
لتحميل المحاضرة أو طباعتها، اضغط على الملف
الموضوع: فضلُ منفعة الناس
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله:
} اَلْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اَللَّهِ وَ أَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ { ([1])
عندما نستقريء النصوص الشرعية فلا نجد ثواباً أعظم ممن يخدم الناس، حتى أن النبي محمد صلى الله عليه وآله يصرّح بأن أحب الناس إلى الله هو من كان أكثرهم نفعاً للناس.
المباحث العامة للحديث النبوي
المبحث الأول: ما المراد ب(عِيَالُ اَللَّهِ)؟
لنقف على مفردات هذا الحديث: فما المقصود من قول الرسول صلى الله عليه وآله بأن: “اَلْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اَللَّه”ِ؟، هل المقصود بأن لله تعالى عيال، مثل ما للإنسان من عيال(من والدين، وزوجة، وأولاد)؟
الجواب: بالتأكيد القول بذلك هو كفر وشرك، فالله تعالى } لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ-تحذف- { ([2])، وقال تعالى: }أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ-الزوجة- {([3])، فالله }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ {([4])، بل المقصود من العبارة بأن الناس هم بمنزلة أفراد الأسرة الواحدة، فنحن البشر جميعنا نرجع لآدم وحواء، قال تعالى: } الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً { ([5])
وكل الناس يعولهم الله تعالى ويرعاهم، فهو خلقهم في أحسن تقويم ومنحهم العقل، وهو رازقهم وشافيهم، فهم كلهم فقراء إليه، يحتاجون لعونه ومدده في كل لحظة من وجودهم … “فرغم أنّ هناك تمايزات داخل الأسرة البشرية، دينية وعرقية وقبلية، لكن هذه التمايزات لا ينبغي أن تؤثر على حالة الانتماء الإنساني الواحد، بل يجب أن يسود بين أعضائها التعايش والتعاون والتراحم….لأن كلنا عيال الله” ([6])
المبحث الثاني: ما المراد ب(وَ أَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ )؟
أن الله تعالى لما خلقنا لم يخلقنا عبثاً، بل لأجل عبادته، قال تعالى: }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ { ([7]). وعبادتنا لله تعالى على ثلاثة أوجه إما نعبده خوفا من عقابه، أو رجاءً لنيل ثوابه، أو حباً له تعالى. وإن أسمى درجة للعبادة هي الأخيرة، أي أن يُعبد الله حباً لله، قال الإمام علي ع: فمن أحب الله أحبه الله عز وجل، ومن أحبه الله عز وجل كان من الآمنين ([8]).
وكيف أعرف أنني أحب الله؟، ج/ باتباعه وطاعته طاعة مطلقة، قال تعالى: } قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ { ([9]) وهذا يعني أن الذي لا يتبع تعاليم الله فهو لا يحب الله-وإن ادعى حبه لله- والنتيجة أن الله لا يحبه.
وبالتأكيد جميعنا يتمنى أن يكون هو الأحب والأقرب إلى الله…ومن منّا لا يتمنى ذلك؟، ولكن كيف يمكن لأحدنا أن يكون هو الأحب إلى الله من غيره؟
الرسول صلى الله عليه وآله يجيب عن هذا السؤال بقوله:”وَأَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ”.
س: ما المقصود بعياله؟
الجواب: يراد منها الخلق أي الناس، بقرينة قول الرسول في العبارة الأولى: اَلْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اَللَّهِ وَأَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ. أي أنفعهم للناس..وهذا المعنى أكدته نصوصا أخرى منها حينما سُئل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: ” أيّ الناس أحبّ إلى الله؟ فقال: “أنفع الناس للناس”([10]).
وكلنا نعلم أن الناس على أقسام، وهم المسلمون وغير المسلمين، فقد روي عن الإمام علي ع أنه قال لمالك الأشتر –قائد القوات المسلحة-: “فإنّهم ـ أي الناس ـ صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق” ([11])، وهذا العهد اعتبرته الأمم المتحدة مصدر لتشريع القانون الدولي. والمقصود “بأخ لك في الدين” هو المسلم، وأما “نظير لك في الخلق” فهو الكافر.
نأتي إلى القسم الأول من العيال وهم المسلمون، ويراد منهم أحد المعاني الثلاثة:
1) المسلم الذي تلفظ الشهادتين بكل مذاهبهم 2) المسلم المؤمن، أي الشيعي أو الموالي لمحمد وآل محمد عليهم السلام، 3) العيال بالمعنى الأخص وهم أَهْلُ بَيْتِ الرجل، وأَوْلاَدُهُ..وبالتالي لما نطبق هذه الأقسام على الحديث النبوي فيكون معناه: أَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَى الله أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ-أي أنفعهم للمسلمين، وأنفعهم للمؤمنين، وأنفعهم لأهل بيته وأولاده-.
وللتوضيح أكثر نحتاج أن ندخل إلى ثلاثة مطالب، وهي كالتالي:
المطلب الأول: أن عيال الله هم المسلمون
وكأنما الرسول صلى الله عليه وآله يقول: وَأَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَى الله أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ-أي أنفعهم للمسلمين-، فالشريعة الإسلامية حثت المسلمين أن ينفعوا بعضهم بعضا،
فقد روي عن أبي عبد الله ع: “من حق المسلم على المسلم أن لا يشبع ويجوع أخوه، ولا يروى ويعطش أخوه، ولا يلبس و يعرى أخوه” ([12]).
بمعنى أن يساعد بعضنا بعضا، حتى لو خالفونا في المذهب، ومراجعنا يؤكدون على ذلك، وأكبر شاهد المساعدات التي قدمها الشيعة لإخوانهم السنة بعد كارثة الزلازل الأخيرة في سوريا وتركيا، فقد روي عن رسول الله: صلى الله عليه وآله “من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم” ([13]).
المطلب الثاني: أن عيال الله هم المؤمنون
وكأنما الرسول صلى الله عليه وآله يقول: وَأَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَى الله أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ-أي أنفعهم للمؤمنين-. فتارة كلمة “المؤمن” تطلق ويراد منها المعنى الأعم، و تشمل كل من تلفظ الشهادتين وآمن بالله ورسوله وبالآخرة، وتارة تطلق كلمة: “المؤمن” ويراد منها المعنى الأخص، أي يضيف على إيمان المسلم الإيمان بولاية الأئمة المعصومين ع ابتداءً من علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام وانتهاءً بالمهدي عج، فنقصد من المؤمن هنا(الشيعي، الجعفري)، كما رُوِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ : ” عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ : صَلَاةُ إِحْدَى وَ خَمْسِينَ ، وَ زِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ ، وَ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ ، وَ تَعْفِيرُ الْجَبِينِ ، وَ الْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ([14]).
فهذه العلامات مختصة بالمؤمن الشيعي دون غيره من المسلمين.
سؤال: كيف ننفع المؤمنين؟
الجواب: أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن ينصحه ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وأن يساعده ويقضي حاجته، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام: “إن المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله، فلا يخونه، ولا يخذله، .. ولا يروى ويعطش أخوه، ولا يلبس ويعرى أخوه”([15]).
ومع الأسف نجد البعض منّا يبخل في خدمة الفقراء المؤمنين الذين هم بحاجة للطعام والستر والعلاج وغيرها ويردد -كلمة باللهجة العراقية-“شعليه”، “شلي كار”، أو “ما عندي أموال” بينما إذا أرادت إحدى المؤمنات إجراء عملية تجميل للجسم، أو لتركيب الأظافر، أو الرموش وغيرها فلا تقول” ما عندي أموال” بل ستصرف عشرات ومئات الدولارات رغم أن أغلبها ستصرفها في الحرام لكي تظهر هذه الزينة أمام الرجال الأجانب.
لذا إذا أردنا أن ننال محبة الله وجب علينا وبالأخص ميسوري الحال أن ينفعوا إخوانهم المؤمنين، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “إنّ لله تعالى عبادًا خصّهم بالنِّعم لمنافع العباد، ويقرّها فيهم ما بذلوا، فإذا منعوها حوّلها منهم، وجعلها في غيرهم”([16]).
المطلب الثالث: أن عيال الله هم أَهْلُ بَيْتِ الرجل، وأَوْلاَدُهُ
فيكون المعنى وَأَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ. أي أنفعهم لأهل بيته وأولاده، وهذا التفسير له الأولوية لأنه القدر المتيقن من معنى العيال، وهناك نصوص عديدة تحث الرجل على الاهتمام بعياله لينال محبة الله ورضاه، نذكر منها ما يلي:
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”([17]).
وقال صلى الله عليه وآله: “عيال الرجل أسراؤه وأحب العباد إلى الله عز وجل أحسنهم صنعا إلى أسرائه”([18]).
وقال أبو الحسن عليه السلام: ” عيال الرجل أسراؤه فمن أنعم الله عليه بنعمة فليوسع على أسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول تلك النعمة “([19]).
وقال (صلى الله عليه وآله): ” ألا خيركم خيركم لنسائه وأنا خيركم لنسائي “([20]).
إذن الرجل الذي يريد أن ينال رضا الله وجب عليه أن ينفع عياله لأن الحديث يقول(وَ أَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ )، ولكن كيف ينفعهم؟
الجواب: بأن يمنح الزوجة كل الحقوق الزوجية من تحمّل النفقة من مسكن ومأكل ومشرب وملبس وعلاج، وأن لا يهجر زوجته، وأن يعاشرها بالمعروف. وأيضا أن يراعي الآداب الزوجية.
النقطة المهمة التي نريد التركيز عليها هي أن هذا الحديث غير مختص بالرجل، بل حتى المرأة إذا أرادت أن تكون من أحب الخلق إلى الله فوجب أن تكون أنفعهم لعيالها لأسرتها لزوجها لأولادها، كيف ذلك؟
الجواب: لزم أن نعرف أن في الحياة الزوجية واجبات نسميها بالحقوق الزوجية وهناك مستحبات ونسميها بالآداب الزوجية…فأما واجبات الزوجة تجاه زوجها فيمكن اختصاره بأمرين اثنين وهما :
١ـ الاستمتاع الجنسي، أي لا تمنع نفسها من زوجها في الفراش.
٢ـ أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه.
فالزوجة إذا أطاعت الله بهذين الواجبين، ولم تعصي الله، فهي لم تتجاوز الخطوط الحمراء وبالتالي ستأمن بأن الله تعالى لم يغضب عليه، بل هي في دائرة محبة الله، وكلما ارتقت بتطبيق الآداب الزوجية كانت الأحب إلى الله.
وأما الآداب الزوجية التي ينبغي على الزوجة مراعاتها فيمكن اختصارها بالتالي:
أولاً: خدمة زوجها.
ثانياً: إظهار المودة له في أقوالها وأفعالها.
ثالثاً: معاونته في الدين والعبادة.
رابعاً: التجمّل له.
وأريد في هذه الدقائق المتبقية أركز على خدمة الزوجة لزوجها وأولادها
فمن المتعارف عليه أن تقوم المرأة للزوج بالخدمة المنزلية، فتطبخ الطعام، وتغسل الملابس والأواني، وتكنس البيت، وتقوم باحتياجات الأولاد.
وهو جهد طيب تبذله المرأة، وتستحق عليه الثواب الكبير من قبل الله تعالى، لكن ما يجب أن يُعلم أن ذلك ليس واجباً على المرأة وليس هو حقاً عليها، يقول الفقهاء، ومنهم سماحة السيد السيستاني دام ظله في منهاج الصالحين: (لا يستحق الزوج على الزوجة خدمة البيت وحوائجه التي لا تتعلق بالاستمتاع من الكنس أو الخياطة أو الطبخ أو تنظيف الملابس أو غير ذلك حتى سقي الماء وتمهيد الفراش، وإن كان يستحب لها أن تقوم بذلك)([21]).
سؤال: لماذا ينبغي على الزوجة أن تخدم زوجها وأولادها وتدير شئون زوجها من غسل وتنظيف وطبخ وكنس وغيرها رغم أنه من المستحبات وليس من الواجبات؟
الجواب: ينبغي لها ذلك لكي تكون أحب الخلق إلى الله تعالى كما شرحنا قبل قليل، ولأجل أسباب أخرى متعددة نذكر منها ما يلي:
أولاً: من باب وما جزاء الإحسان إلا الإحسان
فالزوج عادة يُحسن إلى زوجته، ولكن الزوجة تغفل عن ذلك، ونذكر منها النقاط التالية:
1.السماح للزوجة بالخروج لزيارة الأهل والأقارب، وزيارة المراقد والتسوق وما شابه، في حين أنه جاز له أن يمنعها من الخروج إلا في حالات استثنائية-التي لسنا الآن بصدد ذكرها-.
2.الإنفاق على الزوجة بأكثر من المقرر الواجب..كأن ينفق عليها لأجل السفر والحج، وزيارة المعصومين، أو دفع كفارة بذمتها أو لشراء أشياء كمالية غير ضرورية كالذهب، وهذا يعتبر إحسان منه.
3.يسمعها كلمة طيبة كأن يقول لها (أحبك)..وهذا من الإحسان.
4.يغفر لها ذلتها وعثرتها عند الخطأ…وهو إحسان.
5.يقارب زوجته الصابرة أكثر من مرة كل أربعة أشهر. وهذا نوع من الإحسان.
6.يبات معها في البيت يومياً، في حين أنه يحق له أن يسافر ويبات خارج البيت.
فما دام الزوج محسناً فالعقل والشرع يأمرنا برد الإحسان، كأن تخدم زوجها.
ثانيا: من باب دفع الضرر. فالزوج الذي لا تخدمه زوجته قد يضطر من التزوج من أخرى لتخدمه، ولا يحق للزوجة الأولى أن تعترض؛ لأنالله أحل له ذلك، قال تعالى: }فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ { ([22])، ولذا إذا كانت الزوجة لا تتحمّل أن يعدد زوجها بسبب الغيرة فلتدفع ذلك بخدمة زوجها.
ثالثاً:لدفع الغيبة واتهامات الناس. ..وكما قيل “رحم الله امرءا جب الغيبة عن نفسه” لأن الزوجة لما تمتنع عن الخدمة، والتنظيف، ورعاية الأولاد فسوف ينتقدها المجتمع لأن العرف يعتبر الخدمة من الأمور التي ينبغي أن تقوم بها المرأة.
رابعاً: لدفع الضرر المتأتي من الخذلان.
فالزوجة التي تخذل أسرتها بالتقصير في الخدمة رغم قدرتها على مساعدتهم فقد تبتلى يوما ما بأن يخذلها أحد، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: ” ما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلا خذله الله في الدنيا والآخرة “([23]).
خامساً: لكون الخدمة هي بالحقيقة رحمة ونعمة، كما تصرح بذلك الروايات:
فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث له: “أيما مؤمن أتى أخاه في حاجة فإنما ذلك رحمة من اللّه ساقها إليه، وسبّبها له، فإن قضى حاجته كان قد قبل الرحمة بقبولها، وإن ردّه عن حاجته وهو يقدر على قضائها فإنّما ردّ عن نفسه رحمة من اللّه عزّ وجلّ ساقها إليه، وسبّبها له “ ([24]).
روي عن الإمام الحسين بن علي عليه السلام: “اعْلَمُوا أَنَ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، فَلَا تَمَلُّوا النِّعَمَ فَتَحُوزُوا نِقَماً “([25])؛ لأن ربما لا يتحمل الزوج إهمال زوجته فتحصل مشاكل مستمرة وربما تنتهي بالانفصال.
سادساً : لنيل الثواب والأجر المترتب على خدمة زوجها وأولادها :
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: سألت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وآله عن فضل النساء في خدمة أزواجهن؟
فقال صلى الله عليه وآله: “أيما امرأة رفعت من بيت زوجها شيئا من موضع إلى موضع تريد به صلاحا إلا نظر الله إليها … ومن نظر الله إليه لم يعذب” ([26]).
وورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: ” أيما امرأة خدمت زوجها سبعة أيام أغلق الله عنها سبعة أبواب النار … وفتح لها ثمانية أبواب الجنة تدخل من أيها شاءت”([27]).
وقال عليه السلام: ” ما من امرأة تسقى زوجها شربة من ماء إلا كان خيرا لها من عبادة سنة صيام نهارها وقيام ليلها ويبنى الله لها بكل شربة تسقى زوجها مدينة في الجنة وغفر لها ستين خطيئة “([28]).
نرجع للحديث النبوي الشريف: “اَلْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اَللَّهِ وَأَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ”، قلنا أن المراد من العيال هم أَهْلُ بَيْتِ الرجل. وأهل بيت الرجل هم زوجه، وأخصّ الناس به ([29])كأَوْلاَدُهُ وأبويه
إذن الوالدان داخلان في وجوب منفعتهم، والله تعالى لم يأمرنا فقط بأن ننفعهم بل ببرهم، قال تعالى} وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا{([30])، فإذا أردنا أن يحبنا الله ولا يغضب عليها وجب علينا أن نبّر الوالدين وإلا سيعاقبنا الله في الدنيا قبل الآخرة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:”ثلاثة من الذّنوب تعجّل عقوبتها ولا تؤخّر إلى الآخرة: عقوق الوالدين، والبغي على الناس، وكفر الإحسان”([31]).
ونقصد بالوالدين الوالدين النسبيين-أي الأب والأم-، ولكن هناك والدان غير نسبيين حقهما علينا أعظم من حق والدينا النسبيين وهما محمد وعلي عليهما السلام، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله: ” أنا وعليّ أبوا هذه الأمة، ولحقنا عليهم أعظم من حق أبوي ولادتهم، فإنا ننقذهم إن أطاعونا من النار إلى دار القرار، ونلحقهم من العبودية بخيار الأحرار ” ([32]).
باختصار كأنما الحديث النبوي يقول: وَأَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَى الله أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ-أنفعهم أي أبرهم لمحمد وآل محمد ص-.
سؤال: كيف نبرهم؟، وهل يحتاج منا أهل البيت عليهم السلام أن نبرهم؟
الجواب: أن برّنا بأهل البيت عليهم السلام تعني طاعتنا المطلقة لهم، ومنفعة هذه الطاعة تعود إلينا، لا لهم.. وهذا من قبيل الأمر الإلهي المتوجه إلى كل مسلم بوجوب مودة أهل البيت ع قائلا: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾([33])، فمنفعة المودة لا ترجع إلى أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله ، بل ترجع إلينا، بدليل قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ﴾([34])، لذا فأهل البيت عليهم السلام لما أمرونا أن نطيع الله تعالى وأن نلتزم بأحكام العفة والحشمة ونراعي الحجاب الشرعي، ونبتعد عن العلاقات الجنسية غير الشرعية، وأن نصلي ونبر والدينا ونحسن التبعل ونبتعد عن الأغاني والفسوق…وغيرها فهذه منفعتها كلها ترجع لنا، لأن بطاعتنا سنقي أنفسنا ناراً وقودها الناس والحجارة، وسنحظى بجنة عرضها السموات والأرض، عدا أن الله لم يوجب حكماً إلا وفيه المصلحة لنا وللمجتمع، ولم يحرّم حكماً إلا وفيه ضرر يريد أن يدفعه عنّا وعن المجتمع.
ومن تلك الأحكام التي أكدوا عليها هي إحياء الشعائر الحسينية، فإن كل من يحييها بأن يعقد أمثال هذه المجالس، ويحضرها ويرتدي السواد أو يبكي و يتباكى أو يلطم ، ويسمع علوم أهل البيت ع من خلال هذه المحاضرات، والقصائد والرثاء، ومن خلال توزيع الشراب والطعام وزيارة المعصومين فسوف ينال على أثر كل حركة ثواباً عظيماً لاحدّ له ولا وصف أقله غفران الذنوب…بل الأجر يناله حتى لو سجل حضوراً ولم يشارك بأي فعالية، فقد روي عن الصادق S أنه قال: “أن الله عز وجل يقول لملائكته عند انصراف أهل مجالس الذكر والعلم إلى منازلهم، اكتبوا ثواب ما شاهدتموه من أعمالهم . فيكتبون لكل واحد ثواب عمله، ويتركون بعض من حضر معهم فلا يكتبونه، فيقول الله عز وجل: ما لكم لم تكتبوا فلانا؟ أليس كان معهم وقد شهدهم؟ “([35]).
وروي عن أبي عبد الله ع: “..إن لله ملائكة سياحين سوى الكرام الكاتبين فإذا مروا بقوم يذكرون محمدا و آل محمد ع فقالوا قفوا فقد أصبتم حاجتكم فيجلسون فيتفقهون معهم فإذا قاموا عادوا مرضاهم و شهدوا جنائزهم و تعاهدوا غائبهم فذلك المجلس الذي لا يشقى به جليس”([36]).
المطلب الرابع: هل يجوز منفعة الكافر؟
نرجع لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قال: “وَأَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ”.
ذكرنا قبل قليل أن المراد من الخلق هم الناس، وذكرنا أن الناس على قسمين: مسلمون وغير مسلمين(الكافرون)
والسؤال المطروح هو: هل يجوز لنا أن ننفع الكافرين، أو نحبهم، أو نواليهم؟
والمقصود ب”نواليهم” أي نسير على نهجهم ونقتدي بهم ونتبعهم في سلوكهم وأخلاقهم وعقائدهم.
وحتى نعرف الجواب، لزم التعرّف على أقسام الكفار، وهما على قسمين:
1.كافر ناصبي: وهو من أظهر العداء للإسلام كأن يسب علانية ويحارب جهرة الإسلام المسلمين. وهذا حكمه عدم جواز محبته ولا موالاته، ولا منفعته، قال تعالى: }وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ{ ([37]).
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: ” لولا أن بني أمية وجدوا من يكتب لهم، ويجبي لهم الفيء-الأموال-، ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم، لما سلبونا حقنا ” ([38]).
2.كافر غير ناصبي: وهو من لم يظهر العداء للإسلام. وهذا تجوز محبته ومنفعته، قال تعالى: }لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ{ ([39])، وعلى أساس ذلك المسلمون يعيشون في هذه البلاد ويعملون وينفعوهم وينتفعون
ولكن هل تجوز موالاتهم؟
الجواب: لا تجوز موالاة الكافر حتى لو لم يكن ناصبياً…أي لا يجوز السير على نهجه واتباعه والاقتداء به في كل ما يخالف تعاليم الإسلام، سواء على مستوى العقائد والأخلاق والسلوك والعادات؛ لأن الإسلام له منهج يختلف عن غيره
مثلا لما نقول: لا تجوز موالاة الكفرة على المستوى العقائدي أي لا يجوز اتباعهم وتقليدهم في كل عقيدة مخالفة لعقيدة الإسلام، فمثلا لا يجوز أن أسمع وأصدق ما يطرحونه من إلحاد وبأن الله غير موجود وغيرها من الانحرافات الفكرية
وعلى المستوى الأخلاقي لا يجوز أن أتبعهم في ترك العفة والحشمة وعدم السيطرة على الشهوة وغيرها..وعلى مستوى السلوك لا يجوز للمسلم أن يزني أو أن يعقد علاقات غير شرعية، أو أن يصبح مخنثاً، أو أن يعق والديه، أو أن يسمع الأغاني، أو أن يشرب الخمر، أو يتعاطى المخدرات وغيرها…وعلى مستوى العادات لا يجوز الاحتفال بعاداتهم المنحرفة كعيد الهالوين وعيد الحب وغيرها ما دام مقترناً بشيءٍ من الفساد أو كان ترويجا للضلال كما هو الحاصل…بل لزم التمسك بعقائدنا الإسلامية وأخلاقنا وسلوكنا وعاداتنا، قال تعالى: }قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ{([40]).
سؤال: لماذا لا يجوز موالاة الكفرة، وما الدليل القرآني؟
الجواب: لأن إذا واليت الكافر، أي اتبعته في كل ما يخالف تعاليم الإسلام، معنى ذلك أني خرجت من الإسلام وصرت منهم، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ-ماذا قال بعدها- وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾([41]).
إذن ليس لنا خيار للنجاة سوى موالاة محمد وآل محمد والتبرؤ من أعدائهم، وموالاتنا لأهل البيت ع تكون بطاعتهم، وتعظيم شعائرهم بعقد هذه المجالس الحسينية، وأن نحرص أن نكون خدمة مخلصين، لأن هذه المجالس تحبها فاطمة الزهراء عليها السلام
يروى أن النبي صلى الله عليه وآله لما أخبر فاطمة عليها السلام ما يجري على ولدها الحسين عليه السلام بكت بكاء شديداً وقالت: أبه متى يكون ذلك؟ فقال: بنية في زمان خال مني ومنك ومن أبيه وأخيه فاشتد بكاؤها ثم قالت: أبه فمن يبكي عليه ومن يلتزم بإقامة العزاء عليه؟ فقال لها: بنية فاطمة إن نساء أمتي يبكين على نساء أهل بيتي ورجالهم يبكون على ولدي الحسين وأهل بيته ويجددون عليه العزاء جيلاً بعد جيل فإذا كان يوم القيامة أنت تشفعين للنساء وأنا أشفع للرجال وكل من يبكي على ولدي الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنة([42]).
وروي عن النبي G أنه قال: إذا كان يوم القيامة جاءت فاطمة عليها السلام في لمة من نسائها فيقال لها: ادخلي فتقول: لا أدخل حتى أعلم ما صنع بولدي من بعدي، فيقال لها: انظري في قلب القيامة فتنظر إلى الحسين عليه السلام قائما ليس عليه رأس فتصرخ صرخة وأصرخ لصراخها وتصرخ الملائكة لصراخه([43]).
أنا الوالده والگلب لهفان وادوّر عزه ابني وين ما كان
ابني ذبيح او ماله اكفان او لعبت عليه الخيل ميدان
أنا الوالده المذبوح ابنها او طول الدهر ماگل حزنها
مصيبة او يشيب الطفل منها سبعين جثه ابدور چنها
بالمعركة محّد دفنها او زينب حده الحادي ابضعنها
(أبوذية)
| الفرات انگطع منه العذب يوفاه | اشسبب ماروه چبد احسين يوفاه | |
| التهب يا فاطمه امن العطش يوفاه | وابجنبه الفرات ايسيل ميه |
(تخميس)
| لابنِ طه لبستُ ثوبَ شجونِ | لشجوني بين المـَلا جهلوني | |
| قلتُ للناظرينَ إن تُنكروني | أنا درٌ من السما نثروني |
يومَ تزويجِ والدِ السبطينِ
(تخميس)
| أنا من رزِئه سُقيتُ حياضا | كلُّ يوم تزيدني إجهاضا | |
| حُلَلُ الوجدِ ألبستني اعياضا | كنتُ أبهى من اللجينِ بياضا |
ضبغتني دما نحر الحسين([44])
محاضرات (زاد المبلّغات) لشهر محرم الحرام
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
[1] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري – ج۱۲- ص۳۹۱.
[2] الإخلاص/3-4.
[3] الانعام/101.
[4] الشورى/11.
[5] النساء/1.
[6] موقع الشيخ الصفار/ saffar.org / خطب الجمعة النصية/ الأغراض السياسية والتحريض الطائفي، بتاريخ 6 / 11 / 2015م.
[7] الذاريات: 56.
[8] الخصال-الصدوق -١٨٨ -259.
[9] آل عمران/31.
[10][10] بحار الأنوار – المجلسي – ج ٧١ – ص ٣٣٩.
[11] نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع) -ج ٣ -ص ٨٤.
[12] المؤمن -الحسين بن سعيد -ص ٤٢.
[13] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ١٣٤٥.
[14] المزار الكبير -ان المشهدي -ص353.
[15] المؤمن -الحسين بن سعيد -ص ٤٢-بتصرف.
[16] الرسالة السعدية -الحسن الحلي -ص 163.
[17] الفقيه -الصدوق – ج ٣- ص ٣٦٢ / ١٧٢١.
[18] م.ن-ص ٣٦٢ / ١٧٢٢.
[19]م.ن -٣٦٢ / ١٧٢٣.
[20] م.ن -ص ٢٨١ / 1339.
[21] منهاج الصالحين -السيستاني – المعاملات-القسم الثاني-مسألة 340.
[22] النساء/3.
[23] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ – ص ٧٠٢.
[24] الكافي -الشيخ الكليني – ج ٢ – ص١٩٣.
[25] نزهة الناظر وتنبيه الخاطر-الحلواني – 81.
[26] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ١٠٠ – ص ٢٥١.
[27] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٢ – ص ١١٨٦.
[28] وسائل الشيعة -الحر العاملي – ج ٢٠ – ص ١٧٢.
[29] العين-الخليل بن أحمد الفراهيدي-ص45.
[30] الإسراء/23.
[31] الأمالي -الشيخ الطوسي -ص ١٤.
[32] مناقب آل أبي طالب-ابن شهرآشوب – ج1- ٥٨١.
[33] الشورى/ 23.
[34] سبأ / 47.
[35]مستدرك الوسائل -الميرزا النوري – ج ٥ – ص ٣٩٥.
[36] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٧١ – ص ٢٥٩.
[37] هود/113.
[38] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٢ – ص١٧٧٩.
[39] الممتحنة/8.
[40] الكافرون/1-2.
[41] المائدة/51.
[42] بحار الانوار -المجلسي -ج44-ص293.
[43] اللهوف – ابن طاووس -ص60-61.
[44] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج1- ص123.
