لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:
“أوصي الشاهد من أمتي والغائب منهم ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة، أن يصل الرحم وإن كان منه على مسير سنةٍ ذلك من الدين”.[1]
المبحث الأول: وصية النبي بصلة الرحم ومظاهرها
المطلب الأول: تفسير الحديث
يتضمن هذا الحديث الشريف وصية نبوية عظيمة يوجّهها رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جميع أفراد الأمة، مؤكدًا فيها ضرورة المحافظة على صلة الرحم وجعلها من القيم الأساسية التي ينبغي أن يلتزم بها المسلم في كل زمان.
إنّ النبي صلى الله عليه وآله يبيّن في بداية الحديث سعة هذه الوصية وشمولها لجميع المسلمين في كل زمان، بقوله:
«أوصي الشاهد من أمتي والغائب منهم»: يعني أن هذه الوصية ليست خاصة بمن كان حاضرًا عند النبي أو سمع كلامه مباشرة، بل تشمل كل مسلم، سواء كان موجودًا في زمن النبي أو جاء بعده.
ثم يوسّع النبي دائرة الخطاب أكثر بقوله:
«ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة»، أي أن هذه الوصية موجهة حتى للأجيال التي لم تولد بعد، بل لكل من سيولد من المسلمين إلى قيام الساعة.
وبعد هذا البيان الواسع لمخاطَبي الوصية، يبيّن النبي صلى الله عليه وآله مضمونها، فيقول:
«أن يصل الرحم»، والمقصود بالرْحِم ما تشترك معه في رحم واحد إذا عدّ من أقربائك مثل الأخ وابن العم وابن الخال، ولا يشمل من لا يشاركك في الرحم مثل أخ الزوجة ونحوه.[2] باختصار، الأرحام هم كل من يكون في نظر الناس من أقارب الإنسان بسبب علاقة نسبية سواء من جهة الأب أو الأم.
ونقصد بصِلة الرحم إقامة علاقة طيبة مع الأقارب، عبر السؤال عنهم وزيارتهم ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم ومساعدتهم والدعاء لهم وغيرها من الأمور التي سنشير إليها لاحقًا.
أما قوله:
«وإن كان منه على مسير سنة» فهو تعبير يدل على شدة تأكيد الإسلام على هذه القيمة. فالمقصود أنه حتى لو كان القريب بعيدًا جدًا، بحيث يحتاج الوصول إليه إلى سفر طويل، فعلى الإنسان أن يحرص على صلة رحمه وعدم قطع العلاقة معه. وقد استعملت الروايات القديمة هذا التعبير للدلالة على المسافات الطويلة، لأن السفر في الأزمنة الماضية كان يستغرق شهورًا وربما سنة كاملة. فالمعنى أن بُعد المسافة لا يكون عذرًا لترك صلة الرحم.
ويختم النبي صلى الله عليه وآله الحديث بقوله:
«ذلك من الدين». وهذه العبارة مهمة جدًا، لأنها تبين أن صلة الرحم ليست مجرد خلق حسن، بل هي جزء من حقيقة الدين الذي يقوم عليه صلاح المجتمع. لذا يقول الفقهاء: إنّ (صلة الرحم واجبة على المسلم، وقطيعتها من الكبائر)[3]. فالدين في نظر أهل البيت عليهم السلام لا يقتصر على العبادة الفردية كالصلاة والصوم، بل يشمل أيضًا بناء المجتمع على الرحمة والتواصل والتعاون بين الناس، ولا سيما بين أفراد العائلة الواحدة.
لذلك ينبغي للمسلم، مهما كثرت طاعاته وعظمت أعماله، أن يحذر أشد الحذر من الاغترار بها إذا كان قاطعًا لرحمه، فإنّ هذه المعصية الجسيمة قد تُذهب أثر عمله، وتكون سببًا في سقوطه إلى النار، فقد رُوي عن عليّ بن الحسين عليهما السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “.. فإنّ الرحم لها لسان يوم القيامة ذَلِق[4] تقول: يا ربّ صل من وصلني واقطع من قطعني، فالرجل ليرى بسبيل خير إذا أتته الرحم التي قطعها فتهوي به إلى أسفل قعر في النار”.[5]
في هذا الحديث يوضح النبي صلى الله عليه وآله أن الرحم (أي علاقة القرابة) ستكون يوم القيامة كأنها تتكلم وتشتكي إلى الله، فتقول ما مضمونه: “يا رب، كافئ من وصلني، وعاقب من قطعني”، وهذا تعبير عن شدة اهتمام الله بصلة الرحم.
وقوله: “فالرجل ليرى بسبيل خير…” معناه: قد يظن الإنسان يوم القيامة أنه على طريق النجاة وداخل إلى الجنة لأن عنده أعمال جيدة، لكن عندما تأتي علاقة الرحم التي كان قد قطعها في الدنيا، تكون سببًا في سقوطه إلى النار.
إذًا صلة الرحم ليست أمرًا ثانويًا، بل قد تكون سبب النجاة أو الهلاك يوم القيامة.
المطلب الثاني: مظاهر صلة الرحم
لصلة الرحم مظاهر كثيرة نذكر منها الآتي:
أولًا: كف الأذى عن الأرحام وحفظ العلاقة معهم
يُعدّ كف الأذى عن الأقارب من أهم مظاهر صلة الرحم لأن كثيرًا من القطيعة تبدأ بسبب كلمة قاسية أو موقف بسيط، ثم تتطور مع الوقت إلى هجر طويل بين أفراد العائلة. ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على حفظ العلاقة مع أقاربه وألا يسمح للخلافات أن تقطعها.
وقد أكد أهل البيت عليهم السلام هذا المعنى، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «أفضل ما يوصل به الرحم كف الأذى عنها»[6]. فصلة الرحم تبدأ بترك الأذى وضبط الكلام والتصرف، ثم بالسعي إلى إصلاح العلاقة والمحافظة على المودة بينهم، ولو بكلمة طيبة أو سلامًا يعيد القلوب إلى الألفة.
ثانيًا: زيارة الأقارب والتواصل معهم
زيارة الأقارب من أكثر صور صلة الرحم وضوحًا، لأنها تقوي المحبة وتزيل الجفاء بين الناس. فعندما يزور الإنسان عمه أو خاله أو جدته أو أبناء عمومته يشعر الجميع بأن بينهم رابطًا حيًا. وفي زماننا أصبح التواصل أسهل بكثير، فحتى لو لم يتمكن الإنسان من الزيارة دائمًا، يستطيع أن يتواصل معهم بالهاتف أو الرسائل أو وسائل الاتصال الحديثة. رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “صلوا أرحامكم ولو بالسلام”.[7]
ثالثًا: مساعدتهم عند الحاجة
من أبرز مظاهر صلة الرحم أن يقف الإنسان إلى جانب أقاربه عند حاجتهم، فيساعدهم بما يستطيع من مال أو خدمة أو مساندة في الشدائد، رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: “صل رحمك ولو بشربة من ماء”[8]؛ لأن القريب أولى بالمعونة من غيره، وفي مثل هذه المواقف يظهر صدق صلة الرحم وقوة الترابط بين أفراد العائلة.
والمساعدة للأقارب قد تكون واجبة في بعض الحالات، كما في النفقة على من تجب نفقته من الأقارب كنفقة الأب على أولاده الفقراء، ونفقة الأولاد القادرين على والديهم الفقيرين. وقد تكون المساعدة مستحبة، كالإنفاق على الإخوة والأخوات وسائر الأقارب ممن لا تجب نفقتهم.
كما ينبغي عند إخراج الحقوق المالية للفقراء، مثل الخمس أو الزكاة أو الكفارات ونحوها، أن يقدَّم الأقارب المحتاجون إذا كانوا مستحقين لأن الأقربين أولى بالمعروف. رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: “إن الصدقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرَّحِمِ اثنتان: صدقةٌ وصِلَةٌ”.[9]
رابعًا: السؤال عنهم والاهتمام بأحوالهم
قد لا يحتاج القريب إلى مال أو مساعدة، لكنه يحتاج إلى من يسأل عنه ويهتم به. فالاتصال البسيط أو السؤال عن الصحة أو الاطمئنان على الأحوال يترك أثرًا كبيرًا في القلب. وكثير من الناس يشعرون بالفرح عندما يتذكرهم أقاربهم ويسألون عنهم.
خامسًا: مشاركتهم أفراحهم وأحزانهم
من صلة الرحم أن يشارك الإنسان أقاربه في المناسبات المهمة في حياتهم. فعندما يفرح القريب بزواج أو نجاح أو مولود جديد يكون حضور الأقارب ومشاركتهم سببًا لزيادة الفرح. وكذلك في أوقات الحزن، مثل المرض أو الوفاة، فإن وقوف الأقارب مع بعضهم يخفف الألم ويقوي الروابط بينهم.
سادسًا: الكلام الطيب والدعاء لهم
الكلمة الطيبة بين الأقارب تقوي العلاقة بينهم، مثل الثناء عليهم أو الدعاء لهم بالخير. قال رسول الله صلى الله عليه واله في وصيته لأبي ذر: (يا أبا ذر الكلمة الطيبة صدقة …).[10]
وقد لا يتمكن الإنسان أحيانًا من زيارة أقاربه أو التواصل معهم، لكن يمكنه أن يذكرهم بالدعاء ويسأل الله لهم الصحة والبركة، أو يذكرهم بخير في غيبتهم. وهذا أيضًا من مظاهر صلة الرحم التي تحافظ على المحبة بين القلوب، رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام: “قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم”.[11]
وبذلك يتضح أن صلة الرحم قد تضم مجموعة من التصرفات اليومية البسيطة التي تحافظ على علاقة المحبة بين الأقارب، وتجعل العائلة متماسكة ومتعاونة كما أراد الله تعالى.
المبحث الثالث: ثمار صلة الرحم وعواقب القطيعة
المطلب الأول: ثمار صلة الرحم
تُعدّ صلة الرحم من الأعمال التي لا تقتصر آثارها ونتائجها على جانب واحد، بل تمتد لتشمل حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، لما لها من أثر عميق في بناء الفرد والمجتمع. ويمكن تقسيم هذه الآثار إلى قسمين رئيسيين:
القسم الأول: الثمار الدنيوية لصلة الرحم
لقد ذكرت النصوص الروائية جملة من الآثار والثمار التي تعود على الإنسان في حياته الدنيا نتيجة محافظته على صلة رحمه. ومن هذه الروايات:
@ رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: «صلة الرحم تزكي الأعمال، وتنمي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسر الحساب، وتنسئ في الأجل»[12]
@ ورُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: صلة الرحم تهون الحساب وتقي ميتة السوء».[13]
ومن خلال هاتين الروايتين يمكن استخلاص جملة من الآثار، منها: أن صلة الرحم سبب في تزكية الأعمال وزيادة بركتها، كما أنها تؤدي إلى نماء المال واتساع الرزق، وتدفع عن الإنسان أنواع البلاء والمحن، وتكون سببًا في طول عمره، كما تخفف عنه سكرات الموت، وتقيّه ميتة السوء، أي تحميه من الموت على حال سيئة أو خاتمة غير محمودة.
القسم الثاني: الثمار الأخروية لصلة الرحم
وتظهر ثمار صلة الرحم أيضًا في الآخرة من خلال ما أعده الله من التيسير والنجاة لصاحبها في أمور عديدة، منها:
@ يسر الحساب: رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله: “صلة الرحم تهوّن الحساب وتقي ميتة السوء”.[14]
@ الثواب الجزيل: رُوي عن صلى الله عليه وآله: “من مشى إلى ذي قرابة بنفسه وماله ليصل رحمه، أعطاه الله عزّ وجلّ أجر مائة شهيد، وله بكلّ خُطوة أربعون ألف حسنة، ويُمحى عنه أربعون ألف سيئة، ويرفع له من الدرجات مثل ذلك، وكأنما عَبد الله مائة سنة صابراً محتسباً”.[15]
@ جواز المرور على الصراط: عن النبي صلى الله عليه وآله: “حافتا الصراط يوم القيامة الرحم والأمانة، فإذا مرّ الوصول للرحم المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنة “.[16]
المطلب الثاني: عواقب قطيعة الرحم
تُعدّ قطيعة الرحم من أخطر السلوكيات التي حذّر منها الإسلام، لما يترتب عليها من آثار سلبية تمس الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة.
وهي تنقسم أيضًا إلى قسمين:
القسم الأول: العواقب الدنيوية لقطيعة الرحم
لقد ذكرت النصوص الروائية جملة من العواقب والمخاطر التي تعود على الإنسان في حياته الدنيا نتيجة قطيعة رحمه، ونذكر منها:
@ تعجيل الفناء: تعجّل الفناء أي تقصّر العمر الحقيقي أو تعجّل المصائب التي تؤدي إلى هلاكه أو شقائه؛ لأن قطيعة الرحم سوف تجر إلى المشاحنات والخصام والصدام وقد يؤدي ذلك إلى القتل وسفك الدماء.
قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: “أعوذ بالله من الذنوب التي تعجّل الفناء”، فقام إليه عبد الله بن الكواء اليشكري فقال: يا أمير المؤمنين: أو تكون ذنوب تعجّل الفناء؟ فقال: نعم ويلك قطيعة الرحم.[17]
@ ضياع الأموال: إنّ قطيعة الرحم تُضعف التكافل والثقة بين الأقارب، فيسود الظلم والأنانية، فيسهل على الأشرار السيطرة على الأموال. رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام: “إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار”. [18]
@ رفع الرحمة: إنّ صلة الرحم مظهر للرحمة، فإذا قُطعت قست القلوب، ومع غياب التراحم تُرفع الرحمة الإلهية. عن النبي صلى الله عليه وآله: “إن الرحمة لا تنزل على قومٍ فيهم قاطع رحم”.[19]
القسم الثاني: العواقب الأخروية لقطيعة الرحم
وتظهر عواقب قطيعة الرحم أيضًا في الآخرة من خلال ما أعده الله من العقاب وسوء المصير، نذكر منها:
@ دعاء الرحم عليه يوم القيامة: رُوي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: “إن الرحم معلّقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني”.[20]
@ السقوط عن الصراط: عن النبي صلى الله عليه وآله: “حافتا الصراط يوم القيامة الرحم والأمانة، .. وإذا مرّ الخائن للأمانة، القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل وتكفأ به الصراط إلى النار”.[21]
@ اللعنة وسوء المصير في الآخرة: قال تعالى: [.. وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ].[22]
@ الحرمان من ريح الجنة: رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “… فَإِنَّ رِيحَ الجَنَّةِ تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَلَا يَجِدُهَا عَاقٌ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ”.
المبحث الرابع: إصلاح العلاقات الرحمية وتقويتها
في هذا المبحث نقف على سبل إصلاح العلاقات الرحمية وتقويتها، من خلال بيان أبرز التبريرات التي يتذرّع بها قاطعو الرحم والرد عليها بأسلوب علمي وتربوي هادف. كما نسلّط الضوء على أهم الوصايا العملية التي تعزّز صلة الرحم وتحمي من الوقوع في القطيعة، بما يسهم في بناء علاقات أسرية متينة ومستقرة.
وسنطرح هذا المبحث في مطلبين وهما:
المطلب الأول: تبريرات قطيعة الرحم وسبل علاجها
يتذرّع بعض الناس بأعذار لتبرير قطيعة الرحم، لكنها لا تصمد أمام الشرع والعقل، إذ لا تبيح ترك ما أوجبه الله. لذا لا بد من بيان خطئها وطرح سبل علاجها وإحياء صلة الرحم.
ومن أبرز هذه التبريرات وطرق علاجها ما يأتي[23]:
التبرير الأول: كثرة المشاكل والخلافات بين الأرحام
التبرير الأول الذي يحتج به كثير من الناس لقطع صلة الرحم هو وجود المشاكل والخلافات بين الأقارب. ولا شك أن وقوع الخلاف أمر طبيعي في حياة الناس؛ لأن الإنسان قد يخطئ وقد يسيء التقدير، رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون”.[24]
لكن المشكلة الحقيقية ليست في وقوع الخلاف، بل في طريقة التعامل معه وكأن الحل الوحيد هو الهجر والابتعاد، مع أن هذا يزيد المشكلة ولا يعالجها.
فكثير من القطيعة تبدأ بسبب كلمة عابرة، أو سوء فهم بسيط، ثم يكبر الأمر شيئًا فشيئًا بسبب الغضب والعناد حتى يتحول إلى عداوة طويلة، وبخاصة عند تداخل المصالح والعلاقات بشكل أكبر، كحالات المصاهرة، أو الاشتراك في عمل أو تجارة، أو حين تمتد الخلافات إلى الأبناء فيما بينهم، فتتشابك المشكلات وتتسع دائرتها.
ومن منظور الدين والعقل، فإن قطع الرحم لم يكن يومًا علاجًا للخلاف، بل العكس هو الصحيح؛ فاستمرار التواصل، ولو بالحد الأدنى، يخفف التوتر، ويكسر الحواجز، ويمنح فرصة لعودة المودة مع مرور الزمن. أما القطيعة فتُغلق باب الإصلاح، وتُراكم الأحقاد في القلوب.
ولهذا، فإن علاج هذه المشكلة يكون من خلال الأمور الآتية:
1. ضبط النفس، وعدم التسرّع في ردود الفعل، ومعالجة الخلاف بالحكمة والهدوء، لا بالغضب والانفعال. لأن تضخيم المشكلات الصغيرة هو الذي يحوّلها إلى أزمات كبيرة. والتاريخ يقدم لنا أمثلة واضحة على خطورة تضخيم الخلافات الصغيرة، ومن أشهرها حرب البسوس في الجاهلية والتي نشبت بين أبناء وائل بن ربيعة استمرت ما يقرب من اربعين عامًا وهم بنو عمومة ورحم واحد!
والعجيب أن الشرارة التي أشعلت تلك الحرب الطويلة كانت سببًا تافهًا للغاية، إذ بدأ الأمر بقتل حيوان، فتحوّل إلى نزاع دموي أُزهقت فيه الأرواح لعقود طويلة.
وهنا يبرز السؤال: كم من “بسوس” نراها اليوم في مجتمعاتنا؟ كم من خلاف بسيط يتضخم حتى يتحول إلى قطيعة وعداوة بين الأقارب؟ مع أننا نعيش في زمن يفترض أننا تجاوزنا فيه تلك السلوكيات الجاهلية التي لا تمتّ إلى الدين ولا إلى الإنسانية ولا إلى الحضارة بصلة.
2. من العلاج أيضًا أن يتعلم الإنسان العفو والإصلاح، فلا يجعل كل خطأ سببًا للهجر، بل يسعى لتهدئة النفوس، ويحفظ ما بقي من المودة. نعم، يأخذ الحذر ويتعلم من التجربة، لكنه لا يهدم العلاقة.
3. لو استمرت المشكلة ولم تُحلّ، فلا يجوز أن تكون سببًا لقطع الرحم. وهذا ما تؤكده سيرة أهل البيت عليهم السلام بأوضح صورة؛ فقد رُوي عن سالمة مولاة أبي عبد الله عليه السلام أنها قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام حين حضرته الوفاة، فأغمي عليه فلمّا أفاق قال: أعطوا الحسن بن عليّ بن الحسين -وهو الأفطس-سبعين دينارًا، وأعطوا فلاناً كذا وكذا، وفلاناً كذا وكذا فقلت: أتعطي رجلاً حمل عليك بالشّفرة؟ فقال: ويحك أما تقرأين القرآن؟ قلت: بلى. قال: أما سمعت قول الله عزّ وجلّ:﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ﴾.[25]
الخلاصة: الخلاف لا يبرّر القطيعة، بل هو موضع اختبار؛ فليُعالَج بالحلم، وكظم الغيظ، والمبادرة إلى الإصلاح، وتقديم بقاء العلاقة على كسب الموقف، لتبقى صلة الرحم محفوظة.
وإليكم بعض الاستفتاءات الواردة وفق فتاوى سماحة السيد السيستاني دام ظله، ومنها:
السؤال (1): لنا أخ تزوّج دون رضا إخوته وأخواته، وقد تسبب هذا الزواج في نشوء خلافات وفرقة بيننا، مما دفعنا إلى الابتعاد عنه تجنّبًا للمشاكل العائلية. وقد حاولت التواصل معه عدة مرات، لكن الخلاف كان يزداد في كل مرة، فهل يجوز لي الاستمرار في مقاطعته؟
الجواب: لا تقطع علاقتك به مهما أمكن. [26]
السؤال (2): أنا شاب أبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، ووالدي يمنعني من زيارة خالتي بسبب سوء علاقته بزوجها، إضافة إلى أسباب أخرى لا أراها مقنعة. فهل يجوز لي زيارتها رغم منعه، أم يجب عليّ طاعته؟
الجواب: الأولى لك ان تصل الرحم بوجه آخر كالتفقد بالهاتف ونحو ذلك، ولكن لا يجب عليك إطاعة هذا النهي إذا استلزم قطع الرحم، بل مطلقاً إذا لم يكن النهي عن شفقة عليك. [27]
السؤال (3): ما حكم من وقع خلاف بينه وبين أخيه، أدى إلى خصام وانقطاع بينهما استمر نحو أربع أو خمس سنوات؟ وقد حصل بينهما تواصل لفترة قصيرة، ثم عاد الخلاف من جديد. فما هو الحكم الشرعي في مثل هذه الحالة؟
الجواب: يحرم على الأحوط هجر المؤمن أكثر من ثلاثة أيام. [28]
التبرير الثاني: انحراف الأرحام عن الالتزام الديني
التبرير الثاني الذي يحتج به بعض الناس لقطيعة الرحم هو أنّ أقاربهم غير ملتزمين دينيًا، فيظنون أن الابتعاد عنهم هو التصرف الصحيح. لكن هذا الفهم غير دقيق؛ لأن الإسلام لا يرضى بقطع الرحم بسبب ضعف التدين أو الانحراف، ويدعو إلى استمرار التواصل معهم. بل الإسلام لا يشترط أن تكون الرحم مؤمنة أو مسلمة، فقد سأل جهم بن حميد الإمام الصادق عليه السلام قائلاً: “يكون لي القرابة على غير أمري ألهم عليّ حق؟ قال: نعم حق الرحم لا يقطعه شيء، وإذا كانوا على أمرك كان لهم حقّان: حقّ الرحم وحقّ الإسلام”.[29]
لكن ينبغي أن نعلم أنّ التعامل مع القريب المنحرف في سلوكه أو عقيدته له حالتان:
الحالة الأولى: إذا لم يكن هناك تأثير سلبي على ديننا ودين الأهل كالزوج والأولاد، فيجوز التواصل معه وزيارته مع الحذر من التأثر به، ويرجع ذلك لأسباب منها:
1. إنّ ابتعاد المتدين عن أقاربه غير الملتزمين لا يكون حلًا، بل قد يخلّف في نفوسهم صورة منفّرة عن أهل الدين، ويزيدهم نفورًا من الهداية بدل أن يقربهم منها. أما إذا قابلهم بالمودة، وأحسن إليهم في القول والفعل، وتعامل معهم برفق واحترام، فإن ذلك قد يفتح قلوبهم، ويهيّئهم لتقبّل الحق، لذا رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وآله سُئل: أيّ الصدقة أفضل؟ فقال: «على ذي الرحم الكاشح»[30]، أي القريب الذي يحمل في نفسه العداوة.
2. إن الأقارب أولى الناس بالنصيحة والتوجيه، لأن الإسلام جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الشعائر المهمة في حياة المسلم. ومن الطبيعي أن يكون الأقارب أقرب الناس إلى هذا الواجب؛ فالتواصل معهم، ومشاركتهم في مناسباتهم، والوقوف إلى جانبهم، يفتح باب النصح والتأثير فيهم بلطف وحكمة. ولذلك فإن صلة الرحم مع غير الملتزمين قد تكون طريقًا لإصلاحهم، لا سببًا لتركهم والابتعاد عنهم.
الحالة الثانية: إذا كان التواصل القريب معه، كالمجالسة المستمرة أو الصداقة الوثيقة، يؤثر على دين الإنسان أو يضعف اعتقاده أو يعرّضه للانحراف، فلا يجوز الاستمرار في هذا النوع من العلاقة؛ لأن حفظ الدين مقدّم على غيره.
لكن هذا لا يعني جواز قطع الرحم معه بشكل كامل، لأن صلة الرحم تبقى واجبة حتى مع وجود الانحراف. ولذلك يجب على الإنسان أن يبحث عن طريقة يحقق بها الصلة دون أن يعرّض نفسه للخطر. فيقتصر على الحد الأدنى الآمن من التواصل، مثل الاتصال به للاطمئنان عليه، أو السؤال عن أحواله عبر الهاتف أو الرسائل أو مواقع التواصل الاجتماعي، مع الحرص على تجنّب كل ما يوقع في ما لا يرضي الله. وبذلك يحافظ على صلة رحمه من جهة، ويتجنب الحرام من جهة أخرى.
وعليه، فإن الامتناع عن زيارته أو مجالسته لا يُعدّ قطيعة رحم إذا كان الهدف منه حماية الدين، مع بقاء أصل التواصل قائمًا ولو بالحد الأدنى. أما القطيعة المحرّمة فهي ترك التواصل معه تمامًا بلا سؤال ولا اهتمام.
وإليكم نماذج من الاستفتاءات الواردة وفق فتاوى سماحة السيد السيستاني دام ظله، منها:
السؤال (1): قطيعة الرحم من الكبائر المسقطة للعدالة، فهل تجوز إذا ترتب على الصلة ضرر ديني أو دنيوي معتد به لدي العقلاء؟
الجواب: نعم تجوز ولكن القدر الأدنى من الصلة لا يتسبب عادة في الضرر المعتد به. [31]
السؤال (2): هل يجوز عقد الصداقة والمراودة مع من يتعاطى الربا من الاقارب، ويمتنع من أداء الخمس أو الزكاة أو لا يصلي إلا أحيانًا أو لا يقبل الفقه ولا الفقاهة ولا التقليد أو يقول بوجود ائمة متعددون بعدد الأعصار والاجبال؟ وهل الامتناع من التردد عليه والحديث معه يعد قطعًا للرحم؟
الجواب: إذا كان ذلك يؤثر سلباً على دينك واعتقادك فلا يجوز التردد وعقد الصداقة معه. ولأجل ألّا يكون ذلك قطع رحم منك فاقتصر على الاتصال به من خلال الهاتف ونحوه تسأل فيه عن صحته.[32]
التبرير الثالث: الانشغال بأعباء الحياة
التبرير الثالث الذي يحتج به بعض الناس لقطيعة الرحم قولهم: “إن مشاغل الحياة الكثيرة لا تترك لهم وقتًا للتواصل مع أقاربهم”.
لكن هذا العذر لا يصح؛ لأن كثرة الأعمال لا تمنع الإنسان من تخصيص وقت يسير للسؤال عن أهله وأقاربه. فالحياة وإن كانت مليئة بالانشغالات، إلا أن فيها أوقاتًا مناسبة للتواصل، مثل العطل الأسبوعية أو الأعياد والمناسبات التي يجتمع فيها الناس بطبيعتها.
ولذلك يجدر بالمؤمن أن يحسن تنظيم وقته، وألا يضيّعه فيما لا يعود عليه بنفع في دنياه ولا في آخرته، وأن يقدّم الواجبات على المستحبات والمباحات، فيجعل الأولوية للواجبات، ومن ذلك الصلاة وأن يقدّم صلة الرحم على الانشغال باللهو واللعب وقضاء الوقت الطويل مع الأصدقاء.
كما أن وسائل الاتصال الحديثة جعلت صلة الرحم أسهل من قبل؛ فمكالمة قصيرة أو رسالة بسيطة أو مساعدة عند الحاجة تكفي لإبقاء العلاقة حيّة بين الأقارب. ومع ذلك نرى بعض الناس ينشغلون بالدنيا إلى درجة تضعف صلتهم بأرحامهم، حتى إن بعضهم لا يعرف كثيرًا من أقاربه، أو لا يلتقي بهم إلا نادرًا. وهذا يدل على أن المشكلة في الغالب ليست ضيق الوقت، بل ضعف الاهتمام بصلة الرحم التي أكد عليها الإسلام لما لها من أثر كبير في حفظ تماسك الأسرة وتقوية المودة بين أفرادها.
التبرير الرابع: الاحتجاج ببدء الآخر بالهجر
التبرير الرابع الذي يحتج به بعض الناس لترك صلة الرحم قولهم: “إن أقاربهم هم الذين بدأوا بالهجر والابتعاد”، فيظنون أن ذلك يبرر لهم ترك زيارتهم أو التواصل معهم. لكن هذا العذر في الحقيقة لا يرفع المسؤولية عن الإنسان؛ لأن القطيعة لا تُعالج بقطيعة أخرى، بل تزداد رسوخًا عندما يصر كل طرف على الهجر. فالمؤمن لا ينتظر أن يبدأ الآخر بالصلة، بل يسعى هو إلى إصلاح العلاقة وردم فجوة الخلاف.
رُوي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: “ما من مؤمنين اهتجرا فوق ثلاث إلا وبرئت منهما في الثالثة، قيل: هذا حال الظالم فما بال المظلوم؟ فقال: ما بال المظلوم لا يصير إلى الظالم فيقول: أنا الظالم، حتى يصطلحا”.[33]
ولهذا جاء توجيه الإسلام واضحًا في عدم مقابلة القطيعة بالقطيعة، بل بالصلة والإحسان. فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «لا تقطع رحمك وإن قطعك»[34]. فالدين يربي الإنسان على أن لا يقاد وراء الغضب والانفعالات، لأن اتباع العاطفة قد يقوده إلى معصية الله وقطع ما أمر الله به أن يوصل.
والإنسان الذي يصل رحمه رغم جفائهم يكون قد جاهد نفسه جهادًا عظيمًا، ويكون حاله كالقابض على جمرة؛ لأن النفس تميل بطبيعتها إلى مقابلة الإساءة بالإساءة. لكنه يقدّم طاعة الله على مشاعره، فيتحمل المشقة النفسية ويغالب ما في قلبه من ضيق أو حزن. ولهذا يكون أجره أعظم؛ لأنه صبر على ما يكره، وأصلح العلاقة رغم صعوبتها. وقد يظن بعض الناس أن المبادرة بالصلة في مثل هذه الحال ضعف أو تنازل عن الكرامة، لكن الحقيقة أن الكرامة الحقيقية هي في طاعة الله، وفي حفظ الروابط التي أمر بها، لا في الاستمرار في القطيعة والخصام.
@ قد يذكر أحدهم أنّه بذل جهده في صلة رحمه مرارًا، فزار وسلّم، غير أنّ الطرف الآخر يقابل ذلك بالصدّ والإعراض، ويرفض حتى ردّ السلام، ويُصرّ على القطيعة، فيتساءل الواصل للرحم: هل يكون آثمًا في هذه الحال؟
الجواب: لا إثم عليه ما دام قد قام بما عليه من السعي إلى الصلة، لكن ينبغي له أن يصبر ولا يدخل في خصومة أو شجار، وألا يترك محاولة الإصلاح. ويمكنه أن يواصل صلته بطرق أخرى، كالمساعدة ولو بشكل غير مباشر، أو الدعاء له بالهداية، أو التصدق عنه رجاء دفع البلاء.
تنبيه: عبارة «لا إثم عليه» مستفادة من بعض الاستفتاءات الواردة وفق فتاوى سماحة السيد السيستاني دام ظله، ومنها:
سؤال(1): إذا كان الهجران صادراً من أحدهم دون الآخر، والطرف المهجور يحاول التقرب وتحسين العلاقة والآخر يصر على القطيعة، فما الحكم؟
الجواب: الآثم هو الأول.[35]
سؤال (2): إخوان اثنان أحدهما مخاصم الآخر لا يريد أن يتكلم معه مع العلم أن الأخ الصغير عمل كل ما في وسعه من أجل الإصلاح ولكن أخيه مصر على المقاطعة والاثنان يريدان أن يذهبا إلى الحج، فهل هناك إشكال على الذي يريد الصلح ولكن الثاني مصر على عدم الإصلاح؟
الجواب: لا شيء عليه. [36]
وينبغي أيضًا تنبيه قاطع الرحم إلى ما يترتب على فعله من عقوبة الله، ومنها تعجيل الفناء وزوال النعمة. فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: قال له أحدهم: “إنَّ أخوتي وبني عمي قد ضيقوا عليّ الدار وألجأوني منها إلى بيت ولو تكلمت أخذت ما في أيديهم، قال: فقال لي: اصبر، لأنّ الله سيجعل لك فرجاً، قال فانصرفت ووقع الوباء في سنة إحدى وثلاثين ومائة فماتوا والله كلهم فما بقي منهم أحد، قال فخرجت فلما دخلت عليه قال ما حال أهل بيتك؟ قال: قلت له: ماتوا والله كلهم فما بقي منهم أحد، فقال: هو بما صنعوا بك وبعقوقهم وقطع رحمهم بتروا”.[37]
توضيح الحديث:
إنّ قول الرجل ” ضيقوا عليّ الدار ” أي أزعجوه في بيته ولم يتركوا له راحة، أو ضيّقوا عليه في حقه في السكن. وقد يُفهم أنهم كانوا يعيشون في دار واحدة.
وقوله: «وألجأوني منها إلى بيت»، فالمراد بالبيت في التعبير القديم الغرفة، أي إنهم أجبروه واضطروه إلى الانتقال إلى غرفة ضيقة.
وقوله: ” ولو تكلمت أخذت ما في أيديهم “، أي لو أردت أن أتكلم وأطالب بحقي لاستطعت أن آخذ ما بأيديهم.
فقال له الإمام عليه السلام: اصبر، فإن الله سيجعل لك مخرجًا.
يقول الرجل: فصبرت، وبعد مدة انتشر وباء، فماتوا جميعًا ولم يبق منهم أحد. فلما أخبرت الإمام عليه السلام بما حدث، قال: إن ما أصابهم كان بسبب ظلمهم لك، وعقوقهم، وقطعهم للرحم.
وهذا يبين أن قطيعة الرحم والظلم لا يمرّان دون عاقبة، وأن الصبر مع التزام الحق يكون عاقبته خيرًا.
التبرير الخامس: الاختلاف في الفكر والرأي
من الأعذار التي يتذرع بها بعض الناس لقطع صلة الرحم الاختلاف في الفكر أو الرأي. فكثير من العلاقات العائلية تفككت بسبب خلافات سياسية أو حزبية، حتى أصبح بعض الأقارب يتجنبون بعضهم لمجرد اختلاف الموقف أو الانتماء. وقد زاد الإعلام والتحزّب من حدة هذه الانقسامات، حتى امتد الخلاف أحيانًا إلى داخل الأسرة الواحدة. ولا يقتصر الأمر على الاختلاف السياسي، بل قد يحدث الأمر نفسه بسبب الاختلاف الفكري أو المذهبي حتى وصل الأمر بأحد الوهابيين إلى أن أقدم على قتل أبيه! ثم ألقى بعد ذلك بجثته في شط الفرات! لا لشيء إلا لأنه ألح بنهيه عن متابعة هذا الفكر الخطير والمدمر! [38]
لكن ينبغي أن نعلم أن الاختلاف في الرأي أمر طبيعي، وكما قيل: “اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية”، فلا يمكن أن يتفق الناس جميعًا في كل شيء. لكن الخطأ هو أن نجعل هذا الاختلاف سببًا لقطع الرحم، وكأن العلاقة العائلية تُبنى على الاتفاق فقط.
الدين لا يطلب منك أن توافق أقاربك في كل آرائهم، لكنه يطلب منك أن تبقى قريبًا منهم وتحسن التعامل معهم، حتى لو اختلفت معهم. قال تعالى: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ].[39]
وإذا كان قريبك يخالف الحق الذي دلّ عليه القرآن وأهل البيت عليهم السلام، فليس الحل أن تقاطعه، بل أن تحاوره بهدوء، وبالحكمة والموعظة الحسنة، بعيدًا عن التعصب والغضب؛ لأن الشدة تنفّر القلوب وتزيد الخلاف. قال تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ].[40]
فإن اهتدى فذلك هو المطلوب، وإن أصرّ على رأيه، فقد أديت تكليفك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يجوز لك بعد ذلك أن تقاطعه، بل تحافظ على صلته مع الحذر من التأثر به.
ومن جهة العقل، إذا قطعت قريبك بسبب رأيه، فلن تستطيع التأثير عليه أبدًا، بل سيزداد تمسكًا بما هو عليه. أما إذا بقيت على صلة به، وتكلمت معه بهدوء واحترام، فقد يتغير أو يراجع نفسه.
لذلك، كن حكيمًا: الزم الحق الموافق لتعاليم محمد وآله عليهم السلام، وادعُ إليه، فإن خالفك الآخرون فاحترم اختلافهم، ولا تقطع العلاقة.
المطلب الثاني: وصايا لبناء صلة رحم قوية
إن صلة الرحم لا تتحقق بمجرد التمنّي، بل تحتاج إلى خطوات عملية واعية تُحيي المودّة، وتقوّي الروابط، وتحمي من القطيعة، وسنطرح هذه الخطوات في صورة وصايا عبر النقاط الآتية:
1. استحضار دوافع صلة الرحم
اجعل في ذهنك دائمًا ما يحفّزك على الاستمرار في صلة الرحم؛ فهي واجب شرعي، وقطيعتها من الكبائر. وتذكّر باستمرار ما ذكرناه في المبحث الثاني من المخاطر المترتبة على القطيعة، وما لصلة الرحم من منافع دنيوية وأخروية، فهي سبب لرضا الله، وطول العمر، وزيادة البركة. يضاف إلى ذلك ما أثبتته الأبحاث العلمية من أنها تمنح الإنسان راحة نفسية، إذ يخفف التواصل مع الأقارب من الضغوط ويمنحه شعورًا بالأمان، وقد أكدت الروايات أنها تطيّب النفس وتحسّن الأخلاق.
2.تقدير قيمة الأرحام في الشدائد
تذكّر أن أقاربك المؤمنين هم أول من يقف معك عند الأزمات ماديًا ومعنويًا، فالإنسان لا يعيش وحده، وأرحامه هم السند الأقرب الذي لا يُعوّض. وعند الحاجة إلى المساندة، لا يكن اختيارك لأحدهم عشوائيًا، بل احرص على الرجوع إلى العاقل المؤمن، الحافظ للأسرار، القادر على النصح والإرشاد وتقديم العون.
3.إحياء المودة بالمبادرة
ابدأ أنت بصنع المحبة عبر الدعوات والزيارات والهدايا ومواساتهم في أفراحهم وأحزانهم، فهذه الأمور البسيطة تُلين القلوب بسرعة. جرّب وستلاحظ كيف تتحول العلاقة من جفاف إلى دفء.
4. الحرص على اللقاءات الدورية:
احرص على زيارة أرحامك، وبالأخص القريبين منهم، وفي مقدّمتهم الوالدان والأبناء والإخوة والأخوات والأجداد والجدات. ثم سائر الأقارب كالأعمام والعمّات والأخوال والخالات وأبنائهم.
وحاول أن يكون اللقاء المباشر على فترات متقاربة لا يحصل معها انقطاع حسب القرب والحاجة ولا سيما كبار السن والمرضى والمحتاجين، فهم أحقّ بالاهتمام والسؤال.
5. استثمار الوسائل الحديثة بذكاء:
إنّ اللقاء المباشر مع الأرحام لا تعوّضه وسائل التواصل. ولكن إذا تعذّر اللقاء المباشر لظرف، فليكن التواصل عبر الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي بديلًا مؤقتًا، لا أصلًا دائمًا.
فمع التطور الحديث أصبح التواصل مع الأقارب سهلاً في كل وقت، مهما بعدت المسافات. فيمكن الاطمئنان عليهم برسالة أو اتصال، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، بل ورؤيتهم عبر الاتصال المرئي وكأنك معهم.
6.تجنّب تضخيم الخلافات الأسرية
كثير من القطيعة ينشأ من خلاف يسير، ثم يتفاقم بسبب العناد والإصرار. فاحرص على تهدئة الأمور قبل أن تتعقّد، لأن بقاء العلاقة أهم من كسب الموقف.
ولا يجوز للمسلم أن يدعو إلى قطيعة الرحم أو يفرضها على غيره؛ فلا يحق للأب أن يمنع أولاده من صلة أرحامهم، ولا يحق للزوج أن يمنع زوجته من صلة أرحامها. كما لا يجوز لمن هم تحت ولاية الولي أن يطيعوه في المعصية، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق[41]، ومع ذلك إذا أصرّ الولي، فالأفضل لهم-أي لمن تحت ولايته-أداء الصلة ولو بالاقتصار على الحد الأدنى، تجنبًا للمشاكل الأسرية. وإليكم استفتاء من مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله:
السؤال: إذا كان الزوج يمنع زوجته من صلة أرحامها فهل يجوز لها الخروج لصلة الأرحام من دون إذنه؟
الجواب: يجوز لها الخروج إذا توقّف صدق صلة الرحم عليه عرفًا.[42]
أمّا إذا أمكنها أداء الصلة بوسائل أخرى، كالسؤال عبر الهاتف أو مواقع التواصل، أو بإرسال من ينوب عنها في المساعدة المادية أو المعنوية، فلا يجوز لها الخروج إلا بإذنه.
7. الحذر من تضييع الوقت:
إنّ الانشغال المفرط بمواقع التواصل، وقضاء الساعات في اللهو والمتابعة، يسرق وقت الإنسان دون أن يشعر، حتى يضيق وقته عن أهله وأرحامه، فتضعف العلاقات بسبب الإهمال وقلة التواصل الحقيقي.
لذا ينبغي على المسلم أن يضبط وقته، وليحدّد مواعيد واضحة لزيارة أرحامه، كأن يقرّر زيارة فلان في يوم معيّن أو أسبوع محدّد، ثم يلتزم بذلك.
8.تقوية الوازع الديني
كلما كان ارتباطك بالله أقوى، كانت علاقاتك أفضل وأكثر توازنًا. الدين ليس عبادات فقط، بل هو منهج يعالج المشاكل ويضبط السلوك.
9.اللين والحوار أساس الاستمرار
اختر كلماتك بعناية، وتحدث بلطف واحترام حتى عند الاختلاف. الكلمة الطيبة تفتح القلوب، والعنف في الكلام يغلقها.
10.الحذر من الإعلام المفسد للعلاقات
ينبغي الحذر الشديد مما يُطرح في الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، لما له من تأثير كبير في تغيير طريقة تفكير الإنسان تجاه أهله وأقاربه. فكثير من مضامين المنشورات تروّج لفكرة حب الذات وتقديم النفس على كل شيء، وتدعو إلى قطع العلاقة عند أول خلاف، أو مقابلة الإساءة بالإساءة بدل العفو والإحسان، كما تُضعف قيمة الصبر والتسامح، حتى تبدو القطيعة أمرًا مبررًا ومقبولًا في نظر الإنسان.
ومع تكرار هذه الأفكار، يتأثر الإنسان بها تدريجيًا دون أن يشعر، فيبدأ بالابتعاد عن أرحامه، ويقسو قلبه تجاههم، ويظن أنه يحافظ على كرامته، بينما هو في الحقيقة يفرّط بواجب عظيم. وقد حذّر الإمام الجواد عليه السلام بقوله: “من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس”[43]، لأن الاستماع المستمر يجعل الإنسان يتبع هذه الأفكار ويتأثر بها.[44]
المبحث الخامس: صلة آل محمد من المفهوم إلى التطبيق
المطلب الأول: غاية الصلة صلة آل البيت عليهم السلام
نقف في هذا المطلب عند أسمى مراتب صلة الرحم وأعظم مصاديقها، لنتعرّف على من قدّمهم الشارع المقدّس وجعل لهم الأولوية في هذه الصلة.
فهل هم أرحامنا النسبيون كآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا، وإخواننا وأخواتنا، وأبنائنا؟ أم أن هناك امتدادًا أعمق وأشرف لهذا المفهوم، يتجاوز حدود النسب المادي ليشمل رابطة أعظم وأبقى؟
عند التأمل والتدبر الدقيق في الآيات الكريمة يتبيّن بُعدٌ أوسع، حيث تشير النصوص إلى نوع آخر من الصلة، وهي الصلة المعنوية التي تتمثل في الارتباط بأهل البيت عليهم السلام.
فصلة الرحم في المنظور القرآني والروائي لا تنحصر في دائرة النسب، بل تمتد لتشمل رحمًا أعظم قدرًا، وأرفع منزلة، وهم محمد وآل محمد عليهم السلام. ويؤيد ذلك النصوص الشرعية الآتية:
@ رُوي عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام:﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾ قال: “نزلت في رحم آل محمد وقد يكون في قرابتك)، ثم قال: ولا تكونن ممن يقول في الشيء إنه في شيء واحد”.[45]
@ رُوي عن عمران بن مريم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله:﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾قال: (من ذلك صلة الرحم، وغاية تأويلها صلتك إيانا).[46]
@ رُوي عن محمد بن الفضيل قال: سمعت العبد الصالح يقول:﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾قال: (هي رحم آل محمد معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني، وهي تجري في كل رحم).[47]
وهذا البيان الشريف يكشف بوضوح أن صلة الرحم لها مستويان: مستوى نسبي يشمل الأقارب من جهة النسب، ومستوى أعلى وأشرف يتمثل في صلة أهل البيت عليهم السلام، دون أن يُلغى أحدهما الآخر، بل يجتمعان في منظومة واحدة من الطاعة والقرب إلى الله تعالى.
ونريد في هذا المطلب أن نطرح السؤال الآتي:
لماذا تؤكّد الشريعة بشدة على صلة رحم محمد وآله عليهم السلام؟
الجواب:
1.لأن محمد وآله بمنزلة آبائنا الحقيقيين
رُوي عن علي بن أبي طالب عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنا وعلي بن أبي طالب أبوا هذه الأمة، ولحقنا عليهم أعظم من حق والديهم، فإنا ننقذهم إن أطاعونا من النار إلى دار القرار، ونلحقهم من العبودية بخيار الأحرار “.[48]
2.لأن صلتنا لرحم أهل البيت هي أجر رسالة النبي صلى الله عليه وآله
الله تعإلى جعل محبة أهل البيت عليهم السلام مقابلًا لجهد النبي صلى الله عليه وآله في هداية الناس، قال تعالى: [قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ][49]، فحين نصلهم ونحبهم نكون قد أدّينا جزءًا من شكر هذه النعمة العظيمة بطريقة بسيطة وواضحة.
قال الحسين بن علي عليهما السلام: “من آثر طاعة أبوي دينه محمد وعلي على طاعة أبوي نسبه قال الله عز وجل له: لأوثرنك كما آثرتني، ولأشرفنك بحضرة أبوي دينك كما شرفت نفسك بإيثار حبهما على حب أبوي نسبك”.[50]
3. لأن صلتنا لهم هي الطريق الصحيح للدين وقدوته العملية
أهل البيت عليهم السلام هم الذين يبيّنون الدين كما أراده الله، وهم القدوة الكاملة في تطبيقه، لأنهم مطهّرون معصومون، فحياتهم مليئة بالصبر والعفو والعدل. ومن يرتبط بهم يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا ويتعلّم كيف يطبّقه في سلوكه وأخلاقه، ومن ذلك التزامه بصلة أرحامه النسبيين، لأن صلتهم تعني طاعتهم والعمل بتعاليمهم، وفي مقدّمتها صلة الرحم التي أمر الله بها.
وقال الحسن بن علي عليهما السلام: محمد وعلي أبوا هذه الأمة، فطوبى لمن كان بحقهما عارفًا، ولهما في كل أحواله مطيعا، يجعله الله من أفضل سكان جنانه ويسعده بكراماته ورضوانه.[51]
4.لأن صلتهم تحفظ الإنسان من الانحراف
عندما يكون الإنسان قريبًا منهم فكريًا وقلبيًا، فإنه يبتعد عن الأفكار الخاطئة، لأنهم الميزان الذي يميّز به الحق من الباطل.
رُوي عن فاطمة عليها السلام أنها قالت لبعض النساء: “أرضي أبوي دينك محمدًا وعليًا بسخط أبوي نسبك، ولا ترضي أبوي نسبك بسخط أبوي دينك، فإن أبوي نسبك إن سخطا أرضاهما محمد وعلي بثواب جزء من ألف ألف جزء من ساعة من طاعاتهما، وإن أبوي دينك إن سخطا لم يقدر أبوا نسبك أن يرضياهما، لان ثواب طاعات أهل الدنيا كلهم لا تفي بسخطهما”.[52]
5. لأن صلتهم تقرّب إلى الله وهي طريق النجاة والسعادة
صلة أهل البيت عليهم السلام ليست مجرد علاقة عاطفية، بل هي طريق عملي للتقرّب إلى الله من خلال محبتهم واتباعهم.
قال محمد بن علي عليهما السلام: “من أرد أن يعلم كيف قدره عند الله فلينظر كيف قدر أبويه الأفضلين عنده: محمد وعلي عليهما السلام”.[53]
وأن التمسك بهم طريق للنجاة، لأنهم يدلّون الإنسان على الطريق الصحيح الذي يوصله إلى رضا الله وسعادة الدنيا والآخرة.
رُوي أنّ فاطمة عليها السلام قالت: “أبوا هذه الأمة محمد وعلي، يقيمان أودهم، وينقذانهم من العذاب الدائم إن أطاعوهما ويبيحانهم النعيم الدائم إن وافقوهما”.[54]
المطلب الثاني: مسلم بن عقيل النموذج الأمثل لصلة الرحم
السؤال الأخير والمهم الذي وجب أن نطرحه في هذه المحاضرة هو:
كيف نصل رحم آل محمد عليهم السلام؟
الجواب:
تكون صلة رحم أهل البيت عليهم السلام بمحبتهم الصادقة، ومعرفتهم حق المعرفة، وإحياء ذكرهم وسيرتهم في القلوب والمجالس.
وأيضًا بالإحسان إلى ذريتهم، ولا سيما المحتاجين منهم، وذلك بدفع الحقوق الشرعية كالخمس، إذ إن الصدقة محرّمة عليهم، فيكون الخمس مورد إعانتهم، وبذلك تتحقق صلتهم عمليًا بالوفاء بحقهم ورعاية شأنهم.
كما تتحقق صلة رحم آل محمد عليهم السلام باتباعهم في العقيدة والعمل والأخلاق، والالتزام بطاعتهم المطلقة وبتعاليمهم في الحياة اليومية والسير على نهجهم والاقتداء بهم في كل شؤونه.
إن صلة محمد وآله عليهم السلام لا تتحقق بمجرد الانتساب أو المشاعر، بل تقوم على الولاء الصادق والطاعة العملية ونصرة الحق، وقد تجلّى هذا المعنى بأبهى صورة في سيرة مسلم بن عقيل، ابن عمّ الإمام الحسين عليه السلام، حيث اجتمعت في شخصه صلة النسب مع أسمى مراتب الصلة المعنوية.
فتذكر كتب السيرة والتاريخ أنه بعد هلاك معاوية وسعي يزيد إلى أخذ البيعة من الناس ولو قهرًا، رفض الإمام الحسين عليه السلام ذلك، وغادر المدينة إلى مكة، فاهتزّت قلوب أهل الكوفة، وتتابعت رسائلهم معلنة استعدادها لنصرته.
وعندها اختار الإمام مسلمًا سفيرًا عنه، لما عُرف به من صدق وثبات، ليتثبت من حال أهل الكوفة، وينقل له حقيقة موقفهم، ويدعوهم إلى بيعته، ويأخذ البيعة له إن وجدهم ثابتين على نصرته، فحمل أمانة الرسالة، ومضى نحو الكوفة بعزم راسخ، مجسّدًا أرقى معاني صلة الرحم القائمة على الوفاء والتضحية في سبيل الحق حتى وصل إلى الكوفة في اليوم الخامس من شهر شوّال سنة ستين للهجرة.
إنّ وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان لحظة مفصلية في مسار نهضة الإمام الحسين بن علي، إذ مثّل هذا الوصول بداية الاختبار الحقيقي لصدق دعوى أهل الكوفة ووفائهم لعهودهم. فقد جاء مسلم رسولًا أمينًا، يحمل رسالة الحق، ويستطلع واقع القوم الذين أغرقوا الإمام بالكتب والوعود، طالبين قدومه لنصرته.
نزل مسلم بدايةً في بيوتٍ آمنة، متنقّلًا بحكمة بين دار المختار ثم دار هاني بن عروة، ملتزمًا بتوجيه الإمام له بالكتمان والرفق، فباشر مهمته بأسلوبٍ سرّي دقيق، يجمع الناس على البيعة، ويقرأ عليهم كتاب الإمام، فتفيض أعينهم بالبكاء، وتتحرك عواطفهم نحو النصرة. حتى بلغ عدد المبايعين ثمانية عشر ألفًا، في مشهد يوحي بتهيؤ الكوفة لاستقبال الحق، لكن هذا العدد – على ضخامته – لم يكن يعكس بالضرورة استعدادًا حقيقيًا للتضحية، بل كان في جانبٍ كبير منه تعبيرًا عاطفيًا لا يصاحبه ثبات عملي.
لقد كانت مهمة مسلم أعمق من مجرد جمع البيعة؛ فقد كان مأذونًا بالتحرك، وإعداد الأرضية للثورة، بل وربما المبادرة قبل قدوم الإمام، إلا أنّ الواقع كشف أن البناء الإيماني والوعي الجهادي لم يكن مكتملاً لدى جمهور الناس. فبينما أعلن كثيرون محبتهم، لم يُبدِ الاستعداد الصادق للتضحية إلا القليل، لأن مواجهة السلطة الأموية كانت تحتاج إلى نفوسٍ واعية، ثابتة، لا تهتز أمام التهديد والترهيب.
ومع دخول عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، تغيّر المشهد سريعًا، إذ فعّل جهاز القمع، وأطلق سياسة التخويف والتجسس، واستعمل العرفاء لإحكام السيطرة على الناس، فانتشر الرعب، وتفرّق الجمع، وانكشف ضعف الالتزام عند أكثر من بايع. وهنا بدأت رحلة مسلم تتحول من مرحلة الأمل الظاهر إلى مرحلة الغربة والخذلان.[55]
ومن يتأمل هذا المشهد منذ لحظة وصوله في الخامس من شوّال، يدرك أن مسيرته كانت تسير – بعلم الإمام – نحو خاتمة عظيمة، هي الشهادة. فقد دخل مسلم الكوفة محاطًا بالآمال، وخرج منها وحيدًا إلا من إيمانه، ثابتًا على عهده، لم يتراجع رغم الانهيار الجماهيري من حوله، حتى ختم حياته شهيدًا، مجسدًا أصدق معاني الوفاء.
فَسَلَامٌ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ حِينَ وُلِدَ وَحِينَ اسْتُشْهِدَ وَحِينَ يُبْعَثُ حَيًّا
(مجردات)
| وين الذي يوصل ابهل حين | لرض المدينة أو يخبر احسين | |
| مسلم وحيد أو ماله امعين | ودارت عليه الگوم صوبين |
كتفوه أو ظل ايدير بالعين
(نصاري)
| يمسلم ريت لن هاشم زلمها | تجي أو يخفج على راسك علمها | |
| لاچن حيف ما واحد علمها | وحيد انت أو غريب ادير العيون |
***
| قليلٌ بكائي على ابن عقيلِ | وإن سال دمعيَ كلَّ مسيلِ | |
| سأبكيك ما عشتُ في أدمع | بطرفٍ على الدمع غيرِ بخيلِ[56] |
[1] أطائب الكلم في بيان صلة الرحم-الشيخ حسن الكركي-ص30.
[2] شبكة السراج/ alseraj.net/ فتاوى سماحة السيد السيستاني/ أحكام العلاقات الأسرية/ أحكام صلة الأرحام-استفتاءات موقع مكتب المرجع.
[3] مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/ الاستفتاءات/ صلة الأرحام.
[4] ذلق تعني: طلِق.
[5] الكافي-الشيخ الكليني-ج2-ص 156.
[6] الكافي-الشيخ الكليني -ج2-ص 151.
[7][7] تحف العقول-ابن شعبة البحراني-ص 57.
[8] الكافي-الشيخ الكليني-ج 2 -ص 151.
[9] سنن الترمذي-الترمذي-ج2-ص 39-ح658.
[10] الميزان في تفسير القرآن-العلامة الطباطبائي-ج 13-ص118.
[11] بحار الانوار-المجلسي-ج 71-ص310.
[12] الكافي-الكليني-ج٢-ص ١٥٢.
[13] الكافي-الشيخ الكليني-ج٢-ص ٢٢٥.
[14] أمالي الطوسي-ص481.
[15] من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج4-ص16.
[16] أصول الكافي-الشيخ الكليني-ج2، ص155.
[17] الكافي-الشيخ الكليني-ج2-ص347 -ح7.
[18] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج12-ص273-ح16287.
[19] كنز العمال-المتقي الهندي-ج3 -ص367-ح6974.
[20] الكافي، الشيخ الكليني-ج2-ص151.
[21] أصول الكافي-الشيخ الكليني-ج2-ص155-ح11.
[22] الرعد/25.
[23] راجع: صلة الرحم-موفق هاشم الرحال-ص31-38-بتصرف.
[24] سنن الترمذي-الترمذي-ج4-ص659.
[25] موسوعة شهادة المعصومين (ع)-لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع)-ج3-ص138.
[26] شبكة السراج/ alseraj.net/ فتاوى سماحة السيد السيستاني/ أحكام العلاقات الأسرية/ أحكام صلة الأرحام-استفتاءات موقع مكتب المرجع-بتصرف في صياغة السؤال.
[27] شبكة السراج/ alseraj.net/ فتاوى سماحة السيد السيستاني/ أحكام العلاقات الأسرية/ أحكام صلة الأرحام-استفتاءات موقع مكتب المرجع-بتصرف في صياغة السؤال.
[28] شبكة السراج/ alseraj.net/ فتاوى سماحة السيد السيستاني/ أحكام العلاقات الأسرية/ أحكام صلة الأرحام-استفتاءات موقع مكتب المرجع-بتصرف في صياغة السؤال.
[29] مرآة الكمال-الشيخ المامقاني-ج1-ص70.
[30] من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج2 -ص68- ح1740.
[31] مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/ الاستفتاءات/ صلة الأرحام
[32] شبكة السراج/ alseraj.net/ فتاوى سماحة السيد السيستاني/ أحكام العلاقات الأسرية/ أحكام صلة الأرحام-استفتاءات موقع مكتب المرجع.
[33] الخصال-الشيخ الصدوق-183.
[34] الكافي-الكليني-ج٢-ص٤٨٤
[35] شبكة السراج/ alseraj.net/ فتاوى سماحة السيد السيستاني/ أحكام العلاقات الأسرية/ أحكام صلة الأرحام-استفتاءات موقع مكتب المرجع-بتصرف في صياغة السؤال.
[36] شبكة السراج/ alseraj.net/ فتاوى سماحة السيد السيستاني/ أحكام العلاقات الأسرية/ أحكام صلة الأرحام-استفتاءات موقع مكتب المرجع-بتصرف في صياغة السؤال.
[37] الذنوب الكبيرة-دستغيب-ج1-ص164.
[38] جرت هذه الحادثة في إحدى مناطق عامرية الفلوجة المطلة على نهر الفرات بحسب ما نقل لنا بعض الأشخاص عن ينتمي إلى تلك المناطق جغرافياً واجتماعياً وعشائرياً. نقلا عن كتاب: كتاب: صلة الرحم-موفق هاشم الرحال-ص37.
[39] فصلت/34.
[40] آل عمران/159.
[41] حديث ” ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” مرُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله. المصدر: مجموعة ورّام-الشيخ ورام-ج1-ص51.
[42] مكتب سماحة السيد السيستاني/sistani.org/ الاستفتاءات/ صلة الأرحام.
[43] الإمام الجواد ع-عبد الرزاق المقرم-ص75.
[44] بعض الوصايا مضمونها مستنتج من كتاب: صلة الرحم-موفق هاشم الرحال-15-20-بتصرف.
[45] تلخيص التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف-السيد علي الحسيني الميلاني-ص77.
[46] تفسير العياشي-العياشي-ج٢-ص ٢١٨.
[47] م.ن.
[48] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج36-ص9.
[49] الشورى/23.
[50] تفسير الإمام العسكري (ع)-المنسوب إلى الإمام العسكري (ع)-ص333.
[51] م,ن.
[52] العوالم، السيدة الزهراء (س)-الشيخ عبد الله البحراني-ص867.
[53] البرهان في تفسير القرآن-السيد هاشم البحراني-ج ٤-ص307.
[54] م.ن.
[55] تاريخ النهضة الحسينية-معهد سيد الشهداء عليه السلام للمنبر الحسيني-ص85-100-بتصرف.
[56] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج1-ص252-253.
