لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا]. [1]
من أشد ما يؤلم قلب المؤمن أن يرى آثار الدين ومواطن الطهر تُهدم وتُطمس باسم التوحيد، مع أن الإسلام يدعو إلى التعظيم والوفاء لا إلى الجفاء والهدم. ومن أبرز هذه المآسي ما جرى في البقيع، حيث هُدمت قبورٌ طاهرة تضم أئمة من أهل البيت عليهم السلام وشخصيات عظيمة من صدر الإسلام، فكان ذلك اعتداءً على تاريخ الأمة وروحها، لا مجرد إزالة أبنية.
لم يكن البقيع مجرد مقبرة، بل كان معلمًا حيًا يربط المسلمين بنبيهم وآله، ويجدد فيهم معاني المحبة والاقتداء والدعاء. لذلك فإن هدمه لم يكن حادثة عابرة، بل نتيجة فكر متشدد صوّر التعظيم المشروع على أنه شرك، وخالف بذلك القرآن الكريم والسنة وسيرة المسلمين.
وتهدف هذه المحاضرة إلى الرد على دعاوى الوهابية في مسألة زيارة القبور وتعظيمها، وذلك من خلال بيان مكانة البقيع، وإثبات مشروعية زيارة القبور، وبيان حكم شدّ الرحال لزيارة النبي صلى الله عليه وآله، وتوضيح مسألة التوسل، ثم بيان مشروعية البناء على القبور والفرق بين التعظيم والعبادة، وأخيرًا بيان آثار هدم البقيع ومسؤوليتنا تجاه هذه القضية، بأسلوب واضح مدعوم بالأدلة الشرعية.
وينبغي قبل البدء بالرد على دعاوى الوهابية أن نعرض لمحة عن البقيع وحادثة هدمه، وذلك في المطلب الآتي.
المبحث الأول: البقيع بين القداسة والهدم
المطلب الأول: بقيع الغرقد: نشأة ومكانة
مقبرة بقيع الغرقد هي المقبرة المعروفة في المدينة المنورة، تقع في الاتجاه الجنوبي الشرقي من الروضة النبوية المباركة غير بعيد عنها.
ويُقال لها: الغرقد، نسبةً إلى نوعٍ من الشجر له شوك كان ينبت فيها، ويسمى أيضًا العوسج، ثم زال هذا الشجر وبقي الاسم ملازمًا للموضع. والبقيع في اللغة هو المكان المتسع من الأرض، ولا يُسمّى بقيعًا إلا إذا كان فيه شجر[2].[3]
قبل الإسلام لم يكن بقيع الغرقد محلاً لدفن الموتى، بل بدأ الدفن فيه في السنة الثالثة من الهجرة بعدما توفي الصحابي الجليل عثمان بن مظعون، فهو أول من دفن بها. فلمَّـا مات قبَّلَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم وبكاه، وعندما سُئل: يا رسول الله أين ندفنه؟ قال صلى الله عليه وآله: “بالبقيع”.
ثم قام صلى الله عليه وآله بنفسه فَلَحَدَ له، ووضع علامة عند قبره، لتكون علامة عليه، وليدفن عنده مَنْ يموت من أهله.
وبعد ذلك توالى الدفن في هذه المقبرة المباركة، فعندما تُوفِّي إبراهيم بن رسول الله، قال صلى الله عليه وآله: “إلـحقْ بالسلف الصالح عثمان بن مظعون[4]“.[5]
ولما ماتت رقية بنت النبي صلى الله عليه وآله دفنها صلى الله عليه وآله بالبقيع[6].[7]
وهكذا صار بقيع الغرقد منذ العهد النبوي موضعًا لدفن جماعة من المسلمين، ثم اتسعت مكانتها بمرور الزمن حتى أصبحت من أشهر المعالم الإسلامية في المدينة، وأكثرها التصاقًا بتاريخ النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته وأصحابه.
وقد اكتسب البقيع قدسيته من جهات متعددة. فهو أولًا يقع في جوار المسجد النبوي الشريف، وثانيًا هو مقبرة أُذن للمسلمين أن يدفنوا فيها موتاهم، وثالثًا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يزوره، ويدعو لأهله، ويعلّم المسلمين كيف يقفون عند القبور، وماذا يقولون عند زيارتها. فالبقيع ليس موضعًا طارئًا في التاريخ الإسلامي، بل هو موضع أقرّه النبي صلى الله عليه وآله بفعله وقوله، وتعامل معه المسلمون على أنّه بقعة ذات حرمة ومكانة.
وتتجلى عظمة البقيع أكثر إذا عرفنا من احتضنتهم أرضه. ففيه قبور أربعة من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهم الإمام الحسن المجتبى، والإمام علي بن الحسين زين العابدين، والإمام محمد الباقر، والإمام جعفر الصادق عليهم السلام. وهؤلاء ليسوا رجالًا عاديين في تاريخ الإسلام، بل هم الامتداد الطاهر لبيت النبوة، وأئمة علم وهداية، ومصابيح دجى، حفظوا معالم الدين، وبيّنوا أحكام الشريعة، وربّوا الأمة على معاني الإخلاص والصبر والتقوى.
كما يضم البقيع قبور عدد من الصحابة والتابعين وأمهات المؤمنين وأشخاص ارتبطت أسماؤهم بسيرة الإسلام الأولى. ولهذا كان البقيع سجلًا مفتوحًا لتاريخ الرسالة، وموضعًا تختلط فيه مشاعر الهيبة بالحزن، والمحبة بالتأمل، والزيارة بالاعتبار.
المطلب الثاني: حادثة هدم قبور بقيع الغرقد
لم يكن هدم قبور البقيع حادثة عابرة أو تصرفًا عفويًا، بل كان نتيجة فكرٍ تبنّته الجماعة الوهابية، يقوم على اعتبار زيارة قبور الأنبياء وأهل البيت عليهم السلام وتعظيمها من مظاهر الشرك، خلافًا لما عليه جمهور المسلمين عبر القرون. وعلى أساس هذا الفهم، سعوا إلى إزالة كلّ مظهر يرتبط بهذه القبور، وعدّوا ذلك من واجباتهم الدينية.
ولم يقف الأمر عند حدود التنظير، بل طُبّق هذا الفكر بالقوة في المناطق التي سيطروا عليها، فامتدّ إلى هدم القبور والمعالم الدينية في أكثر من بلد إسلامي، وكان أشدّه في مكة والمدينة لما تضمانه من آثار عظيمة مرتبطة بالنبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته وأصحابه.
ومنها البقيع، وهو مقبرة طاهرة في المدينة المنوّرة، تقع قرب المسجد النبوي الشريف، وتضمّ قبور أربعة من أئمّة أهل البيت عليهم السلام: الإمام الحسن المجتبى، والإمام علي زين العابدين، والإمام محمد الباقر، والإمام جعفر الصادق عليهم السلام، إلى جانب عدد من الصحابة والتابعين، فكانت معلمًا إسلاميًا عظيمًا ومزارًا للمسلمين عبر القرون.
وقد تعرّض البقيع لعمليتي هدم؛ الأولى سنة 1220هـ (حوالي 1805م)، حيث أُزيلت معالمه، ثم أُعيد بناؤه بعد زوال تلك السلطة بجهود المسلمين. أمّا الثانية فكانت سنة 1344هـ (1925م)، حين سيطر آل سعود على مكة والمدينة، فاتجهوا إلى طمس هذه المعالم المقدسة، فسعوا إلى إيجاد غطاء ديني يبرّر فعلهم، فطُرح استفتاء على علماء المدينة بشأن البناء على القبور، وانتُزع الجواب بتحريم البناء عليها تحت الضغط والتهديد، ليتخذ ذريعة لتنفيذ ما كان مُخططًا له مسبقًا.
وفي الثامن من شوّال من العام نفسه، أقدمت الجماعات الوهابية على هدم قبور أئمة أهل البيت عليهم السلام وسائر القبور في البقيع، فسُوِّيت بالأرض، ومُحيت معالمها، وتعرّضت للامتهان بعد أن كانت موضع تبجيل واحترام. ولم يقتصر الأمر على الهدم، بل نُهبت محتويات الحرم من آثارٍ وهدايا، وتحول المكان إلى أرضٍ خالية موحشة.
وقد أثار هذا الحدث موجة استنكار واسعة في العالم الإسلامي، وعدّه المسلمون جريمة بحق أهل البيت عليهم السلام وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، ورفضوا التبريرات التي قُدّمت له، خاصة مع وضوح التناقض؛ إذ بقيت القبور والمعالم مبنية ومحترمة طوال قرون من تاريخ الإسلام دون إنكار.
المبحث الثاني: زيارة القبور في الإسلام
أجمع المسلمون قولًا وعملًا على زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله بل استحباب زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين، ومشروعيتها من الضروريات عند المسلمين، فضلًا عن الإجماع وسيرتهم القائمة عليها.
قال أبو حامد الغزالي: زيارة القبور مستحبة على الجملة للتذكّر والاعتبار، وزيارة قبور الصالحين مستحبة لأجل التبرك مع الاعتبار[8].[9]
في حين استندت الجماعة الوهابية التي أقدمت على هدم قبور البقيع إلى جملة من الدعاوى الواهية، من أبرزها قولهم: لا يجوز زيارة قبور الأئمة، ولا شد الرحال من الأماكن البعيدة لأجل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله، وأنها من الشرك وعبادة لغير الله تعالى[10].
وسنرد على هذه الدعاوى الثلاثة في المطالب الآتية:
المطلب الأول: مشروعية زيارة القبور في الإسلام
في هذا المطلب نعرض الرد على الدعوة الوهابية الأولى القائلة بعدم جواز زيارة قبور الأئمة، وذلك من خلال إثبات مشروعية زيارة قبور المسلمين بالأدلة القرآنية والروائية، إضافة إلى سيرة المسلمين المستمرة منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: الدليل القرآني
من الآيات التي يُستدل بها على جواز زيارة القبور:
@ قوله تعالى:﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾[11]، أي لا تُصلِّ على المنافقين إذا ماتوا، ولا تقف على قبورهم بقصد الدعاء لهم وطلب الرحمة والمغفرة، لأنهم ماتوا على الكفر والفسق.
ومن قوله تعالى:﴿ وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ﴾[12]يُفهم أن النهي مختص بالمنافق، وهذا يدل على أن الوقوف على قبر غيره أمرٌ جائز في نفسه. وليس المقصود مجرد الوقوف العابر الخالي من أي قصد، كأن يقف الإنسان عند القبر للتأمل أو لملاحظة شكل القبر أو للحديث مع غيره، لأن مثل هذا الوقوف لا يترتب عليه نهي خاص. وإنما المقصود هو الوقوف الذي يكون بقصد التعظيم والدعاء والاستغفار لصاحب القبر.
وعليه، فإن الوقوف على قبور المؤمنين للترحم عليهم وطلب المغفرة لهم أمرٌ مشروع، بل هو من الأعمال المطلوبة التي تنسجم مع روح التعاليم الإسلامية.[13]
ثانيًا: الدليل الروائي
وأمّا الدليل من السنّة الشريفة، فقد وردت أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وآله تؤكّد مشروعية زيارة قبور المؤمنين، نذكر منها الآتي:
1. روايات يرخّص ويحث فيها على زيارة قبور المؤمنين، ومن ذلك:
@ عن عائشة: إنَّ رسول اللّه رَخَّصَ في زِيارَةِ الْقُبُورِ “.[14]
@ عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله قال: “… ألا وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تزهّد في الدّنيا وترغب في الآخرة”.[15]
إنّ النهي عن زيارة القبور في بداية الإسلام لم يكن تحريمًا دائمًا، بل كان نهيًا مؤقتًا لأن المسلمين كانوا حديثي عهد بالجاهلية، فكانوا يمارسون عند القبور النياحة وأعمالًا مخالفة للشريعة، ولأن كثيرًا من موتاهم -ومنهم آباؤهم- كانوا مشركين، فخُشي أن يقعوا في الاستغفار لهم، والله نهى عن ذلك بقوله: [ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذينَ آمَنوا أَن يَستَغفِروا لِلمُشرِكينَ وَلَو كانوا أُولي قُربى مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحابُ الجَحيمِ][16]، لذا مُنعوا مؤقتًا سداً لهذا الباب.
@ بل أوصى صلى الله عليه وآله المسلمين بزيارة قبره بعد مماته قائلًا: «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي»[17]. بل أكّد ذلك بقوله: «من حجّ ولم يزرني فقد جفاني»[18].
2. روايات يحث ويعلّم فيها المسلمين كيفية زيارة القبور وآدابها، ومن ذلك:
@ عن عائشة أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ” فأَمَرَني رَبِّي أنْ آتي الْبَقيعَ فَأسْتَغْفِرْ لَهُمْ “. قلت: كيْفَ أقُولُ يا رَسُولَ اللّه؟
قالَ: قُولي: ” السَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيارِ مِنَ الْمُؤمِنينَ والْمُسْلِمينَ، يَرْحَمُ اللّه الْمُسْتَقْدِمينَ مِنّا والْمُسْتأخِرينَ، وإنّا إنْ شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ “.[19]
@ كانَ رَسُولُ اللّه يُعَلِّمُهُم ـ إذا خَرَجُوا إلى الْمَقابِرِ ـ فَكان قائِلُهُمْ يَقُولُ: السَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيارِ ـ أو ـ السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدَّيارِ مِنَ المؤمنينَ والْمُسْلِمينَ، وإنّا إنْ شاء اللّه للاحِقُونَ، أسْألُ اللّه لَنا ولَكُمُ الْعافيَة”.[20]
3. روايات تثبت أنّه صلى الله عليه وآله قد باشر زيارة القبور بنفسه، ومن ذلك:
@ رَوى مسلم في صحيحه: زارَ النَّبِىُّ قَبْرَ أُمَّه، فَبَكى وأَبْكى مَنْ حَوْلَهُ … وقالَ: ” اسْتَأذنْتُ رَبِّي في أنْ أزُورَ قَبْرَها، فأَذِنَ لي، فَزُوروا الْقُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ “.[21]
@ رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يزور قبور الشهداء وكان إذا أتى قبورهم قال: “السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار”[22].
وبما أنّ المسلم مكلّف بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله في أقواله وأفعاله وتقريراته، لقوله تعالى: [لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا][23]، فإنّ من لوازم هذا الاقتداء الالتزام بما كان عليه من زيارة قبور المؤمنين. وهذا ما قام به المسلمون منذ زمن الرسول صلى الله عليه وآله رجالًا ونساءً ومنهم فاطمة عليها السلام، حيث رُوي عن الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام أنهُ قَالَ: ” كَانَتْ فَاطِمَةُ صلوات الله عليها تَزُورُ قَبْرَ حَمْزَةَ وتَقُومُ عَلَيْهِ، وكَانَتْ فِي كُلِّ سَبْتٍ تَأْتِي قُبُورَ الشُّهَدَاءِ مَعَ نِسْوَةٍ مَعَهَا، فَيَدْعُونَ، ويَسْتَغْفِرُونَ “.[24]
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد خرج لزيارة شهداء أحد، فإنّ زيارة أئمّة أهل البيت عليهم السلام أولى وأحق، ولا سيّما أنّهم قرابته وأحبّ الناس إليه، فهم مقدَّمون في التعظيم والزيارة. فقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله: ” لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه ويكون عترتي أحب إليه من عترته ويكون أهلي أحب إليه من أهله، ويكون ذاتي أحب إليه من ذاته. “.[25]
فهم سادة الشهداء وأئمتهم، وعلى رأسهم أمير المؤمنين عليه السلام، والحسين بن علي عليه السلام أبو الشهداء، فسلام الله عليهم يوم ولدوا ويوم استشهدوا ويوم يُبعثون أحياء.
وقد وردت نصوص روائية بلغت حدّ التواتر تحث على زيارة أهل البيت عليهم السلام والصالحين، نذكر منها:
@ رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: “من ترك زيارة أمير المؤمنين عليه السلام لم ينظر الله إليه، ألا تزورون من تزوره الملائكة والنبيون”.[26]
@ عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: “ما من أحد يوم القيامة إلاّ وهو يتمنّى أنه زار الحسين بن علي عليهما السلامِ لما يرى ما يُصنع بزوّار الحسين بن علي من كرامتهم على الله”.[27]
@ عن الحسن بن عليٍّ الوشّاء «قال: قلت للرّضا عليه السلام: ما لِمَن زارَ قبر أبيك أبي الحسن عليه السلام؟ فقال: زُرْه، قال: فقلت: فأيُّ شيء فيه من الفضل؟ قال: له مثل مَن زارَ قبر الحسين عليه السلام».[28]
@ رُوي عن الإمام الجواد عليه السلام أنه قال: “من زار قبر أبي فله الجنّة”.[29]
@ عن الإمام الصادق عليه السلام: “من لم يقدر على زيارتنا فليزر صالحي موالينا ليكتب له ثواب زيارتنا”[30].
الخلاصة: إنّ هذه الروايات جميعًا تهدم من أساسه القول بأن زيارة القبور بدعة أو شرك أو أمرٌ مرفوض في الإسلام، لأنّ من شرّعها وأمر بها هو رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه، وأئمة أهل البيت عليهم السلام.
ثالثًا: الدليل التاريخي
إنّ المتتبع لسيرة المسلمين في الصدر الأوّل قبل وبعد وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله سيجدها قائمة على زيارة القبور، وإليك جملة من الشواهد التاريخية على ذلك:
1 ـ أقبل مروان يومًا فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري فقال: جئت رسول الله صلى الله عليه وآله ولم آت الحجر، ..»[31].
2 ـ إن فاطمة الزهراء عليها السلام جاءت إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله فأخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينيها وبكت[32].
3ـ إن أعرابيًا جاء الى قبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وحثا من ترابه على رأسه، وخاطبه وقال: وكان فيما أنزل عليك: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك…) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر[33]: قد غفر لك. وكان هذا بمحضر من الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام[34].
إذًا من خلال الرؤية القرآنية والأحاديث الشريفة وسيرة المسلمين، تثبت مشروعية زيارة قبور المؤمنين بشكل عام.[35]
المطلب الثاني: شدّ الرحال لزيارة النبي صلى الله عليه وآله
في هذا المطلب نردّ الدعوى الوهابية الثانية، وهي عدم جواز شدّ الرحال من الأماكن البعيدة لأجل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله.
حيث استدلّ ابن تيمية ومن تبعه على ذلك بحديث منقول عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»[36]، ففهموا منه عدم مشروعية السفر إلى غير هذه المساجد، وعمّموا هذا الفهم ليشمل السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله، لأن زيارة القبر ليست مسجدًا.
ونُجيب عن هذا الاستدلال بأن هذا الحديث لم يُروَ إلا عن أبي هريرة، ولم يُنقل في المصادر الشيعية، فلا يكون حجة عندهم. كما أن جماعة من كبار علماء أهل السنة، كالإمام السبكي في كتابه “شفاء السقام في زيارة خير الأنام”، والإمام الحصني الدمشقي في كتابه “دفع الشبه عن الرسول والرسالة”، قد أطالوا الكلام في تفسير هذا الحديث، وانتهوا إلى عدم دلالته على تحريم شدّ الرحال، بل إلى جوازه.
وخلاصة كلامهم: أن فهم الحديث يتوقف على تقدير المحذوف فيه، لأن أداة الاستثناء «إلا» تقتضي وجود مستثنى منه غير مذكور، ويمكن تقديره على صورتين:
الأولى: لا تُشدّ الرحال (إلى مسجد من المساجد) إلا إلى هذه الثلاثة. وعلى هذا يكون النهي خاصًا بالمساجد فقط، ولا يشمل السفر لزيارة النبي أو الأئمة أو الصالحين.
الثانية: لا تُشدّ الرحال (إلى أي مكان) إلا إلى هذه الثلاثة، وهذا يعني منع جميع الأسفار الدينية الأخرى، وهو غير صحيح.
والصحيح هو التقدير الأول، لعدة قرائن:
أولًا: المستثنى هو المساجد، فيكون المستثنى منه من جنسها، أي المساجد أيضًا.
ثانيًا: لو كان المقصود منع كل سفر ديني، للزم تحريم السفر إلى عرفات ومنى والمشعر في الحج، وهو باطل.
ثالثًا: النصوص الشرعية دلّت على مشروعية أسفار دينية كثيرة، كطلب العلم، والجهاد، وصلة الرحم، وزيارة الوالدين.
كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله كان يذهب إلى مسجد قباء للصلاة، وهذا يدل على جواز السفر لغير المساجد الثلاثة.
ثم إن النهي في هذا الحديث ليس نهيًا تحريميًا وانما هو إرشاد الى عدم الجدوى في هكذا سفر وذلك لأن المساجد الأخرى لا تختلف من حيث الفضيلة والدليل على ذلك ما رواه أصحاب الصحاح أنه “كان رسول الله يأتي مسجد قبا راكبًا وماشيًا فيصلي فيه ركعتين”[37].[38]
المطلب الثالث: التوسل والعبادة
في هذا المطلب نردّ الدعوى الوهابية الثالثة، وهي أن زيارة القبور وما يترتب عليها من دعاء وتوسل واستغاثة من الشرك وعبادة لغير الله تعالى.
فقد احتج ابن عبد الوهاب في جملة كلماته في كشف الشبهات على تحريم مطلق ما عليه الإمامية من تعظيم قبور الأنبياء والأولياء وإكرامها والالتزام بها وبآدابها من الزيارة والدعاء والتوسل وطلب الشفاعة: بأن هذه من جعل الإلهة. [39]
غير أنّ هذه الدعوى تفتقر إلى الدقة العلمية، إذ قامت على خلط واضح بين مفهومي العبادة والتوسل، وهو خلط لا ينسجم مع التحقيق العلمي، ولا مع النصوص الشرعية، ولا مع السيرة الإسلامية المستمرة عبر العصور، التي دلّت على مشروعية التوسل بالصالحين في حياتهم وبعد وفاتهم.
كما أنّ هذه الآراء تُعدّ من البدع لكونها خالفت ما استقرّ عليه عمل المسلمين. وقد حذّرت الشريعة من الابتداع في الدين، فقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «إنّ شرّ الأمور محدثاتها، وإنّ كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».[40]
وعليه، فإنّ تكليفنا يقتضي إظهار الحق، ودحض الشبهات، وبيان الفهم الصحيح لهذه المسألة، وهو ما نعرضه في النقاط الآتية:
أولاً: التوسل ليس عبادة
إنّ دعوى أنّ التوسل بالصالحين عبادة لهم ناشئة من عدم التمييز بين حقيقة العبادة وحقيقة التوسل. فالعبادة ـ في معناها الدقيق ـ الخضوع عن اعتقاد بألوهية المعبود وربوبيته واستقلاله في فعله[41]. وأما إذا كان الخاضع لا يعتقد بإلوهية المخضوع إليه وإنما يخضع له ويتذلل من باب التعظيم والتكريم والتبجيل، فهذا لا يُعد شركًا أبدًا.
فالشيعة الإمامية يعتقدون بأن الله وحده هو الإله المدبر، وأن الأنبياء والأولياء ـ وفي مقدمتهم أهل البيت عليهم السلام ـ عباد مكرمون، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن الله، كما قال تعالى:) قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ( ([42]) (إنّ مثل هذا التعظيم يوافق أصل التوحيد بمراتبه المختلفة دون أي شك. وأمّا إذا وقع التعظيم والتكريم للولي معتقداً بأنّه ـ حيّاً كان أو ميتاً ـ مالك لواقعية الإلوهية أو درجة منها، أو أنّه واجد لمعنى الربوبية أو مرتبة منها، فانّه ـ ولا شك ـ شرك وخروج عن جادّة التوحيد). ([43])
بينما التوسل، هو أن يتقرب الإنسان إلى الله بمن يحبهم الله ويقربهم، ليكونوا وسيلة في قضاء حاجته بإذن الله، مع بقاء الاعتقاد أن الله وحده هو الإله، وهو الذي يعطي ويمنع.
فالمتوسل حين يقول: “يا رسول الله” أو “يا ولي الله”، فهو يتقرُّب إلى الله بمن يحبه الله لأنه أقرب وسيلةً إليه منه بإذنه تعالى، لغاية تحقيق حاجاته عند الله عزّ وجلّ، وهو أمر طبيعي يفهمه كل إنسان في حياته اليومية. فنحن عندما نمرض نذهب إلى الطبيب ونتوسل إليه ليكون سببًا في شفائنا، وعندما نقع في خطر نطلب من رجل الإطفاء أن ينقذنا، ونلجأ إلى الشرطي ليحمينا. في كل هذه الحالات نحن لا نعبد الطبيب ولا الشرطي ولا غيرهم، بل نعلم أن الله هو الذي جعلهم أسبابًا لقضاء حوائجنا.
باختصار: العبادة تعني أن تعتقد أن غير الله إله، وهذا لا نقوله أبدًا، أما التوسل فهو طلب القرب من الله عبر وسيلة يحبها الله.
إذن العبادة شيء، والتوسل شيء آخر… فكيف يُجعل هذا شركًا، وهو لا يخرج الإنسان عن التوحيد أصلًا؟!
ثانيًا: مشروعية التوسل بالصالحين
نذكر منها النصوص الآتية:
@ قوله تعالى في قصة يعقوب عليه السلام: [قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا][44]، حيث طلبوا منه أن يكون واسطة في طلب المغفرة، فأقرّهم على ذلك بقوله: [سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ][45].
@ وكذلك قوله تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ﴾[46]، وهي آية تدل على مشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله، ولم تُقيَّد بحال حياته دون مماته.
@ قوله تعالى: [وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ][47]، يدلّ على الأمر باتخاذ ما يقرّب إلى الله، وقد بيّنت روايات أهل البيت عليهم السلام أنّ من أبرز مصاديقها النبي وآله، فالتوسل بهم امتثال لهذا الأمر، لا خروج عنه.
@ جرت سيرة المسلمين على زيارة النبي والتوسل به حتى بعد مماته، نذكر منها ما رُوي عن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان زمن خلافته في حاجة، فكان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فشكى ذلك لعثمان بن حنيف، فقال له ائتِ الميضاة (محل الوضوء) فتوضأ، ثم أتِ المسجد فصل ثم قل اللهم أنى أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي لتقضي حاجتي، وتذكر حاجتك، فانطلق الرجل، فصنع ذلك ثم أتى باب عثمان فجاءه البواب فأخذه بيده فأدخله على عثمان، فأجلسه معه، وقال أذكر حاجتك، فذكر حاجته فقضاها.[48]
والأمر غير متوقف على النبي بل يشمل الصالحين، فقد رُوي أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم كنا نتوسل إليك بنبيّنا فتُسقينا، وأنّا نتوسل إليك بعم نبيّنا فاسقنا، قال: فيسقون[49].
ثالثًا: عدم الفرق بين الحياة والموت في التوسل
إنّ القول بعدم جواز التوسل بالميت مبني على تصور خاطئ لمعنى الموت، إذ إنّ الموت ـ بحسب القرآن والسنة ـ ليس فناءً، بل انتقال إلى حياة أخرى هي الحياة البرزخية.
وقد دلّت الآيات على بقاء الحياة بعد الموت، منها قوله تعالى: [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ].[50]
والآيــات هذه نزلت في الشـهداء، وهي صريحة في بقاء الأرواح بعد مفارقتها الاَبـدان، وبعد انفكاك الأجسام وبلاها.
وهناك آيات ونصوص عديدة يستدل بها على كونهم أحياء لكونهم يتكلمون ويبصرون ويسمعون وقسم يتعذبون وآخر يتنعمون. ولمزيد من التوضيح نذكر الأدلة الشرعية الآتية:
@ الموتى يتكلمون: منها الآية التي نزلت في حق مؤمن آل ياسين الذي هاجمه الكفار ورجموه حتى قتل، فأُدخل الجنة فقال: [قال يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ].[51]
@ الموتى يبصرون: قال تعالى: [لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ][52]. فمعنى: «فبصرك» وهو البصيرة وعين القلب، «اليوم» وهو يوم القيامة، «حديد» أي نافذ يبصر ما لم يكن يبصره في الدنيا.[53]
@ الموتى يســـــمعون: هناك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تدل على أن الموتى يسمعون، ونحن نؤكد على السماع؛ لأننا عندما نتوسل بالأنبياء والصالحين في قضاء حوائجنا نكلمهم لأننا متيقنون أنهم يسمعوننا، وكما ورد في زيارات المعصومين عليهم السلام: “أشهد أنك تسمع كلامي وترد سلامي وإنك حي مرزوق”.
ونذكر منها النصوص الشرعية التالية:
@ الأنبياء يكلمون الموتى: ومنها قوله سبحانه: [فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمينَ* فَتَولّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَومِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصحينَ][54]. حيث دلّت الآية على أنّ الخطاب صدر بعد موتهم. فلو لم يكن هناك نوع إدراك وسماع، لما صحّ توجيه الخطاب إليهم، وهو ما يدلّ على بقاء الصلة بعد الموت.
@ إنّ القرآن الكريم يسلّم على الأنبياء قائلًا: [سَلامٌ عَلى نُوح في العالَمين][55]، و[سَلامٌ على إبراهيمَ][56]، و[سَلامٌ على مُوسى وهارونَ][57]، و[سَلامٌ عَلى آلْ ياسينَ][58]، [وسَلامٌ عَلى المُرسَلين][59]. وهذا السلام ليس شكليًا، بل حقيقي، ولا معنى له إن لم يكن الموجَّه إليه يدركه، مما يدلّ على أنهم أحياء بنحوٍ ما بعد موتهم.
@ السلام على الرسول في الصلاة: إنّ المسلمين جميعًا يسلّمون على النبي صلى الله عليه وآله في صلاتهم يوميًا بقولهم: ” السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته “. فلو كانت الصلة به منقطعة بعد وفاته، لما كان لهذا الخطاب معنى، إذ لا يُخاطَب من لا يسمع ولا يدرك، وهذا يدلّ على بقاء الارتباط به بعد وفاته. وقد جاء في الصحاح: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «ما من أحد يُسلّم عليَّ إلاّ ردّ الله عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام»[60].
ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «ما من رجل يزور قبر حميمه فيسلّم عليه ويقعد عنده إلاّ ردّ عليه السلام وأنس به حتّى يقوم من عنده»[61].
@ النبي يكلّم أهل القليب: يروى أنه لما انتهت معركة بدر بانتصار المسلمين وهزيمة المشركين وقف النبـي صلى الله عليه وآله يخاطب القتلى المشركين التي في القليب -أي البئر-، بخطاب يذكره لنا البخاري: عن نافع أنّ ابن عمر أخبره، قال: اطّلع النبي عليه السلام على أهل القليب، فقال: وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟!فقيل له: ندعوا أمواتًا، فقال: ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون”.[62]
إذن تبين أن هناك صلة بين الحياة الدنيوية والبرزخية، وإنَّه لا فرق بين الحياة والموت بالنسبة إلى أولياء الله تعالى، ولذلك فلا فرق بالنسبة إلى المؤمنين بين حياة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام والصالحين من ناحية التوسل بهم، فكما كانوا يتوسلون بهم في حياتهم ويطلبون منهم الاستغفار وقضاء الحوائج كذلك الحال بعد مماتهم[63] اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جَاءُوك فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحیمًا﴾[64]، وهذا هو المعروف من سيرة المسلمين على طول العصور.[65]
المبحث الثالث: البناء على القبور وتعظيمها
إنّ تشييد الأبنية على قبور الأنبياء والأولياء هو أمرٌ درج عليه أتباع الأنبياء والشرائع السماوية عبر العصور، قبل الإسلام وبعده. فقد اعتادوا إقامة الأضرحة والبناء على قبورهم، ولا يزال كثيرٌ منها قائمًا إلى يومنا هذا في العراق وفلسطين وبلاد الشام.
غير أنّ الوهابيين زعموا أنّ ذلك من الشرك أو من البدعة، فأجمعوا أمرهم على هدم هذه الأبنية والأضرحة.
يقول ابن القيم في كتابه «زاد المعاد في هدى خير العباد»: يجب هدم المشاهد التي بنيت على القبور ولا يجوز إبقاؤها، بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً[66].[67]
وهذه الشبهة مردودة من جهات متعددة، فإنّ القرآن الكريم قد أشار إلى جواز البناء على القبور في قصة أصحاب الكهف، كما تدلّ عليه النصوص الروائية وسيرة المسلمين المستمرة. وسيأتي بيان هذه الأدلة في المطلب الأول.
كما أنّ الخلط بين البناء بقصد العبادة لصاحب القبر، وهو المحرّم، وبين البناء بقصد التعظيم والصيانة وحفظ المعالم الدينية، هو منشأ هذا الوهم، وسيُبحث هذا التفصيل في المطلب الثاني.
المطلب الأول: مشروعية البناء على القبور وتعظيمها
إنّ الرد على شبهة حرمة البناء على القبور يقوم على جملة من الأدلة الشرعية، من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وسيرة المتشرعة، وهي على النحو الآتي:
1-قوله تعالى: [فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا]. [68]
إنّ هذه الآية من الآيات الكريمة التي تُفيد أنّ من سنن أهل الشرائع السماوية تعظيم قبور أوليائهم، ومن ذلك البناء عليها أو عندها.
وقد بيّن الزمخشري في تفسيره معنى قوله تعالى:﴿ ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ﴾[69]، فقال: أي ابنوا على باب كهفهم لئلّا يتطرق إليهم الناس، محافظةً على تربتهم وصونًا لها، كما صينت تربة رسول الله بالحظيرة.
كما فسّر قوله تعالى:﴿ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾[70]. بأن القائلين بذلك هم المسلمون، وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم، فاتخذوا عند موضعهم مسجدًا يُصلّى فيه، ويتبرّك بمكانهم. [71]
2-قوله تعالى: [قل لَّا أَسْأَلكمْ عَلَيْه أَجْرًا إلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقرْبَى][72] تدل هذه الآية على وجوب مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله وجوبًا مطلقًا غير مقيّد بزمان أو مكان أو كيفية. ومن مصاديق هذه المودة عرفًا: تعظيم قبورهم والعناية بها، ومن ذلك البناء عليها وإعمارها.
3-قوله تعالى: [وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ][73]، وقوله أيضًا: [وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ][74]، يدلان على مشروعية تعظيم كل ما ينتسب إلى الدين. ومن أبرز مصاديق ذلك: صيانة قبور الأنبياء والصالحين وحفظها من الاندراس، بالبناء عليها وتجديدها، لأن ذلك من التعظيم عرفًا.
بل إن هذه البقاع أولى بالتعظيم من غيرها، إذ جعل الله بعض الأماكن كالصّفا والمروة من شعائره، فكيف بما يضم أجساد الأنبياء والأولياء. وهي داخلة في قوله تعالى:﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾[75]، لكونها من مواضع العبادة والطاعة.
4-قوله تعالى:﴿ فَالَّذينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزُّروهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفلِحُونَ ﴾[76]، يدل على وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وتوقيره، ويُفهم ذلك من قوله تعالى:﴿ وعزّروه ﴾، أي وقّروه وعظّموه. وهذا التعظيم لا يختص بحياته، بل يشمل ما بعد وفاته.
ومن مصاديق هذا التعظيم: صيانة آثاره وقبره الشريف وتعظيمها، فإن تعهد القبور والمشاهد المشرفة بالبناء والإعمار يُعدّ من مظاهر تكريمه صلى الله عليه وآله.
وكما أن تعمير المساجد وتعظيمها داخل في عموم آيات التعظيم، كذلك المشاهد المقدسة، لكونها من معالم الدين وشعائر الإسلام.
5-إقرار النبي صلى الله عليه وآله والصحابة على البناء.
فإنّه صلى الله عليه وآله أقرّ بناء الحِجر، وكذلك أصحابه. والحِجر هو الموضع المحاط بجدار نصف دائري إلى جانب الكعبة المشرفة، المعروف بحِجر إسماعيل. ولم يأمروا بهدمه، مع أنه مدفن نبي الله إسماعيل عليه السلام وأمّه هاجر، وهكذا إقرارهم على بناء قبر النبي إبراهيم الخليل عليه السلام، وبقية قبور الأنبياء والمرسلين حول بيت المقدس.
ثم إنّ إقرار الصحابة على دفن رسول الله صلى الله عليه وآله في الحجرة التي توفّي فيها، وهي مشيّدة بالبناء، ودُفن الخليفة الأول والثاني فيها من بعد النبي صلى الله عليه وآله ولم يأمروا بهدمها، بل العكس أمروا بإعمارها، دليل قاطع على جواز البناء على القبور.
6-الروايات الواردة في كتب الفريقين عن رسول الله صلى الله عليه وآله في الحثّ على زيارة القبور ـ والتي تقدّم ذكرها في مبحث مشروعية الزيارة ـ لا تقتصر دلالتها على أصل الجواز فحسب، بل تكشف عن مشروعية تعظيم القبور، إذ إن الزيارة في حقيقتها مظهر من مظاهر التعظيم، ويترتّب عليها بطريق الأولوية جواز ما يحفظ حرمة القبر ويصونه، كترميمه وإصلاحه والبناء عليه.[77]
7-إخبار النبي صلى الله عليه وآله ببناء قبور أهل البيت وإعمارها
تدلّ الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله على إخبارٍ وبشارةٍ بإعمار قبور أهل البيت عليهم السلام وتعاهدها، وجعل ذلك عملاً مقرّبًا إلى الله تعالى، مما يكشف عن مشروعية البناء على القبور بل رجحانه.
فقد رُوي عن الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: «يا أبا الحسن إن الله جعل قبرك وقبر ولدك بقاعًا من بقاع الجنة وعرصات من عرصاتها.
وإن الله عز وجل جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحن إليكم وتحتمل المذلة والأذى فيكم، فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقربًا منهم إلى الله ومودة منهم لرسوله، أولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي والواردون حوضي وهو زواري وجيراني غدا في الجنة.
يا علي من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس. ومن زار قبوركم عدل ذلك ثواب سبعين حجة بعد حجة الإسلام وخرج من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمه.
فأبشر يا علي وبشر أولياءك ومحبيك من النعيم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر!
ولكن حثالة من الناس يعيرون زوار قبوركم بزيارتكم كما تعير الزانية بزناها. أولئك شرار أمتي لا تنالهم شفاعتي ولا يردون حوضي».[78]
المطلب الثاني: الفرق بين التعظيم والعبادة
نصل هنا إلى السبب الثاني الذي دعا الوهابية إلى القول بحرمة البناء على القبور واعتباره شركًا، وهو الخلط بين مفهومين مختلفين: التعظيم والعبادة، وهو خلط غير صحيح من الناحية الشرعية والعقلية؛ لأنّ كل عبادة تتضمن نوعًا من التعظيم، ولكن ليس كل تعظيم يُعدّ عبادة.
ولتوضيح هذا الفرق ورفع الاشتباه، نبيّن ذلك من خلال النقاط الآتية:
أولاً: إن تعظيم أهل البيت عليهم السلام لا يعني عبادتهم، لأننا ذكرنا أنّ العبادة: هي الخضوع عن اعتقاد بألوهية المعبود وربوبيته واستقلاله في فعله.[79]
ونحن نقرّ يوميًا بأن أهل البيت عليهم السلام هم عباد لله، ففي الأذان والإقامة نقول بأن محمدًا رسول الله، وعليًا ولي الله، وفي الشهادة نقول: وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله، وعندما نتوسل بأهل البيت عليهم السلام نقول: (يا وَجِيهاً عِنْدَ اللهِ اِشْفَعْ لَنا عِنْدَ اللهِ)([80])، وعندما نقرأ أدعية أهل البيت عليهم السلام نجدهم يعلّموننا بأنهم عبيد لله، فمن أدعية الإمام زين العابدين عليه السلام أنه قال: «اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك… » ([81])
ثانيًا: إنّ تعظيم أولياء الله كالأنبياء والصالحين لو كان شركاً لما أمر الله عباده بتعظيمهم، وإليكم الأدلة القرآنية الآتية:
# لقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، قال سبحانه: )وإذْ قُلنا للملائِكةِ اسْجُدُوا لآدَمْ([82]، فالسجود هنا لا يُعدّ عبادة، بل هو غاية الخضوع والتذلّل من باب التكريم والتعظيم والتبجيل والتقدير لنبي الله آدم عليه السلام.
# إنّ القرآن يصرّح بأنّ أبوي يوسف وإخوته سجدوا لنبي الله يعقوب عليه السلام، حيث قال: )وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أبَتِ هذا تَأويلُ رُؤَيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبّي حَقّاً([83]، فسجود نبي الله يعقوب لولده يوسف عليهما السلام فيه دلالة على جواز تعظيم ولي الله ولو بالسجود الذي يعدّ غاية الخضوع.
# إنّ القرآن الكريم أمرنا جميعًا بأن نتخذ من مقام إبراهيم مصلّى، قال تعالى: )وَاتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبراهيم مُصَلّى([84]، ولا ريب في أنّ الصلاة إنّما هي للّه، ولكن إقامتها خلف مقام إبراهيم الذي يرى فيه أثر قدميه هو نوع من التكريم والتعظيم لذلك النبي العظيم ولا يتصف هذا العمل بصفة العبادة مطلقاً، وإلا استلزم ذلك دخول حتى الوهابية في الشرك.
#بل إنّ التعظيم شمل حتى غير المعصومين كالوالدين؛ لأن الله تعالى أمرنا جميعًا بخفض الجناح لهم، الذي هو كناية عن الخضوع الشديد الذي يعد من مصاديق التعظيم، قال تعالى: )وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ([85].
ثالثًا: إنّ الشريعة الإسلامية أمرتنا بتعظيم أهل البيت عليهم السلام، نذكر منها النصوص الآتية:
#قال تعالى:) قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ([86]، إنّ المراد بــ «القربى» في الآية هم أهل بيت النبي عليهم السلام، يعني الإمام علي والسيدة فاطمة والأئمة من ذريتهم عليهم السلام وتعظيمهم هو من مصاديق مودتهم.
# قال سبحانه:) وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ(.([87])
الشعائر جمع شعيرة، وهي العلامة[88]، وإن أهل البيت عليهم السلام هم من أبرز علامات الله، فقد رُوي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله:﴿ وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾[89]، قال عليه السلام: «النجم رسول الله، والعلامات الأئمة من بعده»[90]، وإنّ تعظيمنا وتقديسنا لمحمد وآل محمد عليهم السلام ـ بمحبتهم ومودّتهم، ونشر علومهم، والفرح لفرحهم، والحزن لحزنهم، وزيارة مراقدهم، وتعظيم قبورهم والبناء عليها وصيانتها ـ إنما هو طاعة لله تعالى، لأنه داخل في تعظيم شعائره.
#قوله تعالى:) فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ([91]، فالآية تأمرنا بتعظيم الرسول صلى الله عليه وآله بالتعزير والنصرة، حيث إن معنى (التعزير: النصرة مع التعظيم)[92].
#قال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ([93].
بمعنى أنّ الله تعالى يأمر المؤمنين بتعظيم الرسول صلى الله عليه وآله -حيًا وميتًا-بعدم رفع الصوت (لأن فيه أحد الشيئين إما نوع استخفاف به فهو الكفر وإما سوء الأدب فهو خلاف التعظيم المأمور به)[94]، وسيترتب عليه إحباط الأعمال.[95]
المبحث الرابع: البقيع: من آثار الزيارة إلى مسؤولية الأمة
المطلب الأول: الآثار المترتبة على تعظيم القبور وآثار إهمالها
إنّ إحياء القبور بزيارتها وتعظيمها تترتّب عليه آثار إيجابية تمتد إلى دين الإنسان ونفسه، وتنعكس على سلوكه ومجتمعه وأمّته، بينما يؤدي طمسها ومنع زيارتها إلى آثار سلبية تمسّ هذه الجوانب جميعًا، وتُضعف حضور الدين في الفرد والحياة العامة. ويمكن بيان أهم هذه الآثار على النحو الآتي:
أولًا: التذكير بالموت وترسيخ الإيمان بالآخرة
تُوقظ زيارة القبور القلب من غفلته، إذ يرى الإنسان فيها حقيقة المصير المحتوم، فيدرك أنّ الدنيا فانية وأنّ الآخرة هي دار القرار، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكّر الآخرة»[96].
ثانيًا: تنمية المشاعر الإيمانية والعواطف النبيلة
تُسهم زيارة القبور في إحياء مشاعر الخير في النفس، وتنمية حب الفضيلة، إذ تُرقّق القلب وتُزيل قسوته، فهذا التأثر الصادق ينعكس على سلوك الإنسان، فيزيده رحمةً ولينًا، ويُقوّي روابط المحبة والتراحم بين الناس، ويبعث فيه روح المسؤولية، فيحرص على أداء الحقوق، وصيانة الأمانات، وبناء علاقات قائمة على البرّ والإحسان.
ثالثًا: الاقتداء العملي بسيرة الصالحين
تُسهم زيارة قبور الأنبياء والأئمة والصالحين في استحضار سيرتهم ومواقفهم، فيتأثر الزائر بأخلاقهم وجهادهم، ويدفعه ذلك إلى الاقتداء بهم في سلوكه، فتتحول الزيارة إلى وسيلة عملية لإصلاح النفس والعمل بالحق.
كما أنّ الوقوف عند قبورهم يُجدّد في النفس روح الالتزام، ويبعث على محاسبة الذات، فيقيس الإنسان نفسه بمواقفهم في الثبات والتضحية.
وبذلك لا تبقى الزيارة مجرد تأثر عاطفي، بل تتحول إلى منهج عملي ينعكس على حياة الإنسان وسلوكه اليومي.
رابعًا: حفظ رسالة الإسلام من خلال تعظيم رموزها
إنّ تعظيم قبور الصالحين وزيارتها يُبقي الرسالة حيّة في وجدان الأمة، لأن حفظ المبادئ يكون بحفظ رموزها، ومن هنا فإن بقاء هذه المعالم وصيانتها تُسهم في منع اندثار القيم، ويُحافظ على الهوية الدينية من التحريف والنسيان.
ولهذا نجد أنّ الأمم تعمد إلى إحياء ذكر عظمائها، وبناء المعالم لهم، تخليدًا لمواقفهم وربطًا للأجيال بسيرتهم، وهو أمر ينسجم مع التوجيه القرآني:﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾[97]، أي استحضار الوقائع العظيمة التي تُجسّد الحق.
وعليه، فإنّ زيارة قبور الأنبياء والأئمة عليهم السلام ليست مجرد زيارة، بل هي إحياء دائم لذكراهم، وربطٌ حيّ بين الأمة ورسالتها، وتجديدٌ للعهد مع مبادئهم.
خامسًا: نيل البركات وقضاء الحوائج بالتوسل المشروع
من الآثار العظيمة لزيارة قبور الأنبياء والأئمة والصالحين أنّها من المواطن التي يُرجى فيها استجابة الدعاء، فيتوسل المؤمن بهم إلى الله تعالى لقضاء حوائجه، لما لهم من مقام رفيع عنده.
ومن آثار زيارة المعصومين كزيارة الإمام الحسين عليه السلام: غفران الذنوب، تكثير الحسنات، رفع الدرجات، تفريج الكرب، قضاء الحوائج، دفع البلاء، زيادة الرزق، طول العمر، نيل الشفاعة، القرب من النبي وآله، اكتساب الحكمة، ترسّخ محبة أهل البيت في القلب… إلخ
المطلب الثاني: تكليفنا تجاه هدم قبور البقيع
قد يتساءل الإنسان: إذا كان الله قادرًا على كل شيء، فلماذا لم يمنع هدم قبور البقيع، ولماذا ترك هذا الظلم يقع؟
الجواب: إنّ الله سبحانه لم يجعل الدنيا دار جزاءٍ نهائي، بل جعلها دار ابتلاء واختبار، ليظهر صدق المؤمن من ادّعاء غيره. قال تعالى:﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾.[98] فلو تدخّل الله تعالى ومنع الظالمين قهرًا، كأن يشل أيديهم أو يسلب قدرتهم، لانتفى معنى الاختيار، ولأصبح الإنسان مجبورًا لا مختارًا، وهذا يتنافى مع حكمة التكليف التي بُني عليها الحساب. قال تعالى:﴿ كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ ﴾.[99]
ومن هنا، فإن وقوع هذا الظلم لم يكن غفلة من الله، بل لحكمة عظيمة، منها أنّه يكشف حقيقة المواقف: من الذي يتألم لأهل البيت عليهم السلام؟ من الذي يدافع عن مقدساتهم؟ من الذي يسكت؟ ومن الذي يبرر الظلم؟
فتتحول هذه الحادثة إلى ميدان اختبار حقيقي للولاء والصدق.
كما أنّ بقاء هذه الجريمة دون محو يجعلها حجة قائمة على الظالمين، وشاهدًا عليهم يوم القيامة، حيث لا يضيع شيء عند الله، بل تُعرض الأعمال وتنكشف الحقائق. قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾[100].
ومن جهة أخرى، فإنّ نصرة الدين لا تقوم دائمًا على المعجزات، بل تقوم على موقف الإنسان واختياره، قال تعالى:﴿ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾[101].
فالله تعالى أراد أن يرى من ينصر دينه، ويُعظّم أولياءه، ويحفظ آثارهم، لا أن يتدخل بدلًا عنهم.
السؤال الذي ينبغي علينا طرحه في نهاية المحاضرة هو:
إذا كان هذا هو واقع الابتلاء، فما هو تكليفنا نحن تجاه هدم قبور الأنبياء والأوصياء، ومنها البقيع؟
الجواب: إنّ فاجعة البقيع ليست ذكرى تُحكى، بل مسؤولية تُحمل، ولذلك فإنّ تكليفنا يتمثل في أعمال واضحة ينبغي أن نمارسها في واقعنا:
1. إبقاء القضية حيّة في الوعي: تحدّث عن البقيع في المجالس، اذكره في محاضراتك أو دروسك، علّم أبناءك من هم أئمة البقيع، وانشر معلومات صحيحة عنه في وسائل التواصل، ولا تدع القضية تُنسى.
2. رفض الصمت والحياد: إذا سُمعت شبهة أو إنكار، لا تسكت، بل بيّن الحق بأسلوب حكيم، وأظهر موقفك بوضوح أنك ترفض هذا الظلم، ولو بكلمة أو منشور أو نقاش واعٍ.
3. تحويل الحزن إلى عمل: لا تكتفِ بالبكاء أو التأثر، بل اجعل ذلك دافعًا للقراءة، والتعلّم، ونشر الوعي، والمشاركة في إحياء القضية، ولو بعمل بسيط مستمر.
4. السعي لإزالة آثار الظلم: ادعم كل مشروع أو صوت يطالب بإعادة إعمار البقيع، وتبنَّ هذا الهدف في خطابك وكلامك، وادعُ إليه بوعي وثبات.
5. العمل بروح جماعية: شارك في الأنشطة، انضم إلى من يهتم بهذه القضية، تعاون مع غيرك في نشرها، ولا تعمل وحدك بمعزل عن الآخرين.
6. أداء الدور بحسب القدرة: إن كنت خطيبًا فاذكر البقيع، إن كنت كاتبًا فاكتب عنه، إن كنت مربيًا فاغرس حب أهل البيت، وإن كنت فردًا عاديًا فانشر وادعُ وتفاعل بصدق.
7. تجسيد الولاء عمليًا: أظهر حبك لأهل البيت بالدفاع عن حرماتهم، والغيرة على قبورهم، وعدم الرضا بإهانتهم، واجعل موقفك شاهدًا على صدق محبتك.
8. الاستفادة من دروس التاريخ: لا تكن ممن يسكتون عن الظلم، بل خذ موقفًا واضحًا، وعلّم غيرك أن التخاذل هو سبب استمرار المظالم.
9. التمهيد لنصرة الإمام المهدي عليه السلام: درّب نفسك على نصرة الحق، وعدم السكوت عن الظلم، لتكون مستعدًا لنصرة الإمام حين الظهور، وابدأ بذلك من موقفك تجاه البقيع.
10. الاستمرار وعدم الانقطاع: لا تجعل قضية البقيع تُذكر في وقت ثم تُنسى، بل أبقها حاضرة في قلبك وكلامك دائمًا، في الحج والعمرة والمناسبات. ليبقى البقيع حيًا في وعيك كما هو، لا كما أُريد له أن يُطمس.
وينبغي استثمار وسائل الإعلام الحديثة، ولا سيما مواقع التواصل الاجتماعي، في نصرة محمد وآل محمد، ونشر علومهم، وبيان مكانتهم، وكشف مظلوميتهم، وفي طليعتها فاجعة هدم قبور البقيع، تلك الجريمة التي وقعت في الثامن من شوّال سنة 1344 هـ الموافق 1925 م، حين مُدّت يد العدوان فسوّت القبور الطاهرة بالأرض، ومُحيت معالمها، بعد أن كانت مناراتٍ للهدى، ومهوًى لقلوب المؤمنين، فتحوّل ذلك الموضع الشريف إلى أرضٍ خالية موحشة، بعد أن كان مفعمًا بالحضور والهيبة.
ولم يكن هذا الهدم موجّهًا إلى بناء جامد، بل كان اعتداءً صارخًا على قبورٍ لها حرمتها في الإسلام، فكيف إذا كانت قبور حجج الله على عباده، وأعلام الهدى، وأئمة الدين؟!
فهذا قبر الإمام الحسن عليه السلام، سبط رسول الله وريحانته، وسيد شباب أهل الجنة، عنوان الحلم والصبر…
وهذا قبر الإمام زين العابدين عليه السلام، إمام الساجدين، صوت كربلاء الباكي، وحافظ رسالتها…
وهذا قبر الإمام محمد الباقر عليه السلام، باقر العلوم، الذي أعاد للدين معالمه وفتح أبواب المعرفة…
وهذا قبر الإمام جعفر الصادق عليه السلام، الذي نشر فقه آل محمد، وأقام صرح العلم في الأمة…
قبورٌ عظيمة هُدمت قبابها، وسُوِّيت بالأرض، ومُحيت معالمها، وتعرّضت للامتهان بعد أن كانت مواضع تعظيم وإجلال…
وحين يقف الموالي لأهل البيت أمامها، لا يرى حجارةً مهدّمة فقط، بل يرى جراحًا نازفة، فينزف قلبه ألمًا، وتنساب دموعه حزنًا، ويخرج من أعماقه أنين موجع:
واحسناه… واسجاداه… واباقراه… واصادقاه…
وصدق الشاعر الشيخ عبد المحسن ملا عطية الجمري حينما قال:
| قـف وابكي آل رسول الله قد هدمت | قـبـابـهم وغـــدت تـسـتـنطق الـدمـنا | |
| قـــبــور آل رســـــول الله دنــســهـا | حـقد الأولـى نصبوا بغضاءهم علنا | |
| ويــلٌ لـهم هـدموا تـلك الـقباب جـفاً | مـاذا تـرى غـيهم لو أدركوا الحسنا | |
| أو أدركــوا زمـن الـسجاد لانـتهكوا | مــقــامـه وأذاقـــــوا آلــــه الإحــنــا | |
| وبـاقـر الـعـلم لـو لاقـوه لامـتعضوا | وكـفـروه وقـالـوا الـشـرك مـنـه دنـا | |
| ولــو رأوا جـعـفرا فــي كـفه شـرفا | قـضـيـب طــه لـقـالوا يـعـبد الـوثـنا | |
| يــا زائــرا طـيـبة فـالخير فـي قـبب | كـانـت مـشـيدة تـقـري الأنــام سـنـا | |
| والـيـوم تـربـتها تـقري الأنـام هـدى | وتـنـعش الـفـكر والأرواح والـبـدنا | |
| زر فــي الـبقيع قـبورا جـل رافـعها | ســر الـوجود بـها لا تـرهب الـزمنا | |
| تـمـر مــن تـحـتها الأجـيال خـاشعة | سـيان تقري هدى من حل أو ضعنا | |
| مـثـوى الأئـمـة مـن أبـناء أحـمد لـو | هـجرت فـي حـبها الأهلين والوطنا | |
| لـكـنت أعـجـز عــن تـقـدير رتـبتها | أنّـــا وتـربـتـها قـــد فــاقـت الـسـنـنا | |
| لا يـنـكر الـفـضل الا مـن تـسير بـه | ركـبـانـه نــحـو الــحـاد لـــه وخــنـا | |
| سـيان مـن فـارق الـقربى وناصبهم | صـلى وحـج وزكـى أو هـوى وزنا |
هؤلاء الأئمة الأطهار عليهم السلام لم يقتصر ظلمهم على ما بعد رحيلهم، بل عاشوا مرارة الظلم في حياتهم بأقسى صوره… ولا سيما الإمامان اللذان شهدا فاجعة عاشوراء بكل تفاصيلها المؤلمة؛ وهما الإمام محمد الباقر عليه السلام، وكان آنذاك طفلًا يقارب عمره أربع سنوات، والإمام زين العابدين عليه السلام، الذي كان حاضرًا تلك المصيبة وله فيها مواقف عظيمة، نذكر منها ما روته كتب السيرة والمقاتل[102]: بأنه بعد مصرع أصحابه، وأهل بيته نادى الحسين: أما من ناصر ينصرنا؟ أما من مغيث يغيثنا؟ أما من ذاب يذب عنا؟ فارتفعت الأصوات بالعويل، وخرج زين العابدين، وكان مريضا لا يقدر أن يفل سيفه، وأم كلثوم تنادي خلفه: يا بني ارجع.
فقال يا عمتاه ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله.
(نصاري)
| طلع زين العباد النصرت احسين | ناده السبط حين الشافته العين | |
| يم كلثوم رديه للصواوين | أخافن ينكتل وتضيع الأحكام |
فقال الحسين عليه السلام يا أم كلثوم خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد صلى الله عليه وآله.
(نصاري)
| گامت عمته او رادت تلزمه | صاح ابصوت خلّيني يعمَّه | |
| أذب اليوم عن وجه أبو اليمه | وحيد او حاطته گامت الظلَّام |
فانقض عليه الحسين عليهالسلام، واحتمله إلى المخيم، وقال: يا ولدي ما تريد أن تصنع؟ قال: يا أبة إن نداءك قد قطع نياط قلبي، وهيَّج ساكن لبي، أريد أن أفديك.
(نصاري)
| يبويه صوتك الهَّيج احزاني | او گطع سباح البگلبي او دهاني | |
| أظل اشلون يا بويه ابمكاني | او تطلب ناصر او لا واحد الگام |
فقال: يا ولدي أنت الحجة وأنت الإمام على شيعتي، وأنت أبو الأئمة وكافل الأيتام، والمتكفل للأرامل، وأنت الراد لحرمي إلى المدينة، وكأني بك يا ولدي أسير ذليل مغلولة يداك، موثوقة رجلاك.
فقال زين العابدين عليه السلام: يا أبتاه اتقتل وأنا أنظر إليك ليت الموت أعدمني الحياة، روحي لروحك الفداء، ونفسي لنفسك الوقاء.
(نصاري)
| يبويه احسين وانته تظل مطروح | واحنه انفارجك وبجسمك اجروح | |
| من بعدك عسنها انعدمت الروح | يبويه او تظل بعدك سودِ الَيام |
(أبوذية)
| مصايب شاف أبو الباقر ومرَّه | ماكو مثل يوم الطف ومره | |
| تحمَّل كل مصايبها ومره | او ظلت ناره ابگله سريَّه |
***
| غريبا أرى يا غريبَ الطفوفِ | توسُّدَ خدَّيكَ كثبانها |
[1] الكهف/21.
[2] لسان العرب: مادة (بقع).
[3] فاجعة البقيع-الشيخ جلال معاش-ص77.
[4] عثمان بن مظعون: كان من أوائل مَنْ أسلم، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة المنوَّرة، وشهد بدراً، وكان شجاعاً مقداماً، عنيداً في نُصرْه الحق، وعُرف بعبادته فكان في النَّهار صوَّاماً، وفي اللَّيل قوَّاماً. توفي في شهر شعبان من السنة الثالثة للهجرة، فكان أوَّل مَـنْ دُفـن في البقيع.
[5] الكافي-الكليني-ج 3-ص263.
[6] الكافي-الكليني-ج 3-ص241.
[7] مركز الإشعاع الإسلامي/ islam4u.com/ المجيب/ متى تأسست مقبرة البقيع الغرقد؟ -بقلم الشيخ صالح الكرباسي-بتصرف.
[8] إحياء العلوم-الغزالي-ج4-ص521.
[9] موقع الشیعة/ar.al-shia.org/ الشيعة/ ما يتعلق بالشيعة/ أهمية زيارة القبور ومشروعيتها خلافا لابن تيمية.
[10] البراهين الجلية في رفع تشكيكات الوهابية-السيد محمد حسن القزويني الحائري-ص64.
[11] التوبة/84.
[12][12] التوبة/84.
[13] مركز الإشعاع الإسلامي/islam4u.com/ شبهات وردود/ القرآن وجواز زیارة قبور المؤمنين-بقلم الشيخ ناصر مكارم الشيرازي-بتصرف.
[14] سنن ابن ماجه-ابن ماجه-ج 1 -ص 114.
[15] صحح ابن حبّان-ابن حبان-ج 3-ص261-رواية رقم: 981.
[16] التوبة/113.
[17] وفاء الوفاء-السمهودي-ج4-ص1340.
[18] م.ن-ج4-ص1342.
[19] صحيح مسلم-مسلم النيسابوري-ج 3-ص64-باب ما يقال عند دخول القبور.
[20] م.ن-ج 3-ص65-باب ما يقال عند دخول القبر.
[21] م.ن-ج 3-ص65-باب استئذان النبي ربَّه عَزَّ وجَلَّ في زيارة قبر أُمّه.
[22] من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج2-ص574، في الهامش.
[23] الأحزاب/21.
[24] من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج 1 -ص 180.
[25] بحار الأنوار-المجلسي-ج27-ص112.
[26] المقنعة-الشيخ المفيد-ص462.
[27] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٩٨ -ص ٧٢.
[28] كامل الزيارات-ابن قولويه القمي-ص313.
[29] م.ن-ص319.
[30] بحار الأنوار-المجلسي-ج102-ص 295.
[31] المستدرك على الصحيحين-الحاكم النيسابوري-ج4-ص515.
[32] كشف الارتياب-الأمين-ص436، نقلاً عن تحفة ابن عساكر.
[33] “فنودي من القبر”، أي صدر نداءٌ من جهة القبر.
[34] وفاء الوفاء-السمهودي-ج2-ص1361.
[35] موقع الشیعة/ar.al-shia.org/ الشيعة/ ما يتعلق بالشيعة/ أهمية زيارة القبور ومشروعيتها خلافا لابن تيمية.
[36] صحيح مسلم-مسلم النيسابوري-ج4-ص126-كتاب الحج، باب لا تشد الرحال.
[37] صحيح البخاري-محمد بن إسماعيل البخاري-ج 2 -ص 76.
[38] مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / زيارة القبور وزيارات الأئمة (عليهم السلام) -بحث حول حديث (لا تشد الرحال الاّ…) -بتصرف.
[39] البراهين الجلية في رفع تشكيكات الوهابية-السيد محمد حسن القزويني الحائري-ص65.
[40] مستدرك الوسائل-الميرزا النوري-ج12-ص324.
[41] التوحيد والشرك في القرآن الكريم-الشيخ جعفر سبحاني-ص71.
([43]) الأسماء الثلاثة -الشيخ جعفر السبحاني -ص ٦١.
[44] يوسف/ 97.
[45] يوسف/ 98.
[46] النساء/64.
[47] المائدة/35.
[48] المعجم الصغير-الطبراني -ج1-ص 307، ومجمع الزوائد-الهيثمي-ج 2-ص 279.
[49] صحيح البخاري-البخاري-باب صلاة الاستسقاء-ج2-ص32-ح947.
[50] آل عمران/169-171.
[51] يس/26-27.
[52] ق/22.
[53] الميزان في تفسير القرآن-السيد الطبأطبائي-ج18-ص379.
[54] الأعراف/78-79.
[55] الصافات/79
[56] الصافات/109
[57] الصافات/120
[58] الصافات/130
[59] الصافات/181.
[60] سنن أبي داود-السجستاني-ج1-ص470-كتاب الحج.
[61] كنز العمال-المتّقي الهندي-ج13-ص656-ح42601.
[62] صحيح البخاري-البخاري-ج9-ص98-باب ما جاء في عذاب القبر من كتاب الجنائز.
[63] وفاء الوفاء-السمهودي-ج 4-ص 196-197.
[64] النساء/64
[65] بحوث قرآنية في التوحيد والشرك-السبحاني-ص 98-بتصرف.
[66] زاد المعاد-ابن القيم-ص ٦٦١.
[67] التوحيد والشرك في القرآن الكريم-الشيخ جعفر سبحاني-ص200.
[68] الكهف/21.
[69] الكهف/21.
[70] الكهف/21.
[71] التوحيد والشرك في القرآن الكريم-الشيخ جعفر سبحاني-ص201-بتصرف.
[72] الشورى/23.
[73] الحج/30.
[74] الحج/32.
[75] النور/36.
[76] الأعراف/157.
[77] موسوعة الأسئلة العقائدية-مركز الأبحاث العقائدية-ج3-ص27-بتصرف.
[78] تهذيب الأحكام-الشيخ الطوسي-ج ٦-ص ١٠٧
[79] التوحيد والشرك في القرآن الكريم-الشيخ جعفر سبحاني-ص71.
([80]) مفاتيح الجنان-عباس القمي-دعاء التوسل.
([81]) الصحيفة السجادية الجامعة لأدعية الإمام زين العابدين(ع)-مؤسسة الإمام المهدي (عليه السلام) -دعاؤه عليه السلام في كل صباح ومساء المعروف بالحرز الكامل-ص64.
[82] البقرة /34.
[83] يوسف/ 100.
[84] البقرة /125.
[85] الاِسراء /24.
[86] الشورى/23.
[87] الحج/32.
[88] مواهب الرحمن-السيد عبد الأعلى السبزواري -ج2 -ص214.
[89] النحل/16.
[90] مسند الإمام الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد(ع)-ج7-ص521.
[91] الاعراف/157.
[92] تفسير الميزان -السيد الطبطبائي -ج ٨ -ص ٢٨٢.
[93] الحجرات/2.
[94] تفسير مجمع البيان -الشيخ الطبرسي -ج ٩ -ص ٢١٧.
[95] راجع: زاد المبلغات-مياسة شبع-ج5-المحاضرة العاشرة، بعنوان: “التوحيد العبادي”-بتصرف.
[96] سنن ابن ماجة-ابن ماجة-ج1-ص501-باب 47-ح1571.
[97] إبراهيم/5.
[98] العنكبوت/2.
[99]الإسراء/20.
[100] الزلزلة/4.
[101] محمد/7.
[102] نص الرواية مع الأشعار مأخوذ من كتاب: مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج2-ص84-85.
