوار ج18 ص277 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج1 ص83 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص264.
[19] مريم/29-31.
[20] مريم/12.
[21] بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ١٨ – الصفحة ٢٧٩.
[22] الاحتجاج ج2 ص248 والفضائل لابن شاذان ص34 وبحار الأنوار ج15 ص353 وج50 ص82 والغدير ج7 ص38 وج9 ص287 عن مصادر كثيرة. نقلا عن موقع مركز الإشعاع الإسلامي/ islam4u.com/ مقالات ودراسات /وليد الكعبة-بقلم السيد جعفر مرتضى العاملي.
[23] الدخان/3.
[24] القدر/1.
[25] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل – الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – ج ١٦ -ص ١١٩-120-بتصرف.
[26] تَنحْنَحَ الرَّجُلُ: تَرَدَّدَ صَوْتُهُ فِي حَنْجَرَتِهِ.
[27] المؤمنون/2.
[28] الكهف/65.
[29] مركز الإشعاع الإسلامي/ islam4u.com/ مقالات ودراسات /وليد الكعبة-بقلم السيد جعفر مرتضى العاملي-بتصرف.
[30] فصلت/12.
[31] النحل/68.
[32] القصص/7.
[33] مريم/24-25.
[34] الشورى/2.
[35] النجم/3-4.
[36] بصائر الدرجات -محمد بن الحسن الصفار -ص٣٣٦. نقلا عن مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.com/ الأسئلة العقائدية/ علم المعصوم/ كيفية تلقي الأوامر الإلهية بالنسبة للأئمة (عليهم السلام)0بتصرف.
[37] راجع: كنز العمال ج11 ص580 وج12 ص600 وتاريخ مدينة دمشق ج44 ص91 و92 و93 و95 وصحيح البخاري ج4 ص200 ومسند أحمد ج6 ص55.
[38] بحار الأنوار ج18 ص277 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج1 ص83 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص264.
[39] مركز الإشعاع الإسلامي/ islam4u.com/ مقالات ودراسات /وليد الكعبة-بقلم السيد جعفر مرتضى العاملي.
[40] مصنّفات الشيخ المفيد (ره) / 74 / رسالة تفضيل أمير المؤمنين (عليه السلام) -مناظرات في العقائد والأحكام للشيخ عبد الله الحسن 1/267.
[41] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.com/ الأسئلة العقائدية/ الإمام علي (عليه السلام) / هل حب المخالف لعلي (عليه السلام) ينجيه يوم القيامة ؟!
[42] مناقب آل أبي طالب – ابن شهر آشوب – ج ٢ – ص ٢٩.
[43] كان خطيباً فصيحا بليغا شجاعا، قال فيه الامام علي عليه السلام: ” هذا الخطيب الشحشح”، لذا قال فيه ابن أبي الحديد المعتزلي: هذه الكلمة قالها على عليه السلام لصعصعة بن صوحان العبدي رحمه الله، وكفى صعصعة بها فخراً أن يكون مثل علي عليه السلام يُثني عليه بالمهارة و فصاحة اللسان، و كان صعصعة من أفصح الناس.
[44] الضحى/11.
[45] نوح/26.
[46] البقرة/260.
[47] القصص/33.
[48] مريم/23.
[49] نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية: 1 / 27، وأحمد الرحماني الهمداني في الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام من حبه عنوان الصحيفة: 370-371، والحاج حسين الشاكري في من سيرة الإمام علي: 130-132.
[50] الأسرار العلوية-فاضل المسعودي-ص67.
[51] كشف الغمة للأربلي: ج1، ص61ـ62؛ الجواهر السنية للحر العاملي – ص230؛ شرح إحقاق الحق للمرعشي: ج5، ص57.
[52] مريم/23.
[53] نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية ج 1 ص 27 / أحمد الرحماني الهمداني في الإمام علي ص 370-371 / التبريزي الأنصاري في اللمعة البيضاء ص 220-221 / الحاج حسين الشاكري في، من سيرة الإمام علي ص 130-132 / هاشم آل قطيط في ومن الحوار اكتشفت الحقيقة ص 111-113 / أبو القاسم في الإمام علي من المهد إلى الحد ص 549.
[54] البقرة/124.
[55] البقرة/127.
[56] عيون أخبار الرضا(ع) -الشيخ الصدوق-ج1 -ص 68.
[57] كشف الغمة: ۱۹.
[58] البقرة/124.
[59] الأسرار العلوية-فاضل المسعودي-ص68-69.
[60] إبراهيم/37.
[61] موقع إمام حسين/ imamhussain-lib.blogspot.com/ الامام علي بن ابي طالب / السيد نبيل الحسني /اهل البيت» فضائل / أوجه التشابه والتطابق بين الكعبة المشرفة وبين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ودليلهُ القرآني-بقلم السيد نبيل الحسني.
[62] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٢٧ – ص١٤٥.
[63] الإسراء/ ٨٤.
[64] مشارق أنوار اليقين -الحافظ رجب البرسي -ص ٢٣.
[65] الأسرار العلوية-فاضل المسعودي-ص74-75.
[66] كشف اليقين: ۱۹، بشارة المصطفى: ۷-۸. والارشاد: ٧٠٥/٢ الامالی: ۸۰-۸۱ وعلل الشرائع ومعاني الاخبار مثله.
[67] الأسرار العلوية-فاضل المسعودي-ص76-77.
[68] الأسرار العلوية-فاضل المسعودي-ص77-78.
[69] تاريخ دمشق: ٤٢ / ٣٥٦ / ٨٩٤٨، المناقب لابن المغازلي: ١٠٧ / ١٤٩، كفاية الطالب: ١٦١؛ المناقب لابن شهر آشوب: ٣ / ٢٠٢.
[70] وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي – ج ١٣ – ص ٢٦٣.
[71] آل عمران/97.
[72] نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع) – ج ١ – ص ١٨٩.
[73] خصائص الأئمة (عليهم السلام): ٧٣ عن أبي موسى الضرير البجلي عن أبي الحسن عن أبيه عن الإمام علي (عليهم السلام).
[74] البقرة/143.
[75] أهل البيت في الكتاب والسنة -محمد الريشهري – ص ٤٠٠.
[76] آل عمران/97.
[77] البحار –المجلسي-ج29-ص170 ــ 171.
[78] موقع إمام حسين/ imamhussain-lib.blogspot.com/ الامام علي بن ابي طالب / السيد نبيل الحسني /اهل البيت/ فضائل / أوجه التشابه والتطابق بين الكعبة المشرفة وبين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ودليلهُ القرآني-بقلم السيد نبيل الحسني.
[79] أسد الغابة: ٤ / ١٠٦ / ٣٧٨٩؛ المسترشد: ٣٨٧ / ١٣٠ كلاهما عن الصنابحي، المناقب لابن شهر آشوب: ٣ / ٢٤٢ عن سلمة بن كهيل وفيهما صدره وكلها عن الإمام علي (عليه السلام).
[80] مسند أحمد بن حنبل: ج4، ص96. مسند أبي داود: ص259.
[81] كفاية الأثر للخزاز القمي: ص296
[82] موقع إمام حسين/ imamhussain-lib.blogspot.com/ الامام علي بن ابي طالب / السيد نبيل الحسني /اهل البيت» فضائل / أوجه التشابه والتطابق بين الكعبة المشرفة وبين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ودليلهُ القرآني-بقلم السيد نبيل الحسني.
[83] آل عمران/96.
[84] مجمع البيان في تفسير القرآن -الفضل بن الحسن الطبرسي-، الجزء 2 – ص 797.
[85] الأعراف/96.
[86] للشاعر سعـد مطلوب الخفاجي
