لتحميل المحاضرة docxأو طباعتها، اضغط على الملف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾[1].
المبحث الأول: المعاد وأثره في الإنسان
المطلب الأول: المعاد في وجدان الإنسان
عندما يبدأ الإنسان أولى خطواته في الوعي والإدراك، يلتفت إلى نفسه قبل كل شيء. ينظر إلى هذا الجسد الذي يحمله، إلى دقته وتعقيده؛ إلى قلبه الذي ينبض، وعقله الذي يفكر، وروحه التي تشعر وتحب وتخاف. يتأمل في نفسه، فيجد أنه لم يكن شيئًا مذكورًا، ثم أصبح إنسانًا حيًا عاقلًا، فيقف أمام هذا التحول العجيب متسائلًا: من الذي أوجدني بعد أن لم أكن؟ وإلى أين ستكون نهايتي؟
هذا السؤال لا يأتي من الخارج، بل ينبعث من أعماق الإنسان، يفرض نفسه عليه فرضًا، فلا يستطيع تجاهله مهما حاول. ثم لا يلبث هذا التساؤل أن يتوسع، فينظر الإنسان إلى ما حوله؛ إلى السماء الواسعة، والأرض الممتدة، والجبال، والبحار، وكل ما يحيط به من مخلوقات لا حصر لها. يرى الكون بنظامه ودقته، فيتساءل مرة أخرى: من الذي أوجد كل هذا؟ وهل لهذا الوجود نهاية كما كانت له بداية؟
وهكذا يرتبط في قلب الإنسان سؤالان لا ينفصلان: من أين جئنا؟ وإلى أين نذهب؟ فكما أن لكل بداية سببًا، فلا بد لكل مسير من نهاية. وهذه الحقيقة ليست مجرد فكرة فلسفية، بل هي شعور فطري يعيشه كل إنسان، ويلازمه في كل مراحل حياته.
ومن هنا ندرك أن تسليط الضوء على هذه الأسئلة العقدية ليس أمرًا ثانويًا، بل هو أساس في بناء الإنسان. لأن الإنسان إذا لم يعرف من خلقه، ولم يعرف إلى أين سيصير، فإنه يعيش حائرًا، لا يملك ميزانًا يضبط به سلوكه، ولا هدفًا واضحًا يسير نحوه.
ولهذا نجد أن السبب الحقيقي وراء انحراف الإنسان ووقوعه في المعصية ليس فقط ضعف الإرادة أو غلبة الشهوة، بل هو في عمقه ضعف الإيمان بهذه الحقائق الكبرى. فالإنسان إذا لم يكن مؤمنًا بالله إيمانًا واعيًا، ولم يكن مستيقنًا بأنه سيعود إليه يومًا ما، وبأنه سيحاسب في يوم القيامة ويثاب ويعاقب في محكمة العدل الإلهي، فإنه لن يجد في داخله قوة تمنعه من الخطأ.
ولو أردنا أن نقرّب الصورة، فإننا لو خاطبنا إنسانًا لا يؤمن بالله، وقلنا له: لماذا تفعل هذا الخطأ؟ ألا تخاف من الله؟ ألا تخجل من الرسول وآله؟ ألا تخشى الحساب؟ فإنه سيقول ببساطة: أنا لا أؤمن بالله حتى أخافه، ولا أؤمن بالرسول حتى أستحي منه، ولا أؤمن بالآخرة حتى أخشى نارها أو أرجو جنتها. وهنا يتضح أن المشكلة ليست في معرفة الحكم، بل في أصل الاعتقاد.
وهذا المعنى لا يختص بمن لا يؤمن أصلًا، بل يمتد بدرجات مختلفة حتى إلى المسلمين، لكن إيمانهم ضعيف أو تقليدي لم يصل إلى مرحلة اليقين. فقد يؤمن الإنسان بالآخرة بلسانه، لكنه لا يعيشها في قلبه، ولذلك لا ينعكس هذا الإيمان على سلوكه بشكل واضح.
وقد حذّر القرآن الكريم من هذا النوع من الإيمان الموروث الذي لا يقوم على وعي، فقال تعالى: [إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ][2] فالمطلوب من الإنسان أن يصل إلى القناعة بنفسه، وأن يبني إيمانه على المعرفة والتفكير، لا على مجرد التقليد.
وقد بيّن أهل البيت عليهم السلام هذه الحقيقة بوضوح، حيث رُوي عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام: “ما خلق الله العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه”[3]، فالمعرفة هي الأساس، والعمل ثمرة لها.
ومن هنا، فإن الحديث عن المعاد ليس موضوعًا نظريًا نمرّ عليه مرورًا سريعًا، بل هو أصل عظيم من أصول الدين، له أثر مباشر في حياة الإنسان. لأن الإنسان إذا أيقن يقينًا حقيقيًا بأنه سيقف يومًا بين يدي الله، وسيُسأل عن كل صغيرة وكبيرة، فإن هذا اليقين سيغيّر سلوكه، ويجعله أكثر حرصًا على الطاعة، وأكثر ابتعادًا عن المعصية. وقد أشار الإمام علي عليه السلام إلى هذه الحقيقة بقوله: “طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَادَ، وَعَمِلَ لِلْحِسَابِ، وَقَنِعَ بِالْكَفَافِ، وَرَضِيَ عَنِ اللَّه”[4].
المطلب الثاني: دور الإيمان بالمعاد في حياة الإنسان
إن الإيمان بالمعاد ليس مجرد فكرة نظرية، بل هو أساس عميق يُصلح داخل الإنسان، لأنه يزرع في نفسه الشعور بالمسؤولية، ويجعله يعيش وهو يراقب أعماله، ويحسب حساب عواقبها. ومن أهم آثار الإيمان بالمعاد في داخل الإنسان ما يأتي:
@ في الرقابة الذاتية والشعور بالمحاسبة:
إنّ الإيمان بالمعاد يزرع في داخل الإنسان رقابةً دائمة، تجعله يستحضر نظر الله إليه في كل حال، فيحذر من الخطأ حتى في الخفاء. فلا يكون التزامه تابعًا لوجود الناس، بل نابعًا من يقين داخلي بالحساب. قال تعالى:﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾[5].
@ في استشعار المسؤولية والخوف من العاقبة:
يجعل الإيمان بالمعاد الإنسان يشعر بثقل المسؤولية عن أفعاله، لأنه يعلم أن كل تصرف سيُعرض عليه يوم القيامة، فيخاف من العاقبة ويحسب لكل عمل حسابًا. قال تعالى:﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾[6].
@ في ترسيخ دافع الخير في النفس:
ينمّي الإيمان بالمعاد في داخل الإنسان رغبة صادقة في الخير، لأنه يوقن أن كل عمل محفوظ له، فيندفع نحو الإحسان بدافع داخلي، لا انتظارًا لمدح أو مكافأة. قال تعالى:﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾[7].
@ في تهذيب النفس ومجاهدة الشهوات:
يجعل الإنسان أكثر قدرة على ضبط شهواته، لأنه ينظر إلى نتائج الأفعال في الآخرة، فيقدّم العاقبة البعيدة على اللذة القريبة. قال تعالى:﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾[8].
@ في تحقيق الطمأنينة والصبر الداخلي:
يمنح الإيمان بالمعاد الإنسان سكينةً داخلية، لأنه يعلم أن ما يفوته في الدنيا لن يضيع، وأن الجزاء الحقيقي ينتظره، فيصبر ويثبت أمام الابتلاءات. قال تعالى:﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾[9].
وإذا ترسّخ هذا الإيمان في داخل الإنسان على هذا النحو، فإنه لا يبقى أثرًا نفسيًا فحسب، بل ينعكس على سلوكه في مختلف جوانب الحياة، فيُنشئ إنسانًا مستقيمًا في تصرفاته، عادلًا في تعامله، ملتزمًا بعلاقاته، ويؤسس لمجتمع قائم على الحق والإنصاف.
ومن هنا تظهر أهمية الاعتقاد بالمعاد في مختلف جوانب الحياة، ومن أبرزها ما يأتي[10]:
1.في النظرة إلى الحياة
الإيمان بالمعاد يغيّر نظرة الإنسان إلى الدنيا تغييرًا جذريًا، فهو لا يراها نهاية المطاف، بل مرحلة عابرة ووسيلة لغاية أعظم، فيتعامل معها بوعي وهدف، ويجعل أعماله موجهة نحو ما ينفعه في الآخرة.
أما من ينكر المعاد، فإنه يحصر وجوده في هذه الحياة المحدودة، فتغلب عليه النظرة المادية، ويصبح همه تحقيق اللذة بأي وسيلة، ولو على حساب القيم والمبادئ. قال تعالى:﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَه ﴾[11].
مثال: نرى من يتنازل عن مبادئه في صفقة تجارية ظالمة، أو يوقع عقدًا فيه استغلال واضح، لأنه يرى أن الفرصة لا تتكرر، وأن النجاح هو في المكسب السريع. وفي المقابل، نجد من يرفض ذلك رغم حاجته، لأنه يرى أن الخسارة الحقيقية ليست في الدنيا، بل في الآخرة، فيقدّم رضى الله على الربح العاجل.
2.في الجانب الاقتصادي
الإيمان بالمعاد يجعل الإنسان يتعامل مع المال بوصفه أمانة لا مِلكًا مطلقًا، فيضبط مصادر كسبه، ويتحرى الحلال، ويتجنب الظلم، لأنه يعلم أنه سيُسأل عن كل درهم. فقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله: “لا تزول قدَمَا ابن آدم يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره ما عمل به، وعن ماله فيما اكتسبه وفيما أنفقه …”[12]. قال تعالى:﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ … أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ﴾[13].
مثال: مدير شركة يملك القدرة على التلاعب في الحسابات أو إخفاء بعض الحقوق، لكنه يرفض ذلك بدقة شديدة، لا خوفًا من القانون، بل لأنه يؤمن بأن هناك حسابًا لا يمكن التهرب منه، بينما غيره قد يستغل موقعه ما دام بعيدًا عن الرقابة.
3.في الجهاد والتضحية
الإيمان بالمعاد يمنح الإنسان شجاعة نادرة، لأنه لا يرى الموت نهاية، بل انتقالًا إلى حياة أكمل، فيثبت في المواقف الصعبة، ويقدّم ما يملك في سبيل الحق. قال تعالى:﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ﴾[14].
مثال: في المواقف المصيرية، نجد من يثبت على الحق رغم التهديد والخسارة، لأنه يؤمن أن ما يفوته في الدنيا سيُعوّض في الآخرة، بينما ينهار غيره لأنه يرى أن كل شيء ينتهي بالموت.
4.في الحياة الاجتماعية والسياسية
الإيمان بالمعاد يشكّل رقابة داخلية أقوى من أي نظام قانوني، لأنه يجعل الإنسان يلتزم بالعدل حتى في غياب الرقابة، ويعتبر المنصب مسؤولية لا وسيلة للهيمنة. قال تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾[15]، وقال تعالى:﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ﴾[16].
مثال: مسؤول يُعرض عليه تمرير قرار يخدم فئة على حساب أخرى، فيرفض رغم الضغوط، لأنه يرى نفسه محاسبًا أمام الله، بينما آخر يستغل موقعه لأنه لا يرى إلا هذه الحياة.
5.في البعد الأخلاقي
الإيمان بالمعاد يزرع في النفس شعورًا دائمًا بأن كل عمل محفوظ، وأن الخير لن يضيع، فيدفع الإنسان إلى الرحمة، والإنصاف، والإحسان، حتى في المواقف التي لا يُنتظر فيها مقابل. قال تعالى:﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾[17]، وقال تعالى:﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾[18].
مثال: شخص يتحمل أذى الآخرين في موقعه، ويضبط نفسه عند الغضب، ويختار العفو بدل الانتقام، لا لأنه عاجز، بل لأنه يرى أن العدل الحقيقي مؤجل إلى يوم القيامة.
قد يُقال إن بعض الملحدين لديهم أخلاق حسنة، لكن هذه الأخلاق غالبًا تكون ظاهرية، لأنها لا تقوم على إيمان داخلي ثابت، بل تعتمد على أسباب خارجية مثل: الحياء من الناس، والخوف من القوانين، والحفاظ على الصورة الاجتماعية.
فإذا غابت هذه الأمور، قد يندفع الإنسان وراء شهواته؛ لأنه لا يؤمن بحساب ولا عقاب. أي إنّ القوانين تضبط الظاهر، أما الإيمان بالله والآخرة فيضبطان الإنسان من الداخل.
الخلاصة: إن الإيمان بالمعاد ليس مجرد فكرة تُذكر، بل هو قوة تغيّر الإنسان من الداخل، فتجعله أكثر التزامًا، وأكثر عدلًا، وأكثر وعيًا بمسؤوليته. فبقدر ما يرسخ هذا الإيمان في قلب الإنسان، بقدر ما تستقيم حياته، لأنه لا يرى الدنيا نهاية، بل يرى ما بعدها هو الحقيقة الكبرى التي يُبنى عليها كل شيء.
المبحث الثاني: حقيقته وكيفية الإيمان به
المطلب الأول: تعريف المعاد، وكيفيته، ومراحله
الفرع الأول: تعريف المعاد
يُعرّف المعاد لغةً بأنه الرجوع، ومن هنا جاء معناه الاصطلاحي في الفكر الإسلامي عمومًا بأنه رجوع الإنسان إلى الحياة بعد الموت.
لكنّ المعاد في المذهب الاثني عشري يتمتع بخصوصية في تفسيره وتفاصيله، حيث يُعتبر الركن الخامس من أصول الدين[19]. وهو الاعتقاد بعودة أرواح الإنسان إلى الأبدان بعد مفارقتها يوم القيامة، وذلك بأن يحيي الله سبحانه جميع الناس بعد موتهم، بإعادة أبدانهم بجميع أجزائها الأصلية الباقية من أوّل العمر إلى آخره، ثم يُنشئها في صور مخصوصة، ويُفيض أرواحهم عليها، ويجمعهم جميعًا في موقف الحساب. ثم يكون الجزاء، فيُدخل الكافرين وبعض العصاة في جهنّم التي خُلقت لإيصال العذاب جزاءً على أعمالهم، ويُدخل المؤمنين الجنّة التي جُعلت لإيصال الثواب على ما قدّموه في حياتهم. ويجب على المكلّف الاعتقاد بذلك والإقرار به[20].
وقد أيّد الاعتقاد بالمعاد جميع الشرائع الإلهية والأديان السماوية وعدّوا الاعتراف بعودة الإنسان إلى الحياة ركنًا اساسيًا في أديانهم.
الفرع الثاني: كيفية المعاد
السؤال الذي ينبغي علينا طرحه:
ما هي كيفية المعاد؟ هل المعاد روحي فقط، أم جسدي وروحي معًا؟
الجواب:
لقد أجمع علماء الشيعة الاثني عشرية على أن المعاد يتم بالجسد والروح، أي أنّ مورد الإعادة هو الجسم والروح معاً، وفي نفس القالب الدنيوي، والأدلّة العقلية والنقلية من الكتاب والسنّة تدلّ على هذا الموضوع، والمشهور من العلماء والمحقّقين من المتكلّمين يرون هذا النوع من المعاد هو الحق، فمثلاً تقول الآية: [قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ][21]، وأيضاً: [أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ][22]، وقوله تعالى: [وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ][23].
وورد في نهج البلاغة: «أخرجهم من ضرائح القبور، وأوكار الطيور، وأوجرة السباع، ومطارح المهالك، سراعاً إلى أمره، مهطعين إلى معاده»[24]، «وأخرج من فيها فجدّدهم بعد أخلاقهم، وجمعهم بعد تفريقهم»[25]، «وأعلموا أنّه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار، فارحموا نفوسكم»[26]، فنرى في جميع الفقرات الإشارة إلى الجسد الدنيوي في الإعادة، فلا محيص من الإذعان بهذا الرأي وقبوله[27].
الفرع الثالث: مراحل المعاد
إنّ للمعاد مراحل متعددة يمرّ بها الإنسان، تبدأ بانتقاله من دار الدنيا إلى عالم الآخرة بالموت، وتنتهي بمصيره النهائي في الجنة أو النار، وفيما يلي نذكر أبرز هذه المراحل:
(الموت): وهو انتقال الإنسان من الدنيا، ويُعدّ آخر يوم من حياته الدنيوية، وأول خطوة في عالم الآخرة.
(البرزخ): وهو المرحلة بين الموت ويوم القيامة، يعيش فيها الإنسان حالةً من النعيم أو العذاب بحسب أعماله.
(أشراط الساعة): وهي العلامات التي تسبق قيام يوم القيامة، وتدلّ على قرب انتهائها.
(النفخ في الصُّور وفناء الدنيا): حيث يُنفخ في الصُّور[28] فتفنى الموجودات وتنتهي الحياة الدنيا بأمر الله.
(البعث): وهو إحياء الناس بعد موتهم بإرجاع أرواحهم إلى أجسادهم.
(النشر): وهو خروج الناس من قبورهم وانتشارهم متوجهين إلى موقف القيامة.
(الحشر): وهو جمع الناس جميعًا في موقف واحد للعرض على الله والحساب.
(الحساب): وفيه يُسأل الإنسان عن أعماله، ويُجازى على ما قدّم.
(الميزان): وهو مقياس توزن به أعمال الإنسان، لمعرفة حسناته وسيئاته.
(الصراط): وهو طريق يمرّ عليه الناس، فمنهم من ينجو ويصل، ومنهم من يسقط.
(الشفاعة): وهي تدخّل من أذن الله له من أوليائه، كالنبي وأهل البيت عليهم السلام، لإنقاذ بعض المؤمنين.
(الجنة أو النار): وهي النهاية الخالدة، فإما نعيم دائم للمؤمنين، أو عذاب للكافرين وبعض العصاة، وهو المصير الأخير يوم القيامة.
وقد وردت هذه المراحل في النصوص الشرعية من القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام، وهي حق يجب الاعتقاد به والإيمان به يقينًا، كما نُقرّ بذلك في أدعيتنا المأثورة، حيث نقول عند قراءة زيارة آل ياسين:
“…وَأنَّ المَوْتَ حَقٌّ وَأنَّ نَاكِرًا وَنَكِيرًا حَقٌّ وَأَشْهَدُ أنَّ النَّشْرَ حَقٌّ وَالبَعْثَ حَقٌّ وَأَنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ وَالمِرْصَادَ حَقٌّ وَالمِيزَانَ حَقٌّ وَالْحَشْرَ حَقٌّ وَالحِسَابَ حَقٌّ وَالجَنَّةَ وَالنّارَ حَقٌّ وَالوَعْدَ وَالوَعِيدَ بِهِما حَقٌّ”.
المطلب الثاني: حكم التقليد في المعاد
من التساؤلات الأساسية في باب أصول الدين:
هل يجوز التقليد في العقائد كما في العبادات؟ وإذا كان الجواب: لا يجوز، ما هو السبب؟
الجواب:
المشهور بين علمائنا: عدم جواز التقليد في أصول العقائد، كما يجوز في العبادات[29]، لأن العقيدة ليست مجرد عمل نقوم به، بل هي إيمان يحتاج إلى قناعة واطمئنان في القلب. في حين أنّ التقليد يعني أن يأخذ الإنسان كلام غيره من دون أن يفهم الدليل أو يقتنع به، وهذا قد يكفي في الأعمال، لكنه لا يكفي في الإيمان.
فالإنسان في الصلاة والصوم يمكنه أن يقلّد المرجع ويعمل بما يقول، حتى لو لم يعرف التفاصيل، لأن المطلوب هناك هو العمل. أما في أصول الدين فلا يكفي أن يقول: “أنا أؤمن لأن غيري يؤمن”، بل لا بد أن يصل إلى قناعة بنفسه، ولو كانت قناعة بسيطة تناسب فهمه.
ولهذا يجب على الإنسان أن يفكّر بعقله في أصول الدين الرئيسية، فيؤمن بوجود الله، ويقتنع أنه واحد لا شريك له، وأنه حكيم وعادل، وأنه لا يترك الناس بلا هداية، لذلك أرسل الأنبياء. كما يؤمن بأن هذه الحياة ليست النهاية، بل هناك عالم آخر بعد الموت يرجع إليه الإنسان ليُحاسب على أعماله. وهذه الأمور يمكن للعقل أن يدركها بشكل عام. وقد تقدّم بيان ما يرتبط بإثبات وجود الله في محاضرتين من سلسلة زاد المبلّغات[30]، وكذلك ما يتعلق بضرورة بعثة الأنبياء[31]، وأما إثبات المعاد عقلاً فسيأتي بيانه تفصيلًا في المبحث القادم من هذه المحاضرة.
لكن هذا لا يعني أن العقل يعرف كل شيء، فهو لا يستطيع أن يعرف تفاصيل عالم الآخرة، مثل: كيف يكون الصراط، وكيف يكون الميزان، وكيف تُعطى الكتب، وما هي تفاصيل الجنة والنار. هذه الأمور لا تُعرف إلا من خلال الدليل النقلي، أي القرآن الكريم وكلام أهل البيت عليهم السلام، لأنها من عالم الغيب.
وبذلك يتضح أن المطلوب من الإنسان هو أن يقتنع بأصل العقيدة بعقله، أما تفاصيلها فيأخذها من الوحي.
وباختصار: في العبادات يجوز التقليد لأن المطلوب هو العمل، أما في العقائد فلا بد من القناعة، لأن المطلوب هو الإيمان، والعقل يدرك الأصول، والنقل يبيّن التفاصيل.
وإليكم رأي سماحة السيد السيستاني دام ظلّه في الجواب عن السؤال الآتي:
السؤال: هل يجوز التقليد في العقائد؟
الجواب: لا يجوز التقليد في أصول الدين، ولكن من اعتقد بها تقليداً وأظهر ذلك كان مؤمنًا وترتّبت عليه أحكام المؤمنين، وبذلك يختلف عن أصحاب العقائد الأخرى[32].
المبحث الثالث: أدلة المعاد في ميزان العقل
بعد أن تبيّن أنّ الإيمان بالمعاد لا يقوم على التقليد، بل لا بد فيه من قناعةٍ عقليةٍ راسخة، كان من الضروري عرض الأدلة التي يُدركها العقل، وتُثبت هذه الحقيقة بوضوح. وفيما يأتي نذكر أبرز هذه الأدلة التي تقود الإنسان إلى اليقين بالمعاد:
المطلب الأول: دليل الحكمة الإلهية على المعاد
هذا الدليل بسيط جدًا، ويمكن لأي إنسان أن يفهمه بسهولة.
نحن نؤمن أن الله حكيم، والحكيم لا يفعل شيئًا بلا هدف، ولا يخلق شيئًا عبثًا. قال تعال:﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾[33].
فإذا نظرنا إلى الإنسان وإلى هذا الكون، رأينا نظامًا دقيقًا في كل شيء؛ فالقلب ينبض بانتظام، والليل والنهار يتعاقبان بدقة، والشمس تشرق وتغرب بنظام ثابت، وكل شيء يسير وفق ترتيب محسوب. ولو اختلّ هذا النظام قليلًا لتعطّلت الحياة، وهذا يدل بوضوح على أن هذا الخلق لم يكن عشوائيًا، بل وُجد بحكمة ولغاية، وليس بلا معنى.
الآن نسأل سؤالًا مهمًا: هل هذه الحياة القصيرة هي كل شيء؟
الجواب: لا؛ لأن الإنسان يتعب طوال حياته، يدرس ويعمل ويجاهد، ثم يموت، وكأن كل هذا التعب يضيع! هل هذا يعقل؟
مثال بسيط: طالب يدرس سنوات طويلة، ثم في النهاية لا يأخذ نتيجة ولا شهادة، هل هذا مقبول؟ طبعًا لا.
إذن، كما أن تعب الطالب لا يضيع، كذلك تعب الإنسان في حياته لا يمكن أن يضيع. بل لا بد أن تكون هناك حياة أخرى تظهر فيها النتيجة.
ومن هنا نفهم: بما أن الله حكيم، فلا يمكن أن يخلق الإنسان ثم ينتهي كل شيء بالموت، بل لا بد من وجود حياة أخرى بعد الموت، وهي المعاد.
الخلاصة:
إذا سُئلنا: لماذا نؤمن بالمعاد؟
نقول ببساطة: لأن الله حكيم، والحكيم لا يخلق إنسانًا يتعب طوال حياته ثم ينتهي كل شيء بلا نتيجة، فلا بد من يوم آخر يُحاسَب فيه الإنسان ويأخذ جزاءه الكامل.
المطلب الثاني: دليل العدل الإلهي على المعاد
من أوضح الأدلة العقلية على المعاد ما يُعرف بدليل العدل الإلهي.
فنحن نؤمن أن الله عادل، والعدل يعني أن كل إنسان يأخذ حقه كاملًا، ولا يضيع عمل أحد، قال تعالى:﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾[34].
ولو نظرنا إلى الحياة الدنيا نجد أن الناس فيها مختلفون في أعمالهم، فمنهم من يقضي عمره في الطاعة والإحسان وخدمة الآخرين، ومنهم من يقضي حياته في الظلم والاعتداء وارتكاب الجرائم. وقد أعطى الله الإنسان القدرة على الاختيار، وجعل هذه الدنيا ساحة امتحان، يختار فيها الإنسان طريقه بإرادته، قال تعالى:﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾[35].
لكن السؤال المهم: هل يأخذ كل إنسان جزاءه كاملًا في هذه الدنيا؟
الجواب: لا.
فكم من إنسان صالح يتعب ويصبر، ولا ينال حقه كاملًا، وكم من ظالم يعيش في راحة، ويأخذ حقوق الناس دون أن يُعاقَب على كل ما فعل.
مثال واضح: لو أن شخصًا قتل عددًا كبيرًا من الناس، فإن أقصى عقوبة في الدنيا أن يُقتل مرة واحدة، فماذا عن بقية الجرائم؟ هل تضيع بلا حساب؟
لو كانت الدنيا هي النهاية، لكان الظالم قد نجا، والمظلوم قد ضاع حقه، وهذا لا ينسجم مع عدل الله. قال تعالى:﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾[36]، أي أن كل إنسان مسؤول عن عمله، فلا بد أن يرى نتيجته.
ومن هنا يفهم العقل أن هذه الدنيا ليست نهاية الطريق، بل لا بد من عالم آخر يظهر فيه العدل كاملًا، قال تعالى:﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾[37].
ويمكن تقريب هذه الفكرة بمثال واضح، فالدنيا تشبه قاعة امتحان، يكتب فيها الطالب إجاباته ويتعب في الحل، لكنه لا يحصل على النتيجة داخل القاعة، بل تظهر النتيجة بعد انتهاء الامتحان. كذلك الإنسان في هذه الحياة يعمل ويختار، أما الجزاء الكامل فيكون بعد انتهاء هذه المرحلة[38].
الخلاصة: لأن الله عادل، فلا بد من وجود المعاد، حتى يأخذ كل إنسان جزاءه كاملًا دون ظلم.
المطلب الثالث: دليل الفطرة على المعاد
إذا تأمّل الإنسان في نفسه بصدق، سيكتشف حقيقة عميقة، وهي أن في داخله أمورًا ثابتة مغروسة في فطرته، لا يمكن أن تتحقق بالكامل في هذه الدنيا، مهما عاش ومهما امتلك. وهذه ليست مجرد رغبات عابرة، بل هي فِطَرٌ أودعها الله في كل إنسان، تدلّه على أن هناك حياة أخرى أوسع وأكمل.
ومن أهم هذه الفطر:
أولًا: فطرة حبّ البقاء
من أوضح ما يكشف عن فطرة الإنسان ميله العميق إلى البقاء والخلود، فكل إنسان بطبيعته لا يحب الفناء، بل يتمنى أن تستمر حياته أطول ما يمكن. ولو تأمّل الإنسان في نفسه، لوجد أنه يتمسّك بالحياة، ويخاف من الموت، ويتمنى لو عاش أكثر، حتى لو كان يمرّ بظروف صعبة. وهذا ليس شعورًا عابرًا، بل أمر ثابت في أعماق النفس.
ولو سُئل الإنسان: هل تريد أن تنتهي حياتك نهائيًا وتفنى بلا رجعة؟ فإنه يرفض ذلك، ويشعر في داخله أن وجوده لا ينبغي أن ينتهي بهذه الصورة. وهذا يدل على أن في داخله فطرة تدفعه نحو الاستمرار، لا نحو العدم.
ومن شواهد ذلك: أن الإنسان يخطط لمستقبله، ويدّخر المال، ويتعب في التعلم والعمل، وكأنه يريد أن يمتد في الحياة، لا أن تنتهي فجأة بلا غاية. بل حتى لما يشيخ، يبقى متعلقًا بالحياة، ويتمنى البقاء، وهذا يكشف عن أن حبّ البقاء مغروس في أعماق النفس.
وهنا يطرح العقل سؤالًا مهمًا: هل يُعقل أن يزرع الله في داخل الإنسان هذا الميل القوي إلى البقاء، ثم يكون مصيره الفناء التام؟ إن هذا لا ينسجم مع الحكمة، لأن الفطرة الصادقة لا تُخلق عبثًا.
ولهذا قال تعالى:﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ ﴾[39]، فالتعبير بـ “ارجعي” يدل على أن هناك رجوعًا بعد هذه الحياة، لا فناءً مطلقًا.
ومن هنا نفهم أن هذه الفطرة تشير إلى وجود حياة أخرى بعد الموت، تتحقق فيها هذه الرغبة في البقاء، وهي حياة الآخرة.
ثانيًا: فطرة حبّ الراحة الكاملة
كل إنسان في هذه الحياة يسعى وراء الراحة. فالطالب يدرس ليرتاح في المستقبل، والعامل يتعب ليعيش حياة أفضل، والغني يجمع المال ليشعر بالطمأنينة.
ولو سألت أي إنسان: لماذا تتعب؟ سيقول لك: أريد أن أرتاح.
لكن السؤال المهم: هل وجد أحد في هذه الدنيا راحة كاملة بلا تعب؟
الجواب: لا. فكل راحة في الدنيا معها تعب. فالطعام اللذيذ قد يسبب ألمًا أو مرضًا، والمال يحتاج إلى تعب وخوف من فقدانه، حتى النوم، لا يدوم، ويعقبه تعب جديد… بل لا توجد لذة إلا ومعها ألم، ولا نعمة إلا ويخالطها نقص. قال تعالى: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ][40].
وهنا نصل إلى حقيقة عميقة: الإنسان يبحث عن راحة كاملة لا نقص فيها، لكن هذه الراحة غير موجودة في الدنيا.
فهل يُعقل أن الله يضع في داخل الإنسان رغبة عميقة بشيء لا وجود له؟
العقل يقول: لا.
إذن لا بد أن تكون هناك دار أخرى، تتحقق فيها هذه الراحة الكاملة، بلا تعب ولا حزن، وهي الآخرة. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى، فقال تعالى: [لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا لُغُوبٌ][41]. أي لا تعب ولا إرهاق في الجنة أبدًا.
وقد أشار الإمام الصادق عليه السلام إلى هذا المعنى بقوله: “لا راحة لمؤمن على الحقيقة إلا عند لقاء الله تعالى”[42].
ثالثًا: فطرة حبّ الحرية الكاملة
كل إنسان يحب أن يكون حرًا، يفعل ما يريد، ويحقق ما يتمنى.
فالطفل يكره القيود، والشاب يريد أن يختار بنفسه، وكل إنسان يتمنى أن يحقق إرادته دون عوائق.
لكن في هذه الدنيا قوانين تمنعه، وهناك ضعف في جسده، وهناك ظروف تضطره، فلا يستطيع أن يحقق كل ما يريد.
وهنا نسأل: إذا كانت فطرة الإنسان تطلب حرية كاملة، فلماذا لا تتحقق في الدنيا؟
الجواب: لأن هذه الدنيا ليست موطن الكمال، بل دار نقص وحدود.
إذن لا بد من عالم آخر، تتحقق فيه الإرادة بشكل أوسع، ويصل الإنسان فيه إلى ما يتناسب مع فطرته.
مثال: لو رأيت طفلًا يبحث عن شيء معيّن في كل مكان، ويسأل عنه باستمرار، فهذا يدل على أن هذا الشيء موجود، وإلا لما وُجد هذا الطلب في داخله.
وكذلك الإنسان طالما أنه يبحث عن راحة كاملة وحرية تامة، فهذا دليل على أن هناك مكانًا تتحقق فيه هذه الأمور، وهو الآخرة.[43]
بعد طرح هذه النماذج الثلاثة من الفطرة يتبين أن الله تعالى خلق الإنسان وفي داخله شوق إلى راحة لا تعب بعدها، وحرية لا يقيّدها شيء، وسعادة لا حزن معها، وعدل لا ظلم فيه… وهذه الأمور لا يمكن أن تتحقق في الدنيا، فدلّ ذلك على وجود عالم آخر، هو الآخرة، حيث تتحقق هذه الفطرة بشكل كامل.
فالمعاد حقيقة تشهد لها الفطرة قبل العقل.
المطلب الرابع: دليل القدرة الإلهية على المعاد
يقوم هذا الدليل على فكرة واضحة وسهلة، وهي أن الله سبحانه إذا كان قادرًا على خلق الإنسان أول مرة، فهو قادر على إعادته بعد موته. فالذي أوجد الإنسان من العدم، ومرّ به في مراحل متعددة حتى أصبح حيًا عاقلًا، لا يعجز عن إرجاعه مرة أخرى. قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[44].
ولتقريب الفكرة، إذا رأينا إنسانًا استطاع أن يصنع شيئًا معقّدًا من مواد متفرقة، فإننا لا نستبعد قدرته على إعادة صنعه مرة أخرى، فكيف بالله تعالى الذي خلق الإنسان من لا شيء، ويعلم كل جزء فيه؟
ولهذا يلفت القرآن نظر الإنسان إلى خلقه الأول، ليُدرك أن الإعادة ليست أمرًا مستبعدًا، قال تعالى:﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴾[45]، وقال تعالى:﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾[46].
ويؤكّد القرآن هذا المعنى بمثال قريب يراه الناس كل عام، وهو إحياء الأرض بعد موتها. فالأرض تكون يابسة لا حياة فيها، ثم ينزل عليها المطر، فتنبت النباتات وتعود خضراء، وكأن الحياة دبت فيها من جديد. وهذا المشهد الواضح أمام أعيننا يدل على قدرة الله على إحياء الموتى، قال تعالى:﴿ فَانْظُرْ إلى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى ﴾[47]. فكما تعود الحياة إلى الأرض الميتة، كذلك يعيد الله الإنسان بعد موته.
ومن جهة أخرى، يذكّرنا القرآن بخلق السماوات والأرض، وهي أعظم من خلق الإنسان، فإذا كان الله قد خلق هذا الكون الواسع بنظامه الدقيق، فكيف يُستبعد عليه أن يعيد الإنسان؟ قال تعالى:﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾[48]، وقال تعالى:﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى ﴾[49].
ولهذا فإن إنكار المعاد غالبًا يرجع إلى استبعاد الإنسان لإعادة الأجساد بعد تفرّقها، لكن هذا الاستبعاد لا قيمة له أمام القدرة الإلهية المطلقة، لأن الله لا يعجزه شيء، ولا فرق عنده بين الخلق الأول والإعادة، قال تعالى:﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾[50].
والنتيجة: أن من قدر على الخلق أول مرة، وأحيا الأرض بعد موتها، وخلق السماوات والأرض، فهو قادر بلا شك على بعث الإنسان بعد الموت، وبذلك يثبت المعاد بدليل القدرة الإلهية.
المبحث الرابع: المعاد ومنشأ إنكاره
المطلب الأول: جذور إنكار المعاد في فكر الإنسان
من خلال التأمّل في آيات القرآن الكريم، نلاحظ أن جانبًا كبيرًا من دعوة الأنبياء وحواراتهم مع الناس كان يدور حول مسألة المعاد، بل يمكن القول إنهم بذلوا جهدًا كبيرًا في تثبيته في نفوس الناس، وذلك لأن كثيرًا من الناس كانوا يجدون صعوبة في قبوله، ويقابلونه بالإنكار والتشدد.
فلماذا كان هذا الرفض الشديد لمسألة المعاد؟
يمكن تبسيط الجواب في سببين رئيسيين:
أولًا: إن من أسباب استبعاد بعض الناس للمعاد أن الإنسان بطبيعته يميل إلى إنكار ما لا يراه بعينه، فيتصور أن ما لا يُحسّ ولا يُشاهد لا يمكن أن يكون موجودًا، وهذا تصور غير صحيح، لأن عدم الرؤية لا يعني عدم الوجود.
فالإنسان في حياته اليومية يؤمن بكثير من الأمور التي لا يراها، ولكنه يصدق بها لوجود آثارها أو لقيام الدليل عليها. فهو يؤمن بالعقل مع أنه لا يراه، ويؤمن بالروح التي بها حياته، مع أنه لا يشاهدها، ويؤمن بالجاذبية التي تمسك الأشياء بالأرض، مع أنه لا يراها، بل يرى آثارها فقط. وكذلك يؤمن بوجود التيار الكهربائي، فلا أحد يرى الكهرباء بعينه، لكنه يوقن بوجودها عندما يرى آثارها.
بل إن الإنسان يؤمن بأمور لم يرها أصلًا، اعتمادًا على خبر الثقات، كإيمانه بوجود بلدان لم يزرها، أو أحداث تاريخية لم يشهدها، ومع ذلك لا يشك فيها.
فإذا كان الإنسان يقبل كل هذه الأمور مع أنه لا يراها، فلا يصح أن يجعل عدم رؤية المعاد سببًا لإنكاره، لأنه من الغيب الذي يُعرف بالدليل، لا بالمشاهدة.
وقد تقدّم في المبحث السابق أننا أثبتنا المعاد بالأدلة العقلية الواضحة، التي تدل على إمكانه ووقوعه، فإذا ثبت ذلك بالعقل، وجاءت النصوص الشرعية تؤكده، لم يبقَ مجال لاستبعاده لمجرد أنه غير محسوس.
وعليه، فإن الغيب لا يُنكر لكونه غيبًا، بل يُقبل إذا قام عليه الدليل، وقد قام الدليل على المعاد، فكان الإيمان به هو الموقف الصحيح الذي ينسجم مع العقل والفطرة.
ثانيًا: وهو السبب الأهم، أن الإيمان بالمعاد يعني تحمّل المسؤولية، فالإنسان إذا آمن بأن هناك يومًا سيُحاسب فيه على كل أعماله، فإنه سيضطر إلى ضبط سلوكه، وترك الظلم، والابتعاد عن المعاصي. أما إذا أنكر المعاد، فإنه يشعر أنه حرّ بلا حساب، فينطلق وراء شهواته ورغباته دون قيد أو رادع.
ولهذا أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بوضوح، فقال تعالى:﴿ أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾[51].[52]
أي أن المشكلة ليست في عدم القدرة على الإيمان، بل في أن الإنسان يريد أن يعيش بلا قيود، فيرفض المعاد حتى لا يُحاسب.
ومن هنا نفهم أن إنكار المعاد ليس دائمًا ناتجًا عن دليل علمي، بل كثيرًا ما يكون سببه رغبة الإنسان في الهروب من المسؤولية.
المطلب الثاني: تساؤلات وردود حول المعاد
فيما يرتبط بمسألة المعاد، سنقف ـ بقدر ما يتّسع لنا الوقت ـ عند سؤالين: أحدهما يطرحه المنكرون للمعاد، والآخر يردده المؤمنون به، لنبيّن من خلالهما حقيقة هذا الأصل وأبعاده.
فمن أسئلة منكري المعاد:
كيف يُعاد الإنسان بعد موته، وقد فني جسده وصار عدمًا، مع أن إعادة المعدوم محال، فكيف يكون هو نفس الإنسان الأول؟
الجواب
إن هذه الشبهة ناشئة من تصور غير دقيق لحقيقة المعاد، ومن قياس قدرة الله تعالى على قدرة الإنسان المحدودة، والجواب عنها يتضح من وجوه متعددة:
أولًا: إن المعاد ليس إعادةً للمعدوم، بل هو إعادة تركيب لما تفرّق من أجزاء البدن، فإن جسم الإنسان مركّب من ذرات وعناصر متعددة، وهذه الذرات لا تنعدم بالموت، بل تتحول من صورة إلى صورة، وتبقى محفوظة في نظام الوجود، داخلة في علم الله تعالى، لا تخرج عنه لحظة واحدة.
وقد ورد في أحاديث عن المعصومين بأن النطفة التي تولد منها الإنسان تبقى لوحدها في القبر حتى لو بليت العظام فهي لا تبلى بل تبقى محفوظة ولا تتأثر بالعوامل الطبيعة المؤدية إلى التحلل والاندثار.. فقد رُوي عن عمّار السّاباطىّ انّه قال: سئل ابو عبد الله صلوات الله عليه عن الميّت هل يبلى جسده؟ قال عليه السلام: ” نعم حتّى لا يبقى لحم ولا عظم إلَّا طينته الَّتى خلق منها فإنّها لا تبلى، تبقى في القبر مستديرة حتّى يُخلق منها كما خُلق أوّل مرّة”[53].
(ولعل المقصود من الطينة الأصلية في الرواية أن الإنسان بعد خروج الروح منه يتحلل إلى أجزائه الأصلية التي خلق منها ذلك الجسد فإن هذه العناصر لا تتحلل بل تبقى ومنها يعاد ذلك الجسد)[54].
وقال الصادق عليه السلام: ” إذا أراد الله عز وجل أن يبعث الخلق، أمطر السماء على الأرض أربعين صباحاً فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم”[55].
وهذا المعنى يقرّب لنا صورة البعث، حيث لا ينعدم بدن الإنسان تمامًا، بل يبقى منه أصل محفوظ، فإذا جاءت إرادة الله عاد إليه كما كان.
ويمكن تشبيه ذلك بالبذرة التي تُدفن في الأرض، فتبدو كأنها انتهت، لكنها في الحقيقة تبقى محفوظة، فإذا نزل عليها الماء نبتت من جديد. فكذلك الإنسان، يُعاد بناء جسده من ذلك الأصل المحفوظ بقدرة الله تعالى.
ثانيًا: إن الإنسان نفسه يمرّ في نشأته الأولى بما هو أعجب من ذلك، فإنه قبل وجوده كان أجزاءً متفرقة في عناصر الطبيعة، ثم اجتمعت هذه الأجزاء بقدرة الله تعالى عبر مراحل متعددة، فصارت نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، حتى تكوّن منها إنسان كامل. بل إن هذه الأجزاء نفسها قد تفرّقت أكثر من مرة قبل أن تستقر في صورتها النهائية، ومع ذلك لم يكن في اجتماعها أدنى استحالة. فإذا كان الله تعالى قد جمع هذه الذرات المتفرقة أول مرة، فلا موجب لاستبعاد جمعها مرة أخرى، بل الإعادة أهون في نظر الإنسان من الابتداء، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله:﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴾[56].
ثالثًا: إن استبعاد إعادة الأجزاء المتفرقة ناشئ من الغفلة عن سعة العلم والقدرة الإلهية، فإن الله تعالى محيط بكل شيء علمًا، لا تغيب عنه ذرة في الأرض ولا في السماء، قال تعالى:﴿ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾[57]، كما أن قدرته مطلقة لا يعجزها شيء، فجمع هذه الذرات مهما تفرقت وتبدلت ليس أمرًا صعبًا بالنسبة إليه، بل هو داخل تحت قدرته المطلقة التي لا حد لها.
رابعًا: إن وقوع الشيء في الخارج أقوى دليل على إمكانه، وقد أخبر القرآن الكريم بوقوع إحياء الموتى في موارد متعددة، منها:
@ قصة أصحاب الكهف
قال تعالى:﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إلى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾[58].
لقد نام أصحاب الكهف سنوات طويلة تجاوزت القرون، ثم استيقظوا وكأنهم لم يناموا إلا ساعات قليلة.
هذا المشهد يضع الإنسان أمام حقيقة عميقة: أن الانتقال من حال إلى حال بعد انقطاع طويل ليس أمرًا مستحيلاً. فالإنسان الذي ينام ثم يستيقظ بعد زمن طويل، هو صورة مصغّرة عن الموت والبعث.
ومن هنا جاء التعقيب القرآني الصريح:﴿ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾[59]، أي أن هذه القصة ليست مجرد حادثة تاريخية، بل دليل على حقيقة القيامة.
@ قصة النبي حزقيل
قال تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إلى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[60].
هذا الرجل تعجّب من إحياء الموتى حين رأى عظامًا متفرقة، فأراد الله أن يجيبه بالفعل لا بالقول فقط. فأماته مائة سنة، ثم أحياه، وأراه بعينه كيف تُجمع العظام المتناثرة، ثم تُكسى باللحم، فتعود حيّة كما كانت.
وهنا يتحول الشك إلى يقين عملي؛ لأن القضية لم تعد فكرة ذهنية، بل مشاهدة حسّية. فالذي جمع هذه العظام بعد تفرقها، قادر بلا شك على جمع الناس يوم القيامة.
@ قصة النبي إبراهيم عليه السلام
قال تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾[61].
طلب إبراهيم عليه السلام أن يشاهد كيفية إحياء الموتى ليزداد اطمئنانًا، فأمره الله أن يذبح الطيور ويُفرّق أجزاءها على الجبال، ثم يدعوها، فعادت حيّة مجتمعة.
هذه القصة تزيل أعظم شبهة في المعاد، وهي: تفرّق الأجزاء.
فالقرآن يبيّن أن تفرّق الجسد لا يمنع من إعادته، لأن الذي خلقه أول مرة، قادر على جمعه مرة أخرى مهما تفرّق.
@ معجزة عيسى عليه السلام
قال تعالى:﴿ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾[62]. لقد أجرى الله على يد عيسى عليه السلام إحياء الموتى أمام الناس، ليكون ذلك دليلاً عمليًا يشاهده الجميع.
فإذا كان الإحياء قد وقع فعلاً في هذه الدنيا، وعلى مرأى من الناس، فكيف يُستبعد وقوعه يوم القيامة؟
إن وقوع الشيء مرة واحدة يكفي لإثبات إمكانه، فكيف إذا تكرر في أكثر من موضع؟
وخلاصة الجواب: إنّ هذه النماذج القرآنية ترسم لنا حقيقة واضحة وهي أن إحياء الموتى ليس أمرًا غريبًا ولا مستحيلاً، بل هو واقع قد تحقّق في الدنيا مراراً.
وأن المعاد ليس إعادةً للمعدوم كما يتوهمون، بل هو إعادة تنظيم لما هو موجود، وجمع لما تفرّق، وقد ثبت إمكان ذلك عقلًا ووقوعه خارجًا، مع قيام الدليل على سعة علم الله تعالى وقدرته، فلا يبقى مجال لاستبعاد البعث أو إنكاره.
@@
السؤال الثاني:
ما هو مصير الأطفال يوم القيامة؟ هل يُحاسبون كما يُحاسب الكبار، أم تشملهم رحمة الله فيدخلون الجنة بدون حساب؟
الجواب:
فيما يرتبط بأطفال المؤمنين، اتفق علماء الإمامية على أنهم في رحمة الله، وأنهم يُلحقون بآبائهم المؤمنين في الجنة. وقد استُدلّ على ذلك بقوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾[63]، حيث تُحمل الذرية على إطلاقها، فتشمل الصغار والكبار، ويؤيده ما ورد في الروايات عن أهل البيت عليهم السلام[64].[65]
كما دلّت بعض الروايات على أن هؤلاء الأطفال يُراعَون بعناية خاصة، ويُربَّون تربيةً ربانية إلى أن يلتحقوا بآبائهم، سواء في البرزخ أو يوم القيامة.
وأما من يتكفّل برعايتهم، فقد وردت روايات على نحوين:
فمنها ما يدل على أن إبراهيم عليه السلام يتكفّل بهم، وتشاركه في ذلك سارة عليها السلام.
ومنها ما يشير إلى أن هذه الرعاية تكون بإشراف فاطمة الزهراء عليها السلام.
وقد جمع العلماء بين هذه الروايات، بأن تكون الرعاية موزعة، أو يكون الإشراف لفاطمة عليها السلام، مع قيام غيرها بمهمة التربية[66].
ومن أصدق الشواهد التي تُقرّب هذا المعنى إلى القلوب، ما وقع عند وفاة إبراهيم بن محمد صلى الله عليه وآله، من زوجته مارية القبطية. حيث توفّي في اليوم الثامن عشر من شهر رجب، وقيل في آخر يوم من شهر شوال في السنة العاشرة للهجرة[67]، وكان عمره سنةً وعشرة أشهر.
فقد رُوي عن أسماء بنت يزيد، أنها قالت: لمّا توفّي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله إبراهيم، بكى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له المعزّى: أنت أحقّ من عظّم الله حقّه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الربّ، ولولا أنّه وعد حقّ، وموعود جامع، وأنّ الآخر للأوّل تابع، لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل ممّا وجدناه، وإنّا بك لمحزنون[68].
فهنا يظهر بوضوح أن الإيمان بالمعاد لا يمنع الحزن، لكنه يضبطه ويمنحه أفقًا أوسع، لأن المؤمن يعلم أن الفراق ليس نهاية، بل هو انتقال إلى رحمة الله.
ورُوي أيضًا عن ابن عبّاس قال: كنتُ عند النبي صلى الله عليه وآله وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي عليهما السلام، وهو تارةً يقبّل هذا، وتارةً يقبّل هذا، إذ هبط جبرائيل بوحي من ربّ العالمين، فلمّا سُرِّي عنه قال صلى الله عليه وآله: أتاني جبرائيل من ربّي فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرأُ عليك السلام ويقول: لستُ أجمعهما لك، فافْدِ أحدهما بصاحبه. فنظر النبي صلى الله عليه وآله إلى إبراهيم فبكى، ونظر إلى الحسين فبكى، وقال: “إنّ إبراهيم أُمّه أمةٌ ومتى مات لم يحزن عليه غيري، وأمّ الحسين فاطمةٌ، وأبوه عليّ ابن عمّي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمّي وحزنتُ أنا عليه، وأنا أوثر حزني على حزنهم”، قال: فقبض بعد ثلاث.
فكان النبي صلى الله عليه وآله إذا رأى الحسين قبّله وضمّه إلى صدره، ورشف ثناياه وقال صلى الله عليه وآله: “فديتُ من فَديتُه بابني إبراهيم”[69].
إنّ النبي صلى الله عليه وآله قد اختار ما يرضي الله، وآثر بقاء الحسين لما له من دور في حفظ الدين… فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد قدّم ابنه إبراهيم فداءً للحسين، فإن الحسين عليه السلام يوم عاشوراء قد قدّم في سبيل الله كلَّ أهل بيته وأصحابه، حتى أولاده، بل حتى رضيعه عليّ الأصغر عليه السلام.
يا ترى كيف قدّم الطفل الرضيع؟ وكيف قتلوه؟
رُوي أن الحوراء جاءت به إلى أخيها الحسين عليه السلام تحمله فدفعته إليه وهي باكية وقالت: أخي خذ طفلك. قيل: فأجلسه في حجره يقبله، ويقول: بُعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدك المصطفى خصمهم. ثم أتى به نحو القوم يطلب له الماء قائلا:
يا قوم قد قتلتم إخوتي، وأولادي، وأنصاري، وما بقي غير هذا الطفل، وهو يتلظى عطشا من غير دنب أتاه إليكم فاسقوه شربة من الماء. فاختلف العسكر فيما بينهم، فمنهم من قال: إذا كان ذنب للكبار فما ذنب هذا الطفل؟ ومنهم من قال: أقتلوه ولا تبقوا لأهل هذا البيت باقية.
فلما رأى ابن سعد ذلك صاح بحرملة: ويلك يا حرملة اقطع نزاع القوم، قال: فما أصنع؟ قال: ارم الطفل بسهم، قال حرملة: فرأيت رقبته تلمع على عضد أبيه الحسين عليه السلام، فرميت الطفل بسهمي، فذبحته من الوريد إلى الوريد فلما أحس الطفل الرضيع بحرارة السهم أخرج يديه من القماط واعتنق أباه، وجعل يرفرف كالطير المذبوح.
فملأ الحسين كفه من دمه، ورمى به نحو السماء، قائلا: اللهم لا يكن أهون عليك من فصيل ناقة صالح[70].[71]
(نصاري)
| تلگَّه احسين دم الطفل بيده | اشحاله اليچتل ابحضنه اوليده | |
| سال او ترس كفه من وريده | او ذبَّه للسمه او للارض ما خرَ | |
| اشلون احسين يوم الطفل عنده | عبد الله انذبح من فوگ زنده | |
| ظل محتار بيه احسين وحده | يدفنه لو يجيبه للصواوين | |
| على خدِّ الطفل سالت دمعته | اشيگل العمِّتَه اشيعتذر لخته | |
| كف ايده انترس من دم رگبته | ذبه للسما او ظل بالسمه اسنين | |
| نظر طفله او رگبته اشلون مالت | حنِّ او دمعته امن العين سالت | |
| يبويه من السهم روحك اشگالت | ذبح او عطش بويه ضگت الاثنين[72] |
[1] المؤمنون/ 115.
[2] الزخرف /22.
[3] الكافي-الكليني-ج1-ص183.
[4] نهج البلاغة-شرح ابن أبي الحديد-ج 18-ص 322.
[5] الحديد/ 4.
[6] المدثر/ 38.
[7] الزلزلة/ 7.
[8] النازعات/ 40–41.
[9] القصص/ 60.
[10] الحياة الآخرة – دروس في المعاد والآخرة-مركز نون للتأليف والترجمة-ص19-26-بتصرف.
[11][11] القيامة: 5.
[12] تاريخ دمشق-ابن عساكر-ج2-ص160.
[13] المطففين/ 1-4.
[14] آل عمران/ 169.
[15] النحل/ 90.
[16] القصص/ 83.
[17] البقرة/ 272.
[18] الماعون/ 1–2.
[19] ويكيبيديا العربية، «المعاد عند الاثني عشرية»، الموسوعة الحرة، تاريخ الاطلاع: 25 أبريل 2026، الرابط: https://ar.wikipedia.org/wiki/المعاد_عند_الاثني_عشرية-بتصرف.
[20] البراهين القاطعة في شرح العقائد الساطعة-محمد جعفر الاسترآبادي-ص216-218-بتصرف.
[21] يس/ 79
[22] العاديات/ 9
[23] يس/ 51.
[24] شرح نهج البلاغة-ج 6 -ص 249.
[25] المصدر السابق-ج7 -ص 201.
[26] المصدر السابق-ج10 -ص 122.
[27] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / المعاد/ المعاد الجسماني.
[28] الصور: هو القرن الي ينفخ فيه اسرافيل عليه السلام عند بعث الموتى إلى المحشر، عن علي بن الحسين عليه السلام: ((للصور رأس واحد وطرفان، وبين طرف رأس كل منهما إلى الآخر مثل ما بين السماء إلى الأرض… قال: فينفخ (اسرافيل عليه السلام) فيه نفخة فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الأرض فلا يبقى في السماوات ذو روح إلا صعق ومات إلا إسرافيل، قال: فيقول الله لإسرافيل: يا إسرافيل مُت، فيموت إسرافيل…) الحديث.
[29] إنّ الأحكام الفقهية كثيرة ومتفرعة وتحتاج إلى علم واسع، لذلك يرجع الناس فيها إلى العلماء المتخصصين بالتقليد، كما يرجع المريض إلى الطبيب، وهذا ليس تقليدًا أعمى، بل رجوع إلى أهل الخبرة.
[30] راجع: زاد المبلغات-مياسة شبع-ج2-المحاضرة الأولى. وال جزء3-المحاضرة الثانية.
[31] راجع: زاد المبلغات-مياسة شبع-ج10-بعنوان ضرورة بعثة الأنبياء.
[32] مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/ الاستفتاءات/ التقليد.
[33] المؤمنون/ 115.
[34] المدثر/ 38.
[35] الملك/ 2.
[36] الأنعام/ 164
[37] السجدة/ 11.
[38] دروس في العقيدة الإسلامية-إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية-ص231-235-بتصرف.
[39] الفجر/ 27–28.
[40] البلد/4.
[41] الحجر/ 48.
[42] مصباح الشريعة-منسوب لإمام الصادق ع-ص115.
[43] فهم القرآن دراسة على ضوء المدرسة السلوكية-جواد علي كسار-ص687-688-بتصرف.
[44] الحج/ 5–6.
[45] الواقعة/ 62.
[46] الروم/ 11.
[47] الروم/ 50.
[48] غافر/ 57.
[49] يس/ 81.
[50] لقمان/ 28.
[51] القيامة/ 3–5.
[52] الحياة الآخرة – دروس في المعاد والآخرة-مركز نون للتأليف والترجمة-ص34-بتصرف.
[53] الكافي-الكليني-ج 3 -ص 251-ح7.
[54] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / الخلق والخليقة/ لا تعارض بين روايات الطينة مع قوله تعالى (كلّ مَنْ عَلَيْهَا فَان).
[55] أمالي الصدوق-الصدوق-ص 243.
[56] الواقعة/ 62.
[57] الطلاق/ 12.
[58] الكهف/ 10-12.
[59] الكهف/21.
[60] البقرة/ 259.
[61] البقرة/ 260.
[62] آل عمران/ 49.
[63] الطور/21.
[64] راجع: من لا يحضره الفقيه-الشيخ الصدوق-ج3-ص490.
[65] موقع سماحة الشيخ حسين الخشن/ al-khechin.com/ مقالات/ عقائدية/ مصير الأطفال يوم القيامة (1) -بتصرف.
[66] مركز الأبحاث العقائدية/ aqaed.net/ الأسئلة والأجوبة العقائدية / المعاد/ من يرعى الاطفال بعد موتهم؟ -بتصرف.
[67] شبكة المعارف الإسلامية/ almaaref.org/ محطات إسلامية/ مناسبات الأشهر الهجري/ شوال/ مناسبات شهر شوال.
[68] مناقب آل أبي طالب-ابن شهر آشوب-ج2-ص235.
[69] م.ن.
[70] نفس المهموم-عباس القمي-ص349.
[71] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج2-ص21-22.
[72] م.ن-ص22.
