أَوْجُهُ الشَّبَهِ بَيْنَ اللِّبَاسِ وَالْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ

لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف

أَوْجُهُ الشَّبَهِ بَيْنَ اللِّبَاسِ وَالْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ

تأليف: مياسة شبع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 [هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ][1].

إنّ كثيرًا من المشكلات الزوجية لا تبدأ من غياب المحبة، بل من سوء فهم طبيعة العلاقة بين الزوجين؛ فقد يحب أحدهما الآخر، ولكنه لا يعرف كيف يكون سكنًا له، ولا كيف يحفظه، ولا كيف يستره، ولا كيف يريحه، فتتحول الحياة شيئًا فشيئًا من مودة ورحمة إلى تعب وضيق وتراكم مشكلات.

ومن هنا تأتي أهمية هذا التشبيه القرآني العجيب في قوله تعالى:﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ[2]؛ فقد اختار الله تعالى كلمة «لباس» ليقرّب لنا حقيقة العلاقة الزوجية بصورة نعيشها كل يوم. فاللباس ليس شيئًا هامشيًا في حياة الإنسان، بل هو ستر، وراحة، وجمال، وحماية، وملاءمة، ونظافة، وصيانة، وإذا اختلّ فيه شيء من ذلك شعر الإنسان بالضيق والنفور.

وهكذا العلاقة الزوجية؛ لا يكفي فيها مجرد العقد أو السكن في بيت واحد، بل تحتاج إلى فهم عميق يجعل كلًّا من الزوجين لباسًا حقيقيًا للآخر: يوافقه ولا يخنقه، يستره ولا يفضحه، يحميه ولا يخذله، يجمّله ولا يشوّهه، يريحه ولا يثقله، ويعينه على التقوى لا على الغفلة.

ولذلك نريد في هذه المحاضرة أن نعالج جانبًا مهمًا من واقع الحياة الزوجية، وهو أن كثيرًا من الأزواج يعرفون حقوق الزواج بصورة عامة، لكنهم لا يلتفتون إلى روح العلاقة التي أرادها القرآن. ومن خلال بيان أوجه الشبه بين اللباس والعلاقة الزوجية، سنحاول أن نكشف كيف يمكن لهذا التشبيه أن يتحول إلى منهج عملي في الاختيار، والتعامل، وحفظ الأسرار، وحل الخلافات، وبناء الثقة، وتجديد المودة.

وبناءً على ذلك، سنعرض في المطالب الآتية[3] أوجه الشبه بين اللباس والعلاقة الزوجية، لنفهم كيف أراد القرآن لهذه العلاقة أن تكون مصدر سكنٍ واستقرار، لا ميدانًا للتعب والصراع.

المطلب الأول: الملاءمة (من مقاس الجسد إلى انسجام الروح)

تُعدّ الملاءمة من أبرز وأهم أوجه التشابه التي يُراد إبرازها في هذا التشبيه القرآني العميق؛ إذ تقوم عليها حقيقة الراحة والاستقرار في كلا الموردين. حينما يتأمل الإنسان في معنى اللباس، يجد أن أول ما يلفت النظر فيه هو الملاءمة؛ فاللباس – مهما بلغ من جمال أو قيمة – إذا لم يكن مناسبًا لحجم الجسد، أو لطبيعته، أو لحركته، فإنه يفقد وظيفته، بل يتحول من نعمة إلى عبء يورث الضيق والتعب. فالثوب الضيق يقيّد الحركة، والواسع المفرط يعيق السير، وغير المناسب للجو يؤذي البدن، وهكذا تتجلى أهمية الملاءمة في أبسط تفاصيل الحياة.

ومن هذا المعنى الحسي الواضح، ينقلنا القرآن الكريم إلى معنى أعمق في الحياة الزوجية، حين عبّر بقوله تعالى:﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ[4]، ليبيّن أن العلاقة بين الزوجين لا تقوم على مجرد الارتباط الشكلي، بل على انسجامٍ حقيقي يحقق السكن والراحة. فكما أن الجسد لا يستقيم حاله إلا بلباسٍ ملائم، كذلك الحياة الزوجية لا تستقر إلا بوجود توافقٍ حقيقي بين الزوجين، وإلا تحولت من سكنٍ ورحمة إلى ضيقٍ ومشقة.

ولهذا أكدت النصوص الشرعية على هذا المعنى تأكيدًا واضحًا، فشدّدت على ضرورة تحقق الملاءمة في أهم جوانب الحياة، وفي مقدمتها الجانب الديني والأخلاقي؛ لأنهما الأساس الذي تُبنى عليه سكينة الأسرة واستقرارها. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته يخطب إليكم فزوّجوه»[5]. كما أوصى الإمام جعفر الصادق الرجل بقوله: «انظر أين تضع نفسك، ومن تشركه في مالك، وتطلعه على دينك وسرك وأمانتك…»[6].

ومن هنا يتضح أن الملاءمة ليست أمرًا شكليًا، بل هي حقيقة عميقة تتعلق بجوانب متعددة من حياة الزوجين، نذكر أهم جانبين منها:

أولًا: الملاءمة في الجانب الديني

إنّ أعظم ما تقوم عليه الحياة الزوجية هو وحدة الدين؛ لأن الدين ليس جانبًا محدودًا في حياة الإنسان، بل هو الأساس الذي يوجّه فكره وسلوكه، ويحدّد طريقه في الدنيا والآخرة. فإذا اتفق الزوجان في هذا الأصل، سهلت بقية الأمور، وإذا اختلفا فيه، بدأت المشكلات من جذورها.

فالزواج ليس مجرد ارتباط بين شخصين، بل هو شراكة طويلة في بناء الحياة وتربية الأبناء، وتحديد المنهج الذي تسير عليه الأسرة. ومن هنا، فإنّ الاتفاق في الدين ليس أمرًا ثانويًا، بل هو حجر الأساس في هذه الشراكة.

ولهذا شدّدت الشريعة على هذا الجانب، وبيّنت أحكامه بوضوح حمايةً للأسرة من التنافر. فقد جاء في منهاج الصالحين لسماحة السيد علي السيستاني (دام ظلّه):

“لا يجوز للمسلمة أن تتزوّج الكافر دواماً أو متعة…. وكذا لا يجوز للمسلم أن يتزوّج غير الكتابيّة من أصناف الكفّار ولا المرتدّة ..، وأمّا النصرانيّة واليهوديّة فيجوز التزوّج بها متعة، والأحوط لزوماً ترك نكاحها دواماً”[7].

والشريعة وإن أجازت التزوّج بالكتابية في الزواج المنقطع من حيث الأصل، إلا أنّ ذلك ليس على إطلاقه؛ فقد نصّ سماحة السيد علي السيستاني على أنه لا يجوز التزوّج بها على المسلمة ولو انقطاعًا من دون إذنها. وأمّا مع إذنها، ففيه إشكال، والأحوط لزومًا تركه[8].

وهذا النهي لم يأتِ عبثًا، بل لآثار واقعية تمسّ حياة الإنسان ودينه، فقد بيّنت الروايات جانبًا من ذلك، ومنها ما رواه معاوية بن وهب أنه سأل الصادق عليه السلام عن الرجل المؤمن يتزوج النصرانية واليهودية، فقال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية؟ قلت: يكون له فيها الهوى، قال: إذا فعل فليمنعها من شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، واعلم أنّ عليه في دينه غضاضة”[9].

ورُوي عن أبي عبد الله قال: «.. وما اُحبّ للرجل المسلم أن يتزوّج اليهوديّة ولا النصرانيّة مخافة أن يتهوّد ولده أو يتنصّر»[10].

فهذه الروايات تنهى عن الزواج بالكافرة – حتى وإن كانت كتابية – لأنها لا تلتزم بأحكام الشريعة، فتقع في المحرمات كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، فيجد الزوج نفسه في جوّ يخالف دينه ويؤذيه، ومع الوقت قد يضطر للتساهل أو يضعف التزامه تدريجيًا.

ولا يقف الخطر عند الزوج، بل يمتد إلى الأبناء؛ لأنها تنقل إليهم أفكارها وسلوكها، فينشؤون على تقليدها، فيُخشى ضعف التزامهم أو انحرافهم عن الدين، كما نبهت الروايات إلى تأثير ذلك وخطر تنصّر أو تهوّد الأولاد.

ولأجل ذلك، أكدت الشريعة على حُسن اختيار الشريك، ولم تكتفِ بمجرد كونه مسلمًا أو مسلمة، بل حثّت على أن يكون متديّنًا مستقيمًا؛ لأن الانتماء الشكلي لا يكفي، إذ قد يضعف الالتزام، أو ينحرف السلوك، أو يقصر الارتباط بمنهج أهل البيت عليهم السلام.

لذا نصح رسول الله صلى الله عليه وآله المرأة وأولياءها بقوله: «إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوّجوه»[11]. كما وجّه الرجال إلى نفس المعيار بقوله صلى الله عليه وآله: “.. فعليكم بذاتِ الدين”[12]. فالدين هو الأساس الذي تُبنى عليه المودة والاستقرار، وبدونه تضطرب الحياة مهما توفرت بقية الصفات. وهذه النصوص تدل على أن الدين هو المعيار الأول في الاختيار، لأنه يحدد شكل الحياة بعد الزواج.

أمثلة واقعية:

@ شاب ملتزم تزوّج امرأة لا تهتم بالحجاب ولا تلتزم ببعض الأحكام، فكان يشعر بالحزن لما يراه منها، ويحاول نصحها باستمرار، لكنها لم تتقبل ذلك، فتحوّلت النصيحة إلى خلافات متكررة. ومع مرور الوقت، لم تبقَ المشكلة في هذا الجانب فقط، بل امتدت إلى طريقة العيش والعلاقات وتربية الأبناء، حتى شعر أنه يعيش بمنهج مختلف عن زوجته، فتولّد لديه إحساس داخلي بالغربة.

@ فتاة ملتزمة تزوّجت شابًا غير مهتم بالدين، فاكتشفت بعد الزواج أنها تعيش صراعًا دائمًا مع سلوكياته؛ تتألم من تقصيره في الصلاة، ومن تساهله في المحرمات، وتحاول إصلاحه، لكنها لا تجد استجابة، فازدادت الضغوط النفسية عليها، وشعرت بعدم الاستقرار رغم استمرار الحياة.

@ في المقابل، شاب وفتاة متقاربان في التزامهما الديني، فانعكس ذلك على حياتهما؛ اتفقا على الصلاة، وعلى تربية الأبناء، وعلى القيم التي يسيران عليها، فكان بينهما انسجام واضح، وشعور بالراحة، ووحدة في الهدف، مما ساعدهما على تجاوز الصعوبات بهدوء وثبات.

النصيحة:

إنّ الملاءمة في الجانب الديني هي الأساس الذي تُبنى عليه سكينة الحياة الزوجية، ولذلك ينبغي أن يكون الدين هو المعيار الأول عند الاختيار، لا مجرد الانتماء الشكلي. ويتحقق ذلك بعدم التهاون في هذا الجانب، والحرص على وضوح القيم الأساسية قبل الزواج من خلال الحوار الصريح، ومعالجة أي تفاوتٍ محتمل بالحكمة والتدرّج لا بالصدام. فالتوافق الديني يجنّب كثيرًا من الخلافات، ويؤسس لحياة مستقرة، بينما إهماله يفتح بابًا لمشكلات كان يمكن تجنّبها من البداية.

ثانيًا: الملاءمة في الصفات الشخصية والأخلاقية

الجانب الثاني من الملاءمة هو التوافق في الصفات الشخصية والأخلاق، وهو من أهم ما يؤثر في استقرار الحياة الزوجية؛ لأن الحياة اليومية تقوم عليه أكثر من أي شيء آخر.

والمقصود به التوافق في الطباع والسلوكيات، كالحلم وضبط الغضب، واللين في التعامل، والاعتدال في الإنفاق، والقدرة على الحوار. فهذه الصفات هي التي تصنع جوّ البيت، إما هدوءًا وراحة، أو توترًا وضيقًا.

ولقد أكدت الشريعة ذلك، فقد نصح الرسول صلى الله عليه وآله المرأة وأولياءها قائلًا: “إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه، إلّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”[13]، وورد عن الإمام الحسن عليه السلام أنّه قال لمن استشاره في تزويج ابنته: “زوّجها من رجل تقيّ، فإن أحبّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها”[14].

أمّا إذا كان الرجل يتّصف بصفات قبيحة كالغضب الشديد، أو البخل، أو القسوة والعنف، أو التهرّب من المسؤولية، فإن ذلك يُدخل الحياة في دائرة من الاحتكاك المستمر؛ إذ يتحوّل أبسط موقف إلى مشكلة، ويتضخّم أدنى اختلاف. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: “ألا أخبركم بشرار رجالكم؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: إن من شرار رجالكم البهّات الجريء الفحّاش، الآكل وحده، والمانع رفده، والضارب عبده، والملجئ عياله إلى غيره”[15].

وكذلك الحال بالنسبة إلى المرأة، فينبغي اجتناب الارتباط بامرأة سيئة الخلق، تتّصف بالغضب والعناد وعدم العفة، لما لذلك من أثر في اضطراب الحياة. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في وصف بعضهن: “ألا أخبركم بشرار نسائكم؟ الذليلة في أهلها، العزيزة مع بعلها، العقيم الحقود، التي لا تتورّع من قبيح، المتبرّجة إذا غاب بعلها، الحصان معه إذا حضر، لا تسمع قوله، ولا تطيع أمره، وإذا خلا بها بعلها تمنّعت منه كما تمنّع الصعبة عند ركوبها، ولا تقبل منه عذرًا، ولا تغفر له ذنبًا”[16].

ومن الواقع، يظهر أثر ذلك بوضوح؛ فاختلاف الطباع يورث التوتر وسوء الفهم، بينما التقارب فيها يحقق الراحة وسهولة التفاهم.

أمثلة واقعية:

@ فتاة تزوّجت شابًا سريع الغضب، فاكتشفت أن أبسط خلاف يتحول إلى شجار، مما أدخل حياتها في توتر دائم.

@ شاب تزوّج امرأة سيئة الخلق، كثيرة العناد وسوء الكلام، ففقد راحته في بيته، وكثرت المشاحنات بينهما.

@ في المقابل، زوجان متقاربان في أخلاقهما، يتحلّيان بالحلم وحسن التعامل، فانعكس ذلك في هدوء حياتهما وسهولة تفاهمهما.

النصيحة:

إنّ الملاءمة في الصفات الأخلاقية ليست أمرًا ثانويًا، بل هي أساس في راحة الحياة اليومية؛ لأن الإنسان يعيش مع الطباع لا مع المظاهر. لذلك ينبغي التأكد من أخلاق الشريك وسلوكه قبل الارتباط، لأن التوافق في هذا الجانب يحقق الاستقرار، بينما إهماله يؤدي إلى كثرة الخلاف والتعب النفسي.

المطلب الثاني: الرغبة (من محبة اللباس إلى انجذاب القلوب)

من أوجه الشبه الدقيقة بين اللباس والعلاقة الزوجية (الرغبة)، بمعنى أنّ الإنسان قد يجد لباسًا مناسبًا في مقاسه وجودته، لكن قلبه لا يميل إليه، فلا يشعر بالراحة عند ارتدائه، وقد ينفر منه رغم كونه ملائمًا في الظاهر. وفي المقابل، قد ينجذب إلى لباس آخر لمجرد إعجاب نفسي، لا لكونه الأنسب له فعلًا. وهنا يظهر دور الرغبة، فهي عنصر مهم، لكنها ليست المعيار الوحيد.

وهكذا في الحياة الزوجية، فإنّ ميل القلب والرغبة النفسية أمر فطري لا يمكن إلغاؤه، بل أقرّه أهل البيت عليهم السلام، فقد سُئل الإمام الصادق عليه السلام عن رجل يريد الزواج من امرأة، وأبواه يريدان غيرها، فقال: «تزوّج التي هويت، ودع التي يهوى أبواك»[17].

فهذه الرواية تشير إلى أنّ للرغبة مكانًا معتبرًا في الاختيار، لأن الزواج بلا ميل نفسي قد يتحول إلى علاقة جافة خالية من الأنس. فالإنسان يحتاج أن يشعر بالقبول والارتياح تجاه شريك حياته، كما يحتاج أن يرتاح في لباسه.

ولكن، مع ذلك، لم تجعل الشريعة الرغبة وحدها أساسًا للاختيار، لأن الرغبة إذا انفصلت عن العقل قد تتحول إلى خداع خطير. فالإنسان قد ينجذب إلى مظهر جميل، أو أسلوب كلام مؤثر، أو صورة يتخيل فيها الكمال، فيغفل عن العيوب الحقيقية، ويتجاوز عن الصفات التي سيكون لها أثر مباشر في حياته بعد الزواج.

وقد نبّه أمير المؤمنين عليه السلام إلى خطورة هذا الانجذاب غير المنضبط بقوله: «مَن عَشِقَ شيئًا أَعشى بصرَه[18]، وأمرَض قلبَه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة …»[19].

فهذه الكلمة العميقة تكشف حقيقة دقيقة؛ فالعشق إذا سيطر على الإنسان أفسد رؤيته، فلا يرى الأمور كما هي، بل كما يريدها هو، ويصبح حكمه مختلًا، فيبرر الأخطاء، ويغفل عن العيوب، ويُحسن الظن في غير موضعه.

ولهذا، فإنّ من يختار تحت تأثير العاطفة وحدها قد يعيش وهم الكمال في بداية الأمر، لكن مع مرور الوقت، وبعد زوال الانبهار الأول، تبدأ الحقيقة بالظهور شيئًا فشيئًا، فيكتشف أنّ ما كان يراه جمالًا مطلقًا لم يكن إلا صورة ناقصة أخفاها الحب، فيشعر حينها أنه لم يختر على أساس واقع، بل على أساس انطباع مؤقت.

ومن هنا، فإنّ الرغبة مطلوبة لكنها تحتاج إلى عقل يضبطها، حتى لا تتحول من نعمة تعين على الاستقرار، إلى سببٍ للندم والمعاناة.

أمثلة واقعية:

@ شاب أعجب بمظهر فتاة وأناقتها، فتغاضى عن طباعها الحادة، وبعد الزواج اكتشف أن الغضب المستمر يحوّل حياته إلى توتر دائم.

@ فتاة تعلّقت بشاب بسبب أسلوبه اللطيف وكلامه الجميل، ثم تبيّن لها بعد الزواج أنه غير مسؤول ولا يُعتمد عليه في إدارة الحياة.

@ في المقابل، شاب شعر بارتياح مع فتاة بعد التعرف عليها بوعي، فجمع بين القبول النفسي والتأكد من أخلاقها، فكانت حياته أكثر استقرارًا.

النصيحة:

 أن لا يُهمل الإنسان شعوره، لكنه في الوقت نفسه لا يسلّم له بالكامل، بل يعرضه على العقل، ويسأل ويتثبت، ويبحث عن الحقيقة خلف المظاهر. وأن يمنح نفسه وقتًا كافيًا قبل اتخاذ القرار، حتى لا يكون اختياره نتيجة اندفاع مؤقت.

فكما أن اللباس يُختار لا لمجرد الإعجاب به، بل لمدى ملاءمته الحقيقية، كذلك شريك الحياة لا يُختار بالعاطفة وحدها، بل بعاطفةٍ واعيةٍ يقودها عقلٌ بصير.

المطلب الثالث: الجودة (بين جمال الظاهر وأصل المنشأ)

من يختار لباسًا لا يكتفي بالنظر إلى شكله أو لونه، بل يلتفت إلى (جودته ونوعه)؛ لأن اللباس قد يكون جميلًا في الظاهر، لكن مادته رديئة، فلا يلبث أن يتمزق أو يتلف بسرعة، فيتحول من زينة إلى عبء. ولهذا يسأل العاقل: من أي قماش صُنع؟ وكيف نُسج؟ وما مصدره؟ لأن الجودة الحقيقية لا تظهر من النظرة الأولى، بل تكشفها التجربة مع الزمن.

وهكذا تمامًا في الحياة الزوجية، فإن الإنسان قد يُعجب بالمظهر، أو بطريقة الكلام، أو بحضورٍ جذاب، لكن هذه أمور ظاهرة لا تكشف حقيقة النفس. أما الجوهر الحقيقي، فيرتبط بالمنشأ والتربية والبيئة التي نشأ فيها الإنسان، لأنها هي التي تصنع أخلاقه وسلوكياته، وتظهر بوضوح بعد الزواج، حين تسقط التكلفات وتظهر الطباع على حقيقتها.

ولهذا حذّر رسول الله صلى الله عليه وآله من الانخداع بالمظهر إذا كان الأصل فاسدًا، فقال: «أيها الناس إياكم وخضراء الدمن»، فقيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن؟ فأجاب صلى الله عليه وآله: «الفتاة الحسناء في منبت السوء»[20]. وخضراء الدمن في اللغة تعني الوردة التي تنبت في مكان قذر كمكبّ النفايات.
وهذا التعبير بليغ جدًا، فكما أن الزهرة قد تنبت في مكان قذر، فتبدو جميلة في شكلها، لكن أصلها فاسد، كذلك بعض الأشخاص قد يملكون مظهرًا جذابًا، لكنهم نشأوا في بيئة سيئة، فتنكشف آثار تلك التربية بعد الزواج في أخلاقهم وسلوكهم.

أمثلة واقعية:

@ شاب تزوّج فتاة أُعجب بجمالها وأسلوبها، لكنه بعد الزواج اكتشف أنها نشأت في بيئة تفتقد للالتزام والحدود الأخلاقية، فانعكس ذلك على سلوكها حتى وصلت إلى الخيانة في الخفاء، مما سبّب له صدمة عميقة واضطرابًا في حياته الزوجية.

@ فتاة تزوّجت شابًا أنيقًا لبقًا في كلامه، ثم اكتشفت بعد الزواج أنه غضوب، يسبّ ويشتم عند أدنى خلاف، ولما تحرّت عن الأمر تبيّن أنه عاش في بيئة يغلب عليها الغضب وسوء الألفاظ، فانعكس ذلك على سلوكه، مما أدخل حياتها في توترٍ دائم.

@ في المقابل، شاب وفتاة نشآ في بيئة صالحة، فانعكس ذلك في أخلاقهما، فكان بينهما احترام، وتحمل، ووعي في التعامل، فاستقرت حياتهما رغم وجود بعض الصعوبات.

النصيحة:

 أن لا يكتفي الإنسان بالمظاهر عند الاختيار، بل يسأل عن البيئة والتربية، ويراقب السلوك الحقيقي في المواقف المختلفة، لأن هذه هي التي تكشف الجوهر.
وإذا وُجدت بعض النقائص، فالعلاج يكون بالتدرج والتربية المشتركة بعد الزواج، مع الصبر والحكمة، لأن بعض الطباع يمكن تهذيبها إذا وُجدت الإرادة.

فكما أن اللباس الجيد يُعرف من مادته لا من شكله فقط، كذلك شريك الحياة يُعرف من أصله وتربيته، لا من مظهره وحده، لأن ما يُخفيه الشكل اليوم، تكشفه الحياة غدًا.

المطلب الرابع: الجمال (بين زينة الظاهر وحكمة الاختيار)

من الصفات التي يلتفت إليها الإنسان عند اختيار اللباس (جماله)؛ فاللباس لا يُلبس للستر فقط، بل للتجمّل أيضًا، لأن النفس تميل إلى الحسن، وتأنس به. ولهذا ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في دعائه: «الحمد لله الذي كساني من اللباس ما أتجمّل به في الناس…»[21].
فالجمال في اللباس مطلوب، لأنه يبعث على الارتياح، ويعطي الإنسان ثقة بنفسه، ويُظهره بمظهر حسن، ولذا حثّت الشريعة على تجمّل كلٍّ من الزوجين للآخر، لأن الإهمال في هذا الجانب يولّد النفور، بينما العناية به تعزز القبول والمحبة. وقد أشارت النصوص إلى هذا المعنى، حيث جعلت من صفات الزوجة الناجحة أنها تُسرّ زوجها إذا نظر إليها، كما في قول النبي صلى الله عليه وآله: «…إذا نظر إليها سرّته…»[22] ، لذا ينبغي للزوجة الاهتمام بشكلها وزينتها أمام زوجها كما أشار لذلك رسول الله صلى الله عليه وآله حينما قال: “عليها أن تطيب بأطيب طيبها وتلبس أحسن ثيابها وتزين بأحسن زينتها وتعرض نفسها عليه غدوة وعشية “[23].

وهذا لا يختص بالزوجة فقط، بل الزوج أيضًا مأمور أن يكون حسن المظهر لزوجته، لأن العلاقة قائمة على التبادل، لا على طرف واحد.

 لكن الشريعة تنبّه العاقل عند اختيار شريك الحياة أن لا يجعل الجمال هو المعيار الوحيد، بل ينظر معه إلى الجودة والملاءمة، لأن الجمال وحده لا يكفي إذا كان اللباس غير مريح أو سريع التلف.

وهكذا الحال في الحياة الزوجية، فإنّ الجمال في الزوجة – وكذلك في الزوج – أمر فطري مطلوب، وقد أقرّته الشريعة، لأن الإنسان بطبعه يميل إلى الحسن، ويحتاج إلى القبول النفسي في شريك حياته. فقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: “تنكح المرأة لميسمها”[24]، أي جمالها ووسامتها.

وقال أيضًا صلى الله عليه وآله: «إذا أراد أحدكم أن يتزوج فليسأل عن شعرها، كما سأل عن وجهها؛ فإن الشعر أحد الجمالين»[25].

إلا أنّ الشريعة لم تجعل الجمال هو الأساس، بل حذّرت من تقديمه على الدين والأخلاق، لأن الجمال أمر ظاهري، قد يزول أو يتغير، بينما الأخلاق هي التي تبقى وتُعاش كل يوم. ولهذا إذا أراد المسلم أن يتزوج ولم يجد امرأة تجمع بين معيار الجمال وبين معيار الدين والخلق، فهنا ليقدّم معيار الدين والخلق على الجمال والمال؛ لأنها نصيحة رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قال: “من تزوج امرأةً لا يتزوَّجُها إلا لجمالها لم ير فيها ما يُحِبُّ ..”[26]. أي من يختار الزوجة لأجل جمالها فقط قد يُفاجأ بصفات لا تعجبه، أما من يختار على أساس الدين، فإنه يضع أساسًا صحيحًا لحياة مستقرة مليئة بالطمأنينة.

نعم، إنّ الجمال يجذب في البداية، لكن الزينة هي التي تحفظ العلاقة وتُجدّدها. ومن هنا يتكامل معنى الجمال مع الزينة. علمًا أنّ الزينة لا تقتصر على الشكل، بل تشمل حسن المظهر، ولطف التعامل، والكلمة الطيبة، والجو النفسي الذي يعيشه كل واحد مع الآخر. فقد يكون الشكل جميلًا، لكن الأسلوب قاسٍ، فيفقد الجمال أثره، بينما حسن الخلق قد يجعل الإنسان يرى شريكه أجمل مما هو عليه.

فالإنسان يأنس بمن يُشعره بالراحة، وينفر ممن يثقل عليه، ولذلك فإن الزينة الحقيقية في الحياة الزوجية هي أن يكون حضورك مريحًا، لا مصدر ضغط أو توتر.

أمثلة واقعية:

@ شاب تزوج امرأة لجمالها فقط، ثم اكتشف سوء أخلاقها، فتحولت حياته إلى نزاع دائم، فلم ينفعه جمالها في تحقيق الاستقرار.

@ فتاة تزوجت رجلًا وسيمًا، لكنها عانت من قسوته وسوء تعامله، ففقدت الشعور بالراحة رغم إعجابها به في البداية.

@ في المقابل، زوجان جمعا بين القبول في الشكل وحسن الخلق، فكان الجمال عامل راحة، والأخلاق عامل استقرار، فاستقرت حياتهما.

النصيحة:

أن يُراعى عنصر الجمال دون مبالغة، فلا يُقدَّم على الدين والأخلاق، بل يُجعل تابعًا لهما. كما ينبغي أن يحرص كلٌّ من الزوجين على التزيّن للآخر ظاهرًا وباطنًا، بحسن المظهر ولطف الأسلوب، لأن الجمال يجذب، لكن الزينة في التعامل هي التي تُبقي العلاقة حيّة.

فكما أن اللباس الجميل مطلوب، لكنه لا يُختار على حساب راحته وجودته، كذلك شريك الحياة يُنظر إلى جماله، لكن لا يُبنى الاختيار عليه وحده، لأن ما يُبهج العين لحظة قد لا يُسعد القلب عمرًا، وما يُحسن المعاشرة هو جمال الروح قبل جمال الصورة.

المطلب الخامس: الستر (من ستر الجسد إلى ستر الحياة)

من أهم وظائف اللباس أنه يستر الإنسان، فيخفي عيوبه، ويحفظ كرامته، ويمنعه من الانكشاف أمام الناس، ولهذا قال الله تعالى:﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ[27]. فاللباس ليس زينة فقط، بل هو حماية وصيانة، يغطّي ما لا يُحب الإنسان ظهوره، ويمنحه شعورًا بالأمان والاحترام.

وهذا المعنى نفسه أراد الله تعالى أن ينقله إلى الحياة الزوجية حين قال:﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ[28].

أي كما أن اللباس يستر الجسد ويحفظه، كذلك ينبغي أن تقوم العلاقة بين الزوجين على الستر المتبادل؛ فيكون كلٌّ منهما ساترًا لصاحبه، لا يفضحه، ولا يكشف عيوبه، بل يحفظ كرامته، ويصون أسراره، ويصونه في حضوره وغيابه.

وقد أشار الله تعالى أيضًا إلى هذا المعنى في مضمون قوله تعالى: [فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ][29]. المقصود بـ «حافظات للغيب» أي أن المرأة الصالحة تحفظ نفسها في غياب زوجها، وتصون عفّتها، وتحفظ ماله وحقوقه، كما تحفظ أسرار حياتهما، فيتحقق بذلك الستر الذي تقوم عليه سكينة العلاقة واستقرارها.

ومن هنا تتأكد خطورة هتك الستر ككشف أسرار الحياة الزوجية، فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “إنَّ من شرِّ الناسِ منزِلةً عندَ اللهِ يومَ القيامةِ، الرجلُ يُفضِي إلى امرأتِه وتُفضِي إليِهِ، ثُم يَنشرُ سِرَّهَا”[30].

وهناك من لا يكتفي بعدم الستر، بل يتعمد تتبّع عيوب الآخر والبحث عن زلّاته، ليحتفظ بها في نفسه، ثم يُخرجها عند الخلاف أو الحاجة، فيفضحه ويكسر كرامته أمام الناس، وهذا من أخطر ما يهدد العلاقة ويهدمها من الداخل.

وقد حذّر الإمام الباقر عليه السلام من هذه الصفة بشدة، فقال: ” إنّ أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرجل على الدين فيحصي عليه عثراته وزلّاته ليعنّفه بها يوماً ما”[31].  فهذا السلوك لا يدل على محبة ولا على أمانة، بل يكشف عن خلل عميق في النفس، لأن العلاقة القائمة على التربص والفضح لا يمكن أن تستمر، بل تتحول إلى ساحة خوف وانعدام ثقة.

وهذا يدل على أن كشف أسرار الحياة الزوجية ليس أمرًا بسيطًا، بل هو خيانة للأمانة التي جعلها الله بين الزوجين.

ومن هنا، فإنّ الستر في الحياة الزوجية يشمل أمورًا عديدة: ستر العيوب، وستر الخلافات، وستر الأسرار، وعدم إخراجها إلى الناس، لأن إخراجها يفتح باب التدخلات، ويُضعف العلاقة، ويُفقد الثقة بين الزوجين، ويؤدي إلى تضخّم المشكلات، وتحوّلها إلى أزمات كبيرة، وقد يصل الأمر إلى انهيار العلاقة.

أمثلة واقعية:

@ زوجان يقع بينهما خلاف بسيط، فتقوم الزوجة بنقله إلى صديقاتها، فيُضخّم ويُفسّر بشكل خاطئ، فتزداد المشكلة بدل أن تنتهي.

@ زوج ينقل تفاصيل بيته إلى أهله، فتتدخل العائلة، وتتحول المشكلة الصغيرة إلى نزاع كبير بين الطرفين.

@ في المقابل، زوجان يحافظان على أسرار حياتهما، فيناقشان مشكلاتهما بهدوء، فلا تتفاقم، وتُحل بسرعة دون تدخل أحد.

النصيحة:

ينبغي للزوجين أن يُقيما بينهما منذ بداية الحياة الزوجية ميثاقًا واضحًا، قوامه أن ما يجري داخل البيت يبقى في حدوده، فلا يُنشر ولا يُذاع. كما يُستحسن أن يُعالجا ما يطرأ من خلاف بالحوار الهادئ في وقتٍ قصير، كأن لا يتجاوز أربعًا وعشرين ساعة، دون إطالة تؤدي إلى تراكم المشكلات، فإن احتاجا إلى تدخل، فليكن من شخص حكيم عاقل، بعيد عن التأثر بالعاطفة.

فكما أن الإنسان لا يرضى بانكشاف جسده أمام الناس، كذلك لا ينبغي أن يُكشف ستر حياته الزوجية؛ لأن الستر هو الذي يحفظ كرامة العلاقة، ويصونها من التصدّع والانهيار.

المطلب السادس: الحماية (من وقاية الجسد إلى حماية العلاقة)

من أهم وظائف اللباس أنه يحمي الإنسان من الأخطار، فالإنسان لا يلبس في الشتاء كما يلبس في الصيف، ولا يدخل المعركة بلباس عادي، بل يختار ما يقيه من السهام والضربات، ولا يعمل في البيئات الخطرة إلا بلباس يحفظه من الضرر. فاللباس هنا ليس مجرد ستر أو زينة، بل درع واقٍ يحفظ الإنسان مما يؤذيه. ولهذا أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قصة نبي الله داود عليه السلام، فقال:
﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ[32]. أي إن هذا اللباس صُنع ليكون وسيلة حماية، يقي الإنسان من الخطر ويحفظه من الأذى.

ومن هنا نفهم عمق التشبيه القرآني في قوله تعالى:﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ[33]. فكما أن اللباس يحمي الجسد، ينبغي أن يكون كل من الزوجين حماية للآخر، لا مصدر خطر عليه، ولا سببًا في كشفه أو إضعافه، بل يكون حصنًا له من أذى الخارج، وسندًا له في مواجهة الناس.

فالزوجة ليست مجرد شريكة حياة، بل هي مأمن لزوجها، تحفظ سمعته، وتدافع عنه، وتصون كرامته، وكذلك الزوج، ليس مجرد معيل، بل هو حامٍ لزوجته، يدفع عنها الأذى، ويقف معها أمام كل ما يهددها نفسيًا أو اجتماعيًا.

ومن الناحية العقلية، فإن الإنسان مفطور على الدفاع عن نفسه، فهو إذا تعرّض لخطر جسدي حاول حماية أعضائه الحساسة تلقائيًا، وإذا هوجم بالكلام سارع إلى الرد والدفاع، فكيف إذا كان الأمر متعلقًا بأقرب إنسان إليه؟ إن ترك الدفاع هنا خلل في الفطرة، لا مجرد تقصير عابر.

ولهذا ينبغي أن يتحول الزوجان إلى درعين متقابلين، كل واحد يحمي الآخر كما يحمي نفسه، لا أن يكون أحدهما منفذًا للطعن في الآخر أو طريقًا لإيذائه.

أمثلة واقعية:

@ امرأة تسمع من إحدى قريباتها كلامًا سيئًا عن زوجها، فتسارع إلى تصديقه ونقله، فتُضعف صورته في قلبها، بينما الصحيح أن تدافع عنه، وتغلق باب التدخل، ثم تناقش الأمر معه بهدوء إن احتاجت.

@ رجل يُنقل إليه أن زوجته قالت عنه كلامًا سيئًا، فيغضب ويُشهّر بها، بينما الأجدر أن يكون حاميًا لها، فيرفض نقل الكلام، ويحفظ كرامتها، ثم يعالج الأمر معها بعيدًا عن الآخرين.

@ زوجان يتعرضان لضغوط من العائلة أو المجتمع، فيقف كل منهما مع الآخر، لا ضده، فيتجاوزان الأزمة معًا، لأنهما تحوّلا إلى جبهة واحدة في مواجهة الخارج.

النصيحة:

ينبغي للزوجين أن يُقِيما منذ بداية حياتهما مبدأً واضحًا، وهو أنهما فريقٌ واحد، لا يُسمح لأحد أن يتسلل بينهما. فيحرص كلٌّ منهما على إغلاق باب نقل الكلام، فلا يُصغي لما يُسيء إلى الآخر من خارج البيت، بل يُعالجان ما يطرأ بينهما بالحوار المباشر، بعيدًا عن تدخل الآخرين.

ولتوضيح ذلك:

@ قد تُخبَر الزوجة بأن زوجها شوهد في موقفٍ مريب، فتتأثر بدايةً، لكنها لا تُسارع إلى التصديق، ولا تسمح بتضخيم الأمر، بل تحتفظ به في حدودها، ثم تطرحه عليه بهدوء قائم على حسن الظن، دون أن تفتح باب التدخل الخارجي.

@ وقد يُنقل إلى الزوج كلامٌ يُسيء إلى زوجته، فينزعج، لكنه لا يُظهر ذلك أمام الناس، ولا يُشهّر بها، بل يصون كرامتها، ويحتفظ بالأمر لنفسه، ثم يناقشه معها مباشرة، بعيدًا عن الانفعال وسوء الظن.

وهذا يبيّن أن تكليف الإنسان عند سماع ما يُسيء إلى غيره هو أن لا يُصدّق ولا يُشيع، بل يحفظ كرامة أخيه، ويغلق باب الفتنة، ويعالج الأمر في إطاره الصحيح إن احتاج إلى ذلك.

وقد ورد هذا المعنى بوضوح حينما سأل محمّد بن الفضیل الإمام الكاظم عليه السلام قائلاً: “جعلت فداك، الرجل من إخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكره له، فأسأله عنه فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قوم ثقات، فقال: يا محمّد، كذّب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولاً فصدّقه وكذّبهم، ولا تذيعنّ عليه شيئاً تشينه به وتهدم به مروّته … “[34].

المطلب السابع: الصيانة (من حفظ اللباس إلى حفظ العلاقة)

من يتأمل في معنى اللباس لا يقف عند كونه ساترًا أو جميلًا أو واقيًا فحسب، بل يلاحظ أن من أهم آدابه أن يُصان ويُحفظ، فلا يُرمى عند أول خلل، ولا يُستغنى عنه عند أول عيب. فالإنسان العاقل إذا تمزق ثوبه أو فسد جزء منه، لا يسارع إلى إلقائه، بل يُبادر إلى إصلاحه وترقيعه، لأنه يدرك أن بقاءه أصلح من التفريط به. ولهذا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «من رقع جيبه… فقد برئ من الكِبر»[35].

فهذا السلوك يكشف عن عقلية المحافظة، لا عقلية الاستهلاك، وعن روح الصيانة لا روح التخلّي.

وهذا المعنى العميق أراد القرآن أن ينقله إلى الحياة الزوجية من خلال تشبيه الزوجين باللباس، فالعلاقة الزوجية ليست شيئًا يُستبدل عند أول خلل، بل هي بناء يحتاج إلى صيانة دائمة، وحفظ مستمر، وعناية واعية.

وهذا يفتح أمامنا باب التأمل في كيفية صيانة هذه العلاقة وحمايتها من الخلل، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: صيانة النفس لتعزيز الثقة
كما أن الإنسان يحافظ على لباسه من الأوساخ والتلف، ينبغي لكل من الزوجين أن يصون نفسه بما يعزز ثقة الآخر به، فلا يضع نفسه في مواضع الشبهة، ولا يتساهل في سلوك قد يجرح الثقة. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «لا غنى بالزوجة فيما بينها وبين زوجها عن… صيانة نفسها من كل دنس حتى يطمئن قلبه إلى الثقة بها في حال المحبوب والمكروه»[36]، وعن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «خير نسائكم… الحصان على غيره [أي غير الزوج]»[37]. أي التي تحفظ نفسها عن غير زوجها

وهذا المعنى يشمل الزوج أيضًا، فكما تحرص الزوجة على صيانة نفسها، ينبغي للرجل أن يكون موضع ثقة، يحفظ بصره وسلوكه، لأن الثقة هي أساس الاستقرار.

ثانيًا: صيانة الآخر قبل الوقوع في الخطأ
ومن معاني الصيانة أن لا يترك الإنسان لباسه حتى يتلف، بل يحافظ عليه قبل ذلك، وكذلك الزوجان، ينبغي أن يكون كل منهما حارسًا للآخر، يذكّره، وينبّهه، ويمنعه من الوقوع في الخطأ بلطف وحكمة، لأن الوقاية أسهل من العلاج.

ثالثًا: صيانة الآخر بعد الخطأ
فإذا وقع الخلل، لا يكون الحل هو الهدم أو التخلّي، بل الإصلاح. فكما يُرقّع اللباس إذا تمزق، ينبغي أن تُرمم العلاقة إذا حصل فيها خلل. فالخطأ لا يعني نهاية الحياة، بل هو اختبار لطريقة التعامل.

ومن المتعارف عليه أنّ كل علاقة إنسانية لا تخلو من الخطأ، فإذا بُنيت على مبدأ الإلغاء عند أول زلة، فلن تستمر أي علاقة، بل ستدخل في دوامة من اهتزاز الثقة، وتراكم الأخطاء، وتضخّم المشكلات الصغيرة، حتى تصبح مهددة بالانهيار عند أول أزمة، ويصاحبها شعور دائم بعدم الأمان. أمّا إذا بُنيت على الصيانة والإصلاح، فإنها تقوى مع الزمن، لأن التجارب تُنضجها، وتحوّل نقاط الضعف إلى فرصٍ للنمو والتماسك.

أمثلة واقعية:

@ زوجة تلاحظ على زوجها تقصيرًا في بعض التصرفات، فتنصحه بهدوء قبل أن تتفاقم المشكلة، فتحفظ العلاقة من التدهور.

@ زوج يرى من زوجته خطأ، فلا يفضحها ولا يتركها، بل يحاول إصلاحها بالحكمة، فتتغير ويستمر التفاهم بينهما.

@ في المقابل، زوجان يتعاملان مع كل خطأ كأنه نهاية، فيتبادلان الاتهام، حتى تتراكم الجراح وتضعف العلاقة تدريجيًا.

النصيحة: أن يُدرك الزوجان أن العلاقة تحتاج إلى عناية مستمرة، لا إلى اهتمام مؤقت. وأن يُعتمدا أسلوب النصح الهادئ بدل التوبيخ، والإصلاح بدل الإلغاء.
وأن يتعلما فنّ التغافل عن بعض الأخطاء، لأن التدقيق في كل صغيرة يهدم أكثر مما يصلح.

فكما أن اللباس يُحفظ ويُرقّع ليبقى، كذلك الحياة الزوجية تحتاج إلى صيانة دائمة، لأن ما يُهمل يُفقد، وما يُصان يبقى ويقوى.

المطلب الثامن: النقاء (من نظافة اللباس إلى طهارة العلاقة)

من الصفات التي لا يستغني عنها الإنسان في لباسه هو (النقاء)، أي أن يكون نظيفًا وطاهرًا؛ فالنظافة تمنحه مظهرًا حسنًا وراحة نفسية، والطهارة تمنحه القبول الحقيقي، حتى في أعظم العبادات. فقد يكون اللباس جميلًا في شكله، لكنه متّسخ فينفر منه الإنسان، أو نظيفًا في ظاهره لكنه غير طاهر فلا يصلح للصلاة ولا للطواف. ومن هنا يتضح أن الكمال في اللباس لا يتحقق إلا باجتماع النظافة الظاهرة والطهارة الباطنة.

وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى أثر النظافة النفسي بقوله: «غسل الثياب يذهب الهم والحزن»[38]، مما يدل على أن للنظافة أثرًا يتجاوز الشكل إلى داخل النفس.

وهذا المعنى ينتقل بنا إلى فهم أعمق لقوله تعالى:﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ[39]، فكما يُطلب من اللباس أن يكون نظيفًا وطاهرًا، كذلك يُطلب من العلاقة الزوجية أن تقوم على النقاء بجانبيه: النقاء الظاهر والنقاء الباطن.

إنّ النظافة والطهارة في الحياة الزوجية لا تقتصران على المظهر الخارجي، بل تمتدان إلى تفاصيل العلاقة كلها، وتشمل جوانب متعددة تُشكّل أساس الراحة والاستقرار بين الزوجين.

فمن مصاديق (النظافة الحسية) العناية بالنظافة الشخصية، ونظافة الملبس، ونظافة البيت، لأن إهمال هذه الأمور يولّد نفورًا تدريجيًا، حتى مع وجود المحبة، بينما الاهتمام بها يبعث على الراحة والانجذاب.

ومن مصاديق (النظافة السلوكية) نظافة الكلام، وذلك باجتناب الألفاظ الجارحة، والسخرية، والتقليل من شأن الآخر، لأن الكلمة الجارحة تترك أثرًا عميقًا قد لا يُنسى، بينما الكلمة الطيبة تُنعش العلاقة وتُقوّيها.

أما (الطهارة المعنوية)، فهي الأعمق أثرًا، ومن أبرز مصاديقها:

@ طهارة النظر، بعدم التطلع إلى ما لا يحل، لأن ذلك يُضعف الثقة ويهزّ الاستقرار.

@ طهارة السلوك، بالابتعاد عن العلاقات المحرّمة أو المريبة التي تُدخل الشك إلى قلب الطرف الآخر.

@ طهارة القلب، بتنقيته من الحقد، وسوء الظن، وتتبع الزلات، لأن القلب المليء بالضغائن لا يستطيع أن يُحب بصفاء.

@ طهارة النيّة، بأن تكون العلاقة قائمة على الإخلاص لا على الاستغلال أو المصلحة.

كما تشمل الطهارة أيضًا (طهارة البيئة) التي يعيش فيها الزوجان، كاختيار الأجواء النظيفة أخلاقيًا، والابتعاد عن البيئات المنحرفة التي تضعف الالتزام تدريجيًا.

وعند غياب هذه المصاديق، تبدأ آثار سلبية بالظهور، مثل النفور، وضعف الثقة، وتراكم المشاعر السلبية، حتى مع بقاء العلاقة ظاهريًا. أما عند تحققها، فإنها تُثمر راحة نفسية، وطمأنينة، وثقة متبادلة، وتجددًا مستمرًا في العلاقة.

ومن هنا يتضح أن النظافة والطهارة ليستا أمرين شكليين، بل هما روح تسري في تفاصيل الحياة الزوجية، تحفظها من التآكل، وتُعينها على الاستمرار بثبات وهدوء.

أمثلة واقعية:

@ زوج يهتم بنظافته خارج البيت، لكنه يُهمل نفسه داخله، فيظهر بمظهر غير لائق، مما يولّد نفورًا تدريجيًا لدى زوجته، رغم وجود المحبة بينهما.

@ زوجة تحافظ على نظافة بيتها ومظهرها، لكنها تستخدم كلمات جارحة عند الغضب، فتُفسد صفاء العلاقة، لأن نظافة الظاهر لم تُرافقها نظافة في الكلام.

@ زوج يتساهل في النظر أو في بعض العلاقات المريبة، فيشعر الطرف الآخر بعدم الأمان، فتبدأ الثقة بالاهتزاز، ولو لم يقع خطأ صريح.

@ في المقابل، زوجان يحرص كلٌّ منهما على نظافته الشخصية، ونظافة كلامه، وطهارة سلوكه وقلبه، فينعكس ذلك راحةً نفسية، وثقةً متبادلة، واستقرارًا واضحًا في حياتهما.

النصيحة:
إنّ تحقيق النظافة والطهارة في الحياة الزوجية يحتاج إلى وعيٍ مستمر، يبدأ بالعناية بالظاهر ولا يقف عنده، بل يمتد إلى تهذيب الباطن. فيحرص كلٌّ من الزوجين على نظافته ومظهره داخل البيت كما خارجه، ويُراعي أثر كلماته على الطرف الآخر، فيجتنب ما يجرح أو يُنقص من الاحترام.

كما ينبغي صيانة السلوك من كل ما يثير الشك أو يُضعف الثقة، وغلق الأبواب التي تُلوّث القلب، كالعلاقات غير المنضبطة أو الأجواء المنحرفة. ويعمل كلٌّ منهما على تنقية قلبه من الضغائن بالتغافل والتسامح، لأن الصفاء لا يجتمع مع التراكمات.

فكما أن الإنسان لا يرتاح في لباس متّسخ أو غير طاهر، كذلك لا يستقر في علاقة تفتقد إلى النظافة والطهارة، لأنهما الأساس الذي يحفظ المودة، ويمنح العلاقة دوامها وطمأنينتها.

المطلب التاسع: الراحة (من راحة اللباس إلى سكينة العلاقة)

من أبرز ما يطلبه الإنسان في لباسه أن يكون مريحًا، لأن اللباس مهما كان جميلًا أو ثمينًا، إذا كان ضيقًا أو خشنًا أو يقيّد الحركة، فإنه يتحول إلى مصدر تعب لا وسيلة راحة. ولهذا يختار الإنسان لباسًا يناسب جسده، ويساعده على الحركة، ويمنحه شعورًا بالانسيابية والهدوء، حتى يكاد لا يشعر بوجوده من شدة انسجامه معه.

وهذا المعنى العميق هو نفسه الذي تشير إليه الآية الكريمة:﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ[40]. فكما أن اللباس المريح يمنح الجسد راحة، ينبغي أن يكون كلٌّ من الزوجين مصدرًا للراحة للآخر، لا سببًا في تعبه وضغطه. فالزوجة ليست مجرد شريكة، بل هي سكن، وكذلك الزوج، وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى بقوله:﴿ لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا[41]. أي لتجدوا عندها الراحة والهدوء، لا القلق والتوتر.

ومن هنا، حينما وصف أمير المؤمنين عليه السلام خير النساء، بدأ بأهم صفة فقال: «خير نسائكم… الهينة اللينة»[42]. أي السهلة في التعامل، اللطيفة في أسلوبها، التي لا تُثقل الحياة بالتعقيد، ولا تحوّل الأمور الصغيرة إلى أزمات. وهذه الصفة لا تختص بالمرأة فقط، بل هي مطلوبة في الرجل أيضًا، لأن الراحة في العلاقة متبادلة، لا أحادية.

إنّ الإنسان بطبعه يهرب من مصدر الضغط، ويبحث عن مصدر الراحة، فإذا كان البيت مليئًا بالتوتر، والكلام فيه حادًا، والمتابعة فيه مرهقة، فإنه يفقد دوره كمأوى نفسي، ويصبح مكانًا يُتجنّب لا يُشتاق إليه.

فالزوجة التي تلاحق زوجها في كل حركة وتدقق في كل كلمة، وتفتح معه سجلًّا دائمًا من الأسئلة والملاحظات، تحوّل نفسها – دون أن تشعر – إلى مصدر ضغط، وكذلك الزوج إذا كان كثير الانتقاد، سريع الغضب، يربط حضوره بالتوتر، فإنه يُفقد العلاقة معناها.

أمثلة واقعية:

@ زوجة تراقب زوجها في كل تفصيل، تسأله أين ذهب؟ ولماذا تأخر؟ وماذا قال؟ فتتحول الحياة إلى تحقيق دائم، فيشعر بالاختناق.

@ زوج يدخل البيت متوترًا، فيبدأ بالانتقاد واللوم على كل صغيرة، فتشعر الزوجة بثقل وجوده، وتفقد الراحة معه.

@ في المقابل، زوجان يتعاملان ببساطة ومرونة، يتغافلان عن الهفوات، ويتعاملان بلطف، فيشعر كل منهما أن وجود الآخر راحة له لا عبئًا عليه.

النصيحة:
@ أن يتعلم كل من الزوجين فنّ التخفيف لا التعقيد، واللطف لا القسوة.

@ أن يُعطي كل طرف مساحة للآخر، دون مراقبة مرهقة أو تضييق مستمر. أي على المؤمن أن يوازن بين (الفطنة والحذر والانتباه) من جانب، و(التغافل) من جانب آخر. وقد ورد في الحديث عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «صلاح التعايش والتعاشر ملء مكيال، ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل»[43].
@ أن يُقدّم حسن الظن على سوء الظن، لأن كثيرًا من التوتر سببه الشك لا الواقع.

وقد عبّر أحد البلغاء عن هذه الصفة بأجمل تعبير حين قال في مدح زوجته: «إنها طيبة العشرة»، أي لا تثقل الحياة، بل تُيسّرها، وهذه الكلمة البسيطة تختصر سرّ السعادة الزوجية.

فكما أن الإنسان لا يحتمل لباسًا يقيّده أو يخنقه، كذلك لا يحتمل شريكًا يرهقه أو يثقل عليه، لأن الراحة ليست رفاهية في الزواج، بل هي أساس بقائه واستمراره.

المطلب العاشر: التقوى (من لباس الجسد إلى لباس القلب)

يصل بنا القرآن الكريم في حديثه عن اللباس إلى أعمق معنى يمكن أن يبلغه الإنسان، حين يقول:﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ[44].
فبعد أن بيّن الله تعالى وظائف اللباس من سترٍ وزينةٍ وحماية، نقلنا إلى معنى أعلى، وهو أن هناك لباسًا أعظم من كل لباس، ليس للجسد، بل للقلب، وهو لباس التقوى.

والتقوى في أصل معناها تدور حول الوقاية والصيانة، لأنها الملكة المانعة من ارتكاب المعاصي، أي أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يضره حاجزًا يحميه، لكن هذا الحاجز هنا ليس ماديًا، بل هو داخلي، يحفظ القلب من الانحراف، ويضبط السلوك، ويوجه الإنسان نحو الله تعالى. ولهذا جعل الله التقوى غاية الخلق، فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[45]. وقال عز وجل:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [46].
فالتقوى هي الهدف الذي تُبنى عليه حياة الإنسان، وهي التي تمنحه الاستقامة والثبات.

وقد بيّن القرآن أن محلّ هذه التقوى هو القلب، فقال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ[47]. والقلب سُمّي قلبًا لتقلّبه، فهو سريع التأثر، يتغير بحسب الظروف، فاحتاج إلى ما يثبّته ويحميه، فجعل الله من وسائل ذلك تعظيم الشعائر، أي ربط الظاهر بالباطن، حتى يكون السلوك الخارجي وسيلة لحفظ الداخل.

ومن هنا نفهم دلالة اللباس في هذا السياق، فهو ظاهر يراه الناس، لكنه يمكن أن يكون وسيلة لتربية الباطن، فإذا كان منضبطًا بأمر الله، انعكس ذلك على القلب.

وهذا المعنى يبلغ ذروته في قوله تعالى:﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ[48].

فالزواج هنا ليس مجرد علاقة اجتماعية، بل هو وسيلة عظيمة لتحصين القلب وبناء التقوى، فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” من تزوج فقد أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي”[49]؛ لأن الإنسان إذا عاش وحده قد يضعف، أما إذا كان له شريك يذكّره بالله، ويعينه على الطاعة، فإنه يثبت ويترقى.

فأجمل ما في العلاقة الزوجية أن يتحول كلٌّ من الزوجين إلى لباس تقوى للآخر؛ يرفعه إذا ضعف، ويذكره إذا نسي، ويعينه إذا تعب، لا أن يكون سببًا في انحرافه أو غفلته.

إنّ الإنسان يتأثر بأقرب الناس إليه، فإن كان شريكه صالحًا، جذبه إلى الصلاح، وإن كان غافلًا، سحبه إلى الغفلة، لأن المعايشة اليومية أقوى من أي تأثير خارجي.

أمثلة واقعية:

@ زوجة تذكّر زوجها بالصلاة بلطف، وتشجعه على الطاعة، فيثبت على التزامه ويزداد قربًا إلى الله.

@ زوج يدعم زوجته في التزامها، ويهيّئ لها بيئة صالحة، فتزداد تقوى واستقامة.

@ في المقابل، زوجان يجرّ كل منهما الآخر إلى الغفلة، فيضيعان معًا، لأن كل واحد منهما كان سببًا في إضعاف الآخر.

النصيحة:
@ أن يحرص كل من الزوجين على إصلاح نفسه أولًا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
@ أن يكون بينهما تواصٍ بالخير، لا بأسلوب قاسٍ، بل بلطف وحكمة.
@ وأن يجعلا في حياتهما المشتركة أعمالًا تقرّبهما إلى الله، كالصلاة، والذكر، ومجالس العلم.

فكما أن اللباس يحفظ الجسد من الانكشاف، فإن التقوى تحفظ القلب من الانحراف، وإذا اجتمع الاثنان في العلاقة الزوجية، أصبح كلٌّ من الزوجين لباسًا ظاهرًا وباطنًا للآخر، وصدق قول الله تعالى:﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ[50].

@@@@@@

وحينما نتأمّل في سيرة البشرية، لا نجد نموذجًا تجسّدت فيه التقوى، وتكاملت فيه أوجه الشبه بين اللباس والعلاقة الزوجية، كما تجسّدت في حياة نبيّ الرحمة محمد صلى الله عليه وآله مع زوجته خديجة، ولا كما ظهرت في سيرة عليّ وفاطمة عليهما السلام، ثم امتدّ هذا النور في بيوت الأئمة المعصومين عليهم السلام، ومنهم صاحب الذكرى الإمام جعفر الصادق عليه السلام مع زوجته السيدة حميدة.

فالإمام عليه السلام – مع تعدد زوجاته من الحرائر، كالسيدة فاطمة بنت الحسين بن الإمام زين العابدين عليهما السلام، وهي ابنة عمّه[51]، إضافة إلى ما كان من ملك اليمين – بقيت للسيدة حميدة عليها السلام خصوصية متميزة، ومكانة بارزة، لما اتصفت به من صفاءٍ وتقوى، وانعكاسٍ واضحٍ لمعاني السكن والمودة في حياتهما المشتركة.

فقد رزقها الله من الإمام الصادق عليه السلام، الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وأيضًا إسحاق ومحمد وفاطمة[52].

وقد لقّبها الإمام الباقر عليه السلام بالمحمودة، حيث قال لها: «أنت حميدة في الدنيا، محمودة في الآخرة»[53]، وبالمصفاة من الأدناس، حيث قال عليه السلام: «حميدة مصفّاة من الأدناس كسبيكة الذهب، ما زالت الأملاك تحرسها، حتى أدّت إليّ كرامة من الله لي، والحجّة من بعدي»[54].

ورُوي في قصة زواجها ما مضمونه: أن ابن عكاشة بن محصن الأسدي اقترح على الإمام محمد الباقر أن يزوّج ابنه الإمام جعفر الصادق، فأخبره أن جاريةً معيّنة ستأتي، وسيتم اختيارها له بمالٍ مُعدّ.

وبالفعل، جاء بائع الجواري، لكن لم يبقَ عنده إلا جاريتان مريضتان، فاختيرت إحداهما، وعند فتح الصرّة وُجد المال مطابقًا تمامًا للثمن دون زيادة أو نقص، وهذا أول وجه من وجوه العناية.

ثم لما سُئلت الجارية عن حالها، أخبرت أنه كلما حاول أحد الاعتداء عليها، كان يظهر رجل أبيض يمنعه ويضربه حتى يبتعد عنها، فبقيت محفوظة طاهرة، وهذا هو أوضح مظاهر العناية الإلهية.

فقال الإمام الباقر لابنه: خذها، فتزوجها، فكانت السيدة حميدة، وأنجبت لاحقًا الإمام موسى الكاظم[55].

وكانت السيدة حميدة فقيهة بمذهب أهل البيت عليهم السلام وكان الإمام الصادق عليه السلام يرجع النساء إليها في تعلم الأحكام الشرعية والسؤال عن المسائل الفقهية وما أشبه.

وكانت مهتمة برعاية زوجها الإمام الصادق عليه السلام[56]، وتواسيه لما يتعرض له من ظلم طواغيت زمانه ومنهم المنصور الدوانيقي (عليه لعائن الله) الذي كان يرسل خلف الإمام مرات عديدة بقصد قتله. ولكن لم يتمكن من قتله بنفسه لذا قرر قتله بالسم.

فقد روى صاحب كتاب جنات الخلود: بأن الإمام سُقي السم مرارا عديدة وفي آخر مرة سقي سما نقيعًا[57] في عنب ورمان[58] فمرض مرضا شديدا وعارضه وجع شديد في بطنه وأحشائه وأمعائه.

قال عمرو بن زيد: دخلت عليه أعوده فرأيته متكئًا وقد أدار وجهه إلى الحائط والباب وراء ظهره فلما دخلت عليه قال: وجهني إلى القبلة، فوجهته وأردت أن أسأله عن الإمام بعده وعن الحجة فقال: لا أجيب الآن وستعلمن نبأه بعد حين ثم عرق جبينه وسكن أنينه وقضى نحبه ولقي ربه مسموما شهيدا صابرا محتسبا، أي وا إماماه، وا سيداه، وا صادقا[59].

 (نصاري)

رده اليثرب او آمر بسمه
 
 عگب ذيچ الهظيمه او فوگ همَّه
 
گضه مسموم وابنه اينوح يمه
 
 او نصب له للعزه ابفرگاه ماتم
 

ثم غسله ولده الإمام الكاظم وحنطه وكفنه في خمسة أثواب وصلى عليه ثم دفنه عند والده وجده في البقيع وكان يوماً عظيما على المسلمين[60].

أقول وقد راحوا به يحملونه
 
 على كاهل من حامليه وعاتقِ
 
أتدرون ماذا تحملون إلى الثرى
 
 ثبيرا ثوى من رأسِ علياءَ شاهق
 
غداة حثا الحاثون فوق ضريحِه
 
 ترابا وأولى كان فوق المفارق
 

[1] البقرة/187.

[2] م.ن.

[3] تم أخذ عناوين أوجه الشبه من كتاب: سعادة الزوجين في ثلاث كلمات-أكرم بركات-ص9-35-بتصرف.

[4] البقرة/187.

[5] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج20-ص62

[6] م.ن-ج20-ص45.

[7][7] منهاج الصالحين-السيستاني-ج3-كتاب النكاح-مسألة 205.

[8] م.ن-مسألة 207.

[9] بحار الأنوار-المجلسي-ج١٠٠-ص٣٧٦

[10] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج20-ص٥۳٤.

[11] م.ن-ج20-ص62.

[12] ميزان الحكمة، محمدي الريشهري-ج2-ص1181.

[13] الكافي-الكليني-ج5-ص347-ح2.

[14] مكارم الأخلاق-الشيخ الطبرسي-ص 318.

[15] البحار-المجلسي-ج 72 -ص 115 -ح 13.

[16] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 20-ص53.

[17] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 14-ص 220.

[18] أعشى بصره أي أضعف رؤيته وجعلها غير دقيقة بسبب التعلّق.

[19] نهج البلاغة-خطبة: 108.

[20] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 20-ص 64.

[21] الكافي-الكليني-ج 6-ص 458.

[22] جامع أحاديث الشيعة-البروجردي-ج 20-ص 52.

[23] الحدائق الناضرة-المحقق البحراني-ج23-ص119.

[24] وسائل الشيعة –الحر العاملي-ج 20 -ص52.

[25] بحار الأنوار-المجلسي-ج 100-ص 237.

[26] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 20-ص50.

[27] الأعراف/26.

[28] البقرة/187.

[29] النساء/34.

[30] كنز العمال-المتقي الهندي –ج16-ص 375-376.

[31] بحار الأنوار-المجلسي-ج٧٢-ص٢١٥.

[32] الأنبياء/ 80.

[33] البقرة/187.

[34] بحار الأنوار-المجلسي-ج٧٢-ص٢١٤-٢١٥.

[35] ثواب الأعمال وعقابها-الشيخ الصدوق-ص 178.

[36] بحار الأنوار-المجلسي-ج 75-ص 237.

[37] الكافي-الكليني-ج 5-ص 324.

[38] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج5-ص41.

[39] البقرة/187.

[40] البقرة/187.

[41] الروم/ 21.

[42] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج 20-ص 29.

[43] تحف العقول-حسن بن شعبة الحراني-ص359.

[44] الأعراف/ 26.

[45] الذاريات/56.

[46] البقرة/21.

[47] الحج/32.

[48] البقرة/187.

[49] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل-ناصر مكارم الشيرازي-ج11-ص97.

[50] الأعراف/ 26.

[51] سيرة الإمام جعفر الصادق ع-حسين الشاكري-ج1-ص31.نقلاً عن كشف الغمة 2: 161.

[52] بحار الأنوار-المجلسي-ج48-ص7.

[53] راجع: الكافي-الكليني-ج1-ص476 باب مولد أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ضمن ح1.

[54] الكافي-الكليني-ج1-ص477-ح2.

[55] مضمون الرواية من كتاب: الكافي-الكليني-ج1-ص477 باب مولد أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ح1-بتصرف.

[56] كتاب أمهات المعصومين-محمد الحسيني الشيرازي-ص245-255.

[57] «سُقي سُمًّا نقيعًا في عنب ورمان»: أي سُمٌّ مُذاب أو منقوع داخل عصير العنب والرمان، بحيث امتزج به وخفي أثره.

[58] وفاة الإمام جعفر الصادق-الشيخ حسين بن الشيخ محمد البحراني-ص37.

[59] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج4-ص224-225.

[60] م.ن-ص225.